إعلان القاهرة للتجارة.. رؤية مصرية لإحياء التعاون الاقتصادي داخل مجموعة الثماني الإسلامية

يُعدُّ إعلان القاهرة للتجارة بين دول المجموعة الإسلامية، محاولةً مصريةً واعيةً لإعادة هندسة التعاون الاقتصادي داخل العالم الإسلامي؛ لا سيما أن المجموعة التي تضم دولًا تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وأسواقًا واسعة، لكنها غير مستغلة جيدًا، لا سيما أنها ظلت لسنوات طويلة عاجزة عن تحويل إمكاناتها إلى قوة اقتصادية متماسكة.
إعلان القاهرة لمجموعة الثماني الإسلامية (D-8) هو وثيقة مهمة تتضمن عدة إعلانات حديثة، أبرزها "إعلان القاهرة للتجارة 2025"، حيث يهدف إلى تعزيز التكامل التجاري بين الدول الأعضاء: مصر، إندونيسيا، إيران، ماليزيا، نيجيريا، باكستان، بنغلاديش، تركيا، ووضع إطار للتعاون المشترك والتحول الرقمي، كما يسعى لتفعيل دور القطاع الخاص وتوسيع الشراكات الإقليمية والعالمية لمواجهة تحديات الاقتصاد العالمي.
في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات، نسلط الضوء على عدة محاور في هذا التحليل، وهي:
- خلفيات إعلان القاهرة: لماذا الآن؟ وما الذي تغيَّر في معادلة التعاون الإسلامي؟
- ما مقومات رؤية مصر نحو إطار تجاري أكثر انفتاحًا بين دول الثماني الإسلامية؟
- أبرز التحديات والفجوات التي يسعى إعلان القاهرة لمعالجتها.
- قراءة حول دور مصر القيادي الذي تمخَّض من مجرد استضافة الاجتماعات إلى صياغة أجندة اقتصادية مشتركة.
- ما فرص الاستثمار المشترك المرشحة للنمو داخل دول المجموعة؟
- كيف يمكن تحويل إعلان القاهرة إلى برامج عمل واقعية؟
- انعكاسات إعلان القاهرة على موقع مصر الإقليمي ودورها في هندسة التعاون الاقتصادي الإسلامي.
- ما أهمية إعلان القاهرة لمصر ودول المجموعة الإسلامية؟
تعكس الرؤية المصرية في إعلان القاهرة للتجارة مع الدول الثماني الإسلامية، إدراكًا عميقًا بأن العالم الإسلامي يقف اليوم أمام نقطة فارقة، في ظل ضغوط اقتصادية عالمية، وتحولات في موازين القوى، وتنافس دولي على الموارد والممرات التجارية. وخصوصًا في ظل هذه التحولات الإقليمية والعربدة الإسرائيلية في المنطقة التي لها تأثير سلبي على حجم التجارة وسلاسل الإمداد.
ومن هنا نقول: لقد برزت مصر، عبر هذا الإعلان، كدولة تسعى إلى إحياء روح التكامل وتفعيل أدواته، من خلال طرح رؤية عملية تستند إلى توسيع التجارة البينية، وتسهيل حركة السلع، وبناء شبكات لوجستية واستثمارية تربط الدول الأعضاء بعضها ببعض.
وبالتالي يصبح التعاون الاقتصادي بين دول المجموعة ليس خيارًا تكميليًّا، بل ضرورة حتمية وإستراتيجية تُحسب للقيادة السياسية في مصر وصُنَّاع القرار، لإعادة بناء قدرة الدول الإسلامية على التفاوض، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الأمن الاقتصادي والغذائي والطاقي.
لذلك نقول: إن إعلان القاهرة ليس مجرد وثيقة سياسية فقط، بل خارطة طريق لإحياء مشروع اقتصادي إسلامي طال انتظاره، يقوم على المصالح المشتركة، وتكامل القدرات، وتفعيل آليات تنفيذية قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس.
كلمة وزير الاستثمار والتجارة المصري في إعلان القاهرة: إن الهدف من رؤية مصر في هذه الشراكات الإستراتيجية، والتي عبَّر عنها وزير الاستثمار المصري حسن الخطيب، هو رفع حجم التجارة البينية، وزيادة التجارة بين دول المجموعة من 150 مليارًا إلى 500 مليار دولار بحلول 2030. (البورصة).
هذا الطموح يعتمد على تفعيل اتفاقيات التجارة التفضيلية وتوسيع نطاق السلع المتبادلة، والتركيز على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لذا فإن مؤتمر القاهرة يحمل شعار: "الاستثمار في الشباب ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة: "نحو تشكيل اقتصاد الغد"."
كما أن مصر ترى أن هذه المشروعات هي العمود الفقري للتنمية الاقتصادية، وتريد أن تكون جزءًا من شبكة تعاون إسلامية واسعة؛ لذا فقد اعتمدت مصر إعلان القاهرة للتجارة كإطار لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ووضع آليات عملية لتسهيل التجارة، وتجاوز العقبات الجمركية والبيروقراطية.
وبالتالي تحاول مصر عبر مؤتمر القاهرة للتجارة توسيع الشركات الاقتصادية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي عبر شراكات مع دول المجموعة، وكذلك جذب استثمارات مباشرة في قطاعات إستراتيجية مثل الطاقة، والزراعة، والصناعات التحويلية، بجانب فتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية داخل الدول الإسلامية الثماني.
إن رؤية مصر لإحياء التعاون الاقتصادي داخل مجموعة الثماني الإسلامية تقوم على التحول من التعاون الرمزي إلى التكامل العملي، عبر رفع التجارة البينية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتفعيل الاتفاقيات التفضيلية، وهي ما عبَّرت عنه كلمة وزير الاستثمار المصري حول هدف مصر الحثيث في خلال هذه الشركات الاقتصادية وأن تكون أداة لتوسيع الإنتاج، والاستفادة القصوى من هذه الشركات بين تلك الدول وبعضها بعض. (البورصة).
خلفيات إعلان القاهرة.. لماذا الآن؟ وما الذي تغيَّر في معادلة التعاون الإسلامي؟ بالطبع، يأتي إعلان القاهرة للتجارة في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، ما يجعل توقيته جزءًا مهمًّا للغاية من رسالته، حيث إن الإعلان لا يمكن قراءته كخطوة تقنية تخص التجارة البينية فقط، بل يُعد تحركًا سياسيًّا-اقتصاديًّا يعكس إدراكًا متزايدًا لدى دول مجموعة الثماني الإسلامية بأن البيئة الدولية لم تعد تمنح رفاهية العمل الفردي، وأن التكتلات الاقتصادية باتت شرطًا للبقاء في معادلة المنافسة العالمية.
إن تحركات الدولة المصرية تأتي من منطلق المسؤولية المشتركة وتحولات النظام الدولي وضغط التكتلات الكبرى، لا سيما أن العالم يشهد إعادة تشكيل واسعة لمراكز القوة الاقتصادية، مع صعود تكتلات مثل "بريكس" و"الآسيان" وتنامي النفوذ الآسيوي، وهذا الواقع يفرض على الدول الإسلامية – التي تمتلك موارد ضخمة لكنها مشتتة – البحث عن إطار يعزز قدرتها التفاوضية ويمنحها وزنًا جماعيًّا.
بالإضافة إلى الحاجة نحو تنويع الشراكات بعيدًا عن الارتباطات التقليدية، والاعتماد على الأسواق الغربية أو الآسيوية وحدها لم يعد كافيًا؛ هناك رغبة واضحة لدى دول الثماني الإسلامية في بناء مسارات بديلة للتجارة والاستثمار، بما يقلل من هشاشة اقتصاداتها أمام الأزمات العالمية، ويمنحها استقلالية أكبر في اتخاذ القرار الاقتصادي. (البورصة).
ولا شك في انتباه القاهرة وإدراكها المتزايد ضعفَ التجارة البينية الإسلامية رغم أن دول المجموعة كبيرة وتمتلك أسواقًا مهمة في المنطقة.
ما مقومات رؤية مصر نحو إطار أكثر انفتاحًا بين دول الثماني الإسلامية؟ تقوم رؤية مصر لتعزيز الانفتاح التجاري داخل مجموعة الدول الثماني الإسلامية على مجموعة من المقومات البنيوية والسياسية والاقتصادية التي تجعل القاهرة لاعبًا محوريًّا في صياغة إطار تجاري أكثر تكاملًا، حيث يمكن تناول هذه المقومات عبر أربعة محاور رئيسية: (اليوم السابع).
- المقومات الجيوسياسية وموقع مصر الإستراتيجي: يُعد موقع مصر كبوابة بين إفريقيا وآسيا وأوروبا يمنحها قدرة على لعب دور الوسيط التجاري بين دول المجموعة، خاصة تركيا وإيران وباكستان من جهة، ونيجيريا وبنغلاديش وماليزيا من جهة أخرى، كما أن قناة السويس تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ما يجعل مصر قادرة على تقديم مبادرات لوجستية مشتركة تخدم دول D-8.
- والأهم هنا يكمن في استقرار الدولة ومؤسساتها مقارنة ببعض دول المجموعة، وهو ما يمنح القاهرة القدرة على قيادة مبادرات اقتصادية طويلة الأجل مع دول الثماني الإسلامية.
- المقومات الاقتصادية: إن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في عهد الرئيس السيسي منذ عشر سنوات تقريبًا، قد ساهم في تعزيز مرونة الاقتصاد المصري وجاذبيته للاستثمار، وهو ما يسمح بفتح أسواق مشتركة وتسهيل حركة رؤوس الأموال.
- وكذلك تنوع الاقتصاد المصري: صناعة، وزراعة، وطاقة، وخدمات لوجستية، بجانب تطوير الموانئ المصرية بشكل حديث، مما يتيح فرصًا للتكامل مع اقتصادات الدول الثماني التي تمتلك بدورها ميزات تكنولوجية وصناعية وزراعية، وذلك بالتزامن مع اتساع السوق المحلي حيث أكثر من 110 ملايين نسمة؛ الأمر الذي يجعل مصر نقطة جذب للتجارة البينية.
- البنية التحتية والتكامل اللوجستي: وكما ذكرنا فإن تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يمكن أن تكون منصة إنتاج مشتركة لدول المجموعة، وإنشاء شبكات النقل الإقليمية التي تربط مصر بإفريقيا والشرق الأوسط، ما يعزز دورها كمركز توزيع إقليمي، بجانب التحول الرقمي في الجمارك والتجارة الذي يسهِّل حركة السلع ويقلل زمن الإفراج الجمركي.
- المقومات السياسية والدبلوماسية: لا شك في إن علاقات مصر المتوازنة مع جميع دول D-8 دون استثناء، ما يتيح لها لعب دور الربط أو "الجسر السياسي" بين الدول ذات العلاقات المتوترة داخل المجموعة، والتزام القاهرة بمبدأ التعاون جنوب-جنوب الذي يشكل الأساس النظري للمجموعة، كذلك قدرة مصر على طرح مبادرات مشتركة في مجالات الأمن الغذائي، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتجارة الإلكترونية.
وهنا يمكن القول: إن رؤية مصر نحو إطار تجاري أكثر انفتاحًا بين دول الثماني الإسلامية ليست مجرد توجه اقتصادي، بل مشروع جيوسياسي يستند إلى موقع إستراتيجي فريد، وبنية تحتية قوية تتمتع بها الدولة المصرية. (اليوم السابع).
أبرز التحديات والفجوات التي يسعى إعلان القاهرة لمعالجتها:
نعم، هناك عدة عوامل جوهرية من التحديات الجسيمة أمام إعلان القاهرة للتجارة البينية مع دول الثماني الإسلامية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، هشاشة البنية السياسية في الإقليم في ظل التوترات الجارية.
كذلك، غياب منظومة أمن جماعي فعَّالة وقوية، خصوصًا في ظل وضع المنطقة التي تفتقر إلى إطار مؤسسي قادر على إدارة الأزمات أو منع الانفجارات الأمنية، وبالتالي فإن إعلان القاهرة يحاول بناء تنسيق سياسي وأمني يملأ هذا الفراغ، خصوصًا مع تراجع فعالية المنظمات الإقليمية التقليدية، لا سيما في ظل تآكل الثقة بين الدول الإسلامية.
أضف إلى ذلك: أن عقودًا مضت من التنافسات البينية خلقت بيئة يصعب فيها بناء مواقف مشتركة؛ لذا فإن الدور الذي تقوم به مصر وإعلان التجارة الحالي يحاول جاهدًا إعادة هندسة الثقة عبر آليات تشاور منتظم، وليس عبر بيانات ظرفية، لا سيما بالتزامن مع التحديات الأمنية العميقة، والنزاعات المفتوحة مثل: الأوضاع المشتعلة في غزة جراء عدوان الاحتلال الصهيوني، والأوضاع في السودان نتيجة تمرد ميليشيا الدعم السريع على الدولة، وكذلك جرائم الحوثي في اليمن. (اليوم السابع).
دور مصر القيادي الذي تمخَّض من مجرد استضافة الاجتماعات إلى صياغة أجندة اقتصادية مشتركة:
لقد خرجت مصر من دور المضيف إلى دور المُوجِّه، حيث لم يكن إعلان القاهرة مجرد منصة بروتوكولية، بل لحظة كشفت عن رغبة مصر في استعادة مركزيتها الاقتصادية داخل العالم الإسلامي. هذا التحول يستند إلى ثلاثة دوافع مهمة للغاية؛ حيث تدرك القاهرة أن الفراغ الاقتصادي في العالم الإسلامي يسمح لقوى أخرى بملئه، وبالتالي تتحرك لتكون العقدة المركزية في شبكات التجارة. (البوابة العقارية).
كما تدرك مصر ضرورة الحاجة إلى شراكات غير مرهونة بالغرب، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية، لذا تبحث مصر عن فضاء تجاري بديل يخفف التبعية ويمنحها هامش مناورة، لا سيما بعدما حققت نجاحات في ملفات إقليمية مثل: غزة، والوساطة، والعلاقات المتوازنة؛ تلك التي تمنحها شرعية لقيادة مسار اقتصادي جماعي.
وبالتالي فإن التحول الذي تقوم به القاهرة لم يكن شكليًّا، بل اتخذ شكل هندسة عملية لأجندة اقتصادية تتجاوز البيانات العامة، والذي نتج عنه عدة مسارات مختلفة منها: تحويل الاجتماعات إلى منصة لصياغة سياسات، والدفع بقوة نحو ضرورة وضع أولويات واضحة؛ كتسهيل التجارة، وإزالة العوائق الجمركية، وتعزيز سلاسل الإمداد.
تحاول مصر في ظل القيادة السياسية الحالية بناء رؤية تكاملية لا تعتمد على دولة واحدة، عبر توزيع الأدوار بين الدول الإسلامية وفق قدراتها، وخلق شبكات تجارة تقلل الاعتماد على الأسواق الغربية، بجانب تعزيز الربط اللوجستي بين موانئ ومناطق صناعية في الدول الأعضاء، حيث يمكن أن نقول بأن القاهرة تتحول لأن تكون مهندس التكامل وليس مجرد مشارك فيه فقط. (البوابة العقارية).
ومن المهم أن تستغل الدولة المصرية موقعها الجغرافي كبوابة تجارية، حيث أضحت مركز عبور بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومنصة لوجستية عبر قناة السويس والموانئ المطورة، كذلك نقطة تجميع وتوزيع للسلع بين دول المجموعة. فهذا الموقع الجغرافي يمنح مصر ثقلًا بل وزنًا تفاوضيًّا داخل إعلان دول المجموعة.
في المقابل نقول: إن قبول الدول الإسلامية بقيادة مصر لم يكن شيئًا عابرًا أو تلقائيًّا، بل نتاج عوامل موضوعية مهمة مثل أن مصر لها حياد سياسي نسبي يسمح لها بالعمل مع أطراف متباعدة، وقدرة مؤسسية على إدارة الاجتماعات وصياغة الوثائق.
بالإضافة إلى خبرة مصر التاريخية في بناء أطر تعاون إقليمي من خلال الجامعة العربية، والاتحاد الإفريقي، هذا بجانب رغبة الدول في إطار اقتصادي غير مسيَّس قدر الإمكان.
لهذا نقول: لقد أصبحت مصر الضامن لجدية مشروع التجارة بين دول المجموعة الإسلامية الذي سوف يخدم اقتصادات هذه الدول بما فيها القاهرة.
وقد أكد حسن الخطيب وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أن الاجتماع شهد الموافقة على تقرير اللجنة الإشرافية وفريق عمل الخبراء، وإقرار اختصاصات فريق العمل المعني باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، مع الدفع قدمًا بالجهود لتوسيع نطاق اتفاقية التجارة التفضيلية للمجموعة (D-8 PTA)، وتعزيز التعاون الجمركي، والانخراط بشكل أكثر فاعلية مع القطاع الخاص.
وأشار إلى أن هذه المخرجات تتماشى مع التقدم المحرز سابقًا ومخرجات قمة القاهرة في ديسمبر 2024، خاصة في الانتقال من الحوار السياسي إلى المبادرات الاقتصادية الملموسة في مجالات تيسير التجارة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وحث الوزير على المضي قدمًا في تنفيذ أولويات القمة، مبرزًا تسريع تفعيل اتفاقية التجارة التفضيلية والأدوات الجمركية المرتبطة بها، واعتماد إستراتيجية تيسير التجارة، وتعزيز التعاون التكنولوجي والذكاء الاصطناعي من خلال إنشاء "شبكة رواد مجموعة الثماني للبحث والابتكار"، بالإضافة إلى دعم الأمن الغذائي عبر مساعدة صغار المزارعين في الدول الأعضاء. (البوابة العقارية).
ما فرص الاستثمار المشترك المرشحة للنمو داخل دول المجموعة الإسلامية؟ توجد عدة مجالات مهمة يمكن العمل عليها خلال الفترة المقبلة بين مصر ودول الثماني الإسلامية أبرزها، الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية، حيث تشير تقارير منظمة التعاون الإسلامي إلى أن الاقتصاد الرقمي أصبح أحد أسرع القطاعات جذبًا للاستثمار داخل الدول الأعضاء، خصوصًا في مجالات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية. (قناة النيل للأخبار).
أضف إلى ذلك: انتشار البنية التحتية للاتصالات في دول مثل ماليزيا، وتركيا، والإمارات، والسعودية، وإندونيسيا، ومصر يخلق بيئة خصبة للتكامل الرقمي، لا سيما أن التمويل الإسلامي الرقمي (FinTech) بات يشهد الآن نموًّا كبيرًا، مع توسع أدوات مثل الصكوك الرقمية والتأمين التكافلي، ولكن لا بد من إنشاء منصات تجارة رقمية مشتركة بين الدول الإسلامية، وضرورة تطوير حلول دفع موحدة أو متوافقة، الأمر الذي قد يسهم في زيادة استثمارات مشتركة في مراكز بيانات وخدمات سحابية.
مشروع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث إن العديد من الدول الإسلامية تمتلك موارد طبيعية ضخمة للطاقة الشمسية والرياح (السعودية، مصر، المغرب، باكستان)، في ظل زيادة الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر، والدول الإسلامية تمتلك مساحات شاسعة لإنتاجه.
وهو ما يحتاج إلى إنشاء تحالفات إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، وعمل مشروعات مشتركة في تصنيع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، وربط شبكات الكهرباء بين الدول الإسلامية، مثلما حدث بين مصر والسعودية.
إن موقع الدول الإسلامية يمتد عبر أهم الممرات العالمية مثل: قناة السويس، ومضيق ملقا، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر. لذا تشير تقارير عدة حول ضرورة التمويل الإسلامي، لأن تحسين اللوجستيات هو مفتاح مضاعفة التجارة البينية، وهو ما يزيد في إنشاء ممرات تجارية إسلامية تربط آسيا بإفريقيا والشرق الأوسط، مع تطوير مناطق لوجستية مشتركة وموانئ جافة.
الاستثمار في الصناعات الدوائية والتقنيات الطبية يُعد من الفرص الواعدة بين دول المجموعة الإسلامية، حيث تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها الدوائية من دول غربية، وهو ما يمكن تعويضه بين مصر وهذه الدول. وصناعيًّا هناك قدرات صناعية قوية في دول مثل تركيا، ومصر، وماليزيا، وإندونيسيا.
ومن هذه الصناعات تكمن في إنشاء تحالفات لإنتاج الأدوية الأساسية واللقاحات، وتوطين صناعة المستلزمات الطبية، وهو ما يحتاج إلى مراكز بحث وتطوير مشتركة.
كما توجد عدة فرص من الاستثمار المشترك داخل دول المجموعة الإسلامية؛ تلك التي ليست مجرد قطاعات واعدة، بل مساحات إستراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد الإسلامي إذا تم استثمارها بذكاء. ومن القطاعات الأكثر قابلية للنمو هي تلك التي تجمع بين: ميزة نسبية طبيعية كالطاقة، والزراعة، وتكنولوجية مثل الاقتصاد الرقمي، وأيضًا جغرافية مثل اللوجستيات. (قناة النيل للأخبار).
وبالتالي يمكن للدول الإسلامية بناء شبكات اقتصادية تكاملية تعزز التجارة البينية وتقلل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
كيف يمكن تحويل إعلان القاهرة إلى برامج عمل واقعية؟
يحتاج إعلان القاهرة إلى عدة تحركات وبرامج لتحويله إلى واقع ملموس على الأرض، وذلك من خلال عدة محاور: (بوابة الأهرام).
أولًا: بنية تنفيذية: لا يمكن لأي إعلان سياسي أو اقتصادي أن يتحول إلى واقع دون مؤسسة، عبر مجلس تنسيق تجاري يضم ممثلين اقتصاديين من الدول الثماني، وأمانة فنية تتولى إعداد الدراسات، ومتابعة القرارات، وتقديم تقارير دورية، بجانب لجان قطاعية كالطاقة، واللوجستيات، والزراعة، والتجارة الرقمية، وذلك للعمل على تحويل البنود إلى خطط تشغيلية.
ثانيًا: تحديد أولويات قصيرة المدى قابلة للقياس: حيث إن الانتقال من أمنيات إلى أفعال يتطلب تحديد ملفات محددة مثل: خفض الرسوم الجمركية على سلع مختارة بين الدول الثماني، وإطلاق منصة إلكترونية موحدة لتسهيل التبادل التجاري، واعتماد نظام موحد لشهادات المنشأ، مع أهمية إنشاء ممرات لوجستية تجريبية بين دولتين أو ثلاث.
ثالثًا: ربط الإعلان بمشروعات استثمارية مشتركة: إن التحول الحقيقي لإعلان القاهرة يبدأ عندما يصبح الإعلان مظلة لمشروعات ملموسة، مثل: مناطق صناعية مشتركة، ومشروعات زراعية عابرة للحدود، وإنشاء خطوط نقل وسكك حديد تربط الدول الأعضاء، وهو ما يسهم في إنشاء مشروعات ذات عائد اقتصادي مباشر يجعل الدول أكثر التزامًا.
رابعًا: توحيد المعايير والإجراءات التنظيمية للتجارة: يُعد أكبر عائق أمام التجارة البينية في العالم الإسلامي ليس غياب الرغبة، بل تضارب الأنظمة. لذلك يجب العمل على: توحيد المعايير الصحية والجمركية، وتبسيط إجراءات العبور والنقل، واعتماد نظام جمركي إلكتروني موحد، كذلك ضرورة الاعتراف المتبادل بالمعايير الصناعية، الأمر الذي يسهم في أن يخلق سوقًا إسلامية أكثر سلاسة ومرونة بين دول المجموعة.
خامسًا: دور الصناديق والبنوك الإسلامية: بالطبع إن أي برنامج عمل يحتاج إلى تمويل، وذلك عبر تخصيص صندوق تمويل مشترك للمشروعات العابرة للحدود، وإصدار صكوك إسلامية مشتركة لتمويل البنية التحتية، مع ضرورة توجيه جزء من استثمارات الصناديق السيادية للدول الثماني نحو مشروعات التكامل، لأن التمويل هو ما يحول الخطط إلى واقع.
ولكن لا بد من إشراك القطاع الخاص لأنه عنصر مهم؛ بل هو الذي يخلق التجارة، وليس الحكومات. ومن ثم لا بد من عقد منتديات أعمال دورية بين الدول الثماني، وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين في المشروعات المشتركة، مع سرعة إنشاء منصات معلوماتية تربط الشركات بعضها ببعض، وكذلك دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة للدخول في سلاسل القيمة.
إذًا نقول: إن تحويل إعلان القاهرة إلى برامج عمل واقعية يتطلب هندسة تنفيذية تقوم على تحديد أولويات قابلة للقياس، وإطلاق مشروعات مشتركة، وتوحيد الأنظمة، وإشراك واسع للقطاع الخاص، وهو ما يسهم في أن يتحول الإعلان من وثيقة سياسية إلى مشروع اقتصادي إسلامي متكامل يعيد تشكيل التجارة البينية ويمنح الدول الثماني وزنًا أكبر في الاقتصاد العالمي. (بوابة الأهرام).
انعكاسات إعلان القاهرة على موقع مصر الإقليمي ودورها في هندسة التعاون الاقتصادي الإسلامي:
بالطبع ستكون هناك بعض الانعكاسات على الدولة المصرية في هذا التحول المهم، في ظل ظروف عالمية وإقليمية بالغة الصعوبة والتعقيد، والتي يمكن إيجازها في الآتي:
- مركزية مصر في الجغرافيا الاقتصادية الإسلامية: إن إعلان القاهرة لم يضف لمصر دورًا جديدًا بقدر ما أعاد تفعيل دور كان كامنًا، فالدول الإسلامية تمتد على ثلاثة محاور إستراتيجية: الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا، ومصر تقع في نقطة تقاطع هذه المحاور، لكنها لم تكن تستثمر هذا الموقع بما يكفي خلال العقد الماضي. حيث قد أعاد إعلان القاهرة للتجارة مع دول المجموعة، تحويل القاهرة إلى نقطة التقاء بين الأسواق الإسلامية، وتعزيز دور قناة السويس كممر رئيسي للتجارة البينية، وتقديم مصر كمركز لوجستي قادر على ربط آسيا بإفريقيا عبر شبكات نقل جديدة، ومن ثم يصبح الموقع الجغرافي جزءًا من أداة سياسية واقتصادية وليس مجرد ميزة طبيعية. (بوابة الأهرام).
- تعزيز مكانة مصر كوِجهة للاتفاقيات الاقتصادية: لا شك أن الدول الإسلامية عانت ولا تزال تعاني من تباينات سياسية واقتصادية تجعل بناء توافقات أمرًا صعبًا، ولقد جاء إعلان القاهرة ليكشف عن قدرة مصر في جمع أطراف متباعدة في الرؤى والمصالح، وصياغة أجندة اقتصادية لا تصطدم بحساسيات سياسية، وتقديم مقاربات عملية بدلًا من الشعارات، ومن ثمّ فإن هذا الدور يعزز صورة مصر كوسيط اقتصادي قادر على هندسة مسارات تعاون تتجاوز الخلافات.
- انتقال مصر من دور المستضيف إلى دور المنفذ: نعلم جميعًا أن التحركات الإقليمية كثيرًا ما تُختزل في استضافة اجتماعات أو إصدار بيانات، لكن إعلان القاهرة ليظهر تحولًا نوعيًّا، حيث باتت مصر لم تكتفِ بإدارة الاجتماعات، بل صاغت الإطار المفاهيمي للتعاون، ووضعت أولويات واضحة مثل: التجارة، واللوجستيات، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، كما دفعت نحو آليات تنفيذية، ما جعلها قوة دافعة وليست مجرد منصة، وهو ما يعيد لمصر دورها التقليدي كـ صانعة أطر إقليمية.
- تعزيز قدرة مصر على جذب الاستثمارات والشراكات: نعم تأتي انعكاسات الإعلان في أنها لا تتوقف عند السياسة الإقليمية، بل تمتد إلى الداخل المصري، وتقديم مصر كبوابة للاستثمار الإسلامي في إفريقيا والشرق الأوسط، وتعزيز موقعها كمركز للتصنيع وإعادة التصدير، وفتح المجال أمام مشروعات مشتركة في الطاقة والزراعة واللوجستيات، وهو ما يرفع من جاذبية مصر الاستثمارية ويمنحها دورًا محوريًّا في سلاسل الإمداد الإسلامية.
- بناء شبكة نفوذ ناعمة داخل العالم الإسلامي: يعتبر إعلان القاهرة بمثابة منح مصر أدوات جديدة للقوة الناعمة، خصوصًا في فترة تشهد توترًا دوليًّا وإقليميًّا كبيرًا، ما يجعلها تقود مبادرات اقتصادية ذات طابع تنموي، ما يعزز مكانتها الأخلاقية والسياسية والاقتصادية، والأهم من ذلك أن هذه الشبكة من العلاقات بالنسبة لمصر تعزز حضورها في المنظمات الإسلامية والإفريقية والآسيوية. (بوابة الأهرام).
ختامًا: ما أهمية إعلان القاهرة لمصر ودول المجموعة الإسلامية؟ إن إعلان القاهرة للتجارة يمثل نقطة انعطاف في مقاربة مصر للتعاون الاقتصادي داخل مجموعة الثماني الإسلامية، إذ لم تتعامل القاهرة مع هذا الإطار بوصفه تجمعًا بروتوكوليًّا، بل باعتباره أداة لإعادة بناء شبكة مصالح اقتصادية تربط دولًا تمتلك قدرات ضخمة لكنها مشتتة.
حيث تسعى مصر عبر تحويل المجموعة من فضاء رمزي إلى منصة إنتاج مصالح، ومن نقل المجموعة من مرحلة البيانات العامة إلى مرحلة التكامل العملي عبر مشروعات مشتركة، وتسهيل حركة التجارة، وتطوير سلاسل الإمداد، وبهذا تتحول المجموعة إلى كتلة اقتصادية فاعلة لا مجرد إطار سياسي.
إن إعلان القاهرة ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل إعادة تموضع إستراتيجي لمصر داخل العالم الإسلامي، وهو ما ينعكس على مصر في تعزيز المركزية الجغرافية والاقتصادية لها، وتوسيع نفوذها عبر أدوات اقتصادية، مما يسهم في رفع جاذبية مصر الاستثمارية.
من الواضح أن رؤية القيادة السياسية في مصر لا تكتفي بتعزيز التجارة فقط، بل تستهدف إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية داخل المجموعة بما يسمح لكل دولة بتوظيف ميزاتها النسبية، وهو ما يعيد تشكيل خريطة التعاون الإسلامي على أساس تكامل القدرات وليس تنافسها.
إذًا نقول: إن الدولة المصرية تطرح نفسها عبر إعلان القاهرة للتجارة، كدولة قادرة على صياغة أجندة اقتصادية مشتركة تجمع بين دول العالم الإسلامي ذات أولويات مختلفة، مما يعزز موقعها الإقليمي من جهة، واستغلال موارد دول المجموعة الإسلامية في تحقيق المصالح المشتركة من جهة أخرى.
الخلاصة:
- إن إعلان القاهرة ليس مجرد وثيقة سياسية فقط، بل خارطة طريق لإحياء مشروع اقتصادي إسلامي طال انتظاره، يقوم على المصالح المشتركة، وتكامل القدرات، وتفعيل آليات تنفيذية قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، ومن ثم عدم الاعتماد على الدول الكبرى أو الغربية في الصادرات والاستيراد والتبادل التجاري.
- ولا شك أن رؤية مصر في إعلان القاهرة للتجارة مع الدول الثماني الإسلامية، تعكس إدراكًا عميقًا بأن العالم الإسلامي يقف اليوم أمام نقطة فارقة، في ظل ضغوط اقتصادية عالمية، وتحولات في موازين القوى، وتنافس دولي على الموارد والممرات التجارية. وخصوصًا في ظل العربدة الإسرائيلية في المنطقة التي أثرت سلبًا على حجم التجارة وسلاسل الإمداد.
- إعلان القاهرة للتجارة مع المجموعة الإسلامية، لا يمكن أن نختزله في استضافة اجتماعات أو إصدار بيانات، بل يظهر تحولًا نوعيًّا في الدبلوماسية المصرية والتحركات الأخيرة، إذ باتت مصر لم تكتفِ بإدارة الاجتماعات بل تحويلها إلى واقع ملموس على الأرض مستغلة في ذلك موقعها الجغرافي والإستراتيجي والربط بين قارتي أوروبا وإفريقيا، وهو ما سيكون له الأثر البالغ في أمور مهمة مثل: التجارة، واللوجستيات، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي.
- بالأخير، إن هذا الإعلان بمثابة نهضة كبيرة إذا ما تم استغلاله جيدًا من قِبل دول المجموعة، وسيكون له تبعات وانعكاسات مهمة على الاقتصاد المصري، وباقي اقتصادات دول المجموعة الإسلامية، لا سيما أنه يهدف إلى توسيع الشراكات مع القطاع الخاص في كل الدول المشاركة، ومن ثمّ تحقيق الاستفادة القصوى صناعيًّا وتجاريًّا وزراعيًّا، وبالتالي خلق آلاف فرص العمل الجديدة لدول المجموعة، مما يسهم في زيادة الإنتاج ومعدلات النمو.
المصادر:
- بوابة الأهرام