الإدارة الأمريكية وصناعة قرار الحرب.. قراءة في أبعاد التدخُّلات الأمريكية العسكرية في إيران وفنزويلا في ظل تأزُّم الاقتصاد الأمريكي وتفاقم أزمة الديون الأمريكية

دولية (اقتصادية)
الإدارة الأمريكية وصناعة قرار الحرب.. قراءة في أبعاد التدخُّلات الأمريكية العسكرية في إيران وفنزويلا في ظل تأزُّم الاقتصاد الأمريكي وتفاقم أزمة الديون الأمريكية
١٤ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٢٠ يونيو ٢٠٢٦

تتشكَّل قرارات الحرب في الولايات المتحدة ضمن منظومة مُعقَّدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية، حيث لا تنفصل الحسابات العسكرية عن الضغوط الداخلية المرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع المديونية العامة، إلى جانب تأثيرات الحلفاء الإقليميين، وفي مقدِّمتهم الكيان الإسرائيلي الذي يمارس ضغوطًا مستمرة لدفع واشنطن نحو تبنِّي مواقف أكثر تشدُّدًا تجاه إيران.

وفي هذا السياق تبرز احتمالات التصعيد بوصفها انعكاسًا لتوازنات دقيقة بين الرغبة في استعادة الهيبة الدولية ومحاولة احتواء الأزمات الاقتصادية المتفاقمة؛ فضلًا عن التفاعل مع حسابات أمنية مرتبطة بحلفاء إستراتيجيين؛ كما أن توظيف القوة الخارجية قد يُستخدَم أحيانًا كأداة لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية أو تصدير الأزمات، خاصة في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي وتراجُع الثقة بالمؤسسات.

وبينما تسعى مراكز صنع القرار إلى تجنُّب الانزلاق نحو مواجهات مُكلِفة، فإن الضغوط الجيوسياسية، بما فيها تأثير اللوبيات والتحالفات، قد تدفع نحو خيارات أكثر حدة، ومن هنا تبدو دراسة محدِّدات القرار العسكري الأمريكي ضرورية لفهم طبيعة التحرُّكات المحتملة وتداعياتها، في ظل بيئة دولية تتَّسم بتشابك المصالح وتعقُّد مسارات الصراع.

فكيف يمكن قراءة أثر تفاقم أزمة الديون والنمو المتباطئ على ميزانية "البنتاغون" وقرار التصعيد؟ وماذا عن الصراع الصامت بين "الصقور" في البيت الأبيض و"الحذرين" في المؤسسة العسكرية ودور الصراع في صياغة قرارات التصعيد؟ وكيف تُسهِم الضغوط الإسرائيلية واللوبيات في توجيه بوصلة التصعيد الأمريكي نحو إيران؟ وماذا عن الدوافع الجيوسياسية للتحرُّكات الأمريكية ضد إيران وفنزويلا في سياق الصراع الأكبر بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى؟ وفي ظل ذلك المشهد، كيف يمكن قراءة سيناريوهات التدخُّلات الأمريكية في إيران وفنزويلا بين الغزو الشامل أو الضربة الخاطفة؟

يُسلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوءَ على مراحل صناعة قرار الحرب في الولايات المتحدة ودوافعه وأبعاده المختلفة في ظل الارتباطات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية وضغوط الحلفاء بتحرُّكات الولايات المتحدة العسكرية؛ في هذه السطور الآتية.

أثر تفاقم أزمة الديون والنمو المتباطئ على ميزانية "البنتاغون" وقرار التصعيد:

تلعب الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة وعلى رأسها: مؤشرات الأداء الاقتصادي، دورًا محوريًّا بارزًا في تحرُّكات الولايات المتحدة العسكرية الخارجية؛ إذ يُشكِّل تصاعد الدين العام الأمريكي مع تباطؤ معدَّلات النمو الاقتصادي عامل ضغط متزايد على طبيعة إدارة الإنفاق الفيدرالي، وخاصة فيما يتعلَّق بالمؤسسة العسكرية التي تستهلك جزءًا ضخمًا من الموازنة السنوية، فكلما ارتفعت كُلفة خدمة الدين واتَّسعت الفجوة بين الإيرادات والنفقات، أصبحت واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيدًا بين الحفاظ على تفوُّقها العسكري العالمي وبين احتواء الأعباء المالية الداخلية؛ وهذا الوضع يدفع دوائر صنع القرار إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية بصورة مستمرة، مع التركيز على توظيف الأزمات الخارجية كوسيلة لتبرير استمرار التدفُّقات المالية نحو الصناعات العسكرية وبرامج التحديث الإستراتيجي، بما يمنع حدوث تراجُع حاد في القدرات القتالية أو النفوذ الدولي للولايات المتحدة أو معدَّلات إنتاج المجمَّع الصناعي العسكري الأمريكي.

ويؤدِّي التباطؤ الاقتصادي إلى زيادة حساسية الإدارة الأمريكية تجاه أي مؤشرات قد تهدد مكانة الدولار أو تُقلِّل من ثقة الأسواق العالمية بالاقتصاد الأمريكي، ولذلك تتحوَّل القوة العسكرية إلى أداة دعم غير مباشرة للهيمنة الاقتصادية؛ فحماية طرق التجارة والطاقة، وضبط موازين القوى في المناطق الحيوية، واحتواء الخصوم الدوليين، كلها ملفات ترتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار النظام المالي الأمريكي، ومن هنا تصبح القرارات المتعلِّقة بالتصعيد الخارجي مرتبطة بحسابات أوسع من مجرد الاعتبارات الأمنية، إذ يجري النظر إليها باعتبارها جزءًا من إدارة النفوذ العالمي الذي يمنح الاقتصاد الأمريكي قدرة أكبر على الاستمرار رغم الضغوط البنيوية المتراكمة (روسيا اليوم).تتصدر الولايات المتحدة قائمة الإنفاق الدفاعي العالمي بميزانية دفاعية تقترب من حاجز التريليون دولار عام 2025

كما أن اتساع العجز المالي يفرض على البنتاغون تطوير أنماط جديدة من إدارة الصراعات تعتمد على تقليل الكُلفة المباشرة للحروب التقليدية عبر التوسُّع في استخدام العقوبات الاقتصادية والحروب السيبرانية والعمليات غير المباشرة ودعم الحلفاء الإقليميين، وهذا التحوُّل يعكس إدراكًا داخل المؤسسات الأمريكية بأن الدخول في مواجهات واسعة وطويلة الأمد قد يُفاقِم الضغوط الاقتصادية الداخلية ويؤدِّي إلى استنزاف إضافي للموارد؛ لذلك تميل الإستراتيجيات الحديثة إلى تحقيق أهداف سياسية وعسكرية بأقل كُلفة بشرية ومالية ممكنة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على صورة الردع الأمريكية أمام القوى المنافسة.

وفي ظل هذه البيئة المعقَّدة تزداد قوة المجمَّع الصناعي العسكري داخل عملية صنع القرار، حيث ترتبط قطاعات واسعة من الاقتصاد الأمريكي بعقود الدفاع والتكنولوجيا العسكرية والإنفاق الأمني؛ ومع تباطؤ النمو في قطاعات مدنية عديدة، تصبح الصناعات الدفاعية أحد المحرِّكات الأساسية للتشغيل والاستثمار والبحث العلمي، وهو ما يدفع جماعات الضغط المرتبطة بها إلى دعم سياسات التوسُّع العسكري وتعزيز التوترات الدولية التي تضمن استمرار الطلب على السلاح والتقنيات القتالية؛ وبهذا تتحوَّل بعض الأزمات الخارجية إلى مساحات لإعادة تنشيط قطاعات اقتصادية تعتمد بصورة مباشرة على استمرار الإنفاق الدفاعي المرتفع.

وفي المقابل: تواجه الإدارات الأمريكية معضلة متزايدة تتمثَّل في أن أي توسُّع عسكري واسع قد يرفع من مستويات الدين والعجز بصورة أكبر، بينما قد يؤدِّي الانكفاء الخارجي إلى تراجُع النفوذ الدولي وتقليص القدرة على التحكُّم بالاقتصاد العالمي؛ وهذا التناقض يدفع صانعي القرار إلى تبنِّي سياسات تجمع بين التصعيد المحسوب والضغط الاقتصادي والتحالفات العسكرية المتعددة، بهدف الحفاظ على التوازن بين متطلبات الهيمنة الدولية وحدود القدرة الاقتصادية الداخلية، ومع استمرار التغيُّرات في بنية الاقتصاد العالمي وصعود قوى منافسة، تبدو واشنطن أمام مرحلة يصبح فيها الربط بين الاقتصاد والأمن أكثر تعقيدًا وتأثيرًا في صياغة قرارات الحرب والسلام.

الصراع الصامت بين "الصقور" في البيت الأبيض و"الحذرين" في المؤسسة العسكرية ودور الصراع في صياغة قرارات التصعيد:

هذا وتتَّسم عملية صناعة القرار داخل الولايات المتحدة بوجود تباين عميق بين تيارَين رئيسيَّين يتنافسان بصورة مستمرة على توجيه السياسة الخارجية، الأول يميل إلى توظيف القوة والضغط السياسي والعسكري لتحقيق أهداف إستراتيجية سريعة، والثاني ينطلق من حسابات ميدانية أكثر تعقيدًا ترتبط بتقدير كُلفة المواجهات ونتائجها طويلة المدى؛ وهذا التباين لا يظهر غالبًا في صورة صدام علني، بل يتحرَّك داخل دوائر مغلقة تضمُّ مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع والأجهزة الاستخباراتية، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع التقييمات العسكرية الدقيقة، وفي كثير من الأحيان، تصبح قرارات التصعيد انعكاسًا لحجم النفوذ الذي ينجح كل طرف في فرضه داخل لحظة الأزمة.

ويميل المسؤولون المدنيون المتشدِّدون داخل البيت الأبيض إلى النظر إلى القوة العسكرية باعتبارها أداة ضغط سياسية يمكن من خلالها إعادة تشكيل سلوك الخصوم وفرض وقائع جديدة على الساحة الدولية؛ وهذا الاتجاه غالبًا ما يتبنَّى خطابًا قائمًا على إظهار الحزم واستعراض القدرة على الردع، خاصة في الفترات التي تواجه فيها الإدارة تحديات داخلية أو ضغوطًا انتخابية أو تراجُعًا في الشعبية، ومن هنا تتحوَّل الأزمات الخارجية إلى مساحة لإعادة إنتاج صورة القيادة القوية، حتى وإن كانت المؤسسات العسكرية ترى أن بعض التحرُّكات تحمل مخاطر تفوق المكاسب المحتملة.

وفي المقابل: تنظر القيادات العسكرية الأمريكية إلى الصراعات من زاوية مختلفة تقوم على حسابات الاستنزاف وتوازن القوى والقدرة على إدارة ما بعد التصعيد، فالمؤسسة العسكرية بحكم خبرتها الميدانية تُدرِك أن الدخول في مواجهات مفتوحة لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف سياسية مستقرة، بل قد يؤدِّي إلى توسيع نطاق التهديدات وخلق بؤر توتر يصعب احتواؤها لاحقًا؛ ولهذا يظهر داخل البنتاغون تيار أكثر ميلًا إلى الحذر، يُفضِّل استخدام الردع المحدود والتحرُّكات التدريجية بدلًا من الانزلاق نحو مواجهات واسعة قد تستنزف الموارد العسكرية وتؤثِّر على الجاهزية العالمية للقوات الأمريكية (بوابة الشروق).

ويزداد تأثير هذا التناقض عندما يتعلَّق الأمر بملفات تضمُّ قوى إقليمية أو دولية تمتلك قدرات على الرد غير التقليدي، إذ تصبح الحسابات العسكرية أكثر تعقيدًا مقارنة بالحسابات السياسية السريعة، ففي الوقت الذي قد يدفع فيه بعض المسؤولين المدنيين نحو خطوات تصعيدية لإرسال رسائل قوة، يعمل القادة العسكريون على تقييم احتمالات توسُّع الاشتباك وتأثيره على القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن وممرَّات التجارة والطاقة؛ وهذا ما يُفسِّر وجود فجوات متكرِّرة بين الخطاب السياسي المتشدِّد والتحرُّكات العسكرية الفعلية التي تأتي أحيانًا أكثر محدودية وانضباطًا مما يُعلنه السياسيون.

ويؤثِّر هذا الصراع الداخلي بصورة مباشرة على طبيعة القرارات النهائية، حيث تخرج السياسات الأمريكية غالبًا في صورة تسويات بين الرغبة في فرض الهيمنة وبين الخوف من التورُّط المُكلِف؛ لذلك تتبنَّى واشنطن في كثير من الأزمات نمطًا يجمع بين التصعيد الإعلامي والعقوبات والضربات المحدودة والتحرُّكات الدبلوماسية غير المُعلَنة، بما يسمح بتحقيق ضغط سياسي دون الوصول إلى حرب شاملة؛ غير أن استمرار التنافس بين التيارَين يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا، خاصة في عالم تتزايد فيه سرعة الأزمات وتتشابك فيه المصالح الاقتصادية والعسكرية بصورة تجعل أي خطأ في التقدير قابلًا للتحوُّل إلى أزمة دولية واسعة النطاق.

دور الضغوط الإسرائيلية واللوبيات في توجيه بوصلة التصعيد الأمريكي نحو إيران:

وعلى صعيد الضغوط الخارجية، ترتبط العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بمنظومة معقَّدة من المصالح الأمنية والسياسية والإستراتيجية التي تجعل ملف إيران أحد أكثر القضايا تأثيرًا في مسار التنسيق بين الطرفين؛ فحكومة الاحتلال الإسرائيلي تنظر إلى تنامي القدرات الإيرانية بوصفه تهديدًا مباشرًا لتوازنات المنطقة، ولذلك تسعى بصورة مستمرة إلى دفع الولايات المتحدة نحو تبنِّي سياسات أكثر تشدُّدًا تجاه طهران، سواء عبر العقوبات أو الضغوط الدبلوماسية أو التصعيد العسكري غير المباشر؛ ويظهر هذا التأثير من خلال الحضور المكثَّف للملف الإيراني داخل النقاشات الأمريكية المتعلِّقة بالأمن القومي، حيث يتمُّ تقديمه باعتباره تحديًا يتجاوز الإطار الإقليمي ليصل إلى مستوى التأثير على النفوذ الأمريكي العالمي.

وتلعب جماعات الضغط المؤيِّدة لإسرائيل دورًا بارزًا في صياغة المناخ السياسي والإعلامي المحيط بالسياسات الأمريكية تجاه إيران، عبر التأثير على مراكز الأبحاث والكونغرس ووسائل الإعلام وشبكات التمويل السياسي؛ وهذه الجماعات تعمل على ترسيخ تصوُّر يعتبر أن أي توسُّع إيراني في المنطقة يمثِّل تهديدًا مباشرًا لحلفاء واشنطن ولمصالحها الإستراتيجية، وهو ما يخلق بيئة سياسية تدفع الإدارات الأمريكية إلى تبنِّي مواقف أكثر صرامة خشية التعرُّض لاتهامات بالتراخي أو التفريط في أمن الحلفاء، كما يُسهِم هذا النفوذ في تضييق هامش المناورة أمام أي اتجاهات داخلية تدعو إلى تخفيف التوتر أو العودة إلى تسويات طويلة الأمد مع طهران.

وفي أوقات الأزمات الإقليمية، تتصاعد قدرة الحكومة الإسرائيلية على التأثير في القرار الأمريكي من خلال توظيف المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة والممرَّات البحرية والوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط؛ فكلما ازداد التوتر في المنطقة، تصبح الرواية الإسرائيلية أكثر حضورًا داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية، خاصة عندما يجري الربط بين التحرُّكات الإيرانية وبين احتمالات تهديد القواعد الأمريكية أو تعطيل حركة التجارة العالمية، وهذا المناخ يسمح بتوسيع دائرة المؤيِّدين لسياسات الردع والتصعيد داخل واشنطن، حتى بين بعض التيارات التي قد تكون أكثر ميلًا إلى الحذر في الظروف العادية.

كما تستفيد دوائر الضغط المؤيِّدة لحكومة الاحتلال الإسرائيلي من حالة الاستقطاب السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، إذ يجري أحيانًا توظيف الملف الإيراني ضمن المنافسة الحزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين؛ ففي مثل هذه الأجواء، يتحوَّل التشدُّد تجاه طهران إلى ورقة تُستخدَم لإظهار القوة والحزم في السياسة الخارجية، وهو ما يدفع بعض السياسيين إلى تبنِّي مواقف متشدِّدة خشية فقدان الدعم السياسي أو التعرُّض لحملات انتقاد داخلية، وبذلك يصبح التصعيد تجاه إيران مرتبطًا ليس فقط بحسابات الأمن القومي، بل أيضًا بالتوازنات الانتخابية وشبكات النفوذ المالي والسياسي داخل النظام الأمريكي (بوابة الاشتراكي).

ورغم هذا التأثير الواسع، فإن المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية لا تتبنَّى دائمًا الرؤية نفسها بالحدة ذاتها، إذ تُدرِك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران قد تؤدِّي إلى تداعيات إقليمية ودولية يصعب التحكُّم بها؛ ولهذا يظهر أحيانًا اختلاف بين الرغبة السياسية في ممارسة أقصى درجات الضغط وبين الحسابات العملياتية التي تركِّز على تجنُّب الانزلاق نحو صراع واسع، غير أن استمرار الضغط الإسرائيلي وتكثيف نشاط جماعات التأثير يُبقيان خيار التصعيد حاضرًا باستمرار داخل دوائر القرار الأمريكية، حتى في الفترات التي تسعى فيها واشنطن إلى تجنُّب المواجهات المباشرة.

الدوافع الجيوسياسية للتحرُّكات الأمريكية ضد إيران وفنزويلا في سياق الصراع الأكبر بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى:

وفيما يتعلَّق بالتنافس العالمي، تتحرَّك السياسة الأمريكية تجاه إيران وفنزويلا ضمن إطار جيوسياسي أوسع يرتبط بمحاولة الحفاظ على موقع الولايات المتحدة في مواجهة التحوُّلات المتسارعة داخل النظام الدولي، خاصة مع تصاعد نفوذ روسيا والصين في مناطق تعتبرها واشنطن جزءًا من مجالها الإستراتيجي التقليدي؛ فإيران تمثِّل بالنسبة للأمريكيين نقطة ارتكاز مؤثِّرة في الشرق الأوسط وعلى مقربة من ممرَّات الطاقة العالمية، بينما تشكِّل فنزويلا بوابة حسَّاسة داخل المجال اللاتيني القريب من الحدود الجيوسياسية الأمريكية، ومن هذا المنطلق، تنظر واشنطن إلى أي توسُّع روسي أو صيني داخل هذين الملفَّين باعتباره تهديدًا مباشرًا لقدرتها على الحفاظ على توازنات النفوذ العالمية.

وفي الشرق الأوسط يرتبط الضغط الأمريكي على إيران بمحاولة الحدِّ من تشكُّل محور إقليمي مدعوم من موسكو وبكين قادر على تقليص الحضور الأمريكي في المنطقة؛ فالتقارب الإيراني مع روسيا في الملفات العسكرية والطاقة إلى جانب العلاقات الاقتصادية المتنامية مع الصين، يمنح طهران مساحة أوسع لمقاومة الضغوط الغربية، ولذلك تسعى واشنطن إلى استخدام العقوبات والعزل السياسي والضغوط الأمنية بهدف منع تحوُّل إيران إلى مركز ارتكاز إستراتيجي للقوى المنافسة، خاصة في ظل إدراك أمريكي بأن خسارة النفوذ في الشرق الأوسط قد تؤثِّر على مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي بأكمله.تلعب الاستثمارات الصينية في إيران والعلاقات التجارية بين الجانبين دورًا محوريًّا في الحد من تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد الإيراني

أما في فنزويلا، فإن الحسابات الأمريكية تتجاوز قضية النظام السياسي أو الخلافات الأيديولوجية، لتصل إلى مستوى الصراع على النفوذ داخل أمريكا اللاتينية؛ فالتواجد الروسي والصيني في قطاع الطاقة والبنية التحتية الفنزويلية يمنح موسكو وبكين موطئ قدم داخل فضاء تعتبره واشنطن تاريخيًّا جزءًا من مجالها الأمني المباشر، كما أن امتلاك فنزويلا لاحتياطيات نفطية ضخمة يجعلها عنصرًا مهمًّا في معادلات الطاقة الدولية، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى محاولة منع خصومها من تحويل هذا المورد إلى أداة لتعزيز مواقعهم الاقتصادية والإستراتيجية بالقرب من الأراضي الأمريكية.

ويعكس التعامل الأمريكي مع هذين الملفَّين قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأن المنافسة مع روسيا والصين لم تعد مقتصرة على أوروبا أو شرق آسيا، بل أصبحت تمتدُّ إلى مناطق النفوذ التقليدية وطرق التجارة والطاقة والتحالفات الإقليمية؛ لذلك تتبنَّى واشنطن سياسات تقوم على تطويق مراكز القوة المحتملة التي قد تستخدمها موسكو وبكين لتوسيع نفوذهما العالمي، وفي هذا السياق، تتحوَّل العقوبات الاقتصادية والتحرُّكات العسكرية المحدودة والضغوط الدبلوماسية إلى أدوات ضمن صراع أشمل يهدف إلى منع تشكُّل توازنات دولية جديدة تُقلِّل من الهيمنة الأمريكية.

كما أن التصعيد تجاه إيران وفنزويلا يحمل أبعادًا تتعلَّق بإدارة صورة القوة الأمريكية أمام الحلفاء والخصوم في آن واحد، فالولايات المتحدة تُدرِك أن أي تراجُع في قدرتها على فرض الضغوط داخل مناطق حسَّاسة قد يُفسَّر بوصفه مؤشِّرًا على تآكل النفوذ العالمي، وهو ما قد يشجِّع روسيا والصين على توسيع تحرُّكاتهما في مناطق أخرى؛ ولهذا تحاول واشنطن الحفاظ على حضورها العسكري والسياسي والاقتصادي في أكثر من ساحة بالتوازي، بهدف منع انتقال النظام الدولي نحو حالة تعددية قطبية كاملة تفقد فيها الولايات المتحدة قدرتها التقليدية على التحكُّم بمسارات الأزمات الدولية واتجاهات الاقتصاد العالمي (مجلة الأمان).

سيناريوهات التدخُّلات الأمريكية في إيران وفنزويلا بين الغزو الشامل أو الضربة الخاطفة:

ومع ذلك المشهد الدولي المعقَّد، تواجه الولايات المتحدة عند التعامل مع إيران وفنزويلا مجموعة من السيناريوهات المعقَّدة التي ترتبط بحسابات الكُلفة والقدرة على تحقيق الأهداف السياسية دون الانزلاق إلى استنزاف طويل الأمد؛ فخيار التدخُّل العسكري الواسع على نمط الحروب التي شهدها العراق وأفغانستان يبدو أقل جاذبية داخل المؤسسة الأمريكية مقارنة بالماضي، نتيجة الإرث الثقيل لتلك التجارب من حيث الخسائر البشرية والإنفاق الضخم والانقسام الداخلي؛ كما أن البيئة الدولية الحالية تختلف بصورة كبيرة، إذ باتت القوى المنافسة أكثر قدرة على استغلال أي تورُّط أمريكي طويل لتحويله إلى نقطة استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري تؤثِّر على موقع واشنطن العالمي.

وفي حالة إيران تحديدًا، تبدو فكرة الغزو المباشر شديدة التعقيد بسبب طبيعة الجغرافيا وحجم القدرات العسكرية والشبكات الإقليمية المرتبطة بطهران، ما يجعل أي مواجهة واسعة معرَّضة للتحوُّل إلى صراع متعدِّد الجبهات يمتدُّ إلى الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط؛ لذلك تميل بعض دوائر القرار الأمريكية إلى التفكير في خيارات تقوم على الضربات المحدودة أو العمليات المركَّزة التي تستهدف إضعاف البنية العسكرية والاقتصادية دون الوصول إلى احتلال شامل، غير أن هذا النوع من السيناريوهات يحمل بدوره مخاطر تتعلَّق بإمكانية الرد الإيراني عبر أدوات غير تقليدية قد تؤدِّي إلى توسيع نطاق التوتر بصورة يصعب التحكُّم بها.

أما فنزويلا، فإن طبيعة المشهد تختلف نسبيًّا بحكم الموقع الجغرافي القريب من الولايات المتحدة وضعف القدرات العسكرية مقارنة بإيران، وهو ما يدفع بعض التيارات الأمريكية إلى تصوُّر إمكانية تنفيذ ضغوط مركَّزة أو تحرُّكات سريعة تهدف إلى إحداث تغيير سياسي داخلي دون الدخول في حرب طويلة؛ لكن التجارب السابقة أظهرت أن إسقاط الأنظمة أو إعادة تشكيل السلطة ليس أمرًا مضمون النتائج، خاصة في ظل وجود دعم خارجي من قوى دولية منافسة، إلى جانب احتمالات الفوضى الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنتج عن أي تدخُّل مباشر؛ ولهذا تبقى الخيارات الأمريكية محكومة بالحذر خشية التحوُّل إلى أزمة ممتدَّة داخل المجال اللاتيني.

وفي المقابل: يظلُّ سيناريو العقوبات الطويلة والعزل السياسي أحد أكثر الخيارات استخدامًا من جانب واشنطن، لأنه يسمح بممارسة الضغط دون تحمُّل كُلفة الحرب المباشرة، وهذا النموذج يقوم على إنهاك الخصوم اقتصاديًّا ومحاولة إضعاف قدرتهم على تطوير نفوذهم الإقليمي والدولي، مع الإبقاء على هامش من الردع العسكري لمنعهم من تجاوز خطوط معيَّنة؛ إلا أن هذا المسار يواجه تحديات متزايدة في ظل تنامي التعاون بين الدول الخاضعة للعقوبات وبين روسيا والصين، الأمر الذي يحدُّ من فعالية الضغوط الأمريكية ويحوِّل بعض هذه الدول إلى جزء من شبكات اقتصادية وسياسية بديلة عن النظام الغربي التقليدي.

وتنعكس جميع هذه السيناريوهات بصورة مباشرة على المزاج الانتخابي داخل الولايات المتحدة؛ إذ أصبح الناخب الأمريكي أكثر حساسية تجاه كُلفة التدخُّلات الخارجية وتأثيرها على الاقتصاد ومستوى المعيشة، فالتوسُّع العسكري الكبير قد يُثير مخاوف مرتبطة بارتفاع الإنفاق والتورُّط في حروب مفتوحة، بينما قد يُنظَر إلى التراجُع أو الاكتفاء بالعقوبات بوصفه علامة ضعف أمام الخصوم الدوليين، لذلك تحاول الإدارات الأمريكية تحقيق توازن دقيق بين إظهار القوة والحفاظ على الاستقرار الداخلي، خاصة في بيئة سياسية منقسمة تتزايد فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل أي قرار خارجي مرتبطًا بشكل وثيق بحسابات الداخل الأمريكي ومستقبل التوازنات الحزبية والانتخابية.

الخلاصة:

  • تكشف مجمل التحوُّلات المرتبطة بإيران وفنزويلا عن أن التحرُّكات الأمريكية لم تعد تُدار فقط بمنطق المواجهة التقليدية، بل ضمن صراع عالمي أوسع يتداخل فيه الأمن بالطاقة والاقتصاد بالمنافسة الجيوسياسية، في وقت تواجه فيه واشنطن ضغوطًا داخلية مرتبطة بتباطؤ النمو وتفاقم الديون والانقسام السياسي، وبين تيارات تدفع نحو التشدُّد لإثبات الهيمنة والحفاظ على النفوذ الدولي، وأخرى أكثر حذرًا تخشى كُلفة التورُّط العسكري، تتشكَّل سياسات أمريكية تميل إلى المزج بين العقوبات والضغوط والتحرُّكات المحدودة بدلًا من الحروب الشاملة مرتفعة الكُلفة؛ كما أن تأثير اللوبيات والتحالفات الإقليمية، إلى جانب التنافس مع روسيا والصين، يجعل أي تصعيد تجاه طهران أو كاراكاس جزءًا من معركة أوسع على شكل النظام الدولي المقبل، بينما يبقى الناخب الأمريكي عنصرًا حاسمًا في ضبط إيقاع هذه السياسات؛ إذ باتت القدرة على إدارة الأزمات الخارجية دون استنزاف داخلي تمثِّل أحد أهم التحديات أمام صانعي القرار في الولايات المتحدة.

المصادر:

روسيا اليوم

بوابة الشروق

بوابة الاشتراكي

مجلة الأمان

الكلمات المفتاحية

التدخلات العسكرية الأمريكيةأزمة الديون في الولايات المتحدةالأبعاد الجيوسياسية للتحركات الأمريكيةالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيرانالمضائق البحريةالتنافس الدولي