قراءة في الأبعاد الجيوسياسية لمشروع خط الغاز المغربي النيجيري وتحولات خريطة الطاقة بين أوروبا وإفريقيا

يُعَدُّ مشروع خط الغاز المغربي النيجيري أحد أبرز المُبادرات الإستراتيجية التي تُعيد تشكيل مُعادلات الطاقة والجغرافيا السياسية بين أوروبا وإفريقيا؛ فالمشروع الذي يمتد عبر أكثر من 5,000 كيلومتر، لا يقتصر على كونه بنية تحتية لنَقْلِ الطاقة، بل يُمَثِّلُ رافعةً للتكامل الإقليمي والتنمية المُشتركة بين دُوَلِ غرب إفريقيا، وفي ظل التوترات الجيوسياسية العالمية وتقلُّبات سوق الطاقة، يَكْتَسِبُ هذا الخط أهميةً مُتزايدةً كبديل مُحتَمَل للغاز الروسي في الأسواق الأوروبية؛ كما ويَعْكِسُ طموحَ المغرب في لَعْبِ دَوْرٍ مِحْوَرِيٍّ في الرَّبْطِ بين الجنوب والشمال، مُسْتَفِيدًا من موقعه الجغرافي وشراكاته المُتَعَدِّدَة، ومن هنا؛ تبرز الحاجة إلى تحليل أبعاد هذا المشروع من منظور إستراتيجي، واقتصادي، وبيئي، لفهم تحولات خريطة الطاقة العالمية.
فما تفاصيل مشروع خط أنابيب الغاز المغربي النيجيري؟ وكيف يتكامل المشروع مع مشروعات خطوط الغاز في شرق وشمال إفريقيا لِرَبْطِ إفريقيا بأوروبا؟ ماذا عن أبعاد ودوافع المشروع في هذا التوقيت في ظل أزمات الطاقة العالمية المُتزايدة؟ ماذا عن أهمية خط أنابيب الغاز المغربي النيجيري للبلدين وللدول الأوروبية؟ وكيف يمكن قراءة التحديات والإشكاليات المختلفة أمام تحقيق المشروع؟ وفي ظل ذلك المشروع كيف يمكن قراءة مَشْهَدِ خريطة خطوط أنابيب الطاقة الرابطة بين أوروبا وإفريقيا وأثرها الجيوسياسي في المنطقة؟
يُسَلِّطُ مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوءَ على؛ مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي المغربي النيجيري وتكاملاته مع مشروعات الطاقة في الإقليم وأثرها على خريطة الطاقة بين أوروبا وشمال إفريقيا؛ في هذه السطور الآتية.
تفاصيل مشروع خط أنابيب الغاز المغربي النيجيري:
انطلق تصوُّر مشروع الرَّبْط الطاقي بين نيجيريا والمغرب سَنَةَ 2016م، ليُشَكِّلَ خطوةً طموحةً نحو تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، إذ يمتد الأنبوب على مسافة تُقَارِبُ 6,000 كيلومتر، عابرًا بذلك نحو 13 دولة إفريقية، من خليج غينيا إلى الساحل الأطلسي؛ ويهدف إلى نَقْلِ الغاز الطبيعي من الحقول النيجيرية إلى أوروبا عبر الأراضي المغربية، مُسْتَفِيدًا من البنية التحتية القائمة، فالمشروع يندرج ضمن رؤية إستراتيجية لتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وتوسيع الخيارات أمام المستهلكين الأوروبيين، كما ويَعْكِسُ رغبةَ الدُوَلِ المَعْنِيَّة في تحقيق تنمية مُسْتَدامة عبر استثمار الموارد الطبيعية المُشتركة.
كما حصل المشروع على دعم مالي من مُؤَسَّسَاتٍ دولية؛ أبرزها: البنك الإسلامي للتنمية وصندوق أوبك، لتغطية تكاليف الدراسات الهندسية، وبَلَغَتْ قيمة التمويلات الأولية نحو 59 مليون دولار، خُصِّصَتْ لتحديد الجدوى التقنية والاقتصادية؛ وجَرَى تأسيس شركة مُشتركة للإشراف على مراحل التنفيذ، تَجْمَعُ بين الجِهَاتِ المغربية والنيجيرية المَعْنِيَّة بالهيدروكربونات، وتُشير التقديرات إلى أن الطاقة الاستيعابية للأنبوب قد تصل إلى 30 مليار متر مُكَعَّب سنويًّا، وهذا الحجم يَعْكِسُ طموحًا كبيرًا في تحويل غرب إفريقيا إلى مركز تصدير للغاز نحو الأسواق العالمية (مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة).
هذا؛ وتواجه المبادرة تحديات مُتَعَدِّدَة، أبرزها التعقيدات السياسية في بعض الدُوَلِ التي يَمُرُّ بها الخط، إضافةً إلى الأخطار الأمنية، وتتطلب عملية الإنشاء تنسيقًا دقيقًا بين الحكومات لضمان الاستقرار القانوني واللوجستي؛ كما وأن التمويل الكامل للمشروع لم يُحْسَمْ بَعْدُ، رغم التقدُّم في المُفاوضات مع شُركاء دوليين، وهناك أيضًا اعتبارات بيئية تتعلَّقُ بمسار الأنبوب وتأثيره على النُّظُمِ الإيكولوجية المَحَلِّيَّة ومع ذلك، فإن الزخم السياسي والإقليمي يَمْنَحُ المشروع فُرَصًا واعدةً للتقدُّم نحو التنفيذ الفعلي.
ومن الناحية الجيوإستراتيجية: يُنظَرُ إلى هذا الخط كبديل مُحتَمَل لبعض خطوط الإمداد التقليدية التي تَأَثَّرَتْ بالأزمات الدولية، إذ يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادره الطاقيَّة، ما يَجْعَلُ المشروع مَحَطَّ اهتمام مُتزايد من قِبَلِ بروكسل؛ كما وأن المغرب يُعَزِّزُ موقعه كمحور عبور للطاقة بين إفريقيا وأوروبا، مُسْتَفِيدًا من موقعه الجغرافي وشراكاته المُتَعَدِّدَة؛ ونيجيريا من جِهَتِهَا، تطمح إلى توسيع صادراتها خارج الإطار الإقليمي، مُسْتَغِلَّةً احتياطاتها الضخمة من الغاز، وهذا التلاقي في المصالح يَفْتَحُ آفاقًا جديدةً أمام التعاون جنوب-جنوب وشمال-جنوب في قطاع الطاقة.
كيف يتكامل المشروع مع مشروعات خطوط الغاز في شرق وشمال إفريقيا لِرَبْطِ إفريقيا بأوروبا؟
فضلًا عن أن مشروع الرَّبْط الطاقي بين نيجيريا والمغرب يُشَكِّلُ جُزءًا من شبكة أوسع تسعى إلى تعزيز تدفُّق الغاز من القارة الإفريقية نحو أوروبا عبر مَسَارَاتٍ مُتَعَدِّدَة، ففي شرق إفريقيا، تبرز مُبادرات مثل خط الغاز من تنزانيا إلى أوغندا، والتي تهدف إلى استغلال احتياطيات الغاز المُكْتَشَفَة حديثًا؛ وهذه المشاريع رغم اختلاف نطاقها، تتكامل من حيث الرؤية الإستراتيجية التي تسعى إلى تحويل إفريقيا إلى مصدر رئيسي للطاقة النظيفة، كما وأن التوجه الأوروبي نحو تنويع الإمدادات يَدْفَعُ نحو دعم هذه المُبادرات، وبذلك يُصْبِحُ التنسيق بين الأقاليم ضرورةً لضمان التكامل الطاقي.
وفي شمال القارة: تبرز الجزائر كلاعب تقليدي في تصدير الغاز عبر خطوط تَمُرُّ بإيطاليا وإسبانيا، لكنها تواجه تحديات سياسية وتقنية، في حين أن ليبيا تَمْتَلِكُ إمكانات كبيرةً لكنها تُعاني من عدم الاستقرار، ما يَحُدُّ من قدرتها على تطوير بنيتها التحتية، وعلى الجانب المصري فإن القاهرة تسعى من جِهَتِهَا، لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للغاز عبر مَحَطَّاتِ التسييل في إدكو ودمياط، وتطمح إلى توسيع شبكات الرَّبْط مع دُوَلِ الجوار؛ وهذا التنوُّع في المَسَارَات يَخْلُقُ فُرَصًا للتكامل بين خطوط الشرق والشمال والغرب، ويُتِيحُ لأوروبا خيارات مُتَعَدِّدَة لتأمين احتياجاتها الطاقية بعيدًا عن مصادر تقليدية.
فالتكامل بين هذه المشاريع يَتَطَلَّبُ تنسيقًا على مُسْتَوَى السياسات الطاقية والبنية التحتية العابرة للحدود؛ فالاتحاد الأفريقي يمكن أن يَلْعَبَ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا في صياغة إطار تنظيمي مُشْتَرَك يَضْمَنُ الانسيابية والشفافية، كما وأن المُؤَسَّسَات المالية الدولية مَدْعُوَّةٌ إلى دعم هذا التوجه عبر تمويلات مُوَجَّهَة للمشاريع الإقليمية؛ فالرَّبْط بين خطوط الغاز المختلفة يُتِيحُ إنشاء شبكة قارية مَرِنَة تستجيب للطلب العالمي المُتَغَيِّر، وهذا النموذج يُعَزِّزُ من قُدْرَةِ إفريقيا على التفاوض كشريك طاقي مُوَحَّد.
ومن الناحية التقنية: يمكن رَبْطُ خطوط الأنابيب عبر مَحَطَّاتِ تحويل وتسييل مُشتركة، ما يُتِيحُ تنويع طُرُقِ التصدير، فالمغرب على سبيل المثال، يمكن أن يَسْتَفِيدَ من الرَّبْط مع مصر عبر شبكة كهرباء المتوسط، مما يَفْتَحُ المجال لتبادل الطاقة بأنواعها؛ كما أن تطوير موانئ التصدير في المحيط الأطلسي والبحر الأحمر يُعَزِّزُ من قُدْرَةِ الدُوَلِ على الوُصُولِ إلى الأسواق العالمية، وهذا التكامل يَتَطَلَّبُ استثمارات ضخمة في التكنولوجيا والبنية التحتية، لكنه يَفْتَحُ آفاقًا جديدةً أمام التعاون الأفريقي الأوروبي في مجال الطاقة.
والتحديات التي تواجه هذا التكامل تشمل التباين في السياسات الوطنية، وضعف التنسيق الإقليمي، والأخطار الأمنية في بعض المناطق؛ كما وأن المنافسة بين الدُوَلِ قد تُعَرْقِلُ جهود التعاون إذا لم تُدَارْ بحكمة، لذلك فإن إنشاء آليات دبلوماسية واقتصادية مُشتركة يُصْبِحُ أمرًا مُلِحًّا لضمان نجاح هذه المشاريع، ومن المهم أيضًا إشراك القطاع الخاص في عمليات التطوير والتشغيل لضمان الكفاءة والاستدامة، وهذا النَّهْجُ يُعَزِّزُ من فُرَصِ تحويل إفريقيا إلى فاعل رئيسي في سوق الطاقة العالمي (مركز روابط للدراسات الإستراتيجية والسياسية).
وفي ظل التحولات الجيوسياسية العالمية، تزداد أهمية هذه المشاريع كأدوات لإعادة رَسْمِ خريطة النفوذ الطاقي، فأوروبا التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على مصادر تقليدية، تَجِدُ في إفريقيا شريكًا واعدًا لتأمين احتياجاتها؛ وهذا التوجه يَخْلُقُ ديناميةً جديدةً في العلاقات بين الشمال والجنوب، ويُعيد الاعتبار لِإفريقيا كمصدر إستراتيجي للطاقة، كما وأن التكامل بين خطوط الغاز المختلفة يُعَزِّزُ من قُدْرَةِ القارة على مُواجهة التحديات المناخية عبر دعم الانتقال الطاقي؛ وبذلك تَتَحَوَّلُ مشاريع الرَّبْط الطاقي إلى أدوات للتنمية والتوازن الجيوسياسي.
أبعاد ودوافع المشروع في هذا التوقيت في ظل أزمات الطاقة العالمية المُتزايدة:
حيث إن إطلاق مشروع الرَّبْط الغازي بين نيجيريا والمغرب، يأتي في لحظة حَرِجَة يَشْهَدُ فيها العالم اضطرابات حادَّة في سوق الطاقة، نتيجةً لتقلبات جيوسياسية مُتَسَارِعَة؛ وارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، وتراجع الإمدادات من بعض المصادر التقليدية، وقد دَفَعَتْ تلك التطوراتُ الدُوَلَ المختلفةَ أبرزُهَا الأوروبيونَ إلى البَحْثِ عن بدائل أكثر استقرارًا، وإفريقيا بِمَوَارِدِهَا غير المُسْتَغَلَّة، أصبحت مَحَطَّ أنظار القُوَى الاقتصادية الكبرى، وهذا السياق يُوَفِّرُ أرضيةً خصبةً لتفعيل مشاريع طاقيَّة عابرة للحدود ويَمْنَحُ المُبادرات الإقليميةَ زَخْمًا إضافيًّا نحو التنفيذ.
فالتحولات المناخية والضغوط البيئية العالمية فَرَضَتْ على الدُوَلِ إعادة النظر في سياساتها الطاقية، ما عَزَّزَ من أهمية الغاز الطبيعي كمصدر أقَلَّ تلويثًا؛ وفي هذا الإطار، تسعى الدُوَلُ الإفريقية إلى توظيف مواردها بطريقة تُحَقِّقُ التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة، فالمشروع يَعْكِسُ هذا التوجه من خلال تقديم نموذج للتعاون في مجال الطاقة النظيفة، كما وأنه يُتِيحُ فُرَصًا لتقليص الفجوة الطاقية بين الشمال والجنوب، ويُعَزِّزُ من قُدْرَةِ الدُوَلِ على التفاوض في الأسواق العالمية.
فالتحالفات الجديدة التي تَشَكَّلَتْ بعد الأزمات الدولية الأخيرة دَفَعَتْ نحو إعادة رَسْمِ خرائط النفوذ الاقتصادي، خاصةً في قطاع الطاقة؛ فأوروبا التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على مصادر تقليدية، باتت أكثر انفتاحًا على الشراكات مع دُوَلِ الجنوب، وهذا الانفتاح يَفْتَحُ المجال أمام مشاريع إستراتيجية مثل خط الغاز العابر لغرب إفريقيا، كما وأنه يَمْنَحُ الدُوَلَ المَعْنِيَّةَ فرصةً لتثبيت موقعها في منظومة الطاقة العالمية ويُعَزِّزُ من مكانتها في المُعادلات الجيوسياسية الجديدة.
فالدوافع الاقتصادية للمشروع لا تَقِلُّ أهميةً عن الاعتبارات السياسية، إذ يُوَفِّرُ فُرَصًا لتشغيل آلاف العُمَّال وتحفيز الصناعات المُرْتَبِطَة بالطاقة؛ كما وأنه يُساهِمُ في تحسين البنية التحتية في الدُوَلِ التي يَمُرُّ بها، ما يَنْعَكِسُ إيجابًا على قطاعات أخرى، فالاستثمار في هذا النوع من المشاريع يُعَزِّزُ من الاستقرار الاقتصادي ويُقَلِّلُ من التبعية الخارجية، كما وأنه يَفْتَحُ المجال أمام تطوير تقنيات مَحَلِّيَّة في مجال الطاقة ويُحَفِّزُ الابتكار في إدارة الموارد الطبيعية.
فالزخم الإقليمي والدولي حول المشروع يَعْكِسُ إدراكًا مُتزايدًا لأهمية التكامل الطاقي في مُواجهة التحديات العالمية، والمُؤَسَّسَات المالية الكبرى أَبْدَتْ استعدادها لدعم المبادرة ما يَعْكِسُ ثقةً في جَدْوَاهَا الإستراتيجية؛ كما وأن التفاعل الإيجابي من قِبَلِ الأطراف المَعْنِيَّة يُعَزِّزُ من فُرَصِ نجاحها؛ وهذا التوقيت يُمَثِّلُ نافذةً تاريخيةً لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية بين إفريقيا وبقية العالم ويَمْنَحُ المشروع بُعْدًا يَتَجاوَزُ مُجَرَّدَ نَقْلِ الغاز ليُصْبِحَ أداةً لإعادة التوازن في النظام الدولي.
أهمية خط أنابيب الغاز المغربي النيجيري للبلدين وللدول الأوروبية:
حيث يُمَثِّلُ مشروع نَقْلِ الغاز بين المغرب ونيجيريا فُرْصَةً إستراتيجيةً لتعزيز مكانة البلدين في سوق الطاقة العالمي؛ فبالنسبة لنيجيريا يُتِيحُ لها توسيع نطاق صادراتها خارج القارة مُسْتَفِيدَةً من احتياطياتها الضخمة، كما يَمْنَحُهَا قُدْرَةً أكبر على تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على الطُرُقِ التقليدية؛ أمَّا المغرب فيُعَزِّزُ موقعه كمحور عبور للطاقة نحو الشمال مُسْتَفِيدًا من بنيته التحتية المُتَطَوِّرة، وهذا الدَّوْرُ الجديد يُرَسِّخُ حُضُورَهُ في المُعادلات الاقتصادية الإقليمية.
كما يُساهِمُ المشروع في دعم التنمية المَحَلِّيَّة عبر توفير فُرَصِ عَمَلٍ وتحفيز الاستثمارات في قطاعات النقل والصناعة، كما وأنه يُشَجِّعُ على تحسين البنية التحتية في المناطق التي يَمُرُّ بها ما يَنْعَكِسُ إيجابًا على المُجْتَمَعَاتِ المَحَلِّيَّة؛ فالتعاون بين البلدين في هذا المجال يُعَزِّزُ من العلاقات الثنائية ويَخْلُقُ نموذجًا للتكامل الاقتصادي، بالإضافة إلى ذلك، يَفْتَحُ المجال أمام شراكات جديدة مع دُوَلِ الجوار، وهذا التفاعل الإقليمي يُعَزِّزُ من الاستقرار السياسي والاقتصادي في غرب إفريقيا (مركز رع للدراسات الإستراتيجية).
وبالنسبة للدول الأوروبية، فَيُشَكِّلُ المشروع مصدرًا جديدًا للطاقة يمكن الاعتماد عليه في ظل التحديات الجيوسياسية، إذ يُوَفِّرُ لها خيارًا إضافيًّا لتأمين احتياجاتها بعيدًا عن مصادر تقليدية أصبحت غير مُسْتَقِرَّة؛ كما وأن تنويع الإمدادات يُعَزِّزُ من أمن الطاقة ويُقَلِّلُ من الأخطار المُرْتَبِطَة بالتقلبات الدولية، فالرَّبْط مع إفريقيا يَمْنَحُ أوروبا فُرْصَةً لتوثيق علاقاتها الاقتصادية مع الجنوب وهذا التوجه يَتَمَاشَى مع إستراتيجياتها في تعزيز الشراكات المُسْتَدامة.
فالاهتمام الأوروبي بالمشروع يَعْكِسُ إدراكًا مُتزايدًا لأهمية التعاون مع دُوَلِ إفريقيا في مجال الطاقة النظيفة، كما وأن دعم المُؤَسَّسَات الأوروبية للمبادرة يُعَزِّزُ من فُرَصِ نجاحها على المَدَى الطويل؛ وهذا الدعم يَشْمَلُ التمويل والخبرات التقنية والمُرافقة القانونية، ما يَضْمَنُ تنفيذًا أكثر كفاءة؛ وفي المُقَابِل، تَسْتَفِيدُ أوروبا من استقرار الإمدادات وتنوُّع مصادرها وهذا التبادل المُتوازن يَخْلُقُ علاقةً نَفْعِيَّةً بين الطرفين.
ومن الناحية الإستراتيجية: يُساهِمُ المشروع في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية عبر إدماج إفريقيا في منظومة التصدير الكبرى، كما وأنه يُعَزِّزُ من قُدْرَةِ الدُوَلِ النامية على لَعِبِ أدوار مِحْوَرِيَّة في الاقتصاد الدولي؛ فالمغرب ونيجيريا من خلال هذا التعاون، يُرَسِّخَانِ موقعهما كمُصَدِّرَيْنِ مَوْثُوقَيْنِ للطاقة، وفي الوقت ذاته، تَسْتَفِيدُ أوروبا من هذا التوجه في بناء منظومة طاقية أكثر مُرُونَة وهذا التفاعل يَعْكِسُ تحولًا في مَوَازِينِ القُوَى الاقتصادية نحو مَزِيدٍ من التعدُّدية.
التحديات والإشكاليات المختلفة أمام تنفيذ المشروع:
ورغم ذلك يُواجِهُ مشروع نَقْلِ الغاز بين نيجيريا والمغرب مجموعةً من العَقَبَاتِ التي تُعَرْقِلُ تَقَدُّمَهُ، أبرزُهَا التباين في البنية التحتية بين الدُوَلِ المُشارِكَة، فبعض المناطق التي يَمُرُّ بها الأنبوب تَفْتَقِرُ إلى شبكات نَقْلٍ مُتَطَوِّرَة، مما يَسْتَدْعِي استثمارات ضخمة في التهيئة الهندسية، كما وأن التضاريس الجغرافية المُتَنَوِّعة، من الصحارى إلى الغابات، تَفْرِضُ تحديات لوجستية مُعَقَّدَة، وهذه العوامل تُؤَثِّرُ على الجدول الزمني للتنفيذ وتَزِيدُ من التكلفة الإجمالية، الأمر الذي يَتَطَلَّبُ تخطيطًا دقيقًا لتجاوز العوائق الميدانية.
فالاستقرار السياسي في بعض الدُوَلِ الواقِعَة على مسار المشروع لا يزال هَشًّا، مما يُثِيرُ مخاوف بشأن سلامة المُنْشَآت، والنزاعات الداخلية أو التوترات الحدودية قد تُؤَدِّي إلى تعطيل العمليات أو تهديد أمن العاملين؛ كما وأن غياب اتفاقيات مُلْزِمَة بين جميع الأطراف قد يُعَرْقِلُ التنسيق في مراحل التنفيذ، والحاجة إلى ضمانات قانونية واضحة تزداد أهميةً في ظل تعدُّد الجِهَاتِ المَعْنِيَّة وهذا يَتَطَلَّبُ جُهُودًا دبلوماسيةً مُكَثَّفَةً لتأمين بيئة مُوَاتِيَة للعَمَلِ.
وعلى صعيد التمويل فإنه يُمَثِّلُ تحديًا جَوْهَرِيًّا؛ إذ إن تكلفة المشروع تُقَدَّرُ بمليارات الدولارات، وهو ما يَفُوقُ قُدُراتِ بعض الدُوَلِ المُشارِكَة، فالاعتماد على مُؤَسَّسَاتٍ دولية قد يَفْرِضُ شروطًا صارمةً تتعلَّقُ بالحوكمة والشفافية؛ كما أن تقلبات السوق العالمية تُؤَثِّرُ على جَدْوَى الاستثمار في هذا النوع من المشاريع، فالمُسْتَثْمِرُونَ يَبْحَثُونَ عن ضمانات طويلة الأَمَدِ قبل الالتزام بِرُؤُوسِ أموال ضخمة، وهذا يَفْرِضُ على الحكومات تقديم حوافز وتسهيلات لِجَذْبِ التمويل (مركز فاروس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية).
ومن الناحية التقنية: يَتَطَلَّبُ المشروع خِبْرَاتٍ مُتَقَدِّمَةً في مجال مَدِّ الأنابيب عبر مسافات طويلة وظروف بيئية مُتَبَايِنَة، ونقص الكفاءات المَحَلِّيَّة قد يُؤَدِّي إلى الاعتماد الكامل على شركات أجنبية، مما يَرْفَعُ التكاليف التشغيلية؛ كما وأن صيانة الخط بعد تشغيله تحتاج إلى منظومة مُتكاملة من المُراقبة والتدخُّل السريع، فالتكنولوجيا المُسْتَخْدَمَة يجب أن تكون قادرةً على التكيُّف مع التحديات المناخية والجيولوجية، وهذا يَسْتَدْعِي تدريب كَوَادِرَ وطنيةً لضمان الاستدامة.
فالتفاعل المُجْتَمَعِيُّ مع المشروع قد يُشَكِّلُ عائقًا إذا لم تُرَاعَ مصالح السكان المَحَلِّيِّينَ في المناطق المُتَأَثِّرَة، فبعض المُجْتَمَعَاتِ قد تُعَارِضُ مُرُورَ الأنبوب عبر أراضيها لأسباب بيئية أو ثقافية؛ وتَجَاهُلُ هذه المخاوف قد يُؤَدِّي إلى احتجاجات أو تعطيل في التنفيذ، فمن الضروري إشراك المواطنين في مراحل التخطيط وتقديم تعويضات عادلة عند الضرورة، وبناء الثقة بين الجِهَاتِ المُنَفِّذَة والمُجْتَمَعَاتِ المَحَلِّيَّة يَضْمَنُ بيئةً أكثر استقرارًا للمشروع.
المشهد المستقبلي لخريطة خطوط أنابيب الطاقة الرابطة بين أوروبا وإفريقيا وأثرها الجيوسياسي في المنطقة:
وانطلاقًا مما سبق يمكن القول؛ أن خريطة الرَّبْط الطاقي بين أوروبا وإفريقيا تَشْهَدُ تحولات مُتَسَارِعَة تَعْكِسُ صُعُودَ القارة كلاعب مِحْوَرِيٍّ في تأمين الإمدادات العالمية، حيث تَتَّجِهُ الدُوَلُ الإفريقية نحو تطوير شبكات أنابيب تَمْتَدُّ عبر الأقاليم المختلفة، ما يَخْلُقُ منظومةً مُتكاملةً تَرْبِطُ الجنوب بالشمال؛ وهذا التوسع يُعَزِّزُ من قُدْرَةِ القارة على تصدير الغاز الطبيعي بشكل أكثر كفاءةً واستقرارًا، كما وأن تنوُّع المَسَارَات يُقَلِّلُ من الأخطار المُرْتَبِطَة بالاعتماد على خطوط مُحَدَّدَة ويَمْنَحُ الدُوَلَ الأوروبية مُرُونَةً أكبر في إدارة احتياجاتها الطاقية.
فالاهتمام المُتزايد بالبنية التحتية العابرة للحدود يَعْكِسُ رغبةً مُشتركةً في بناء شراكات طويلة الأَمَدِ بين القارتين، ومشاريع الرَّبْط الجديدة تَفْتَحُ المجال أمام تعاون تِقْنِيٍّ وماليٍّ واسع النطاق، يَشْمَلُ مُؤَسَّسَاتٍ دوليةً وشركات مُتَعَدِّدَة الجنسيات؛ وهذا التفاعل يُساهِمُ في نَقْلِ الخِبْرَاتِ وتعزيز الابتكار في مجال الطاقة النظيفة، كما وأنه يَخْلُقُ فُرَصًا لتطوير الصناعات المُرْتَبِطَة بالغاز في الدُوَلِ الإفريقية ويُعَزِّزُ من مكانة هذه الدُوَلِ في الأسواق العالمية.
ومن الناحية الجيوسياسية: يُؤَدِّي توسُّعُ خطوط الأنابيب إلى إعادة توزيع النفوذ بين القُوَى الإقليمية والدولية؛ فالدُوَلُ التي تَتَحَكَّمُ في مَسَارَاتِ النقل تَكْتَسِبُ وَزْنًا أكبر في المُعادلات الإستراتيجية، وهذا التحول قد يُؤَدِّي إلى بروز تحالفات جديدة قائمة على المصالح الطاقية المُشتركة، كما وأن المنافسة على تأمين الإمدادات قد تَدْفَعُ نحو مَزِيدٍ من التنسيق أو التصعيد بين الأطراف المَعْنِيَّة، ويَجْعَلُ من الطاقة أداةَ تأثير في السياسات الخارجية.
فالرَّبْط الطاقي بين القارتين لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يَمْتَدُّ إلى تعزيز الاستقرار السياسي عبر دعم التنمية المُسْتَدامة؛ وتحسين الخدمات والبنية التحتية في المناطق التي تَمُرُّ بها الأنابيب يُساهِمُ في تقليص الفوارق الاجتماعية، كما وأن إشراك المُجْتَمَعَاتِ المَحَلِّيَّة في هذه المشاريع يُعَزِّزُ من التماسك الوطني ويُقَلِّلُ من التوترات الداخلية وهذا البُعْدُ التنمويُّ يَمْنَحُ المشاريع بُعْدًا إنسانيًّا يَتَجاوَزُ المصالح التجارية، ويُعَزِّزُ من شَرعِيَّةِ الحكومات أمام شعوبها.
وفي ظل التحديات المناخية العالمية، تبرز أهمية الغاز الطبيعي كمرحلة انتقالية نحو منظومة طاقية أكثر نظافة؛ فالرَّبْط بين أوروبا وإفريقيا يُتِيحُ تبادل الخِبْرَاتِ في مجالات التحول البيئي والتقنيات المُسْتَدامة، كما وأنه يَفْتَحُ المجال أمام تطوير سياسات مُشتركة لِمُواجَهَةِ آثار التغير المناخي، وهذا التعاون يَعْكِسُ إدراكًا مُتزايدًا لأهمية التضامن الدولي في مُواجهة الأزمات البيئية ويَمْنَحُ العلاقات بين القارتين بُعْدًا أخلاقيًّا يُعَزِّزُ من استمراريتها.
الخلاصة:
يُمَثِّلُ مشروع خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب تحولًا إستراتيجيًّا في العلاقات الطاقية بين إفريقيا وأوروبا، حيث يَعْكِسُ طموحًا إقليميًّا لتوظيف الموارد الطبيعية في خدمة التنمية والتكامل الاقتصادي؛ وفي ظل الأزمات العالمية المُتكررة، يبرز المشروع كبديل واعد لتأمين الإمدادات وتعزيز الاستقرار الطاقي، كما وأن تعدُّد المَسَارَاتِ وتنوُّع الشركاء يَمْنَحُ القارة الإفريقية فُرْصَةً لإعادة رَسْمِ موقعها في خريطة النفوذ الدولي، فالتحديات التقنية والمالية والسياسية لا تُقَلِّلُ من أهمية المبادرة، بل تَدْفَعُ نحو مَزِيدٍ من التنسيق والتخطيط المُشْتَرَك؛ وأوروبا من جِهَتِهَا، تَجِدُ في هذا الرَّبْط فُرْصَةً لتوسيع خياراتها بعيدًا عن مصادر تقليدية مُضْطَرِبَة، وبين الطموح والواقع، تَتَشَكَّلُ ملامح مَشْهَدٍ جديد يُعيد تعريف العلاقة بين الجنوب والشمال عبر بوَّابة الطاقة.
المصادر:
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة