من أزمة تنموية إلى تهديد وجودي.. خريطة الصراعات المائية القادمة في الشرق الأوسط

المياه ليست مجرد مورد حيوي؛ إنها شريان الحياة في العالم؛ إلا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تُعَدُّ الأفقر مائيًّا في العالم، فبينما تضم هذه المنطقة نحو 6% من سكان العالم، لا تمتلك سوى أقل من 2% من موارد المياه العذبة المتجددة، وهذه النسبة في تناقص وهو خلل يهدد مستقبل شعوب المنطقة في ظلّ تغير المناخ المتسارع، والنمو السكاني المُطَّرِد، والصراعات الجيوسياسية المتصاعدة، تتحول أزمة المياه من تحدٍّ تنموي إلى تهديد وجودي يلوح في الأفق، متجاوزة حدود السياسة إلى صميم الأمن القومي، ولذلك يتناول هذا التقرير أبرز ملفات المياه في المنطقة: سد النهضة الإثيوبي على النيل، والمشاريع التركية على دجلة والفرات، وندرة المياه في الأردن ودول الخليج، محاولًا الإجابة عن سؤال محوري: هل يمكن أن تكون المياه سببًا لحروب فعلية في المستقبل، أم أَنَّ الدبلوماسية والمصالح المشتركة والتكنولوجيا قادرة على تجنيب المنطقة هذا المصير؟
سد النهضة وأطماع إثيوبيا:
يُعَدُّ سد النهضة أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، بتكلفة تجاوزت 5 مليارات دولار، دون أدنى استفادة من طاقته الكهربائية إلى الآن، وقد دُشِّن رسميًّا في سبتمبر 2025م، لكن تدشينه جاء بعد أكثر من عقد من المفاوضات المتعثرة التي فشلت في الوصول إلى اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل السد؛ بالنسبة لمصر، التي تعتمد على النيل في نحو 97% من احتياجاتها المائية، يُمَثِّل السد تهديدًا وجوديًّا يَمَسُّ أمنها المائي والغذائي بشكل مباشر، بسبب عدم تنظيم تشغيل توربينات السد أو تنسيق مواقيت وكميات مرور المياه، في حين أعرب السودان مرارًا عن مخاوفه المتعلقة بأمنه المائي وسلامة السد نفسه، خوفًا من انهياره أو تداعيات تشغيله في منشآته، وفي المقابل، ترى إثيوبيا في السد رمزًا للسيادة الوطنية وأداةً للتنمية، إذ يُتَوَقَّع أن يضاعف قدرتها على توليد الكهرباء، وسلاحًا للمقايضة وتحقيق أطماعها، غير أَنَّ الجمود التفاوضي يظل السمة الغالبة، إذ تواصل مصر والسودان رَفْض أي إجراءات أحادية من جانب إثيوبيا فيما يتعلق بملء وتشغيل السد ومرور المياه، وتطالبان بالتوصل إلى اتفاق ثلاثي قانوني ملزم، بينما تواصل إثيوبيا التعنت فيما يخص تشغيل السد، وتتلاعب بإطلاق المياه دون مراعاة لدول المصب، وهو ما تسبب في فيضان قوي تأثر به السودان بشدة ونجت منه مصر بفضل استعداداتها، وفي يناير 2026م، عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا، مؤكدًا أَنَّه "لا دولة في هذه المنطقة يجب أن تسيطر بشكل أحادي على الموارد الثمينة لنهر النيل"، لكن محاولات الوساطة السابقة التي قادتها الولايات المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الإفريقي وروسيا والإمارات قد فشلت جميعها خلال العقد الماضي، مما يُرَجِّح استمرار التوتر بوصفه واقعًا مفروضًا في غياب أفق تفاوضي واضح.
وإذا كانت إثيوبيا قد راهنت على سد النهضة بوصفه أداةً للضغط الإقليمي، فإن تصريحات مسؤوليها في أعقاب افتتاح السد كشفت عن نوايا أوسع وأخطر مما كان متوقعًا؛ ففي أغسطس 2026م، صرّح وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا بأن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، مؤكدًا عزمهم المضي قُدُمًا في بناء سدود جديدة على النيل، مبررًا ذلك بما زعم أنه "الاستخدام العادل لمياه النيل وتحقيق التنمية المستدامة". وهذا الإعلان الصريح عن النية في التحكم بمجرى نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة، لم يعد مجرد خلاف فني حول جداول الملء والتشغيل، بل تحول إلى مشروع إستراتيجي لفرض الهيمنة المائية على حساب دول المصب، وليس الأمر مجرد تصريحات نظرية، فقد كشفت دراسات علمية من جامعة نيوكاسل البريطانية أَنَّ بناء سدين إضافيين خلف سد النهضة يمكن أن يرفع إنتاج الطاقة الكهرومائية بنسبة 50%، لكنه في حال اقترانه بسحب مياه للري -وهو ما تلمح إليه التصريحات الإثيوبية- سيُؤَدِّي إلى خفض التدفق الخارج من خزان السد العالي في مصر بنحو 3.3%، أي حوالي 1.8 مليار متر مكعب سنويًّا، وهو ما يُتَرْجَم عمليًّا إلى "قطع الحياة" عن مصر والسودان. وقد عبّر خبراء عن أَنَّ السماح بإنشاء سدود أخرى يعني "قطع الحياة" عنهما، واصفين السيناريوهات الإيجابية التي تتحدث عنها بعض الدراسات بأنها "سيناريوهات المدينة الفاضلة" التي تصطدم بواقع أليم ظهر جليًّا في تجربة سد النهضة المريرة، ويذهب الخبراء إلى أَنَّ إقدام إثيوبيا على إنشاء سدود جديدة خلف سد النهضة، يجعل من السد "محبسًا" حقيقيًّا للمياه يُسْتَخْدَم بوصفه سيفًا على رقاب المصريين، في مشهد يعيد إلى الأذهان أَنَّ ما يحدث ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو إمعان في نهج أحادي ينتهك بشكل صارخ القانون الدولي، ويسعى لتحقيق أطماع وأجندات إقليمية ودولية.
وفي المقابل: لم تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام هذه النوايا التوسعية، بل لجأت إلى إستراتيجية دفاعية متعددة المسارات أنقذتها من تداعيات بناء سد النهضة على النحو الآتي:
- ففي المقدمة يأتي السد العالي والذي أثبت مجددًا قيمته الإستراتيجية في مواجهة التغيرات الهيدرولوجية العنيفة، بعدما تمكن السد العالي من إنقاذ مصر من فيضان مدمر كان سيهدد أراضيها ومنشآتها، في وقت كانت فيه إثيوبيا تبدأ خطة لإغراق مصر والسودان عبر التلاعب بتدفقات سد النهضة.
- ولم تقتصر الاحتياطات المصرية على السد العالي، بل امتدت إلى سلسلة من المشروعات الداخلية التي تعكس إستراتيجية متكاملة لتعزيز الصمود المائي؛ فمصر باشرت في مشروعات توسيع وتبطين الترع، وتقوية القناطر والحواجز المائية، وترميم السد العالي بشكل مستمر للحفاظ على كفاءته.
- كما بنت مشروعات في الصحراء لتعزيز قدرتها على تخزين المياه وتوزيعها بكفاءة أكبر.
- والأهم من ذلك، أَنَّ مصر تحركت دبلوماسيًّا لإحياء "مبادرة حوض النيل" وإعادتها إلى قواعدها التوافقية، وهي مساعٍ ترتكز على رؤية تقوم على مبادئ "الإجماع، والإخطار المسبق، وعدم الضرر" عند التعامل مع المشاريع المائية على نهر النيل.
هذه الاحتياطات المصرية -الهندسية والدبلوماسية- شَكَّلَت شبكة أمان حالت دون تحوّل أزمة سد النهضة إلى كارثة إنسانية فورية، وأثبتت أَنَّ التخطيط الإستراتيجي طويل المدى هو السلاح الأنجع في مواجهة المشاريع الأحادية التي تسعى إلى تغيير جغرافية النهر لصالح دولة على حساب أخرى، كما لدى مصر أسلحة أخرى تجنبها المواجهة العسكرية، وهي محاربة أطماع إثيوبيا في الصومال وإريتريا بمساعدة البلدين عسكريًّا واستخباراتيًّا ولوجستيًّا، وهو ما يحدث بالفعل، كذلك دعم الجيش السوداني، وبعض جبهات تيجراي العسكرية التي تقطن جنوب دولة السودان، علاوة على مساعدة مصر عدة دول في بناء سدودها في دول حوض النيل مثل تنزانيا.
غير أَنَّ أزمة سد النهضة ليست سوى قمة جبل الجليد في الملف المائي الإفريقي، إذ تمتد القارة عبر 63 حوضًا نهريًّا وبحيريًّا عابرًا للحدود، تُوَفِّر نحو 90% من موارد المياه السطحية للقارة وتغذي أكثر من 1.4 مليار نسمة، مما يجعل أي خلل في أحدها يهدد استقرار دول متعددة في آنٍ واحد، فإلى جانب حوض النيل، تشهد أحواض رئيسة أخرى مثل الكونغو والنيجر وزامبيزي وبحيرة تشاد تنافسًا متزايدًا على الموارد في ظل موجات الجفاف المتكررة والتوسع الزراعي والصناعي، وسط غياب أطر قانونية ملزمة لتقاسم المياه، وهو ما يحوّل هذه الأحواض إلى مناطق توتر كامن.
كما أَنَّ الصراع لا يقتصر على الأنهار السطحية، بل يمتد إلى الطبقات الجوفية العابرة للحدود التي تُشَكِّل مخزونًا إستراتيجيًّا للعديد من الدول؛ إذ أدركت كل من تونس وليبيا والجزائر خطورة استنزاف هذه الخزانات المشتركة، فَوَقَّعَت في إبريل 2026م اتفاقًا ثلاثيًّا لإدارة مياهها الجوفية المشتركة، في اعتراف صريح بأن نضوب هذه المخزونات قد يثير نزاعات جديدة لا تقل خطورة عن تلك التي تنشأ على الأنهار، وفي ظل هذه التحديات المتراكمة، يُقَدَّر أَنَّ نحو 411 مليون شخص في إفريقيا، أي ثلث سكان القارة، يفتقرون إلى خدمات مياه الشرب الأساسية، مما يجعل القارة ساحة خصبة لتوترات مائية قد تنفجر في أي لحظة إذا لم يُسَارِع المجتمع الدولي إلى دعم آليات الحوكمة الرشيدة للمياه وتعزيز التعاون الإقليمي قبل فوات الأوان.
مشاريع تركيا المائية على دجلة والفرات:
على الجانب الآخر من المنطقة، يُشَكِّل نهرا دجلة والفرات، اللذان ينبعان من شمال تركيا ويتدفقان جنوبًا عبر سوريا والعراق، شريان حياة حيوي للعراق الذي يعاني حاليًّا من أسوأ موجة جفاف منذ عقود، ففي عام 2025م، سجّل العراق أشد عام جفافًا منذ عام 1933م، مع انخفاض منسوب المياه في دجلة والفرات بنسبة تصل إلى 27% نتيجة لضعف الأمطار والقيود من المنبع، ما أَدَّى إلى تراجع الاحتياطيات المائية في البلاد من 60 مليار متر مكعب في عام 2020م إلى أقل من 4 مليارات حاليًّا، وهو انهيار مائي غير مسبوق، كما تصنف الأمم المتحدة العراق ضمن أكثر خمس دول في العالم عرضة لتغير المناخ، حيث تتجاوز درجات الحرارة في الصيف 50 درجة مئوية، وقد اتهمت بغداد مرارًا السدود التركية بتقييد تدفق المياه، بينما ترى أنقرة أَنَّ ممارسات الري القديمة في العراق تهدر الموارد الشحيحة.
وليس العراق وحده المتضرر من سياسات المنبع على دجلة والفرات، بل إن سوريا، بوصفها دولة مصب مباشر على نهر الفرات، تعيش أزمة موازية لا تقل خطورة، وإن كانت أقل حضورًا إعلاميًّا، ففي مايو 2026م، أعلنت وزارة الطاقة السورية تجاوز المناطق المحيطة بسد الفرات "مرحلة الخطر" بسبب الانخفاض الحاد في الواردات المائية من الجانب التركي، وهو ما اضطر السلطات إلى إغلاق بوابة المفيض رقم 4، مما خفض كمية المياه الممررة عبر السد إلى 1400 متر مكعب في الثانية فقط، في إجراء تشغيلي قاسٍ يعكس عُمْق الأزمة ويعني عمليًّا حرمان مساحات شاسعة من حصتها المائية التاريخية، وتتضاعف معاناة سوريا بسبب تدمير النزاعات الداخلية المتواصلة للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، حيث أصبحت المياه سلاحًا مزدوجًا مرة بالحرمان من المنبع، ومرة بتدمير البنى من الداخل.
غير أنه في خطوة لافتة ومفاجئة، وقّعت تركيا والعراق في نوفمبر 2025م اتفاقية "تاريخية" لإدارة مواردهما المائية المشتركة، وصفها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنها "مُهِمَّة وتاريخية من نوعها"، عَادًّا إياها "أكبر استثمار في البنية التحتية في تاريخ العراق"، وتضمنت هذه الاتفاقية آلية تنفيذية لخطة إدارة مدتها 10 سنوات للموارد المائية لدجلة والفرات، تشمل:
- ضمان استدامة إطلاق المياه في النهرين.
- إطلاق مشاريع مشتركة لتحديث وتطوير البنية التحتية.
- إضافة إلى تمويل المشاريع المائية العراقية عبر شركات تركية باستخدام الإيرادات النفطية، في صفقة تجمع المصالح السياسية والاقتصادية.
ورغم هذا التقدم، يبقى السؤال الأهم عالقًا: هل ستلتزم تركيا فِعْلِيًّا بزيادة إطلاق المياه إلى 420 مترًا مكعبًا في الثانية كما وعدت، وما مدى قدرة الاتفاق على الصمود في وجه تغير المناخ والضغوط الديموغرافية التي لا هوادة فيها، خاصة في ظل الجفاف المزمن الذي يجعل أي وعود مائية مرهونة بغزارة الهطول وليس فقط بحسن النوايا؟ والأكثر إثارة للقلق، أين تبقى سوريا من هذه المعادلة الثنائية، وهل ستُتْرَك وحدها تواجه تبعات سياسات المنبع دون أي ترتيبات مماثلة تحمي حصتها المائية المهددة؟
أزمة مائية بالأردن:
يُعَدُّ الأردن واحدًا من أفقر دول العالم مائيًّا، وهو ما يظهر جليًّا في الأرقام الصادمة التي وضعته على حافة الهاوية، حيث انخفض نصيب الفرد السنوي من المياه إلى ما دون 60 مترًا مكعبًا لجميع الاستخدامات، وهو مستوى يقل كثيرًا عن خط الفقر المائي الذي حددته الأمم المتحدة بـ 500 متر مكعب للفرد سنويًّا، ولا يتجاوز بالكاد احتياجات الشرب الأساسية، وبحسب البنك الدولي، تتوفر في الأردن 84 مترًا مكعبًا فقط من المياه المتجددة للفرد سنويًّا، وهو ما يجعل الأردن بين الدول الأكثر هشاشة مائيًّا في العالم، ويواجه أزمة معقدة تتشابك فيها الضغوط السكانية الناجمة عن موجات اللجوء المتتالية، وتغير المناخ الذي يضرب الموسم المطري، وزيادة الفاقد المائي في شبكاتها القديمة، بالإضافة إلى الأزمات الإقليمية التي أَثَّرَت في الأمن الغذائي والاقتصادي وزادت من الطلب على المياه.
وفي مواجهة هذه الأزمة الوجودية، يُعَدُّ "مشروع الناقل الوطني للمياه" (ناقل العقبة - عمان) أولوية أمنية وطنية إستراتيجية لا غنى عنها، إذ يهدف إلى تحلية 300 مليون متر مكعب من مياه البحر سنويًّا من خليج العقبة ونقلها إلى مختلف محافظات المملكة، في مشروع هندسي ضخم من شأنه أن يخفف العبء عن خزانات المياه الجوفية المهددة بالنضوب، وحظي المشروع بدعم دولي كبير، حيث وقّع الأردن سلسلة اتفاقيات تمويل دولية ومنحًا بقيمة تقارب 233 مليون دولار، بالإضافة إلى تمويل هولندي بقيمة 100 مليون يورو وقروض إيطالية بقيمة 50 مليون يورو، ومن المقرر أن تبدأ أعمال التنفيذ قريبًا، على أن تستمر أربع سنوات تليها فترة تشغيلية مدتها 26 عامًا، لتكون شريان حياة جديدًا في العقود المقبلة.
دول الخليج وتحلية المياه:
تستضيف دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 60% من طاقة التحلية العالمية، وتدير أكثر من 400 محطة تحلية، مما يجعلها المعقل العالمي لهذه الصناعة الحيوية، لكن هذا الاعتماد يصل إلى مستويات مذهلة تتباين بين دولها بشكل لافت؛ إذ تصل النسبة إلى 100% في قطر، و95% في البحرين (التي تعتمد عليها بنسبة 100% في مياه الشرب منذ عام 2016م)، و90% في الكويت، و86% في سلطنة عُمان، و70% في السعودية، وأكثر من 40% في الإمارات، وهي أرقام تعكس تحولًا إستراتيجيًّا في مفهوم الأمن المائي من الموارد الطبيعية إلى الموارد المصنّعة، وتُعَدُّ السعودية أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، بإنتاج يبلغ حوالي 5.6 مليون متر مكعب يوميًّا، واستثمارات تجاوزت 80 مليار دولار في مشاريع جديدة، سعيًا لتأمين احتياجاتها المتزايدة. لكن هذا الاعتماد المفرط حوّل محطات التحلية من منشآت خدمية إلى نقطة ضعف إستراتيجية بالغة الخطورة، وهو ما تجسد بوضوح في الحرب الأمريكية-الإيرانية التي اندلعت في فبراير 2026م، حين تجاوز الصراع العتبة الخطيرة وأصبحت البنية التحتية المائية، بما فيها محطات التحلية، هدفًا مباشرًا للضربات العسكرية، ففي 7 مارس 2026م، تعرضت محطة تحلية كبيرة في جزيرة قشم الإيرانية لقصف أَدَّى إلى توقفها بالكامل، ما أَثَّر في إمدادات المياه لـ 30 قرية، وفي 30 مارس، تعرضت محطات تحلية في الكويت للهجوم مجددًا مع سقوط قتيل، كما تعرضت منشآت في البحرين والإمارات لأضرار، في مشهد يكشف هشاشة البنى التحتية الحيوية، حيث أصبحت الخزانات والأنابيب والمحطات في مرمى النيران بوصفها كأي هدف عسكري إستراتيجي.
تغير المناخ وإعادة تشكيل الجغرافيا:
يُؤَدِّي تغير المناخ إلى إعادة تشكيل المشهد الهيدرولوجي في الشرق الأوسط بطرق عميقة وقد يكون لا رجعة فيها، محولًا النمط التاريخي للأمطار والفيضانات إلى فوضى من التطرف والندرة، فمنذ شتاء 2020/2021م، تعاني منطقة غرب آسيا، بما في ذلك الهلال الخصيب حول دجلة والفرات وإيران، جفافًا استمر خمس سنوات متتالية، وهو أطول موجة جفاف تشهدها المنطقة في العصر الحديث، وتشير الدراسات إلى أَنَّ تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية زاد من خطر الجفاف بأكثر من 10 أضعاف في المنطقة، مما يجعل هذه الظاهرة غير المسبوقة نتيجة مباشرة لانبعاثات الكربون وليس مجرد تقلب طبيعي، وفي سوريا المجاورة، انخفضت الأمطار بنحو 70%، ما أَدَّى إلى تعطيل 75% من الأراضي الزراعية المعتمدة على الأمطار، مع فجوة في إنتاج القمح بلغت 2.73 مليون طن، مما أَثَّر في الأمن الغذائي الإقليمي بأكمله.
وتشير توقعات معهد الموارد العالمية إلى أَنَّ 100% من سكان المنطقة قد يتعرضون لضغط مائي حاد بحلول عام 2050م، مع احتمال انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى النصف بحلول ذلك التاريخ بسبب النمو السكاني وارتفاع الطلب، في مشهد قاتم يجعل ندرة المياه سمة ديموغرافية ثابتة، كما ترتفع درجات الحرارة في المنطقة بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، وتتناقص احتياطيات المياه الجوفية بسرعة خطيرة نتيجة للسحب الجائر، وفي العراق وحده، يتسبب الجفاف وتملح التربة في فقدان 25 ألف هكتار من الأراضي الزراعية سنويًّا، أي أَنَّ المناخ لا يسرق الأمطار فحسب، بل يقتل الأراضي الخصبة ويحولها إلى صحارى قاحلة.
هل يمكن أن تكون المياه سببًا لحروب فعلية؟
ما كان يُعَدُّ ذات يوم سيناريو نظريًّا أصبح حقيقة قاسية على الأرض، ففي عام 2024م، سجّل معهد المحيط الهادئ 420 حادثة عنف مرتبطة بالمياه عالميًّا، بزيادة 20% عن عام 2023م و78% عن عام 2022م، بينما لم يتم توثيق سوى 24 حادثة فقط في عام 2000م، وهذا التصاعد الهندسي يكشف بوضوح أَنَّ المياه تتصدر أجندة الصراعات العالمية، كما يتفق الخبراء على تصنيف العنف المرتبط بالمياه في ثلاث فئات رئيسة: استخدام المياه بوصفها سلاحًا مباشرًا، أو تضرر البنية التحتية المائية بوصفها نتيجةً ثانويةً للصراع، أو النزاعات على المياه بوصفها سببًا مباشرًا للعنف، وكل هذه الفئات أصبحت حاضرة في الشرق الأوسط.
في حين أظهرت الحرب الأخيرة في الخليج أَنَّ البنية التحتية المائية أصبحت هدفًا إستراتيجيًّا في الحرب الحديثة، وفي منطقة تعتمد على المياه المصنّعة، فإن محطات التحلية ليست مجرد منشآت تقنية، بل جزء من "بنية البقاء" في المنطقة، وهو ما دفع كارنيغي إندومنت إلى التأكيد على أَنَّ "الضعف البيئي والتصعيد العسكري لم يعودا أزمتين متوازيتين: إنهما أصبحا مندمجين في ساحة معركة واحدة"، حيث لا يمكن الفصل بين الحرب على الأرض والحرب على الموارد، وقد حذّر خبير في المياه من جامعة الأمم المتحدة من أَنَّ "محطات التحلية تُوَفِّر ما بين نصف الإمدادات المائية الوطنية إلى ما يقرب من 90% في بعض دول الخليج، وعندما تتعرض البنية التحتية التي تولد إمدادات المياه للضرر وتتوقف عن العمل، فإن ذلك يعني وضعًا خطيرًا للغاية".
وبالنظر إلى المستقبل، فهناك أربعة سيناريوهات رئيسة لمستقبل الصراع على المياه في المنطقة:
- أولها: السيناريو المتصاعد، والذي يعني استمرار تسليح المياه في الصراعات القائمة مع تحول البنية التحتية المائية إلى أهداف عسكرية مشروعة في نظر الأطراف المتحاربة، مما يُؤَدِّي إلى أزمات إنسانية متتالية تنهار معها كل قواعد الاشتباك الإنسانية.
- وثانيها: سيناريو الدبلوماسية المائية، عبر تعزيز آليات التعاون الإقليمي كما حدث في اتفاق تركيا - العراق، أو عبر مبادرات مثل: "السلام الأزرق في الشرق الأوسط" التي تهدف إلى تحويل المياه من مصدر محتمل للصراع إلى أداة للتعاون المشترك، وهو مسار طموح لكنه يتطلب إرادة سياسية نادرة.
- وثالثها: سيناريو التكيف التكنولوجي، عبر الاستثمار الهائل في تحلية المياه بالطاقة المتجددة، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتقنيات الري الحديثة التي تقلل الهدر، مع إدراك أَنَّ الحلول التكنولوجية وحدها قد لا تكفي في غياب التعاون السياسي، فالتكنولوجيا تحل مشكلة الكمية لكنها لا تحل مشكلة التوزيع والثقة بين الدول.
- ورابعها: أنه قد لا تكون المياه هي الباعث المباشر للحرب، بل تُسْتَخْدَم بوصفها ورقة ضغط وابتزاز في سياق نزاعات جيوسياسية أوسع، كما حدث في الحرب الأمريكية-الإيرانية حين تحولت محطات التحلية إلى أهداف عسكرية في صراع لم يكن قائمًا على الماء في الأصل، وهذا يعني أَنَّ أمن المياه لن يكون مستقلًّا عن بقية الصراعات في المنطقة، بل سيظل رهينًا بالتحولات السياسية والعسكرية الأكبر.
غير أن أخطر تداعيات الصراع المائي قد لا تكون حروبًا بالمعنى التقليدي، بل موجات نزوح جماعي تطال الملايين وتفكك المجتمعات من داخلها، فالجفاف المزمن وتملح التربة وانحسار الأراضي الزراعية أصبحت تدفع بالفعل سكان الريف في العراق وسوريا واليمن إلى النزوح نحو المدن أو عبور الحدود بحثًا عن المياه والغذاء، وإذا استمرت هذه الموجات في التصاعد، فلن يكون التحدي مائيًّا أو زراعيًّا فحسب، بل سيتحول إلى أزمة وجودية تطال النسيج الاجتماعي، وتُحْدِث توترات حدودية وسياسية قد تفوق في شراستها أي حرب تقليدية على الموارد.
كيف ستتفاوض الدول على موارد المياه؟
تشهد المنطقة اليوم عدة نماذج للتفاوض والتعاون تتنوع بين الثنائي والدولي والمؤسسي والاقتصادي؛ فالنموذج الثنائي يتضح في اتفاق تركيا-العراق، حيث يتم التفاوض على حصص مائية محددة ومشاريع مشتركة تربط المصالح، بينما يظهر نموذج الوساطة الدولية في محاولات الوساطة الأمريكية بشأن سد النهضة، والنموذج المؤسسي في مبادرات مثل مبادرة حوض النيل ومنظمة المياه العالمية التي أطلقتها السعودية لتوفير إطار جماعي للحوار، وأخيرًا النموذج الاقتصادي الذي يبرز في مشاريع "النفط مقابل الماء" أو تبادل الطاقة المتجددة مقابل المياه المحلاة، سعيًا لجعل المياه سلعة تفاوضية وليست سلاحًا.
لكن طريق التفاوض يبقى محفوفًا بالعقبات الجوهرية، أبرزها فارق القوة حيث تملك دول المنبع (تركيا، إثيوبيا) اليد العليا في التحكم بالتدفقات، مما يخلق علاقة قوة غير متوازنة، كما أَنَّ السيادة الوطنية غَالِبًا ما تُسْتَخْدَم بوصفها ورقةً قوميةً تمنع التسوية وتجعل أي تنازل مائيًّا يبدو مساسًا بالكرامة الوطنية، ويزيد تغير المناخ من تعقيد المشهد، إذ يجعل التدفقات غير متوقعة ويقوض أي اتفاقية تعتمد على كميات ثابتة، في حين يزيد النمو السكاني الطلب باستمرار، مما يجعل أي اتفاقية مؤقتة بطبيعتها وعرضة للانهيار مع كل موجة جفاف جديدة، إِلَّا أَنَّ بعض المؤشرات توضح إمكانية تطوير "دبلوماسية مائية" أكثر فاعلية، فقد أظهرت الدراسات أَنَّ انعدام الأمن المائي الناجم عن تغير المناخ هو من القضايا القليلة في الخليج التي تُوَفِّر أرضيةً وتعاونًا مشتركًا بغض النظر عن الانتماء السياسي، ويفتح الباب أمام حوار شامل يتجاوز جداول الحصص إلى إدارة مشتركة للأخطار.
الخلاصة:
تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على مفترق طرق مصيري وحساس، فمن ناحية، تلوح في الأفق حروب مائية حقيقية، كما أظهرت الهجمات على محطات التحلية في الخليج، ومن ناحية أخرى، تبرز فرص للتعاون غير المسبوق، كما في اتفاق تركيا-العراق، وكأن المنطقة تُمَزَّق بين غريزة الصراع ومنطق البقاء المشترك، فإن إدراك أَنَّ الحرب تقوم جزئيًّا على التدهور البيئي بات شرطًا أساسيًّا لتوفير استجابات استقرار فعالة وسريعة؛ فالاستجابات التي تعالج الحرب بوصفها حدثًا سياسيًّا أو عسكريًّا بحتًا، منفصلًا عن سياقه البيئي، ستنتج وَقْف إطلاق نار لا يدوم، وخطط إعمار تعيد إنتاج نفس ظروف الهشاشة التي أوجدت الصراع من الأساس.
في النهاية، الماء في الشرق الأوسط ليس مجرد سلعة توزع حصصها، بل هو مفتاح الاستقرار والتنمية والسلام، والخيار الحقيقي ليس بين الحرب والسلام فقط، بل بين التعاون البناء الذي يبني مستقبَلًا مستدامًا يليق بالأجيال القادمة، والصراع العنيف الذي يهدم أي إمكانية للازدهار ويحوّل المنطقة إلى ساحة خراب، وما يحدث اليوم في المنطقة من تحالفات واتفاقات واشتباكات سيحدد مصير مئات الملايين لعقود قادمة، فالماء اليوم هو البوصلة التي تتجه إليها الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط والقارة السمراء.
المصادر:
- معهد المحيط الهادئ – "تحليل معهد المحيط الهادئ يكشف عن ارتفاع ملحوظ في العنف المرتبط بالمياه" – 11 نوفمبر 2025م.
- معهد المحيط الهادئ – "التسلسل الزمني للصراعات المائية 2025".
- البنك الدولي – "وجهات نظر جديدة: القضايا الناشئة والفرص المتاحة لتحلية المياه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" – 3 ديسمبر 2025م.
- البنك الدولي – "الجفاف القاري: تهديد لمستقبلنا المشترك" – 18 ديسمبر 2025م.
- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) – "لمحة سريعة عن بيانات المياه لعام 2025" – 12 ديسمبر 2025م.
- الجزيرة نت – "إثيوبيا تحرك المياه الراكدة.. إعلان جديد بشأن النيل يواجه ممانعة مصرية سودانية" – 16 أغسطس 2026م.
- الأهرام – "مصر تحذر من ادعاءات إثيوبيا بالسيطرة على تدفق النيل وخططها لبناء سدود إضافية" – 16 أغسطس 2026م.
- جامعة نيوكاسل – "آثار تطوير خزانات إضافية على النيل الأزرق في إثيوبيا" – أغسطس 2024م.
- وكالة أنباء الصين – "العراق وتركيا يوقعان الآلية التنفيذية لاتفاق التعاون المائي" – 3 نوفمبر 2025م.
- وكالة الأنباء الأردنية (بترا) – مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه العقبة بقدرة 300 مليون متر مكعب سنويًّا.
- وكالة رويترز – "محطات تحلية الخليج، شريان الحياة لعشرات الملايين، تواجه تهديدًا إيرانيًّا" – 7 أبريل 2026م.
- برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) – تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025م وتقرير فجوة التكيف لعام 2025م.
- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) – "تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية لعام 2025: الجبال والأنهار الجليدية".