جِرينلاند على صفيح ساخن.. أطماع ترامب في القطب الشمالي تفتح باب أزمة أمريكية أوروبية

دولية (اقتصادية)
جِرينلاند على صفيح ساخن.. أطماع ترامب في القطب الشمالي تفتح باب أزمة أمريكية أوروبية
٢٣ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٣ مارس ٢٠٢٦

لقد باتت أزمةُ جِرينلاند أحَدَ أخْطَرِ الملَفَّات الجيوسياسيَّة في القطب الشمالي، بعد ما تحولت الجزيرة من مجرد أرض جليدية إلى ساحة صراع على الثروات والسيادة؛ فأطماع واشنطن، التي تجسدت في تصريحات ترامب حول السيطرة على الجزيرة، وضعت التحالف الغربي أمام اختبار غير مسبوق، حيث يلوح في الأفق جُرح عميق في العلاقات الأمريكية الأوروبية، ومن ثمَّ تداعيات الأزمة على استمرار حلف الناتو. وفي مركز "رواق" للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، نسلط الضوء على أزمة جِرينلاند، ومطامع ترامب في القطب الشمالي وتداعياتها على العلاقات الأمريكية الأوروبية، وهي:

  • ذوبان الجليد يكشف أطماع القوى الكبرى في القطب الشمالي.
  • أوروبا في مواجهة اختبار الثقة داخل الناتو.
  • جِرينلاند بين الطموح الأمريكي والرفض الأوروبي ودوافع ترامب.
  • التحالف الغربي على المحك.. هل تصمد الشراكة عبر الأطلسي؟
  • جِرينلاند.. ساحة صراع جديدة بقيادة ترامب تهدد مستقبل النظام الدولي.
  • تحرك أوروبي.. هل يحدث الصدام في المستقبل؟

ترامب يزعم: إن لم نأخذ جِرينلاند ستأخذها الصين أو روسيا:

لقد كشف ذوبان الجليد عن موارد طبيعية هائلة وممرات بحرية إستراتيجية، ما جعل جِرينلاند محورًا للتنافس الدولي، لكنه في الوقت ذاته فضح هشاشة الثقة داخل الناتو؛ وبينما ترى الولايات المتحدة أنَّ الجزيرة تُمثِّلُ فرصة لتعزيز نفوذها في القطب الشمالي، تعتبر أوروبا أنَّ هذه الخطوة تهدد أسس الشراكة عبر الأطلسي.

اليوم يقف الغرب أمام منعطف تاريخي، إمَّا أن ينجح في إدارة الخلافات وتوحيد الموقف تجاه جِرينلاند، أو أن تتحول الأزمة إلى شهادة وفاة للتحالف الغربي الذي طالما شكَّل العمود الفقري للأمن الدولي.

وفي أقصى شمال العالم، حيث يذوب الجليد ببطء كاشفًا عن أسرار دفنتها الطبيعة لقرون، لم تَعُد جزيرة جِرينلاند مجرد مساحة بيضاء على خرائط الجغرافيا، بل تحولت إلى مرآة تعكس تصدعًا متزايدًا في قلب النظام الغربي ذاته؛ هناك، عند تخوم القطب الشمالي، تتقاطع الطموحات العسكرية مع شراهة الاقتصاد، وتتشابك حسابات الأمن القومي مع صراعات السيادة، لتصبح الجزيرة الصغيرة شرارة أزمة كبرى تهدد بإعادة رسم ملامح العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وربما مستقبل حلف شمال الأطلسي بأكمله.

والأزمة حول جِرينلاند لا تُقرأ بمعزل عن لحظة عالمية مضطربة، يتراجع فيها اليقين القديم وتنهار المسلّمات التي حكمت التحالفات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فالولايات المتحدة، التي تقود حلف الناتو لعقود بوصفها مظلة حماية جماعية، باتت تنظر إلى التحالف من زاوية الكلفة والعائد، وتتعامل مع الجغرافيا بوصفها أداة ضغط لا مجرد إطار تعاون؛ وفي المقابل: تجد أوروبا نفسها أمام اختبار سيادي غير مسبوق، حيث تستحضر جِرينلاند كخط أحمر يمس جوهر الدولة الوطنية، لا كملف تقني يمكن احتواؤه خلف الأبواب الدبلوماسية المغلقة.

أهمية جزيرة جِرينلاند ودوافع السيطرة:

تُعدُّ جزيرة جِرينلاند التابعة للدنمارك ذاتيًّا، منطقة ذات أهمية إستراتيجية وجيوسياسية فائقة؛ خاصة للولايات المتحدة الأمريكية، بالنظر إلى ترامب التاجر وليس الرئيس، لا سيما لموقعها القطبي الشمالي الذي يتحكم في طرق الشحن الحيوية بين الأطلسي والمحيط الهادئ، واحتوائها على موارد طبيعية هائلة مثل المعادن النادرة والنفط والغاز؛ حيث تتمثل دوافع السيطرة عليها في تأمين الدفاع الصاروخي ضد التهديدات الروسية والصينية، ومراقبة القطب الشمالي الذي يذوب جليده، مما يفتح ممرات ملاحية جديدة.

وتقع جِرينلاند قبالة الساحل الشمالي الشرقي لكندا، ويقع أكثر من ثلثي أراضيها داخل الدائرة القطبية الشمالية، وقد جعلها ذلك عنصرًا أساسيًّا في الدفاع عن أمريكا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية، حين احتلتها الولايات المتحدة لمنع سقوطها بيد ألمانيا النازية ولحماية ممرات الشحن الحيوية في شمال الأطلسي. وبعد الحرب الباردة، كان القطب الشمالي إلى حدٍّ كبير منطقة تعاون دولي، لكن تغيّر المناخ أدى إلى ذوبان الجليد، ما بشّر بفتح ممر شمالي غربي للتجارة الدولية، وأعاد إشعال التنافس مع روسيا والصين ودول أخرى على الوصول إلى الموارد المعدنية في المنطقة.

أوروبا في مواجهة اختبار الثقة داخل الناتو:

إنَّ إعلان أطماع واشنطن في جِرينلاند يضع أوروبا أمام تحدٍّ غير مسبوق داخل حلف الناتو، الخطوة الأمريكية تُقرأ أوروبيًّا كإشارة إلى تغليب المصالح القومية على الالتزامات الجماعية، ولا شك أنَّ هذا الموقف يثير أخطارًا من تراجع الثقة المتبادلة التي تُعدُّ أساسًا لفاعلية الحلف. ومن الواضح أنَّ الانقسامات حول جِرينلاند ستُفاقم التوترات القائمة أصلاً بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية، فأوروبا تجد نفسها مطالبة بإعادة تقييم مدى اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، لا سيما في ظل غياب موقف موحد وهو ما يضعف قدرة الناتو على مواجهة التحديات العالمية؛ وبذلك، فقد تتحول أزمة جِرينلاند إلى اختبار حقيقي لصلابة التحالف الغربي وقدرته على الصمود أمام الضغوط.

ومع أنَّ الدنمارك رفضت العرض بشكل قاطع، ووصفت الفكرة بأنَّها عبثية، فإنَّ تمسك ترامب بها، ثم إلغاؤه زيارة رسمية إلى كوبنهاجن على خلفية هذا الرفض، كشف أنَّ المسألة لم تكن مجرد مناورة إعلامية، بل جزءًا من تصور أوسع يرى في جِرينلاند بوابة أمريكية متقدمة للسيطرة على القطب الشمالي، ودرعًا جغرافيًّا في مواجهة النفوذ الروسي والصيني المتصاعد؛ لتتحول الجزيرة في عهد إدارة الرئيس الجمهوري من جزيرة بعيدة عن الأضواء إلى عنوان صارخ لاختلال التوازن داخل التحالف الغربي، وبداية مسار تصادمي لا تزال تداعياته تتفاعل حتى اليوم. لكن لا تزال الخيارات الخاصة بطرق السيطرة على جِرينلاند غامضة، خاصة بعد الاجتماع الذي عقده ترامب مع رئيس الناتو مارك روته، إلا أنَّ البيت الأبيض ترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية ضم الجزيرة بالقوة وهي مقامرة قد تُؤدِّي إلى انهيار حلف الناتو وإشعال عاصفة جيوسياسية.

وترامب وكبار مسؤوليه يتحججون في سعيهم وراء جِرينلاند على أنَّه يتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وتوسيع نطاق وجود حلف الناتو في منطقة القطب الشمالي التي تزداد فيها المنافسة، والاستيلاء على المعادن الحيوية، وهو تبرير ضعيف إلى حدٍّ ما، خاصة أنَّ الولايات المتحدة أبرمت لعقود طويلة اتفاقية دفاعية مع كوبنهاجن للحفاظ على وجود عسكري في الجزيرة (اليوم السابع). حيث هناك الكثير من الأخطار التي تعاني منها أوروبا خلال العام الماضي مبنية على الخوف من انسحاب الولايات المتحدة من القارة وعدم إرسال المزيد من القوات الأمريكية إلى منطقة يسعى حلف الناتو بشدة لحمايتها من النفوذ الروسي والصيني المتزايد، بالإضافة إلى مبدأ دونرو الذي يشير إلى سعي الإدارة الأمريكية لإعادة تأكيد هيمنة الولايات المتحدة في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي.

ولم يوضح البيت الأبيض المسار الذي قد يختاره حتى الآن، بينما تدور أحاديث كثيرة حول شراء الجزيرة القطبية الإستراتيجية عبر صفقة ما؛ إلا أنَّ إعلامًا أمريكيًّا وأوروبيًّا يربط ذلك بالتدخل العسكري، لكن ليس من الواضح نوع التدخل العسكري الذي قد تختاره الإدارة الأمريكية، وهذا لا يعني بالضرورة ضم الجزيرة (اليوم السابع).

ردود الفعل الأوروبية والأطماع الأمريكية حول جِرينلاند:

في هذه السطور نستعرض في مركز "رواق"، التسلسل الزمني لاهتمام الولايات المتحدة بالاستحواذ على جِرينلاند:

  • 1867م: بعد شراء ألاسكا من روسيا، طرح وزير الخارجية ويليام سيوارد فكرة توسيع النفوذ الأمريكي في القطب الشمالي، بما يشمل شراء جِرينلاند وأيسلندا من الدنمارك، دون تقديم عرض رسمي.
  • 1910م: قدم السفير الأمريكي لدى الدنمارك موريس إيجان مقترحًا غير رسمي يقضي بمبادلة جِرينلاند وجزر الهند الغربية الدنماركية بجزيرة مينداناو الفلبينية التابعة آنذاك للولايات المتحدة، إلا أنَّ المقترح لم يتجاوز المراسلات الدبلوماسية.
  • 1917م: اشترت الولايات المتحدة جزر الهند الغربية الدنماركية (جزر Virgin islands  حاليًا) مقابل 25 مليون دولار من الذهب، في خطوة هدفت إلى منع توسع النفوذ الألماني، دون أن يشمل ذلك جِرينلاند.
  • وبين عامي 1941م و1945م: خلال الحرب العالمية الثانية، تولت الولايات المتحدة الدفاع عن جِرينلاند عقب احتلال ألمانيا للدنمارك، وأقامت وجودًا عسكريًّا في الجزيرة.
  • 1946م: قدمت إدارة الرئيس هاري ترومان أول عرض رسمي لشراء جِرينلاند مقابل 100 مليون دولار من الذهب، باعتبار السيطرة عليها ضرورة للأمن القومي الأمريكي في ظل بدايات الحرب الباردة، إلا أنَّ الدنمارك رفضت العرض.
  • 1979م: حصلت جِرينلاند على الحكم الذاتي بعد استفتاء شعبي، ما منحها صلاحيات أوسع واستقلالاً إداريًّا عن الدنمارك.
  • 2019م: أعاد الرئيس دونالد ترامب إحياء فكرة شراء جِرينلاند خلال ولايته الأولى، واصفًا الأمر بأنَّه «صفقة عقارية كبرى»؛ إلا أنَّ الدنمارك وسلطات جِرينلاند رفضت المقترح بشكل قاطع.
  • 2026م: عقب فوزه بولاية رئاسية جديدة، صعّد ترامب من تصريحاته بشأن ضم جِرينلاند، ولم يستبعد اللجوء إلى القوة العسكرية، معتبرًا أنَّ السيطرة على الجزيرة تُمثِّلُ أولوية للأمن القومي الأمريكي، ما أثار أخطارًا أوروبية وانتقادات واسعة من الحلفاء.

ومع تصاعد لهجة ترامب، لم تقتصر ردود الفعل على الانتقادات الأوروبية، بل اتخذت بعض الدول خطوات ميدانية، إذ قررت فرنسا إرسال قوات عسكرية إلى جِرينلاند للمشاركة في مهمة عسكرية أوروبية غير مسبوقة تستمر من 15 إلى 17 يناير الماضي، دعمًا للدنمارك، في رسالة سياسية واضحة للتضامن الأوروبي ورفض أي أطماع أمريكية في الإقليم. وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الألمانية عزمها إرسال فريق استطلاع عسكري مكوّن من 13 جنديًّا إلى جِرينلاند، وذلك بدعوة رسمية من الدنمارك وبمشاركة دول أوروبية أخرى، لإجراء استطلاع ميداني بالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين؛ وأوضحت الوزارة أنَّ الفريق سينتقل إلى العاصمة نوك على متن طائرة نقل عسكرية من طراز «إيرباص A400M" ، في إطار التنسيق الدفاعي الأوروبي المشترك. وفي المقابل: صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته، مهددًا بفرض إجراءات اقتصادية عقابية، إذ هدّد بفرض تعريفات جمركية على الدول التي تعارض الخطة الأمريكية بشأن جِرينلاند.

جِرينلاند والطموح الأمريكي.. ما دوافع ترامب؟

اليوم لقد باتت جِرينلاند تُمثِّلُ أحد أهم الكنوز الجيوسياسية بفضل مواردها الطبيعية الهائلة من المعادن النادرة والطاقة، والولايات المتحدة ترى في هذه الثروات فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والإستراتيجي في القطب الشمالي، لكن أوروبا تعتبر أنَّ أي محاولة أمريكية للسيطرة على الجزيرة تهدد مصالحها الحيوية وتضعف التوازن داخل التحالف الغربي. إنَّ الرفض الأوروبي ينبع من إدراك أنَّ جِرينلاند ليست مجرد أرض، بل بوابة إستراتيجية للأمن والطاقة في المستقبل، وهذا التباين في المواقف يعكس اختلاف الأولويات بين واشنطن وبروكسل في إدارة الملفات العالمية، ومع تصاعد الخلاف حول الجزيرة فقد يتحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الطرفين على الحفاظ على شراكة متماسكة؛ وبذلك، تصبح ثروات جِرينلاند نقطة اشتباك محتملة بين الطموح الأمريكي والتمسك الأوروبي بالسيادة والتوازن الدولي.

وتُعدُّ جِرينلاند من أكثر المواقع الإستراتيجية حساسية على الخريطة العالمية؛ الأمر الذي جعلها محور اهتمام ترامب، حيث تراوحت دوافع الرئيس الأمريكي بين الأبعاد الجيوسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، لتشكل معًا رؤية شاملة تبرر من وجهة نظره السعي للسيطرة على الجزيرة؛ فمن الناحية الإستراتيجية: تحتل الجزيرة موقعًا فريدًا يتيح السيطرة على الممرات البحرية في القطب الشمالي، خاصة مع ذوبان الجليد وفتح طرق شحن جديدة تختصر المسافات بين المحيطين الأطلسي والهادئ، كما توفر نقطة مراقبة مهمة لمتابعة تحركات روسيا في الشمال، بما يجعلها درعًا طبيعيًّا للأمن القومي الأمريكي.

أما على الصعيد الاقتصادي: فإنَّ الجزيرة تحتضن ثروات طبيعية هائلة لم تكن على رادار الأسواق العالمية حتى الذوبان الجزئي للجليد كشف عنها؛ فهي غنية بالمعادن النادرة؛ مثل: النيوديميوم والتنتالوم والليثيوم، الضرورية لتصنيع الإلكترونيات الحديثة، والبطاريات، والمعدات العسكرية المتقدمة، كما تحتوي على كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي (اليوم السابع).

أضف إلى ذلك: أنَّ الجزيرة تمتلك إمكانات هائلة في الطاقة النظيفة، خاصة الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية، وهو ما يجعل جِرينلاند قادرة على دعم الصناعات عالية التقنية الأمريكية، وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية في مواجهة الصين وروسيا؛ وكذلك التركيبة السكانية النادرة والجغرافيا القاسية تجعل السيطرة أمرًا عمليًّا أكثر من كونها مجرد تنافس نظري، حيث يمكن لواشنطن إقامة قواعد عسكرية، أو محطات مراقبة، مع تأثير محدود على السكان المحليين، ما يعزز جاذبية الجزيرة في الحسابات الدفاعية الأمريكية.

أثر الصراع في العلاقات بين أمريكا وأوروبا ومستقبل الأوضاع:

لقد جرت محادثات بين الحلفاء الأوروبيين بشأن نشر قوة عسكرية في جِرينلاند، حيث تبحث مع ألمانيا وفرنسا لبدء الاستعداد لنشر قوة في الجزيرة، بعدها بأيام أعلنت النرويج إرسال قوة عسكرية مؤلفة من جنديين فقط، لمواجهة واشنطن (الجزيرة).

وجاءت تلك التحركات بالتزامن مع تصريحات ترامب خلال تلك الفترة عندما أكد في 9 يناير أنَّه سيفعل شيئًا ما بشأن جِرينلاند، سواء أعجب الأوروبيين ذلك أم لا، وأنَّه يود إبرام الصفقة بالطريقة السهلة، وإذا لم تنفع الطريقة السهلة، فسيتم ذلك بطريقة صعبة؛ وبعدها بثلاثة أيام تطرق إلى حلف الناتو وأهمية واشنطن فيه، بقوله إنَّ الحلف كان سيختفي لو لم يصبح – أي ترامب - رئيسًا للولايات المتحدة واعتبار نفسه منقذًا للحلف، ليتبعها بيومين فقط قوله إنَّ بلاده تحتاج للجزيرة لأغراض الأمن القومي، وهي ضرورية لبرنامج القبة الذهبية الدفاعي الصاروخي.

لذا نقول: إنَّ تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وموقفه تجاه جِرينلاند سيؤثر سلبًا في العلاقات الأمريكية الأوروبية، وقد يسبب بعض المشكلات داخل حلف الناتو، لأنَّ الأزمة تتعلق باحتمال إقدام دولة عضو بالحلف على التحرك ضد دولة أخرى عضو فيه. كما أنَّ المواد والبنود الرئيسة في ميثاق الناتو، وتحديدًا المادتين الثالثة والرابعة، تنص على تضامن الدول الأعضاء في مواجهة أي تحديات أو أخطار مشتركة، وهو ما يجعل أي تحرك من هذا النوع محل نقاش طويل داخل الحلف؛ وبالتالي فإنَّ تنفيذ مثل هذه الخطوة في حال الإقدام عليها سيستغرق وقتًا، وضرورة أن تسبقها تحركات دبلوماسية مكثفة، وأنَّ سيناريو الاحتلال بالقوة يظل غير وارد في تقديره.

ويحاول ترامب التَّحجُّج والربط بين خطته للسيطرة على الجزيرة وبين تخويف أوروبا من موسكو وبكين، عندما قال إنَّ على حلف شمال الأطلسي الناتو أن يقود الجهود كي تحصل أمريكا على جِرينلاند، وإذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث، وأنَّ الناتو سيصبح أشد بأسًا عندما تكون الجزيرة في يد واشنطن.

وفي المقابل: ردت فرنسا بقرار عاجل والانضمام إلى المناورات التي أعلنتها الدنمارك وأطلقتها بشكل سيادي ومستقل، وترى القيادة الفرنسية أنَّ على باريس والأوروبيين مواجهة تهديد مصالحهم دون تصعيد ولكن بحزم لا يقبل المساومة بشأن السيادة الإقليمية، وأنَّ أوروبا تمتلك أدوات يجب استخدامها عندما لا يتم احترامها؛ حيث تبع ذلك بيان مشترك في 18 يناير لـ 8 دول أوروبية، يعلنون التضامن بشكل كامل مع كوبنهاجن وجِرينلاند وتؤكد الاستعداد للحوار القائم على مبادئ السيادة.

لذا يبدو أنَّ استمرار الخلاف الأمريكي الأوروبي يسهم في سعي دول القارة العجوز لحماية الجزيرة بعيدًا عن ترامب وتكوين جيش لحماية استقلال القارة وسيادتها بدون الاعتماد على الإدارة الأمريكية، بالإضافة لاتجاهها إلى الاستغناء عن الغاز الروسي وبناء قدرات عسكرية وحدات مشتركة من قوات الجيوش الأوروبية لمواجهة الأخطار المحدقة بالقارة سواء من واشنطن أو في مواجهة التحديات وتهديدات موسكو خاصة بعد غزوها لأوكرانيا. ولربما نرى خلال السنوات القادمة، وحدة الجيوش الأوروبية بشكل فعال وزيادة نسبة التسليح والإنفاق على تقوية قوتها العسكرية وشراء الأسلحة والذخيرة وهذا سيؤدي إلى تغير أولويات اقتصاديات دول القارة العجوز وستعيد تلك الجيوش حساباتها بالكامل خاصة في كيفية التجنيد ونظم إنتاج الأسلحة والذخائر بكافة أنواعها. لا سيما أنَّ العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية تشكلت نظرًا لتداعيات الحرب العالمية الثانية، والتي مكّنت واشنطن استحداث مؤسسات منها "بروتن وودز" والأمم المتحدة، في سياق تقاسم الأدوار مع البلدان الأوروبية، لكن يظل التفوق الإستراتيجي أمريكيًّا عسكريًّا وماليًّا في ظل اعتماد الدولار كعملة عالمية، مما يجعل العلاقة بين واشنطن والقارة العجوز ليست مجرد علاقة تجارية أو علاقة استثمارية عرضية أو جزئية (الجزيرة).

التحالف الغربي على المحك.. هل تصمد الشراكة عبر الأطلسي؟

نعم وضعت أزمة جِرينلاند التحالف الغربي أمام اختبار غير مسبوق في تاريخه الحديث، لذا فالطموحات الأمريكية في القطب الشمالي تُثير شكوكًا أوروبية حول مدى التزام واشنطن بروح الشراكة، وهذا التوتر يعكس فجوة متنامية بين المصالح القومية الأمريكية والرؤية الأوروبية للأمن الجماعي. إنَّ غياب التوافق حول إدارة الأزمة قد يضعف قدرة الحلف على مواجهة تحديات عالمية أخرى، حيث تجد أوروبا نفسها مضطرة لمراجعة خياراتها الدفاعية بعيدًا عن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، ومن ثمَّ فالناتو الذي شكّل لعقود العمود الفقري للأمن الغربي، يواجه خطر التآكل من الداخل (اليوم السابع).

اقتصاديًّا، وعلى الرغم من موقع جِرينلاند القاسي وشكلها الجليدي، تعتبر الجزيرة خزانًا هائلاً للثروات الطبيعية، حيث تحتوي على مخزونات كبيرة من النيوديميوم، الديسبروسيوم، التنتالوم، والليثيوم، وهي عناصر أساسية لصناعة الإلكترونيات، البطاريات، والطاقة المتجددة، والأسلحة عالية التقنية، مما يجعل الجزيرة نقطة إستراتيجية للاقتصادات المتقدمة، خاصة مع الطلب العالمي المتزايد عليها؛ بالإضافة إلى امتلاكها كميات من الذهب والنحاس والفضة والبلاتين، ما يعزز الاهتمام الاستثماري بها، وكذلك توافر احتياطيات من النفط الخام والغاز الطبيعي تحت الجليد وفي المناطق البحرية المحيطة. ويمثل جليد جِرينلاند مخزونًا هائلاً من المياه العذبة الصالحة للشرب، ما قد يصبح موردًا إستراتيجيًّا مع أزمة المياه المتزايدة عالميًّا، وكذلك تتمتع الجزيرة بإمكانات هائلة في الطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية، بالإضافة إلى الرياح، ما يجعلها مرشحة لإنتاج طاقة نظيفة بأسلوب مستدام؛ كما أنَّ المياه المحيطة غنية بالأسماك وأنواع بحرية نفيسة، كما اكتسبت أهمية إستراتيجية واقتصادية بالغة، نظرًا لموقعها الحيوي بين الولايات المتحدة وأوروبا، ووقوع ثلث أراضيها ضمن الدائرة القطبية الشمالية، حيث تطل مباشرة على طرق التجارة الرئيسة في شمال الأطلسي، وثرواتها الطبيعية تُقدَّرُ بـ أربعة تريليونات دولار (اليوم السابع).

ذوبان الجليد يكشف أطماع القوى الكبرى في القطب الشمالي:

وبين واشنطن وكوبنهاجن، وبروكسل وقيادة الناتو، يتسلل سؤال خطير.. هل ما زال الحلف الأطلسي تحالف قيم ومصالح مشتركة أم أنَّه تحول إلى شبكة هشة من التفاهمات المؤقتة؟؛ حيث نجد مع تصاعد الحديث عن المعادن النادرة التي تحتويها جِرينلاند، والممرات البحرية الجديدة، والقواعد العسكرية المتقدمة، يتراجع خطاب الشراكة لصالح لغة النفوذ، ويتقدم منطق القوة على حساب روح التحالف، في مشهد يذكر بعالم ما قبل الاصطفافات الكبرى. كما أنَّ الأخطر في أزمة جِرينلاند أنَّها لا تكشف فقط خلافًا جغرافيًّا أو تنافسًا إستراتيجيًّا، بل تفضح أزمة ثقة عميقة داخل المعسكر الغربي نفسه؛ فالتشكيك في التزامات الحماية المتبادلة، والضغوط المتزايدة على أوروبا لتحمّل أعباء دفاعية أكبر، يقابلها بحث أوروبي محموم عن استقلال إستراتيجي طال تأجيله، وهنا، تصبح جِرينلاند رمزًا لانكسار التوازن القديم، لا سببه الوحيد.

وفي عالم تتقدم فيه روسيا بثبات في القطب الشمالي، وتنسج الصين بهدوء خيوط نفوذها عبر الاقتصاد والبنية التحتية، يبدو أنَّ الغرب يخوض صراعه الأصعب ليس مع خصومه التقليديين، بل مع نفسه؛ فإمَّا أن تنجح الولايات المتحدة وأوروبا في إعادة تعريف شراكتهما على أسس جديدة أكثر توازنًا، أو أن تتحول جزيرة جليدية نائية إلى شاهد على بداية أفول الناتو، وتحول التحالف الذي ولد من رحم الخوف المشترك إلى كيان يتآكله الشك من الداخل. لم تكن أطماع دونالد ترامب تجاه جِرينلاند وليدة لحظة سياسية عابرة أو زلة لسان أثارت السخرية الإعلامية، بل تعبيرًا صريحًا عن رؤية أمريكية قديمة أعاد ترامب إخراجها إلى العلن دون مواربة دبلوماسية؛ حيث بدأت الفكرة في الظهور بشكل علني عام 2019م – خلال فترة الرئيس الأمريكي الأولى - حين كشفت تقارير أمريكية عن اهتمامه آنذاك بشراء الجزيرة من الدنمارك، في خطوة بدت صادمة لحلفاء واشنطن، لكنها في جوهرها استندت إلى حسابات إستراتيجية بحتة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

وترامب، الذي تعامل مع السياسة الخارجية بعقلية التاجر لا الرئيس وسياسة الصفقات الكبرى، نظر إلى جِرينلاند بوصفها أصلاً إستراتيجيًّا قابلاً للامتلاك، لا مجرد إقليم يتمتع بحكم ذاتي ضمن السيادة الدنماركية؛ غير أنَّ جذور هذه الفكرة تعود إلى ما هو أبعد من عهد الرئيس الأمريكي، إذ سبق للولايات المتحدة أن طرحت سيناريوهات مماثلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا عام 1946م، عندما عرضت واشنطن رسميًّا شراء الجزيرة من الدنمارك، إدراكًا منها لأهمية موقعها في مراقبة الاتحاد السوفيتي آنذاك، إلا أنَّ ما ميز طرح الإدارة الأمريكية الراهنة هو جرأتها في كسر الأعراف السياسية التقليدية داخل المعسكر الغربي، وتحويل ما كان يدار في الكواليس الإستراتيجية إلى نقاش علني فج، أربك أوروبا وأعاد فتح ملف السيادة والتحالفات داخل الناتو (اليوم السابع).

غضب أوروبي من مخطط ترامب:

من ناحية أخرى قوبلت محاولات دونالد ترامب لضم الجزيرة بموجة غضب أوروبي غير مسبوقة، لم تكن نابعة فقط من غرابة الطرح أو فجاجته السياسية، بل من كونه مسَّ أحد أعمق الثوابت التي يقوم عليها النظام الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية وهي احترام السيادة وعدم تحويل الجغرافيا إلى سلعة تفاوض؛ ففي العواصم الأوروبية، بدا حديث الرئيس الأمريكي وكأنَّه ارتداد فج إلى منطق الإمبراطوريات القديمة، حين كانت الخرائط تُعاد رسمها بقرارات فردية، لا عبر الشراكات والتحالفات، وشعرت القارة لأول مرة منذ عقود، بأنَّ أحد أعمدة حلفائها يتعامل معها بعقلية الوصي لا الشريك، وبمنطق القوة لا الثقة (سكاي نيوز).

والغضب الأوروبي تجسد بشكل خاص في الدنمارك، التي رأت في تصريحات ترامب إهانة سياسية مباشرة، ليس فقط لكوبنهاجن، بل للمنظومة الأوروبية برمتها، فـ جِرينلاند، رغم بعدها الجغرافي، تُمثِّلُ جزءًا من السيادة الدنماركية، وكيانًا يتمتع بحكم ذاتي له خصوصيته الثقافية والسياسية، وهو ما جعل أي حديث عن الضم يُنظر إليه باعتباره تجاهلاً لإرادة الشعوب قبل الدول. لم يكن رفض الدنمارك للطرح الأمريكي مجرد موقف بروتوكولي، بل إعلانًا أوروبيًّا صارمًا بأنَّ زمن بيع الأراضي قد انتهى، وأنَّ التحالف الأطلسي لا يمنح واشنطن حق إعادة تعريف الحدود وفق مصالحها؛ بينما على مستوى الاتحاد الأوروبي، ففتحت الأزمة جرحًا أعمق، إذ أعادت إلى السطح مشاعر قديمة من الارتياب تجاه السياسة الأمريكية، خاصة في ظل إدارة ترامب التي لم تُخفِ ازدراءها للمؤسسات متعددة الأطراف.

وبالنسبة لكثير من القادة الأوروبيين، لم تكن قضية جِرينلاند سوى حلقة جديدة في سلسلة من التصرفات الأمريكية الأحادية، التي بدأت بالانسحاب من اتفاقيات دولية، وامتدت إلى الضغط العسكري والاقتصادي على الحلفاء؛ وهنا، تحول الغضب إلى قلق إستراتيجي، فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتفكير في ضم أراضٍ تابعة لحليف داخل الناتو، فما الذي تبقى من مفهوم الأمن الجماعي؟ وهذا الغضب لم يبقَ حبيس البيانات الدبلوماسية، بل ساهم في تغذية نقاش أوروبي واسع حول الاستقلال الإستراتيجي، والدفاع المشترك، وإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن. جِرينلاند لم تكن مجرد جزيرة في هذا السجال، بل رمزًا لاختلال ميزان الاحترام داخل التحالف الغربي، ونقطة تحول نفسية جعلت أوروبا تدرك أنَّ الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية قد يتحول من ضمانة إلى عبء؛ وهكذا، لم يشعل ترامب أزمة دبلوماسية عابرة، بل أيقظ شعورًا أوروبيًّا بأنَّ زمن التسليم الأعمى لواشنطن قد ولى، وأنَّ الدفاع عن السيادة بات معركة سياسية لا تقل أهمية عن أي صراع عسكري. كما نددت كلٌّ من فرنسا وألمانيا في يناير الماضي، السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب، قائلتين إنَّ واشنطن تتحرر من القواعد الدولية والعالم معرض لخطر التحول إلى وكر للصوص، وحينها حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير، من أنَّ النظام الدولي القائم على القواعد في فترة ما بعد الحرب قد ينهار قريبًا.

وتطرق ماكرون إلى تغير سياسة واشنطن تجاه حلفائها، عندما أكد أنَّ الولايات المتحدة قوة راسخة، لكنها تتجه تدريجيًّا بعيدًا عن بعض حلفائها وتنفصل عن القواعد الدولية التي كانت تروج لها حتى وقت قريب، قائلاً: "نحن نعيش في عالم تهيمن عليه القوى العظمى، مع وجود إغراء حقيقي لتقسيم العالم، وبلادنا ترفض الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، والتبعية والانهزامية" (سكاي نيوز).

وعلى ما يبدو أنَّ الاتحاد الأوروبي أصبح ممزقًا بين الحاجة إلى الدفاع عن القانون الدولي والحفاظ على الولايات المتحدة كشريك اقتصادي حيوي وحليف دفاعي في أوكرانيا وخارجها، لكنه في ذات الوقت يسعى إلى اتفاق للرد المنسق على تصرفات واشنطن؛ وخلال شهر يناير الماضي أيضًا عقد سفراء الناتو في بروكسل نقاشًا حول منطقة القطب الشمالي، واتفقوا على ضرورة تعزيز الحلف لأمن المنطقة.

وفي ذات السياق، يرى أعضاء في الحزب الجمهوري الأمريكي الذي ينتمي إليه ترامب، أنَّ محاولاته للسيطرة على جِرينلاند لم تَعُد مجرد استفزاز دبلوماسي، بل مؤشرًا خطيرًا على مشروع أوسع لتفكيك النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، موضحين أنَّ الرئيس الأمريكي لا يكتفي بإضعاف التحالفات، بل يسعى صراحة إلى استبدالها بنظام شخصي يتمحور حوله، تُدار فيه السياسة العالمية بعقلية الإتاوات لا الشراكات.

ويقول عدد من أعضاء الكونغرس إنَّ ترامب يرى حلف شمال الأطلسي عبئًا يقيد سلطته، ويرى الأمم المتحدة منصة لا تخضع له بالكامل، وهو ما يجعل هدف الرئيس الأمريكي الحقيقي ليس إصلاح هذه المؤسسات، بل تقويضها تمهيدًا لإلغائها؛ حيث إنَّ جِرينلاند تأتي كحلقة اختبار للسيطرة على الإقليم الدنماركي وتوجيه رسالة قاسية لأوروبا مفادها أنَّ السيادة والحلفاء لا وزن لهم أمام شهوة القوة، ومحاولة إخضاع أوروبا، لا التفاوض معها وإذا سُمح بهذا النموذج، فلن تكون الدنمارك آخر الضحايا.

ويشير أعضاء الكونغرس إلى أنَّ ترامب لا يؤمن بالدفاع المشترك، ولا بالقانون الدولي، ولا بفكرة العالم الحر، بل يؤمن بالهيمنة الفردية، لذلك يهدد بالانسحاب من الناتو، ويبتز الحلفاء، ويحول الأمن الجماعي إلى صفقة تجارية؛ لافتًا إلى أنَّ هذه السياسات لا تضعف أوروبا فقط، بل تفكك الثقة التي يقوم عليها أي تحالف عسكري أو سياسي (سكاي نيوز).

جِرينلاند.. ساحة صراع جديدة تهدد مستقبل النظام الدولي:

إنَّ أزمة جِرينلاند تضع النظام الدولي أمام تحدٍّ غير مسبوق، إذ تتحول الجزيرة إلى محور تنافس إستراتيجي بين القوى الكبرى، التحرك الأمريكي بقيادة ترامب يُقرأ كإعادة رسم لقواعد اللعبة في القطب الشمالي، بعيدًا عن التوازنات التقليدية، وهذا المسار يثير أخطارًا من تقويض الأعراف الدولية التي تحكم السيادة والموارد في المناطق القطبية (بي بي سي).

كما أنَّ التنافس على جِرينلاند قد يفتح الباب أمام سباق نفوذ جديد يشمل روسيا والصين، مما يعقد المشهد أكثر، فالنظام الدولي، الذي يعاني أصلاً من اهتزازات متعددة، يجد نفسه أمام اختبار إضافي في إدارة التوازنات؛ وبذلك، تتحول جِرينلاند من جزيرة جليدية إلى ساحة صراع قد تُعيد صياغة مستقبل العلاقات الدولية برمتها.

وفي تطور لافت يكشف حجم الانهزامية الأوروبية أمام الطموح الأمريكي، يرى سفير النرويج لدى الولايات المتحدة خلال إدارة ترامب السابقة، إنَّ الدول الأوروبية لن تكون قادرة على صد الجيش الأمريكي إذا قرر البيت الأبيض شن هجوم مسلح على جِرينلاند، قائلًا: "إذا هاجمت الولايات المتحدة الجزيرة عسكريًّا، فلن يكون هناك أي أوروبي يقف في وجه ما يريدون تحقيقه". الحقيقة نجد أنَّها تصريحات منطقية، بالنظر إلى اعتماد أوروبا لعقود على الجيش الأمريكي الضخم لتوفير معظم القدرات الأكثر تكلفة، خاصة القدرات الاستخباراتية والفضائية؛ وتتمرکز عشرات الآلاف من القوات المسلحة الأمريكية في أنحاء العالم، في أوروبا، كما أنَّ أحدث الطائرات المقاتلة التي يشغلها الناتو أمريكية الصنع، وتتولى صيانتها شركات أمريكية، ويبلغ عدد العسكريين الأمريكيين ما يقارب 84,000 جنديًّا في أوروبا في أوائل 2025م. وهو رقم يرتفع أو ينخفض حسب التحركات الدورية، وبينهم 65,000 – 66,000 متمركزون بشكل دائم في قواعد أمريكية عبر القارة؛ وهناك كذلك بحسب تقارير صحفية أجنبية قوات دوارة تم تعزيزها بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، ما رفع العدد الإجمالي ما بين 75,000 و 105,000 جندي، فيما يعتمد حلف الناتو بشكل كبير على الترسانة النووية الأمريكية الواسعة النطاق لردعه ضد الهجمات الخارجية (بي بي سي).

ترامب يزعم.. إن لم نأخذ جِرينلاند ستأخذها الصين أو روسيا:

يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تذرعه وزعمه في الحديث عن الاستحواذ على جزيرة جِرينلاند، التابعة للدنمارك، فيما تناقش الدول الأوروبية خُططًا لتعزيز وجودها العسكري في أكبر جزيرة في العالم، عبر تشكيل قوة من الناتو (الجزيرة). والرئيس الأمريكي يرى أنَّ الولايات المتحدة سوف تستحوذ على جِرينلاند بطريقة أو بأخرى، وأنَّه لن يسمح للصين وروسيا بالوصول إلى جِرينلاند؛ وذهب بالقول "إن لم نأخذ جِرينلاند سوف تستحوذ عليها الصين أو روسيا وأنا لن أسمح بحدوث ذلك قد نتمكن من التوصل إلى اتفاق لكن بطريقة أو بأخرى سوف نحصل على جِرينلاند". وأضاف: نتحدث عن الاستحواذ على جِرينلاند، وليس على إيجارها وإن لم نقم بذلك فالصين وروسيا ستقومان بذلك.

من ناحية أخرى: ذكرت تقارير أوروبية أنَّ مجموعة من دول الاتحاد، بقيادة بريطانيا وألمانيا، تناقش خُططًا لتعزيز وجودها العسكري في جِرينلاند، عبر تشكيل قوة من الناتو، لتُظهِرَ للرئيس الأمريكي، أنَّ القارة جادة بشأن أمن القطب الشمالي. من جانبه، أكد القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" أنَّ الدول الأعضاء في الحلف تُجري مناقشات بناءة بشأن إقليم جِرينلاند الدنماركي، الذي يسعى ترامب، إلى ضمّه للولايات المتحدة، مشددًا على الأهمية الإستراتيجية للقطب الشمالي، مضيفًا أنَّ أعضاء الحلف يعملون سويًّا على إيجاد حلول لهذه القضايا الشائكة.

وقد صرّح البيت الأبيض مؤخرًا بأنَّ الإدارة تدرس شراء الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك، العضو في حلف الناتو، لكنها لم تستبعد خيار ضمه بالقوة. وتؤكد الدنمارك وجِرينلاند أنَّ الإقليم ليس للبيع، كما صرّحت الدنمارك بأنَّ أي عمل عسكري سيؤدي إلى انهيار تحالف الدفاع عبر الأطلسي. وفي بيانٍ مشترك، جدّد قادة الأحزاب في جزيرة جِرينلاند، بما في ذلك أحزاب المعارضة، دعوتهم إلى "إنهاء تجاهل الولايات المتحدة لبلادنا"؛ وقالوا: "لا نريد أن نكون أمريكيين، ولا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون جِرينلانديين. يجب أن يقرر شعب جِرينلاند مستقبل جِرينلاند". ورغم أنَّ جِرينلاند يُعدُّ الإقليم الأقل كثافة سكانية، إلا أنَّ موقعه بين أمريكا الشمالية والقطب الشمالي يجعله في موقع إستراتيجي مناسب لأنظمة الإنذار المبكر في حال وقوع هجمات صاروخية، وأيضًا لمراقبة السفن في المنطقة (الجزيرة).

الخلاصة:

  • بالطبع لقد كشفت أزمة جِرينلاند عن تصدعات عميقة في التحالف الغربي، حيث تحولت الجزيرة من أرض جليدية إلى ساحة صراع إستراتيجي على الثروات والسيادة؛ حيث إنَّ أطماع واشنطن بقيادة ترامب في القطب الشمالي وضعت أوروبا أمام اختبار صعب وغير مسبوق داخل الناتو، وأثارت أخطارًا من تقويض أسس الشراكة عبر الأطلسي.
  • ذوبان الجليد لم يفتح فقط موارد طبيعية هائلة، بل كشف أيضًا هشاشة الثقة بين ضفتي الأطلسي، ما يجعل جِرينلاند رمزًا لصراع أكبر حول مستقبل النظام الدولي؛ وبينما ترى الولايات المتحدة فرصة لتعزيز نفوذها، تعتبر أوروبا أنَّ هذه الخطوة تهدد التوازن العالمي وتضع الحلف على المحك.
  • ورغم أنَّ الحديث تجمّد قليلاً خلال الآونة الأخيرة؛ إلا إنَّ مطامع ترامب في القطب الشمالي أحدثت قلقًا بالغًا وشرخًا كبيرًا في العلاقات بين أمريكا والقارة العجوز، وبالتالي ليس مستبعدًا أن يعود الحديث من جديد أو حتى احتلال الجزيرة الغنية بالثروات في أي وقت، طالما ظل ترامب في سدّة الحكم.
  • بالأخير.. إنَّ جِرينلاند لم تَعُد مجرد جزيرة نائية، بل أصبحت نقطة ارتكاز في معركة النفوذ العالمي، قد تحدد ما إذا كان التحالف الغربي سيصمد أمام الضغوط أم يبدأ رحلة التفكك، ومن ثمَّ تهديد مصير استمرار الناتو بقيادة واشنطن وأزمة علاقات طاحنة.. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ أوروبا أصبحت تتذوق الآن مما تعاني منه فلسطين وشعبها الصامد لعقود طويلة ومريرة أمام احتلال غاشم وعصابة مرتزقة من مجرمي الحرب.. فهل ستغير موقفها وتوقف دعمها اللامحدود للكيان الصهيوني تحت مزاعم حماية أمن إسرائيل؟

المصادر:

- اليوم السابع

- سكاي نيوز

- بي بي سي

- الجزيرة

الكلمات المفتاحية

جرينلاندأطماع ترامبالقطب الشماليحلف الناتوأزمة أمريكية أوروبية