مقايضة الانسحاب بالتطبيع مع لبنان.. حلم إسرائيلي يصطدم بالرفض الشعبي والرسمي

إقليمية
مقايضة الانسحاب بالتطبيع مع لبنان.. حلم إسرائيلي يصطدم بالرفض الشعبي والرسمي
١٨ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٤ يونيو ٢٠٢٦

في لحظة سياسية مشحونة بسبب العربدة الصهيونية في المنطقة، خرجت إسرائيل بتسريبات عن خطة شاملة تربط بين الانسحاب من الأراضي اللبنانية والتطبيع مع بيروت، محاولةً فتح باب جديد في الشرق الأوسط على غرار اتفاقاتها السابقة مع دول عربية، لكن لبنان الرسمي والشعبي، ردَّ سريعًا وحاسمًا: لا مقايضة بين الحقوق الوطنية والسيادة وبين أي مسار سياسي خارج حساباته.

الإفراج عن أربعة محتجزين لبنانيين، الذي وصفته إسرائيل بأنه بادرة حسن نية، لكنه بدا وكأنه مقدمة لطرح أكبر خبيث لفرض التطبيع، حيث إن بيروت ترى أن مهمتها واضحة ومحصورة في ترسيم الحدود البرية، وإطلاق الأسرى، وضمان الانسحاب الكامل من أراضيها المحتلة.

في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات، نسلط الضوء على مقايضة الكيان المحتل مع لبنان، ومحاولة التطبيع مقابل الانسحاب من الجنوب، والذي أثار غضبًا على المستوى الشعبي والرسمي أيضًا، وهي:

  • انسحاب بلا شروط.. لبنان يضع الخطوط الحمراء.
  • التطبيع ورقة إسرائيلية خبيثة خارج حسابات بيروت.
  • إطلاق الأسرى اللبنانيين.. بادرة حسن نية أم مناورة سياسية؟
  • اللجنة الأمنية ومهمتها في ترسيم الحدود لا أكثر.
  • حلم نتنياهو بالتطبيع يصطدم بجدار الرفض اللبناني شعبيًّا ورسميًّا.
  • سيناريوهات متوقعة بشأن التطبيع بين لبنان ودولة الاحتلال.

فوجئ لبنان الرسمي والشعبي بتسريبات إسرائيلية، حاولت مقايضة الانسحاب من الأراضي اللبنانية وترسيم الحدود البرية، باتفاق تطبيع بين بيروت وتل أبيب، لكن لبنان يعدّها غير مطروحة بالنسبة له، ويؤكد أن مهمة اللجنة أمنية ومحصورة بالانسحاب الإسرائيلي وتحديد الحدود البرية وإطلاق الأسرى.

وجاء التسريب عن مصدر سياسي إسرائيلي غداة الإفراج عن أربعة محتجزين لبنانيين، وضعته إسرائيل ضمن إطار ما وصفته بـ"بادرة حسن نية"، والإعلان عن الاستعدادات لبدء تفاوض حول النقاط الحدودية.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصدر سياسي في إسرائيل قوله إن المحادثات مع لبنان جزء من خطة واسعة وشاملة، زاعمًا أن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غيَّرت الشرق الأوسط، ونحن نريد مواصلة هذا الزخم كي نصل إلى التطبيع مع لبنان، مضيفًا: "هذا نريده وهو ممكن".

وتابع المصدر: كما أن للبنان مطالب بشأن الحدود، هناك مطالب لإسرائيل أيضًا، وسوف نناقش هذه الأمور، حيث بدت العبارة الأخيرة بمثابة "محاولة إسرائيلية لمقايضة تحديد الحدود البرية والانسحاب من لبنان باتفاق تطبيع"؛ الأمر الذي أثار غضبًا لبنانيًّا وعربيًّا أيضًا، وهو ما يرفضه لبنان، إذ يعتبره قفزًا فوق مهام لجنة آلية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 26 نوفمبر الماضي (الشرق الأوسط).

انسحاب بلا شروط.. لبنان يضع الخطوط الحمراء:

الموقف اللبناني يرسّخ قاعدة واضحة، وهي أن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة لا يقترن بأي مقايضة سياسية، هذا الموقف يعكس إدراكًا بأن أي تنازل في ملف السيادة يفتح الباب أمام ضغوط لاحقة يصعب ضبطها.

اللجنة الأمنية تلتزم بحدود مهمتها، ما يمنع تسييس الملف ويُبقيه في إطار تقني بحت، وإسرائيل تحاول إدخال التطبيع كشرط ضمني، لكن بيروت تعتبره خارج النقاش تمامًا، والرفض الشعبي يوفّر غطاءً قويًّا للموقف الرسمي، ويجعل أي محاولة للالتفاف غير قابلة للتسويق داخليًّا.

بهذا، يضع لبنان خطوطًا حمراء واضحة، وهي أن الأرض والأسرى أولًا، ولا حديث عن علاقات سياسية، ومن ثم فإن أي خطة إسرائيلية تربط الانسحاب بالتطبيع ستبقى معلّقة أمام جدار الموقف اللبناني الصلب.

مسؤول لبناني يرى أن هذا الأمر غير مقبول بالنسبة إلى الشعب، مشددًا على أن مهام اللجنة الخماسية التي تشكلت بعد الحرب الأخيرة أمنية وليست سياسية، وهي تتلخص بتنفيذ القرار 1701، كما أن مهمة اللجنة باتت محصورة بالإشراف على تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي من النقاط الحدودية الخمس التي لا تزال تحتلها القوات الإسرائيلية، وتحديد النقاط الحدودية الـ13 المتنازع عليها، فضلًا عن إطلاق المحتجزين اللبنانيين لدى إسرائيل.

حيث أثار هذا الأمر غضبًا داخل الشارع اللبناني، بالرغم من أن الخارجية اللبنانية لم تُبلَّغ رسميًّا بأي طرح من هذا القبيل، ولم يفاتحها أي مسؤول دولي حتى الآن بطرح مشابه، لكن ما تسعى إليه تل أبيب واضح عبر تصريحات بعض المسؤولين (الشرق الأوسط).

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون اجتمع مع رئيس لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية، الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، بحضور السفيرة ليزا جونسون، قبيل اجتماع اللجنة في الناقورة، حيث طلب الرئيس عون من رئيس اللجنة الضغط على إسرائيل لتطبيق الاتفاق والانسحاب من التلال الخمس وإعادة الأسرى اللبنانيين، حسبما أفادت الرئاسة اللبنانية.

وانعقدت لجنة آلية تنفيذ وقف الأعمال العدائية، للمرة السادسة في الناقورة، حيث استضافت "يونيفيل" الاجتماع برئاسة الولايات المتحدة، وانضمت إليه فرنسا والجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي.

وقال بيان صادر عن سفارتي الولايات المتحدة وفرنسا و"يونيفيل": إن المشاركين بحثوا سبل المضي قدمًا في التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701، والتنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية المبرم في 26 نوفمبر 2024، والخطوات التالية لمعالجة القضايا العالقة بين إسرائيل ولبنان. وتعهدت اللجنة بمواصلة عقد اجتماعات منتظمة لتحقيق التنفيذ الكامل لوقف الأعمال العدائية.

بعد الاجتماع تسلَّم لبنان عبر الصليب الأحمر أربعة مواطنين لبنانيين كانوا محتجزين لدى إسرائيل من أصل 5 أُعلن عن تسليمهم للبنان بناءً على طلب الولايات المتحدة، غير أن الخامس هو عسكري اعتقلته القوات الإسرائيلية بثياب مدنية، وتأخر تسليمه؛ لأنه لا يزال يرقد في المستشفى بسبب إصابته.

وفي إشارة لبنانية إلى أن إفراج إسرائيل عن المحتجزين غير متصل بأي محادثات لاتفاقات سياسية مستقبلية، وأن الإفراج عن المحتجزين تم إثر إلحاح من الرئيس اللبناني جوزيف عون على اللجنة الخماسية وعلى الموفدين الأمريكيين الذين استقبلهم في وقت سابق، وتكرر الطلب للضغط على إسرائيل للإفراج عن اللبنانيين، كما للانسحاب من الأراضي اللبنانية.

ويركز المسؤولون اللبنانيون، في جميع محادثاتهم مع الموفدين الدوليين واللجنة الخماسية، على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وتطبيق القرار 1701، ومعالجة النقاط الخلافية التي كانت موجودة قبل الحرب الأخيرة، وهي 13 نقطة خلافية عالقة منذ عام 2006، ولم يتم التوصل إلى حل كامل لها.

بدوره أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي وجوب انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. وخلال استقباله نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ناتاشا فرانشيسكي ترافقها السفيرة الأمريكية لدى لبنان ليزا جونسون، شكر الولايات المتحدة الأمريكية على الوساطة التي قامت بها للإفراج عن أسرى لبنانيين لدى إسرائيل، وعلى المساعدات التي تقدّمها للجيش اللبناني، وشدد على عزم الحكومة اللبنانية على القيام بالإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية الضرورية.

القيادة اللبنانية ترى أن الانسحاب الإسرائيلي الفوري وغير المشروط من لبنان وتطبيق القرار 1701 هما ضرورة ملحّة وعامل أساسي لتحقيق الاستقرار، وطالبت بالضغط على إسرائيل لتنفيذ ذلك، مشيرة إلى أن لبنان يعوّل على دور أكبر لألمانيا في المنطقة لتحقيق الاستقرار فيها.

وكذلك أكدت أنه على إسرائيل احترام سيادة لبنان، وأن عدم انسحابها قد يؤثر سلبًا على الوضع اللبناني ويعرقل مهمة الحكومة اللبنانية، مثنيةً على الدور الذي يقوم به الجيش اللبناني في جنوب لبنان (الشرق الأوسط).

في السياق ذاته، تطالب الحكومة اللبنانية بضرورة الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في نوفمبر الماضي والانسحاب من التلال الخمس التي لا يزال يحتلها ووقف اعتداءاته وانتهاكاته للسيادة اللبنانية، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الدفاع. وأكدت خلال لقاءات مع المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس - بلاسخارت، سرعة التعاون الوثيق بين الجيش و"يونيفيل" لتنفيذ القرار 1701 في وقت يتمادى الاحتلال الإسرائيلي في انتهاك القرار الأممي.

التطبيع ورقة إسرائيلية خارج حسابات بيروت:

دولة الاحتلال تحاول إدخال التطبيع كجزء من خطتها الشاملة، مستندة إلى نجاحها مع دول عربية أخرى، لكن بيروت ترى أن هذا الطرح يتجاوز حدود النقاش؛ إذ لا يدخل ضمن أولوياتها الوطنية (روسيا اليوم).

ذلك أن الموقف اللبناني يركز على الانسحاب من الأراضي المحتلة وترسيم الحدود وضمان السيادة، لأن إدخال التطبيع كورقة ضغط يُعتبر محاولة سياسية لإعادة صياغة المعادلة، لكن لبنان يرفضها بشكل قاطع.

وهنا فالرفض الشعبي يعزز الموقف الرسمي، ويجعل أي حديث عن علاقات طبيعية غير قابل للتسويق داخليًّا، هذا التباين يضع إسرائيل أمام معضلة، وهي أنه لا يمكنها تحقيق أهدافها دون تجاوب لبناني، وهو غير متاح، وبالتالي فالتطبيع يبقى ورقة إسرائيلية خارج حسابات بيروت، معلّقة أمام جدار سياسي وشعبي صلب.

وقد نقلت وسائل إعلامية إسرائيلية عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إن تل أبيب مهتمة بالتوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات مع لبنان، وذكر المصدر أن المناقشات مع لبنان هي جزء من "خطة واسعة وشاملة"، زاعمًا أن "سياسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو غيَّرت بالفعل الشرق الأوسط، ونريد مواصلة الزخم والوصول إلى تطبيع العلاقات مع لبنان".

ويرى السياسي الإسرائيلي أنه مثلما لدى لبنان ادعاءات تتعلق بالحدود، لدينا أيضًا مطالب، وسنناقش القضايا. وفي وقت سابق، ذكرت تقارير دولية أن المفاوضات والاتصالات بشأن جنوب لبنان بدأت منذ بعض الوقت، وطلب الرئيس جوزيف عون من الجانب الأمريكي ممارسة الضغط على إسرائيل فيما يتعلق بقضية الأسرى، خاصة بعد أن وافق لبنان على تمديد فترة وقف إطلاق النار.

وشدد الرئيس اللبناني أمام الأمريكيين على أن أي قناة اتصال تتعلق بجنوب لبنان والنقاط المتنازع عليها مع إسرائيل تتطلب حوارًا مع "حزب الله"، مع ضرورة أن تضغط واشنطن على إسرائيل للتحرك.

اجتماع لجنة المراقبة في رأس الناقورة الذي عقد مؤخرًا كان محددًا مسبقًا، وتم فيه الاتفاق على فتح قناة المفاوضات، مع وجود استعدادات لمعالجة القضايا الأخرى، وبعدها فقد أصدر مكتب نتنياهو بيانًا حول بدء الاتصالات حول خط الحدود والنقاط المتنازع عليها.

حيث تم خلال الاجتماع الاتفاق على تشكيل ثلاث مجموعات عمل مشتركة تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، وستركز على القضايا التالية: النقاط الخمس التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب لبنان، ومناقشات حول الخط الأزرق والنقاط التي لا تزال محل نزاع، وقضية المعتقلين اللبنانيين المحتجزين لدى إسرائيل.

هذا وتشهد الساحة اللبنانية الإسرائيلية في مايو 2026 حراكًا دبلوماسيًّا مكثفًا تقوده واشنطن -رغم دعمها الواسع للكيان المحتل- وذلك بهدف تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مفاوضات أوسع، وسط محاولات إسرائيلية حثيثة لمقايضة انسحاب قواتها من جنوب لبنان بتطبيع العلاقات، وهو ما يصطدم برفض لبناني رسمي وشعبي حازم، وتمسك بتطبيق القرار 1701 دون شروط سياسية (روسيا اليوم).

إطلاق الأسرى.. بادرة حسن نية أم مناورة سياسية؟

قدمت إسرائيل الإفراج عن أربعة محتجزين لبنانيين بزعم أنها خطوة إنسانية، لكنها تحمل أبعادًا سياسية واضحة وملتوية، هذه الخطوة تُقرأ في بيروت كجزء من محاولة لتهيئة الأجواء قبل طرح مقايضات أكبر تخطط لها دولة الاحتلال (اندبندنت عربية).

الموقف اللبناني يرى أن الإفراج حق طبيعي وليس مِنّةً أو ورقة تفاوضية، في حين أن إسرائيل تسعى لتوظيف هذه البادرة في سياق خطتها الشاملة التي تربط الانسحاب بالتطبيع. وفي المقابل، يرفض لبنان إدخال ملف الأسرى ضمن أي مقايضة سياسية أو أمنية.

إن الرفض الشعبي يعزز هذا الموقف، ويعتبر أن المناورة مكشوفة، ومن ثم فإن الإفراج عن الأسرى يبقى خطوة محدودة، لا تغيّر في جوهر الصراع ولا في ثبات الموقف اللبناني تجاه مطامع دولة الاحتلال في التطبيع ومحاولات استغلال الموقف.

لقد بدا واضحًا أن ما بين المفاوضات السياسية لترسيم الحدود وتكثيف القتال، يطرح إمكان نجاح استخدام سياسة العصا والجزرة تجاه لبنان لتحقيق هدف إسرائيل بأن يكون لبنان النافذة التي تطل من خلالها إسرائيل على الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى -وبدعم أمريكي- إلى تشكيله.

كما أن تسارع التطورات على الساحة اللبنانية - الإسرائيلية، والتوجه نحو مفاوضات الحدود البرية بين البلدين، في وقت تواصل إسرائيل قصفها في لبنان تحت ذريعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، يطرح تساؤلات عدة في إسرائيل حول ما تخطط له تل أبيب وواشنطن، وما الذي يقف خلف قبول إسرائيل بدء المفاوضات حول النقاط الـ13 المختلف عليها بين البلدين لترسيم الحدود البرية.

رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لم يتأخر في إبداء موقف عبر بيان إعلامي أكد فيه تجاوب بلاده مع مطلب واشنطن قبول الدخول في مفاوضات الحدود البرية، لكن في المقابل أكد مسؤولون أمنيون وعسكريون أن الجيش يواصل نشاطاته تجاه لبنان بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ مما يعني استمرار القصف الجوي وتنفيذ العمليات تحت ذريعة منع "حزب الله" من إعادة تعزيز قدراته، إلى جانب استمرار الاغتيالات للقائمة التي وضعت في بنك الأهداف منذ بداية الحرب على لبنان.

وما بين المفاوضات السياسية لترسيم الحدود وتكثيف القتال، يطرح إمكان نجاح استخدام سياسة العصا والجزرة تجاه لبنان لتحقيق هدف إسرائيل بأن يكون لبنان النافذة التي تطل من خلالها إسرائيل على الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى -وبدعم أمريكي- إلى تشكيله.

محادثات ترسيم الحدود تقوي الرئيس عون وتضعف "حزب الله"، هذه هي المعادلة التي تنطلق منها إسرائيل في مفاوضات الحدود البرية، وهذا ما نقلته القنوات الإسرائيلية ومواقع إخبارية عن الحكومة، وهو موقف لم تخفه إسرائيل منذ اليوم الأول لانتخاب رئيس الجمهورية ثم رئيس الحكومة في لبنان، وفي بيانها ذكرت الحكومة الإسرائيلية أنه بالتنسيق مع الولايات المتحدة، كبادرة تجاه الرئيس اللبناني الجديد، وافقت إسرائيل على الإفراج عن خمسة.

دولة الاحتلال باقية في خمسة مواقع، وإسرائيل ترفض وقف تنفيذ عملياتها من منطلق تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وإسرائيل تطمح، بل تحلم، بالتوصل إلى تطبيع مع لبنان، فقد نقلت القناة الـ12 عن سياسي رفيع المستوى أن الحوار هو جزء من خطة واسعة وشاملة، وإسرائيل ستواصل ما سماه الزخم في النجاح والوصول إلى التطبيع مع لبنان (اندبندنت عربية).

حيث ترى تل أبيب أن تجاوب إسرائيل مع مطلب الولايات المتحدة بالتقدم نحو مفاوضات ترسيم الحدود جاء من رغبة إسرائيلية قوية لإنجاح هذا الحوار ومقدمة للتطبيع، انطلاقًا من أنه سيخلق ديناميكية تقوي الرئيس اللبناني جوزاف عون.

ورغم قرب التوصل إلى تفاهمات على النقاط الثلاث، وهي ترسيم الحدود البرية والإفراج عمن تبقى من الأسرى اللبنانيين في إسرائيل والمواقع العسكرية الخمسة في لبنان، يبدو أن طريق الوصول إلى نهاية الخلاف بين البلدين ليست سهلة، بل طويلة.

لربما أن تل أبيب معنية بتقوية رئيس لبنان عون، وهذه مصلحة إسرائيلية، ولكن إذا نجح الجيش اللبناني بتنفيذ مهمته تجاه حزب الله كما يجب فهذا أفضل بالنسبة إلى إسرائيل -أو كما تتطلع- أي أن دولة الاحتلال معنية بمواجهة الجيش اللبناني -حزب الله- بدلًا منها، وأن يقتل اللبنانيون أنفسهم.

ورغم الرغبة الشديدة في التطبيع داخل دولة الاحتلال، إلا أن وزير الطاقة إيلي كوهين يستبعد مسألة التطبيع حاليًا، بل اعتبر الحديث الإسرائيلي عن ذلك الأمر سابقًا لأوانه، مشددًا على أن خطوة كهذه ستكون مشروطة أولًا باستهداف إيران، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، وقال: بداية يجب استهداف إيران، فإذا لم ينفذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما سبق وأعلنه حول إيران، سواء باتفاق أو بالطريقة التي يراها مناسبة، فإن إسرائيل ستنفذ ذلك بنفسها، ثم بعد ذلك نبدأ بحث التطبيع مع لبنان.

وهو ما يعني أن حكومة تل أبيب ماضية، بل وعازمة على عدم استقرار المنطقة بأي ثمن، وحتى لو على حساب المواطن الإسرائيلي نفسه، وليس العربي أو المسلم فقط.

اللجنة الأمنية ومهمتها في ترسيم الحدود لا أكثر:

إن نجاح الحوار يعني وقف العمل العسكري لـ"حزب الله"، وإبعاد إمكان استئناف الحرب، والسماح لإسرائيل بمهلة إضافية للعمل على نزع قدرات الحزب التي لم يصل إليها الجيش الإسرائيلي بعد في جنوب لبنان، ووفق تقارير إسرائيلية فإن مدفعية الجيش وسلاح الجو سيواصلان نشاطهما بزعم ضمان تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وبزعم أن الجيش اللبناني قادر على ضمان الجنوب منطقة آمنة وهادئة (اندبندنت عربية).

اللجنة الأمنية اللبنانية تشكّلت بمهام محددة، أبرزها ترسيم الحدود البرية وضمان الانسحاب الإسرائيلي، هذا التحديد يمنع تسييس عملها ويُبقيها في إطار تقني وأمني بعيدًا عن الملفات السياسية الكبرى، حيث إن إسرائيل تحاول توسيع نطاق النقاش ليشمل التطبيع، لكن اللجنة لا تملك صلاحية الدخول في هذا المسار.

الموقف الرسمي يصرّ على أن أي حديث خارج حدود الانسحاب والترسيم يُعتبر تجاوزًا غير مقبول، وبذلك، تصبح اللجنة أداة لحماية السيادة اللبنانية عبر حصر النقاش في القضايا الأمنية البحتة، لا سيما أن هذا الحصر يقطع الطريق أمام محاولات إدخال ملفات سياسية أو اقتصادية ضمن المفاوضات.

ومِن ثَمَّ فإن اللجنة الأمنية تبقى صمام أمان، مهمتها واضحة: ترسيم الحدود ولا أكثر، بعيدًا عن أي مقايضات، خصوصًا أن التطورات المفاجئة في اجتماع الناقورة أثارت نقاشًا إسرائيليًّا وخلافات بين مؤيد للتقدم نحو تسوية مع لبنان توصل إلى التطبيع، مما يعني انسحاب الجيش من المواقع الخمسة وترسيم الحدود البرية، زاعمًا أن هذا التقدم خطر أمني على إسرائيل، وأن إسرائيل وافقت بعد ضغوط أمريكية من أجل إحراز نجاح لترامب.

رؤساء بلدات الشمال أثاروا حملة معارضة واسعة، وبعث رئيس بلدية المطلة ديفيد أزولاي برسالة فورية إلى بنيامين نتنياهو حذر فيها من تداعيات اتفاق مع لبنان على أمن السكان، وقال -زاعمًا في رسالته-: إن سكان الشمال غير مستعدين لأن يكونوا رهائن اتفاقات فضفاضة أو تسويات أمنية، ندعوك، رئيس الحكومة، ألّا تمدوا يد العون للحلول الجزئية التي يمكن أن تؤدي إلى عواقب مصيرية في المستقبل، متجاهلًا تمامًا ما يقوم به جيش الاحتلال بقتل وتهجير المدنيين في الجنوب اللبناني.

يؤكد أزولاي أن عودة سكان المطلة في ظل الظروف الراهنة أمر مستحيل، إذ لم يعد حتى الآن سوى ثمانية في المائة من السكان بسبب تهديد أمني حقيقي وغياب البنى التحتية المناسبة، ومن غير المعقول أن يُنظر مرة أخرى في المبادرات تجاه لبنان، مثل إطلاق سراح وصفهم بالإرهابيين، في حين أن جيش الاحتلال هو أكبر نموذج على نشر الإرهاب في العالم، وذلك من دون ضمان الأمن المطلق لسكان الشمال، ومن دون التزام واضح من جانب لبنان بتفكيك جميع التنظيمات الإرهابية العاملة من أراضيه.

أما رئيس مجلس "ماطي آشر"، وهو رئيس منتدى خط المواجهة موشيه ديفيدوفتش، فقال: رأينا إلى أين قادنا اتفاق 1701، يجب أن تكون إسرائيل دولة قوية، دولة قادرة على إقامة منطقة عازلة، وأية تسوية كتلك التي يتحدثون عنها أو غيرها مع الأمريكيين ومع الجيش اللبناني لن تضمن أمننا، فقط الجيش الإسرائيلي هو القادر على ذلك، ويجب أن يبقى منتشرًا على الأسوار، وعلى طول المنطقة الحدودية.

من جهته: اتهم إيتان ديفيدي رئيس "مرغليوت" قيادات الجيش والمؤسسة السياسية بإهمال أمن سكان الشمال، ودعا إلى خطوات تضمن أمنًا طويل الأمد للمنطقة، وإبقاء الجيش في المواقع الخمسة في لبنان، وقال إنه كان يتوقع أن يأتي قائد منطقة الشمال ليعلن لهم عدم الانسحاب من لبنان، ويقف إلى جانبهم بحملة ضد الحكومة وقرار مفاوضات ترسيم الحدود والنقاط التي ستناقشها اللجان الثلاث التي شُكلت في اجتماع الناقورة.

إذًا رؤساء بلديات دولة الاحتلال لا يرون سوى أمن إسرائيل، وفي سبيل ذلك يتم القتل والتهجير والبطش على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي الذي يكيل بمكيالين في حماية سكان الاحتلال، أما قتل المدنيين، سواء في لبنان أو غزة، فلا داعي للحديث عنهم أصلًا، لأنهم مواطنون درجة ثانية أو ثالثة بالنسبة إلى العالم الغربي والأمريكي الذي يتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان (اندبندنت عربية).

حلم نتنياهو بالتطبيع يصطدم بجدار الرفض اللبناني شعبيًّا ورسميًّا:

نتنياهو يسعى لتوسيع دائرة التطبيع في المنطقة، واضعًا لبنان ضمن أهدافه الإستراتيجية، هذا الطموح يستند إلى نجاحات سابقة مع دول عربية، لكنه يواجه خصوصية لبنانية مختلفة تمامًا، لا سيما إن الموقف اللبناني يرفض أي مقايضة بين الانسحاب والسيادة وبين التطبيع السياسي (العربية).

كما تسعى حكومة نتنياهو إلى فرض واقع جديد في المنطقة، حيث يُنظر إلى إسرائيل كقوة مهيمنة، ويفضل استمرار التوترات العسكرية على التنازل عن الأمن، رافضًا تثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني من جهة ورافضًا قيام دولة فلسطينية، مما يعقد فرص رأب الصدع أو أي قبول إقليمي شامل للتهدئة.

دولة الاحتلال تحاول استثمار الإفراج عن الأسرى كبادرة حسن نية، لكن بيروت تراها مناورة لا تغيّر في جوهر الصراع، ذلك أن الرفض الشعبي يشكّل جدارًا صلبًا يمنع أي اختراق سياسي في هذا الملف، وبذلك، يتحول حلم نتنياهو إلى معضلة سياسية، إذ لا يجد أرضية داخلية أو رسمية في لبنان لدعمه.

وبالتالي يظل التطبيع بعيد المنال، كما يصطدم بجدار لبناني ثابت يضع السيادة فوق كل اعتبار، وهو ما يتفق مع كل مواطن عربي ومسلم حر، وأن هذه دولة مارقة تحكمها عصابة دموية تحرق الأخضر واليابس على خطى المغول.

من جهته قال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: إن تثبيت وقف إطلاق النار سيشكل الأساس لأي جولة مفاوضات جديدة بين لبنان وإسرائيل، مؤكدًا أن الحديث عن أي اجتماع محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال سابقًا لأوانه.

ويرى سلام أن تثبيت وقف إطلاق النار سيشكّل الأساس لأي جولة مفاوضات جديدة قد تُعقد في واشنطن. وجدد التأكيد أن الظروف الحالية لا تزال غير ناضجة للحديث عن لقاءات على مستوى عال، وأن لبنان لا يسعى إلى التطبيع مع إسرائيل بل إلى تحقيق السلام، مذكرًا بأن هذه ليست المرة الأولى التي يخوض فيها لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

وشدد على أن الحد الأدنى من مطالبنا هو جدول زمني لانسحاب إسرائيل، وسنطور خطة حصر السلاح بيد الدولة.

يذكر أن الرئيس اللبناني جوزيف عون كان قد أطلق في التاسع من مارس الماضي مبادرةً لوضع حد للتصعيد الإسرائيلي المتجدد ضد لبنان، ترتكز على هدنة كاملة مع وقف لكل الاعتداءات الإسرائيلية، وتقديم الدعم للجيش، وسيطرة الجيش على مناطق التوتر ومصادرته كل السلاح منها، ومباشرة مفاوضات مع إسرائيل (العربية).

سيناريوهات متوقعة بشأن التطبيع بين لبنان ودولة الاحتلال:

المشهد اللبناني بشأن التطبيع مع إسرائيل يتراوح بين ضغوط دولية تدفع نحو الحوار المباشر، وموقف رسمي وشعبي ثابت يرفض أي مقايضة بين السيادة والانسحاب وبين العلاقات السياسية، حيث قد تتراوح السيناريوهات بين استمرار الرفض، والدخول في مفاوضات تقنية غير مباشرة، أو ضغوط تفتح بابًا لتسويات أمنية دون أن تصل إلى تطبيع كامل.

لبنان يصرّ على أن التطبيع "غير وارد" في سياسته الخارجية، ويتمسك بمبادرة السلام العربية إطارًا مرجعيًّا، مع التركيز على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، حيث قد تستمر بيروت في اعتماد صيغة التفاوض غير المباشر عبر الأمم المتحدة أو وساطة دولية، كما فعلت في ترسيم الحدود البحرية عام 2020، لتفادي أي تصرف أو مظهر من مظاهر الاعتراف أو التطبيع (العربية).

من جانبها تضغط الولايات المتحدة لعقد لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، رغم استمرار العدوان، بهدف إدخال لبنان في مسار "الاتفاقات الإبراهيمية"، وهو ما قد يُطرح معه سيناريو انسحاب إسرائيلي مقابل ترتيبات أمنية تشمل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح حزب الله، لكن هذا يواجه رفضًا داخليًّا واسعًا، وخصوصًا من حزب الله المدعوم إيرانيًّا.

الخلاصة:

  • لقد فضحت تحركات إسرائيل حول خطة شاملة تربط الانسحاب من الأراضي اللبنانية بالتطبيع، لكن لبنان الرسمي والشعبي رفض المقايضة والتنازل عن السيادة والحقوق الوطنية.
  • قدمت دولة الاحتلال الإفراج عن أربعة محتجزين لبنانيين بزعم أنها "بادرة حسن نية"، لكنه يُقرأ كمقدمة لمناورة سياسية خبيثة، حيث إن اللجنة الأمنية تؤكد أن مهمتها محصورة في ترسيم الحدود البرية وضمان الانسحاب.
  • كما أن بيروت تعتبر التطبيع خارج حساباتها، وأن الأولوية هي تحرير الأسرى واستعادة الأرض، لكن إسرائيل تسعى لاستثمار زخم اتفاقات التطبيع السابقة مع دول عربية لتوسيع الدائرة، وهنا نجد أن لبنان يختلف في ظروفه السياسية والأمنية، مما يجعل الطرح الإسرائيلي أكثر تعقيدًا، خصوصًا في هذه المرحلة المعقدة والمتشابكة.
  • يظل الرفض الشعبي العقبة أمام مخططات الكيان المحتل ويقطع الطريق أمام أي محاولة لفرض مقايضة، لا سيما أن خطة نتنياهو التي يصفها بأنها غيّرت الشرق الأوسط تصطدم بجدار لبناني صلب، لذا فالتطبيع مع لبنان يبقى حلمًا إسرائيليًّا بعيد المنال أمام ثبات الموقف اللبناني، والذي -بلا شك- يحتاج إلى دعم عربي إسلامي حثيث في مواجهة عصابة مارقة لا تكترث بأي قوانين دولية أو إنسانية.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

المصادر:

- الشرق الأوسط

- روسيا اليوم

- اندبندنت عربية

- العربية

الكلمات المفتاحية

الجنوب اللبنانيالتطبيعانسحاب بلا شروطالتطبيع ورقة إسرائيليةالأسرى اللبنانيينالرفض الشعبي