الثروات مقابل الإعمار.. هل تدفع أوكرانيا سيادتها الاقتصادية ثمنًا للبقاء؟

مع دخول الحرب عامها الرابع، تتصاعد المخاوف من أن تكون مرحلة "ما بعد الصراع" في أوكرانيا موعدًا مع شكل جديد من الاستغلال الاقتصادي، يتخفى تحت عباءة إعادة الإعمار، ففي وقت تُقَدَّر فيه احتياجات التعافي بأكثر من 500 مليار دولار، تجد كييف نفسها مضطرة للتفاوض من موقع الضعف الإستراتيجي، مُقَدِّمَةً ثرواتها الجيولوجية والزراعية الهائلة ضمانات للحصول على الدعم الغربي، لكن التدقيق في طبيعة الاتفاقيات الموقعة، واستقراء الوقائع التاريخية الموثقة، يكشفان أن هذه المخاوف ليست وليدة الحرب التي بدأت عام 2022م، بل امتداد لنمط منهجي من الضغط الاقتصادي سبق الغزو الروسي بسنوات -إذ توجد بالفعل سوابق موثقة لتقديم أوكرانيا ثرواتها مقابل المال والدعم، حتى في زمن السلم-.
وحين تتوقف أصوات المدافع لن يبدأ فَصْل "إعادة البناء" بالمعنى الكلاسيكي فقط، بل فَصْل موازٍ أكثر تعقيدًا: مَن سيملك أوكرانيا اقتصاديًّا بعد أن دافعت عن نفسها عسكريًّا لسنوات؟ ففي مايو 2025م، وقّعت واشنطن وكييف اتفاقية معادن استثنائية تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تتجه دولة تملك 22 من أصل 50 معدنًا تُصَنِّفها واشنطن "حيويًّا" لأمنها القومي، إلى مسار أشبه بما عاشته دول إفريقية بعد استقلالها -"سيادة سياسية على الورق، وتبعية اقتصادية على الأرض"؟ وهنا لا نفترض الإجابة مسبقًا، بل نضع الوقائع والمخاوف لنترك القارئ أمام صورة أكثر وضوحًا.
استغلال ثروات أوكرانيا:
تمتلك أوكرانيا مخزونًا إستراتيجيًّا هائلًا من المعادن الحيوية التي تُشَكِّل شريان الحياة للاقتصادات الحديثة، وتتلخص أهمية هذه الثروة في نقطتين: الأولى أن كييف تضم 22 معدنًا من أصل 50 تُصَنِّفها واشنطن "حيوية" لأمنها القومي، وفي مقدمتها الليثيوم والغرافيت والتيتانيوم، اللازمة لصناعة البطاريات والصناعات الدفاعية والكهربائية؛ والثانية أن تقارير اقتصادية، مثل تقارير بلومبيرج، تشكك في حجم هذا التقييم وتراه مبالغًا فيه؛ لأن جزءًا كبيرًا من هذه المعادن يُسْتَخْرَج بوصفه منتجًا ثانويًّا لعمليات تعدينية أخرى وليس هدفًا أوليًّا قابلًا للتسويق الفوري، كما أن نسبة كبيرة منها تقع فِعْلِيًّا تحت السيطرة العسكرية الروسية، مما يحول دون استغلالها اقتصاديًّا في المدى القريب، وسط سعي موسكو للسيطرة عليها مستقبَلًا.
وعلاوة على الثروات المعدنية: تمتلك أوكرانيا أراضي زراعية شديدة الخصوبة تُعَدُّ من الأوسع عالميًّا، وتسيطر روسيا على جزء كبير من أراضي البلاد، وما تبقى يواجه تهديد الاستغلال مقابل إعادة الإعمار، ورغم أن القانون الأوكراني يمنع الأجانب من تملك الأراضي الزراعية بصورة مباشرة، إلا أن الوقائع الموثقة تكشف أن هذه القوانين لم تمنع عمليًّا السيطرة الأجنبية الفعلية، فبحلول عام 2016م، أي: قبل 6 سنوات من الغزو الروسي، تمكنت عشر شركات زراعية متعددة الجنسيات من السيطرة على ما يزيد على 2.8 مليون هكتار من الأراضي الأوكرانية، ليس عبر الشراء المباشر، بل عبر آليات التفافية مُحْكَمَة من عقود الإيجار طويلة الأمد وإنشاء شركات وسيطة محلية تعمل بوصفها واجهات للنفوذ الأجنبي.
علاوة على أن فَتْح سوق الأراضي رسميًّا في عام 2021م لم يكن قرارًا سياديًّا أوكرانيًّا، بل كان شرطًا إلزاميًّا فرضه صندوق النقد الدولي مقابل مَنْح كييف قرضًا بعشرة مليارات دولار، وبالتالي هذا السياق التاريخي يُؤَكِّد أن آليات الضغط الاقتصادي للسيطرة على الثروات الأوكرانية ليست وليدة الحرب الحالية، بل هي نمط هيكلي مستمر، ومع ضعف الدولة الأوكرانية تفاوضيًّا بعد سنوات من الدمار، فإن مخاوف توسع هذا النمط إلى نطاق أوسع بكثير تبدو مبررة أكثر من أي وقت مضى، غير أن هناك ما يشير إلى أن أوكرانيا ليست عاجزة تمامًا عن مواجهة هذا النمط حتى في زمن الحرب: ففي مايو 2025م صادرت الحكومة الأوكرانية نحو 100 هكتار من الأراضي الزراعية في منطقة كييف، كانت بحوزة 176 مواطنًا روسيًّا بشكل غير قانوني -في أول مؤشر ملموس على إنفاذ فِعْلِيّ للحظر القانوني منذ اندلاع الحرب-، غير أن حجم هذه الخطوة (100 هكتار) يبدو متواضعًا للغاية أمام حجم المشكلة الموثقة تاريخيًّا (2.8 مليون هكتار)، وهو ما يفتح سؤالًا جوهريًّا: هل توجد سجلات شركات موثقة، منذ عام 2022م تحديدًا، تكشف عن توسع في الملكية أو السيطرة الأجنبية الفعلية على الأراضي الزراعية عبر واجهات محلية، بما يتجاوز ما كان قائمًا بالفعل قبل الحرب؟
ابتزاز أمريكي:
في مايو 2025م، وبعد مشادة كلامية علنية غير مسبوقة في البيت الأبيض كادت تعصف بالاتفاق، وقّعت واشنطن وكييف رسميًّا على صفقة المعادن الإطارية، حيث ينص الاتفاق على إنشاء "صندوق استثمار مشترك لإعادة الإعمار"، تلتزم أوكرانيا بموجبه بتحويل 50% من إيرادات تراخيص استخراج المعادن والنفط والغاز مستقبَلًا إلى هذا الصندوق، لكن جوهر الإشكالية القانونية لا يكمن في تقسيم الإيرادات بقدر ما يكمن في بند "حق الأولوية" الذي يمنح الجانب الأمريكي حق الخيار الأول في الاستحواذ على الموارد أو تعيين المشتري البديل من اختياره، وهذه الصياغة يصفها مراقبون بأنها "غير مسبوقة في العلاقات الدولية الحديثة"، ورغم أنها لا تعني نَقْل الملكية بصورة فورية، لكنها تلغي فِعْلِيًّا حرية كييف في تنويع شركائها الاقتصاديين في قطاعات إستراتيجية كاملة، وتجعل سيادتها الاقتصادية رهنًا لإرادة واشنطن، وأيضًا رغم أن وزارة الخزانة الأمريكية شَدَّدَت على أن الاتفاق لا يهدف إلى تعويض المساعدات السابقة بل هو استثمار في المساعدات المستقبلية، فإن النص النهائي المُوَقَّع فِعْلِيًّا في 30 إبريل 2025م تضمّن توازنًا كاملًا في هيكل حوكمة الصندوق، بواقع ثلاثة مقاعد لكل طرف، بحسب تقارير مؤسسة كارنيجي للسلام، ومركز الدراسات الإستراتيجية، غير أن هذا التوازن الشكلي (3 مقابل 3) في مجلس الإدارة العام لا ينسحب بالضرورة على اللجان التنفيذية الأكثر تأثِيرًا في القرارات اليومية -فبحسب النص الرسمي لاتفاقية الصندوق، فإن اللجنتين الاستثمارية والإدارية قد تمنحان الجانب الأمريكي أغلبية 3 مقابل 2، إلى جانب شرط عائد سنوي إلزامي 4% للصندوق قبل توزيع أي أرباح- ما يعني أن "التصحيح" الذي طرأ على مستوى المجلس العام لم يُحْسَم بالكامل على مستوى آليات التنفيذ الفعلية.
وبعبارة أبسط، أمريكا لا تملك أغلبية مُعْلَنَة في مجلس إدارة الصندوق ظاهريًّا (3 مقابل 3)، لكنها تملك الكلمة الفعلية في اللجان الأصغر التي تتخذ القرارات اليومية (3 مقابل 2)، أي أن مَن يقرر عمليًّا مَن يشتري المعدن أو مَن يُمْنَح الترخيص هو الجانب الأمريكي في الغالب، حتى وإن ظلت "الملكية القانونية" للموارد أوكرانية على الورق -وهذا هو جوهر بند "حق الأولوية"، ليس نَقْل ملكية فوريًّا، بل احتكار فِعْلِيّ لحق اتخاذ القرار الأول بشأن مصير هذه الموارد-، وهنا يُطْرَح سؤال لا يقل أهمية، وهو مَن يدير الصندوق المشترك يوميًّا في الواقع العملي، وهل توجد آلية رقابة أوكرانية مستقلة -برلمانية أو مدنية- على قراراته، أم أن التوازن المُعْلَن عملية شكلية لا تعكس موازين القوى الفعلية داخله؟
كذلك يرى المنتقدون، أن هذه الاتفاقية ليست أكثر من "استعمار جديد" و"ابتزاز خالص" تستغله واشنطن لنهب موارد دولة منهكة، تحت غطاء تقديم المساعدات وإعادة الإعمار، ويضاف إلى ذلك استخدام الديون بوصفها أداةً إضافيةً للضغط، إذ تدين كييف للاتحاد الأوروبي بأكثر من 50 مليار دولار، مما يجعل أصولها المادية، بما فيها الأراضي، ضمانًا لدائنيها، الذين يسعون بدورهم إلى اتفاقيات موازية للوصول إلى هذه الثروات، وبالتالي تتشابه حالة أوكرانيا مع النموذج الاستعماري الإفريقي القائم على الاستخراج الأحادي للموارد الخام، وإهمال التصنيع المحلي، وتحويل الديون إلى أداة نفوذ، فكما حوّل الاستعمار اقتصادات إفريقيا إلى مجرد مزارع ومناجم للقوى الأوروبية، قد تتحول أوكرانيا بحجة الإعمار إلى سلة خبز ومنجم معادن للغرب، مع فقدان تدريجي لقدرتها على بناء قيمة مضافة محلية أو استقلالية اقتصادية، علاوة على احتلال روسيا أكثر من 20% من أراضي أوكرانيا في الشرق، وهي أراضي خصبة تعج بالمعادن والثروات.
غير أن هذا التشابه له حدود ينبغي توضيحها: فخلافًا لكثير من الدول الإفريقية التي نالت استقلالها السياسي دون مؤسسات رقابية فعلية قادرة على مواجهة النفوذ الاقتصادي الخارجي، تمتلك أوكرانيا برلمانًا منتخبًا ونظامًا قضائيًّا وصحافة ومجتمعًا مدنيًّا نشطًا، إضافة إلى مسار انضمام مُعْلَن للاتحاد الأوروبي يفرض عليها معايير حوكمة وشفافية -وهي أدوات رقابية كانت غائبة أو ضعيفة في كثير من التجارب الإفريقية بعد الاستقلال-، وهذا الفارق قد يمنح كييف قدرة أكبر نظريًّا على الحد من اتساع هذا النمط، شريطة أن تُفَعَّل هذه المؤسسات عمليًّا لا أن تبقى حبرًا على ورق.
في المقابل: رفضت أوكرانيا وَصْف الاتفاق بـ"الاستعمار"، وأكدت نائبة رئيس الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو أن "الملكية والسيطرة الكاملة" على الموارد الطبيعية تبقى لأوكرانيا حصرًا، وأن الاتفاق يتعلق بعائدات التراخيص المستقبلية فقط، لا بنَقْل ملكية الأرض أو ثرواتها الباطنية، كما شَدَّد الرئيس زيلينسكي، في تصريحات سابقة على توقيع الاتفاق، على أن أي شراكة يجب أن تقوم على مبدأ "50/50" الحقيقي، وأن أوكرانيا "مستعدة لتقديم أرضها ومواردها، لكن على أمريكا أن تُقَدِّم التكنولوجيا ورأس المال" في المقابل -لا أن تكون العلاقة أحادية الاتجاه-، كما أن النسخة النهائية للاتفاق (إبريل 2025م) عكست تحسنًا ملموسًا عن المسودة الأولى المثيرة للجدل، بعدما نجحت كييف في إسقاط بند "دَين الحرب" وتحقيق توازن أكبر في هيكل إدارة الصندوق المشترك.
وبعيدًا عن واشنطن، تحوّلت أوروبا تدريجيًّا إلى الدائن الأكبر لأوكرانيا، بحسب معهد كييف للاقتصاد (مايو 2026م)، بلغ الدين العام الأوكراني 213.3 مليار دولار بنهاية 2025م (+29.5% خلال عام)، منه ديون للاتحاد الأوروبي قفزت من 44 إلى 82.7 مليار دولار في عام واحد فقط -أي نحو 40% من إجمالي الدين-، وفي ديسمبر 2025م وافق الاتحاد على قرض إضافي بقيمة 90 مليار يورو يُفْتَرَض سداده من تعويضات حرب روسية غير مؤكدة بعد -ما قد يُحَوِّل أصول أوكرانيا إلى ضمانة فعلية لدين أوروبي متصاعد-.
هامش من المناورة:
إلا أن الصورة ليست أحادية البعد تمامًا، فهناك أطراف دولية قد تمنح كييف هامشًا من المناورة، فالولايات المتحدة تسعى لكسر الهيمنة الصينية على سلاسل توريد المعادن النادرة، حيث تسيطر بكين على 60% من التعدين و85% من المعالجة العالمية، بينما يخطط الاتحاد الأوروبي لعَرْض اتفاقية منفصلة، وتسعى الصين نفسها، التي كان لها استثمارات بعقود هندسية تجاوزت 66 مليار دولار قبل الحرب، للمشاركة في مشاريع البنية التحتية، وبالتالي هذا التنافس قد يكون السلاح الأوكراني الأخير للحفاظ على توازن القوى. ورغم ذلك، تحظى هذه الاستثمارات الألمانية والصينية بتغطية إعلامية أقل بكثير مقارنة بالاتفاق الأمريكي، رغم كونها جزءًا أصيلًا من الصورة الكاملة لملف الثروات الأوكرانية -وهو تفاوت يستحق تفسيرًا، سواء ارتبط بالحجم الرمزي والسياسي للصفقة الأمريكية، أو بضعف تغطية وسائل الإعلام الغربية لتحركات بكين وبرلين الاقتصادية في كييف-.
غير أن العقبات أمام أي استغلال فِعْلِيّ لهذه الموارد ما زالت ضخمة، وأبرزها استمرار الحرب ذاتها، وتدمير البنية التحتية للطاقة والنقل، ووقوع أغنى الرواسب في مناطق الاحتلال الروسي، إضافة إلى حاجة الاتفاقية إلى مصادقة برلمانية قد تواجه معارضة شرسة في الداخل الأوكراني المنهك، وبالتالي تواجه أوكرانيا معضلة وجودية فقد يكون الرهن الاقتصادي هو الثمن الباهظ الذي تدفعه مقابل استمرار تدفق السلاح والمساعدات، ثم إعادة الإعمار، ورغم نجاح أوكرانيا في إسقاط بعض المطالب الأمريكية الفائقة مثل استرداد 500 مليار دولار من المساعدات السابقة، يبقى السؤال هل تستطيع كييف سَدّ الفجوة الشاسعة بين نص القانون (الذي يمنع البيع) وواقع التطبيق (السيطرة عبر الواجهات والعقود طويلة الأمد) -بعد أن فشلت في حمايتها جزئيًّا قبل ثماني سنوات في زمن السلم-، فكيف الحال وقد أنهكتها أربع سنوات من حرب وجودية؟ وفي هذا السياق، يستدعي الأمر مراجعة مستمرة لاتفاق المعادن الأوكراني وبنود أي اتفاقية إعادة إعمار بعد نهاية الحرب، لفهم ما إذا كانت أوكرانيا تسير في مسار تعاقدي متوازن أم استغلالي. الإجابة عن هذا الاستفهام كفيلة بتحديد ما إذا كانت أوكرانيا ستتحول إلى مستعمرة موارد جديدة، أم تنجح في الإفلات من هذا المصير الاستعماري، متسلحة بوعيها المؤسسي وقدرتها على توظيف التنافس الدولي لصالحها، في ظل سيطرة روسية على ربع مساحة أوكرانيا بالفعل.
السيناريوهات المحتملة بعد 2026م:
- السيناريو الأول "الشراكة المُراقَبة": يبقى الصندوق المشترك تحت رقابة أوكرانية فعلية، وتُطَبَّق قيود القانون الأوكراني (2021م) بصرامة على الأراضي الزراعية، فيتحول الاتفاق فِعْلِيًّا إلى أداة تمويل لإعادة الإعمار دون فقدان جوهري للسيادة الاقتصادية.
- السيناريو الثاني: "النهب الناعم عبر الواجهات" يتكرر نمط 2016م (السيطرة الفعلية عبر شركات وسيطة وعقود إيجار طويلة الأمد) بشكل أوسع، مستغلًا ضعف أوكرانيا التفاوضي بعد سنوات الحرب، فتتوسع السيطرة الأجنبية الفعلية على الأرض والموارد دون أن تخالف نص القانون حرفيًّا.
- السيناريو الثالث: "التنافس بَدَل الاحتكار" تتنافس واشنطن وبرلين وبكين على النفوذ الاقتصادي في أوكرانيا، ما قد يمنح كييف هامش مناورة تفاوضيًّا أكبر مما لو كانت أمام طرف واحد مهيمن -على غرار ما فعلت بعض الدول الإفريقية والآسيوية حين استخدمت التنافس الصيني-الغربي لتحسين شروط صفقاتها-.
- السيناريو الرابع: "الانفجار السياسي الداخلي": إذا شعر الرأي العام الأوكراني -المُنهك أصلًا من سنوات الحرب- بأن ثمار "النصر" أو "التسوية" تذهب لصالح شركات أجنبية بَدَل إعادة الإعمار المباشر للمواطن، فقد يتحول الملف إلى أزمة شرعية داخلية لأي حكومة تدير الاتفاق.
الخلاصة:
يكشف هذا التقرير أن مخاوف "الاستعمار الاقتصادي" الجديد لأوكرانيا ليست وليدة لحظة الحرب أو رد فعل عاطفي على اتفاقية بعينها، بل امتداد لنمط موثّق يسبق الغزو الروسي بسنوات، بدايةً من السيطرة الفعلية على 2.8 مليون هكتار عبر واجهات محلية عام 2016م رغم الحظر القانوني، إلى فَتْح سوق الأراضي عام 2021م بشرط من صندوق النقد الدولي لا بقرار سيادي مستقل، وبالتالي فإن الحرب لم تخترع هذه الهشاشة البنيوية، لكنها ضاعفتها، فالدولة التي كانت تتفاوض من موقع ضعف نسبي في زمن السلم، تتفاوض اليوم من موقع ضعف مضاعف بعد أربع سنوات من الاستنزاف العسكري والاقتصادي والبشري.
في المقابل: أثبتت أوكرانيا -ولو جزئيًّا- أن الضعف التفاوضي ليس استسلامًا تلقائيًّا: نجاحها في إسقاط مطلب استرداد الـ500 مليار دولار من الصفقة النهائية دليل على أن هامش المقاومة، وإن كان ضيقًا، لا يزال قائمًا، وهذا بالتحديد ما يمنع الجزم بنتيجة نهائية بوجود استعمار اقتصادي، وفي النهاية، لا تُقَاس مصائر الدول بنوايا القوى الكبرى المُعْلَنَة، بل بقدرة مؤسساتها الداخلية على حماية الفجوة بين نص القانون وواقع التطبيق -وهي نفس الفجوة التي فشلت أوكرانيا جزئيًّا في سَدّها عام 2016م وقت السلم-، وتواجه اختبارًا أقسى بكثير اليوم وقد أنهكتها الحرب واحتلت روسيا قرابة ربع أراضيها.
وبالتالي نحن أمام دولة غنية بالموارد، منهكة بالصراع، تجد نفسها أمام "مساعدة" تحمل في طياتها أطماعًا، وما قد يُنْقِذ أوكرانيا من هذه الأطماع ليس نوايا واشنطن أو بروكسل أو بكين، بل شيئان فقط: مدى صلابة مؤسساتها الرقابية الداخلية في مواجهة الإغراء قصير المدى، ومدى قدرتها على تحويل التنافس الدولي على ثرواتها من تهديد إلى أداة ضغط تفاوضية لصالحها، السؤال إذن ليس "هل ستُنهب أوكرانيا؟"، بل: هل تنجح أوكرانيا في الحفاظ على ثرواتها أمام أطماع الغرب بعدما قضمت روسيا بالفعل جزءًا كبيرًا من هذه الثروات؟ أم ترضخ لواقعها الضعيف وحاجتها المُلحّة للإعمار بعد الخروج من الحرب؟
المصادر:
- معهد كييف للاقتصاد - ديون أوكرانيا العامة ترتفع إلى 101% من الناتج المحلي الإجمالي" - 15 مايو 2026م.
- رويترز - خبراء يحذرون: اتفاق المعادن الأمريكي-الأوكراني قد يستغرق عقدًا كاملًا لتحقيق عوائد" - 2 مايو 2025م.
- راديو أوروبا الحرة يحصل على نسخة من اتفاقية المعادن الأمريكية-الأوكرانية - 26 فبراير 2025م.
- يورونيوز: أوكرانيا وأمريكا تعتزمان إنهاء اتفاقية استغلال المعادن بحلول نهاية إبريل" - 18 إبريل 2025م.
- الشرق الأوسط - "صفقة المعادن بين أمريكا وأوكرانيا... ماذا نعرف عنها؟" - 26 فبراير 2025م.
- الشرق الأوسط - هذا ما تنص عليه مسودة اتفاقية المعادن بين الولايات المتحدة وأوكرانيا" - 27 فبراير 2025م.
- صحيفة الخليج - "تفاصيل اتفاق المعادن بين أمريكا وأوكرانيا وسر التراجع عن 500 مليار دولار" - 27 فبراير 2025م.
- الجزيرة نت - "اتفاقية المعادن النادرة بين أوكرانيا وأمريكا.. الثروات مقابل الدعم" - 15 إبريل 2025م.
- الجزيرة نت - "اتفاقية المعادن النادرة.. هكذا تسعى واشنطن لإخضاع أوكرانيا" - 13 إبريل 2025م.
- العربي الجديد - "النص الكامل لاتفاقية المعادن بين الولايات المتحدة وأوكرانيا" - 1 مايو 2025م.
- يورونيوز بالعربية - "أوكرانيا والولايات المتحدة تبرمان صفقة المعادن النادرة" - 1 مايو 2025م.