إثيوبيا وأحلام البحر الأحمر.. تحركات القاهرة لإفشال مخططات التفكيك وردع التغلغل الإسرائيلي في القرن الإفريقي

تشهد منطقة القرن الإفريقي تصاعدًا في التوترات الجيوسياسية مع سعي إثيوبيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي عبر بوابة البحر الأحمر، وهو ما يُثير أخطارًا من محاولات لإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة؛ فقد اتجهت أديس أبابا إلى خطوات مثيرة للجدل أبرزها فتح قنوات مع إقليم أرض الصومال، في محاولة لمنحه شرعية دولية ككيان مستقل؛ الأمر الذي يُنظر إليه كمسعى لتفكيك الصومال وإضعاف وحدته الوطنية؛ وهذه التحركات تأتي في سياق طموحات إثيوبية أوسع للهيمنة على الممرات البحرية الحيوية، بما يضعها في مواجهة مباشرة مع مصالح دول الجوار وعلى رأسها مصر؛ فالقاهرة، التي تدرك خطورة هذه المخططات على الأمن الإقليمي، تتحرك بفاعلية لإفشال أي ترتيبات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار القرن الإفريقي، ويبدو أنَّ الصراع يتجاوز مجرد نزاع حدودي أو اقتصادي ليأخذ أبعادًا إستراتيجية تمس التوازنات الكبرى في المنطقة؛ وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح البحر الأحمر ساحة تنافس مُحتدم بين القوى الإقليمية الباحثة عن النفوذ والسيطرة.
فكيف يمكن قراءة تاريخ علاقات إثيوبيا بإقليم أرض الصومال وموقف أديس أبابا من الأزمة الصومالية؟ وهل يمثل سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر خطوة إستراتيجية لتعزيز نفوذها أم تهديدًا لاستقرار الإقليم؟ وما حدود التنسيق بين إثيوبيا والكيان الإسرائيلي إزاء إقليم أرض الصومال في ظل المصالح المشتركة بين الجانبين والاعتراف الإسرائيلي الأخير بالإقليم الانفصالي؟ وما الأدوات التي قد تستخدمها القاهرة لإفشال محاولات أديس أبابا في إعادة تشكيل خريطة القرن الإفريقي؟ وإلى أي مدى يمكن أن يؤدي التنافس على الممرات البحرية إلى صدام مباشر بين القوى الإقليمية الكبرى؟ وهل يشكل تفكيك الصومال بداية لمشروع إثيوبي أوسع يستهدف إعادة توزيع موازين القوى في المنطقة؟
يسلط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على التحركات الإثيوبية إزاء إقليم أرض الصومال، ومحاولات أديس أبابا إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية في إقليم القرن الإفريقي في هذه السطور الآتية:
تاريخ علاقات إثيوبيا بإقليم أرض الصومال وموقف أديس أبابا من الأزمة الصومالية:
ارتبطت علاقة إثيوبيا بإقليم أرض الصومال منذ بدايات تفكك الدولة الصومالية في مطلع التسعينيات، حيث وجدت أديس أبابا في هذا الكيان المنفصل فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي بعيدًا عن سلطة مقديشو المركزية؛ فقد سعت إلى بناء قنوات اتصال سياسية وأمنية مع سلطات الإقليم، مستفيدة من موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، بما يتيح لها هامشًا أوسع للتحرك في مواجهة خصومها التقليديين؛ وهذا التوجه منح أرض الصومال دعمًا غير مباشر في مساعيها للانفصال، بينما وفر لإثيوبيا ورقة ضغط إضافية في إدارة علاقاتها مع الصومال.
ومع تصاعد الأزمات الداخلية في الصومال، اتخذت إثيوبيا موقفًا براغماتيًّا يقوم على التعامل مع أرض الصومال ككيان شبه مستقل، دون الاعتراف الرسمي به؛ وهذا الموقف سمح لها بالاستفادة من التعاون الأمني والاقتصادي مع الإقليم، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام التوازنات الإقليمية؛ وفي الوقت نفسه، كانت أديس أبابا حريصة على عدم قطع شعرة معاوية مع الحكومة الصومالية، إدراكًا منها أنَّ أي اعتراف صريح قد يفتح بابًا لصراعات أوسع في القرن الإفريقي (مركز رع للدراسات الإستراتيجية).
ومن الناحية الأمنية: وظَّفت إثيوبيا علاقتها بأرض الصومال أداةً لمواجهة التهديدات القادمة من الحركات المسلحة في الصومال الجنوبي، حيث شكلت الحدود المشتركة مجالًا لتنسيق عمليات عسكرية ومراقبة تحركات الجماعات المتطرفة؛ وهذا التعاون عزز من مكانة الإقليم كحليف غير معلن، بينما منح إثيوبيا قدرة على التدخل في الشأن الصومالي تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وبذلك، تحولت العلاقة إلى شراكة وظيفية تخدم مصالح الطرفين في ظل هشاشة الوضع الأمني العام.
واقتصاديًّا، استفادت إثيوبيا من الموانئ التي يسيطر عليها أرض الصومال، خاصة ميناء بربرة، باعتباره منفذًا محتملًا لتقليل اعتمادها على جيبوتي؛ وهذا البعد الاقتصادي أضاف بعدًا إستراتيجيًّا للعلاقة، حيث رأت أديس أبابا في الإقليم فرصة لتوسيع خياراتها البحرية وتعزيز قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية؛ وفي المقابل: حصل الإقليم على استثمارات ودعم لوجستي يعزز من موقعه ككيان يسعى لترسيخ استقلاله الفعلي.
أما على المستوى السياسي، فقد اتسم موقف إثيوبيا بالمرونة والازدواجية، فهي من جهة تدعم أرض الصومال في مساعي تعزيز استقلاليته، ومن جهة أخرى تحافظ على خطاب رسمي يؤكد احترام وحدة الصومال؛ وهذا التناقض يعكس رغبة أديس أبابا في استخدام الأزمة الصومالية أداةً لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي، دون أن تتحمل تبعات الاعتراف المباشر بالانفصال، لتبقى بذلك العلاقة بين الطرفين محكومة باعتبارات إستراتيجية تتجاوز حدود القانون الدولي لتصب في إطار صراع النفوذ الإقليمي.
مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر من بوابة تفكيك الإقليم:
هذا؛ وتسعى إثيوبيا إلى كسر عزلتها الجغرافية عبر مشروع الوصول إلى البحر الأحمر، وهو ما يضع هذه الخطوة في إطار إستراتيجي يتجاوز مجرد البحث عن منفذ بحري؛ فالدولة التي تفتقر للسواحل ترى في هذا التوجه وسيلة لتعزيز مكانتها الإقليمية وإعادة صياغة دورها في القرن الإفريقي، غير أنَّ هذا الطموح يثير أخطارًا من انعكاساته على التوازنات القائمة، خاصة وأنه يتقاطع مع مصالح دول أخرى تعتمد على الممرات البحرية ذاتها (المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية).
وفي المقابل: ينظر كثيرون إلى هذه التحركات باعتبارها تهديدًا لاستقرار المنطقة، إذ قد تؤدي إلى فتح ملفات حساسة تتعلق بالحدود والسيادة الوطنية؛ فمحاولة فرض واقع جديد عبر التوسع نحو البحر الأحمر قد تشعل تنافسًا محتدمًا بين القوى الإقليمية، ما يضاعف احتمالات الصدام، وهذا التوتر يزداد مع إدراك أنَّ الممرات البحرية ليست مجرد خطوط تجارية، بل هي شرايين أمنية واقتصادية حيوية.
كما أنَّ الطموحات الإثيوبية تحمل في طياتها أبعادًا سياسية تتعلق بقدرتها على التأثير في مسارات الأزمات المحيطة بها، فالوصول إلى البحر الأحمر يمنحها أوراق ضغط إضافية في علاقاتها مع دول الجوار، ويتيح لها مساحة أوسع للتفاوض على قضايا إقليمية معقدة؛ لكن هذه المكاسب المحتملة قد تأتي على حساب استقرار الدول الأخرى، ما يجعل المشروع محفوفًا بالأخطار.
وبين الرغبة في تعزيز النفوذ والقلق من تداعياته، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، حيث يمكن أن يتحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس جيوسياسي محتدم؛ وهذا التنافس قد يُعيد رسم خريطة التحالفات في القرن الإفريقي، ويضع المنطقة أمام تحديات جديدة تتعلق بقدرتها على إدارة التوازن بين الطموحات الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي.
حدود التنسيق الإثيوبي الإسرائيلي إزاء إقليم أرض الصومال الانفصالي:
وفيما يتعلق بالتقاء المصالح الإثيوبية والإسرائيلية في إقليم القرن الإفريقي، فإنَّ العلاقة بين الجانبين تتسم بقدر من التنسيق غير المعلن، حيث يجمع الطرفين اهتمام مشترك بالتحكم في الممرات البحرية الحيوية؛ فإثيوبيا ترى في هذا الإقليم بوابة محتملة لكسر عزلتها الجغرافية، بينما ينظر الإسرائيليون إليه كمنصة إستراتيجية لتعزيز حضورهم في البحر الأحمر، وهذا التلاقي في المصالح يفتح المجال أمام تعاون متعدد الأبعاد يتجاوز حدود التنسيق التقليدي.
فعلى المستوى الأمني، يُشكِّلُ الإقليم نقطة ارتكاز مهمة لكلا الطرفين في مواجهة التحديات الإقليمية، إذ يوفر أرضية لتبادل المعلومات وتنسيق المواقف تجاه الجماعات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود؛ وهذا التعاون يعكس رغبة مشتركة في بناء شبكة نفوذ قادرة على التأثير في مسارات الأزمات المحيطة، ومن خلال هذا البعد الأمني، يصبح الإقليم أداة لتعزيز السيطرة غير المباشرة على المشهد الصومالي (المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط).
واقتصاديًّا، يبرز ميناء بربرة كأحد أهم عناصر الجذب في العلاقة، حيث يمثل منفذًا بحريًّا يمكن أن يخدم الطموحات الإثيوبية ويمنح الإسرائيليين موطئ قدم في التجارة الإقليمية؛ وهذا البعد الاقتصادي يضيف وزنًا إستراتيجيًّا للتنسيق بين الجانبين، ويجعل من الإقليم محورًا لمشروعات استثمارية قد تعزز استقلاليته الفعلية عن مقديشو، ومن هنا، يتداخل الاقتصاد مع السياسة ليشكل قاعدة صلبة للتعاون.
وسياسيًّا، يعكس الاعتراف الإسرائيلي الأخير بالإقليم الانفصالي رغبة في تكريس واقع جديد يتماشى مع مصالح الطرفين، وهو ما يمنح إثيوبيا دعمًا غير مباشر في مساعيها لإضعاف الدولة الصومالية؛ فهذا الاعتراف يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة قد تغير طبيعة التوازنات في القرن الإفريقي، ويمنح أرض الصومال زخمًا إضافيًّا في سعيه للشرعية الدولية، وفي المقابل: تستفيد إسرائيل من تعزيز حضورها في منطقة حساسة إستراتيجيًّا.
وبين الطموحات الإثيوبية والدعم الإسرائيلي، تتشكل معادلة معقدة تجعل من إقليم أرض الصومال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية؛ فهذا التنسيق يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية السيطرة على الممرات البحرية، لكنه في الوقت ذاته يثير أخطارًا من تداعياته على وحدة الصومال واستقرار المنطقة، ليصبح الإقليم نقطة اختبار لمدى قدرة القوى الإقليمية على إدارة مصالحها دون إشعال صراعات جديدة.
تحركات الدولة المصرية وأدواتها لإفشال مخططات إثيوبيا لتفكيك الصومال وإعادة تشكيل خريطة الإقليم:
ومع مشهد التحالفات الإثيوبية الإسرائيلية في إقليم القرن الإفريقي، تبرز الدولة المصرية بامتلاكها لمجموعة من الأدوات التي يمكن أن توظفها لإفشال محاولات أديس أبابا في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي بالقرن الإفريقي، حيث تبدأ بالتحرك الدبلوماسي المكثف داخل المؤسسات الإقليمية والدولية؛ فمن خلال تفعيل دورها في الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، تستطيع مصر حشد المواقف الرافضة لأي ترتيبات تهدد وحدة الدول القائمة، وهذا المسار يمنحها قدرة على بناء جبهة سياسية واسعة تضيق هامش المناورة أمام إثيوبيا.
وإلى جانب ذلك، تعتمد القاهرة على أدواتها الأمنية والعسكرية عبر تعزيز التعاون مع دول الجوار المتضررة من الطموحات الإثيوبية؛ فالتنسيق الاستخباري وتبادل المعلومات الأمنية يُشكِّلان وسيلة فعالة لمواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار، كما أنَّ المناورات المشتركة والاتفاقيات الدفاعية تمنح مصر ثقلًا إضافيًّا في معادلة الردع الإقليمي، وهذا البعد الأمني يرسخ حضورها كفاعل رئيسي في حماية الممرات الحيوية.
واقتصاديًّا، يمكن لمصر أن تستخدم نفوذها في مجالات التجارة والطاقة لخلق بدائل تقلل من قدرة إثيوبيا على فرض واقع جديد؛ فالتعاون مع دول القرن الإفريقي في مشروعات البنية التحتية والموانئ يعزز من استقلالية هذه الدول ويحد من اعتمادها على أديس أبابا، كما أنَّ الاستثمارات المصرية في قطاعات النقل واللوجستيات تمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة الطموحات الإثيوبية (مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية).
وإعلاميًّا، تمتلك القاهرة القدرة على توظيف أدواتها الناعمة عبر حملات توعية وإبراز الأخطار التي قد تنجم عن إعادة رسم الحدود السياسية؛ فالتأثير الإعلامي يساهم في تشكيل الرأي العام الإقليمي والدولي، ويضع إثيوبيا في موقف دفاعي أمام الاتهامات بالسعي لتفكيك الدول، وهذا البعد الدعائي يعزز من قدرة مصر على كسب التعاطف الدولي مع مواقفها.
وأخيرًا، تلجأ القاهرة إلى بناء تحالفات إستراتيجية مع القوى الدولية الكبرى التي لها مصالح مباشرة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهذا التنسيق يتيح لها الاستفادة من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لتقويض أي ترتيبات أحادية الجانب؛ ومن خلال هذه التحالفات، تستطيع مصر أن توازن الطموحات الإثيوبية وتعيد ضبط المشهد بما يتوافق مع مصالحها ومصالح شركائها.
أخطار الصدام بين القوى الإقليمية الفاعلة في القرن الإفريقي في ظل مخططات إثيوبية إسرائيلية تجاه الإقليم:
هذا؛ وتُشكِّلُ التحركات الإثيوبية الإسرائيلية في القرن الإفريقي عاملًا معقدًا يثير احتمالات التصادم بين القوى الفاعلة في المشهد، إذ يتقاطع هذا التنسيق مع مصالح دول عديدة ترى في المنطقة مجالًا حيويًّا لأمنها القومي؛ فإثيوبيا تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر بوابة البحر الأحمر، بينما يركز الإسرائيليون على ترسيخ حضورهم في الممرات البحرية، ما يخلق حالة من التداخل الإستراتيجي قد يصعب احتواؤها، وهذا التلاقي يضع المنطقة أمام معادلة جديدة تتطلب إعادة تقييم موازين القوى.
ومن زاوية الأمن الإقليمي: فإنَّ أي تعاون بين الطرفين في دعم كيانات انفصالية أو إعادة تشكيل الخريطة السياسية يهدد مباشرة وحدة الدول القائمة؛ وهذا التوجه قد يدفع قوى إقليمية أخرى إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا، خشية أن يؤدي إلى زعزعة استقرارها الداخلي، ومع تصاعد هذه الأخطار، يصبح احتمال المواجهة العسكرية أو الأمنية أكثر واقعية، خاصة في ظل هشاشة البنى السياسية والأمنية في المنطقة.
واقتصاديًّا، يضيف البعد البحري وزنًا كبيرًا للتحركات المشتركة، حيث يُشكِّلُ التحكم في الموانئ والممرات البحرية نقطة تنافس رئيسية بين القوى الإقليمية والدولية؛ وهذا التنافس قد يتحول إلى صراع مفتوح إذا حاولت إثيوبيا وإسرائيل فرض ترتيبات جديدة تتعارض مع مصالح دول أخرى مثل مصر أو جيبوتي، ومن هنا، يصبح الاقتصاد محفزًا إضافيًّا للتوتر، وليس مجرد عامل للتعاون (مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار).
وسياسيًّا، يثير الاعتراف الإسرائيلي بكيانات انفصالية في المنطقة أخطارًا من تكريس واقع جديد يفتح الباب أمام إعادة رسم الحدود، فهذا الاعتراف يمنح إثيوبيا دعمًا غير مباشر في مساعيها، لكنه في الوقت ذاته يضعها في مواجهة مع القوى الرافضة لأي تفكيك للدول القائمة؛ ومع تزايد الضغوط، قد تجد بعض الأطراف نفسها مضطرة إلى التصعيد لحماية مصالحها الإستراتيجية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أنَّ التحركات الإثيوبية الإسرائيلية تحمل في طياتها بذور صدام محتمل بين القوى الفاعلة، إذ يصعب تصور أن تمر محاولات إعادة تشكيل المشهد دون ردود قوية من الأطراف المتضررة، وهذا التداخل بين الأمن والسياسة والاقتصاد يجعل من القرن الإفريقي ساحة مفتوحة لاحتمالات المواجهة، ويضع المنطقة أمام تحديات جديدة تتعلق بقدرتها على إدارة التوازنات دون الانزلاق إلى صراع مباشر.
محاولات تفكيك الصومال وإستراتيجية إثيوبيا طويلة الأمد في إقليم القرن الإفريقي:
ويبدو أنَّ تفكيك الصومال قد يُشكِّلُ بالنسبة لإثيوبيا نقطة انطلاق لمشروع أوسع يستهدف إعادة توزيع موازين القوى في القرن الإفريقي، حيث ترى أديس أبابا أنَّ إضعاف الدولة الصومالية يمنحها فرصة لتوسيع نفوذها الإقليمي؛ وهذا التوجه يعكس رغبة في استثمار هشاشة الوضع الداخلي للصومال لتكريس دورها قوةً مركزية قادرة على فرض ترتيبات جديدة، ومن هنا، يصبح التفكيك أداةً إستراتيجية وليست مجرد حدث معزول.
وفي السياق الأمني، يمثل انهيار الصومال فرصة لإثيوبيا لتوسيع حضورها العسكري والاستخباري في المنطقة، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وحماية الحدود؛ وهذا التوسع يتيح لها التحكم في مسارات الأزمات الأمنية، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في موازين القوى، ومع غياب سلطة مركزية قوية في الصومال، يصبح التدخل الإثيوبي أكثر سهولة وأقل تكلفة سياسيًّا.
واقتصاديًّا، يفتح تفكيك الصومال الباب أمام إثيوبيا لاستغلال الموانئ والممرات البحرية التي قد تنشأ من كيانات جديدة أو شبه مستقلة؛ وهذا البعد الاقتصادي يعزز من قدرتها على تقليل اعتمادها على منافذ محدودة مثل جيبوتي، ويمنحها خيارات أوسع للوصول إلى الأسواق العالمية، ومن خلال هذا المسار، يتحول التفكيك إلى فرصة لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة.
وسياسيًّا، يمكن لإثيوبيا أن تستخدم تفكيك الصومال ذريعةً لإعادة صياغة التحالفات الإقليمية، عبر دعم كيانات انفصالية أو بناء ترتيبات جديدة تتماشى مع مصالحها؛ وهذا التوجه يعكس رغبة في فرض واقع سياسي جديد يضعها في موقع القيادة، ويمنحها قدرة على التحكم في مسارات القرارات الإقليمية، ومن هنا، يصبح التفكيك أداة لإعادة توزيع النفوذ السياسي.
وبين الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية، يبدو أنَّ مشروع إثيوبيا يتجاوز حدود الصومال ليشمل إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بأكمله، فهذا المشروع يعكس طموحًا لإعادة توزيع موازين القوى بما يضع أديس أبابا في موقع الفاعل الرئيسي، ويجعل من تفكيك الصومال مجرد بداية لمسار أوسع يستهدف إعادة هندسة القرن الإفريقي وفقًا لرؤيتها الإستراتيجية.
الخلاصة:
- تشهد منطقة القرن الإفريقي تصاعدًا في التوترات الجيوسياسية مع سعي إثيوبيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي عبر بوابة البحر الأحمر، وهو ما يثير أخطارًا من محاولات لإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة؛ فقد اتجهت أديس أبابا إلى خطوات مثيرة للجدل أبرزها فتح قنوات مع إقليم أرض الصومال، في محاولة لمنحه شرعية دولية ككيان مستقل، الأمر الذي يُنظر إليه كمسعى لتفكيك الصومال وإضعاف وحدته الوطنية.
- إنَّ هذه التحركات تأتي في سياق طموحات إثيوبية أوسع للهيمنة على الممرات البحرية الحيوية، بما يضعها في مواجهة مباشرة مع مصالح دول الجوار وعلى رأسها مصر، فالقاهرة، التي تدرك خطورة هذه المخططات على الأمن الإقليمي، تتحرك بفاعلية لإفشال أي ترتيبات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار القرن الإفريقي.
- يبدو أنَّ الصراع يتجاوز مجرد نزاع حدودي أو اقتصادي ليأخذ أبعادًا إستراتيجية تمس التوازنات الكبرى في المنطقة، وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح البحر الأحمر ساحة تنافس محتدم بين القوى الإقليمية الباحثة عن النفوذ والسيطرة.
المصادر:
المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية
المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط