الدور الإيراني في مشهد الصراعات السورية الأخيرة.. قراءة في أبعاد انخراط إيران في صراعات قسد ودرع الساحل وطموحات طهران المتجددة في سوريا

يَشْهَد المسرح السوري في المرحلة الراهنة تحولات معقدة تُعِيد تشكيل توازنات القوى الإقليمية والمحلية، في ظل تصاعد تنافس الفاعلين الخارجيين على النفوذ داخل الجغرافيا السورية؛ وفي هذا السياق تبرز إيران كطرف نشط يسعى إلى إعادة تموضع أدواته السياسية والعسكرية بما ينسجم مع متغيرات الصراع، ويتجلى ذلك من خلال انخراط غير مباشر في عدد من بؤر التوتر التي تتقاطع فيها مصالح القوى المحلية مع الحسابات الإقليمية، كما تسعى طهران إلى استثمار حالة السيولة الأمنية لإعادة تثبيت حضورها ضمن معادلات النفوذ في الشمال والشرق والساحل السوري؛ ويأتي هذا الحراك في إطار رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ شبكة نفوذ طويلة المدى داخل بنية الدولة والمجتمع، ومن ثَمَّ يصبح فهم طبيعة التحركات الإيرانية ضرورة لتحليل مسار الصراعات المستجدة واتجاهاتها المستقبلية.
فما تفاصيل وملامح التدخل الإيراني في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد؟ وكيف تسعى إيران إلى إعادة صياغة تحالفاتها داخل سوريا بما يضمن لها نفوذًا طويل الأمد بعد سقوط حليفها الرئيسي في سوريا؟ وما طبيعة الدور الإيراني في صراعات الساحل السوري ومناطق قسد ضد الحكومة السورية المؤقتة؟ ماذا عن ردود الفعل في الداخل السوري والإقليمية جراء الدور الإيراني الجديد في المشهد السوري؟ وما مدى قدرة المجتمع السوري والمكونات الإثنية المختلفة على قبول التواجد الإيراني؟ ماذا عن انعكاسات الدور الإيراني على مستقبل التوازنات الداخلية السورية وعلى فرص التسوية السياسية الشاملة؟
يسلط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات في هذا التقرير، عبر دراساته وتحليلاته المختلفة، الضوء على التدخل الإيراني في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد ودور طهران المتجدد في المشهد السوري ودلالاته المختلفة، في السطور الآتية:
تفاصيل وملامح التدخل الإيراني في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد:
يتسم التدخل الإيراني في سوريا بعد انهيار النظام التقليدي بملامح متعددة، حيث سعت طهران إلى تثبيت حضورها عبر دعم تشكيلات محلية مختلفة، مستهدفة بذلك إعادة صياغة موازين القوى الداخلية؛ وهذا التدخل لم يكن مجرد خطوة عسكريَّة بل جاء في إطار إعادة ترتيب الدور الإيراني والمشروع الإستراتيجي الأوسع الذي يهدف إلى ضمان نفوذ طويل الأمد في الساحة السورية، بما يمنح إيران موقعًا متقدمًا في معادلة الصراع الإقليمي.
فمن أبرز ملامح هذا الدور: دعم إيران لقوات ذات طابع مناطقي مثل درع الساحل، التي تمثل خط الدفاع عن مناطق النفوذ الساحلية، حيث وظفت طهران خبراتها العسكرية واللوجستية لتعزيز قدراتها؛ وهذا الدعم يعكس رغبة إيران في حماية حلفائها الأيديولوجيين التقليديين وضمان استمرار نفوذها في مناطق تعتبرها حيوية لمشروعها الجيوسياسي (روسيا اليوم).
وفي المقابل: حاولت إيران نسج علاقات مع قوات سوريا الديمقراطية رغم اختلاف الخلفيات الفكرية والسياسية، إدراكًا منها لأهمية السيطرة على الشمال الشرقي الغني بالموارد؛ وهذا الانفتاح يعكس براغماتية سياسية تهدف إلى توسيع دائرة النفوذ الإيراني عبر بناء تفاهمات مع قوى جديدة، حتى وإن كانت بعيدة عن تحالفاتها التقليدية.
كما اتخذ التدخل الإيراني أبعادًا اقتصادية، حيث سعت طهران إلى الاستثمار في البنية التحتية والمشروعات الخدمية داخل مناطق سيطرة قسد، لتأمين حضور طويل الأمد يتجاوز الطابع العسكري، وهذه الاستثمارات غير الرسمية والتي تتم على مستوى المؤسسات الخاصة تمثل محاولة لإعادة بناء نفوذها عبر أدوات ناعمة، بما يضمن لها دورًا مؤثرًا في مستقبل البلاد.
وإلى جانب ذلك: وظفت إيران أدواتها السياسية والدبلوماسية لتعزيز موقعها في المشهد السوري، من خلال استمرار تواصلها مع موسكو وأنقرة ودعم مسارات تفاوضية تخدم مصالحها، وهذا التوجه يعكس إدراكًا إيرانيًّا بأنَّ النفوذ في سوريا لا يقتصر على السيطرة الميدانية، بل يتطلب حضورًا متوازنًا يجمع بين القوة العسكرية والقدرة على التأثير السياسي.
محاولات إيران لإعادة صياغة تحالفاتها داخل سوريا بما يضمن لها نفوذًا طويل الأمد بعد سقوط حليفها الرئيسي في سوريا:
فبعد تراجع النظام التقليدي في سوريا، وجدت إيران نفسها أمام تحدي إعادة بناء شبكة تحالفاتها لضمان استمرار نفوذها، فقد أدركت أنَّ الاعتماد على حليف واحد لم يَعُد كافيًا في ظل تعدد القوى المتنافسة؛ لذلك اتجهت إلى تنويع أدواتها العسكرية والسياسية، وهذا التوجه يعكس رغبتها في تثبيت حضور طويل الأمد، كما يبرز طموحها في أن تكون لاعبًا رئيسيًّا في مستقبل البلاد.
فأحد المسارات التي اتبعتها إيران كان تعزيز علاقاتها مع القوى المحلية ذات طابع مناطقي، فقد دعمت تشكيلات مسلحة في الساحل لضمان حماية مناطق النفوذ الحيوية؛ وهذا الدعم لم يكن مجرد إمداد بالسلاح بل شمل تدريبًا وخبرات ميدانية، وكان لحزب الله اللبناني دور لافت في ذلك المشهد، فالهدف هو بناء قوة قادرة على الصمود أمام التحديات؛ وبذلك تحافظ إيران على خط دفاع إستراتيجي يضمن استمرار حضورها (العربية).
وفي المقابل: حاولت إيران الانفتاح على قوى جديدة مثل قوات سوريا الديمقراطية، فرغم التباين الأيديولوجي، رأت طهران أنَّ التأثير في الشمال الشرقي الغني بالموارد أمر ضروري؛ وهذا الانفتاح يعكس براغماتية سياسية واضحة، فهو يتيح لها توسيع دائرة النفوذ بعيدًا عن تحالفاتها التقليدية، وبذلك توازن بين حماية مصالحها القديمة وبناء شراكات جديدة.
ولم يقتصر الدور الإيراني على الجانب العسكري بل امتد إلى المجال الاقتصادي، فقد سعت المؤسسات الخاصة الإيرانية إلى الاستثمار في مشروعات خدمية وبنى تحتية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية؛ وهذه الخطوات تمثل محاولة لإرساء نفوذ طويل الأمد يتجاوز الطابع الصدامي، فعبر أدوات ناعمة، تحاول إيران إعادة بناء حضورها، وبذلك تؤمن لنفسها دورًا مؤثرًا في إعادة تشكيل المشهد الداخلي.
كما وظفت إيران أدواتها الدبلوماسية لتعزيز موقعها في الساحة السورية، حيث استمرت الاتصالات الدبلوماسية الإيرانية مع روسيا وأنقرة، وسعت طهران لدعم مسارات تفاوضية تخدم مصالحها، وهذا الحضور السياسي يعكس إدراكًا بأنَّ النفوذ لا يقتصر على السيطرة الميدانية؛ بل يتطلب حضورًا متوازنًا يجمع بين القوة العسكرية والقدرة على التأثير السياسي، وبذلك تضمن لنفسها موقعًا إستراتيجيًّا في المعادلة الإقليمية (الجزيرة).
طبيعة الدور الإيراني في صراعات الساحل السوري ومناطق قسد ضد الحكومة السورية المؤقتة:
وعلى الصعيد الميداني، فيتخذ النشاط العسكري الإيراني في الساحة السورية طابعًا متعدد المستويات يعتمد على المزج بين الحضور المباشر ودعم التشكيلات الحليفة المنتشرة في مناطق مختلفة من البلاد؛ ففي محيط الساحل السوري تركز طهران على تعزيز البنية القتالية للقوات المرتبطة بها عبر التدريب والإمداد بالسلاح والخبرات الميدانية، ويهدف هذا التوجه إلى ترسيخ العلاقة مع قوات درع الساحل والمكون العلوي في محافظتي طرطوس واللاذقية، كما تُؤمن خطوط التواصل بين الساحل والداخل السوري؛ وتعمل التشكيلات العسكرية المرتبطة بإيران على إعادة تنظيم بعض الوحدات المحلية لتصبح أكثر قدرة على خوض مواجهات طويلة ضد قوات الحكومة السورية المؤقتة، ويعكس هذا النهج رغبة في الحفاظ على توازن عسكري يمنع خصوم قوات درع الساحل من تحقيق اختراقات مؤثرة في تلك المنطقة.
وفي مناطق الشمال الشرقي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية يتخذ الدور الإيراني طابعًا أكثر تعقيدًا نتيجة تعدد القوى المتداخلة في المشهد، فإيران تسعى إلى مراقبة التطورات الميدانية عن قرب من خلال شبكات ارتباط ميدانية ومجموعات مسلحة قريبة منها في بعض الجيوب الجغرافية؛ ويتيح هذا الوجود المحدود لطهران إمكانية التأثير في بعض التحركات العسكرية دون الظهور كطرف رئيسيّ في الصراع، كما تحاول الاستفادة من التوترات بين القوى المحلية لإيجاد مساحات تسمح لها بتوسيع نطاق نشاطها العسكري غير المباشر، ويمنحها ذلك قدرة على متابعة التحولات في المنطقة وإعادة توجيه أدواتها وفق المتغيرات.
كما تعتمد إيران في تحركاتها العسكرية داخل سوريا على إستراتيجية بناء أذرع ووكلاء لطهران، وتشمل هذه القوى تشكيلات محلية تم تدريبها وتسليحها ضمن منظومة تنسيق ميداني يشرف عليها مستشارون عسكريون مرتبطون بطهران، ويسمح هذا الأسلوب بتعزيز القدرات القتالية في مناطق متعددة لإضعاف قدرة الحكومة المؤقتة؛ كذلك يوفر لإيران شبكة نفوذ عسكري مرنة قادرة على التحرك بسرعة في حال اندلاع مواجهات جديدة، ويعزز هذا النموذج قدرة طهران على الحفاظ على حضورها الميداني رغم الضغوط الدولية (الشرق الأوسط).
وتتجلى طبيعة هذا الدور أيضًا في استخدام إيران لأساليب قتالية تعتمد على الانتشار غير المركزي وتعدد نقاط الارتكاز، فبدلًا من الاعتماد على جبهات ثابتة تعمل القوات المرتبطة بها على إنشاء مواقع دعم وإسناد موزعة في مناطق مختلفة؛ ويساعد هذا الانتشار على تأمين خطوط الإمداد وتحقيق مرونة تكتيكية في إدارة المعارك، كما يمنحها قدرة على دعم الحلفاء في عدة جبهات في الوقت نفسه دون الانخراط في مواجهات مباشرة واسعة النطاق، ويعكس ذلك توجهًا عسكريًا يقوم على إدارة الصراع عبر أدوات غير تقليدية.
ليظهر بذلك أنَّ النشاط العسكري الإيراني في الساحل السوري ومحيط مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية يقوم على بناء منظومة نفوذ قتالي متشابكة، فطهران تعمل على توظيف الحلفاء المحليين وتطوير قدراتهم بما يخدم أهدافها الإستراتيجية داخل الساحة السورية؛ كما تسعى إلى تثبيت مواقع تأثير تتيح لها التدخل عند الحاجة في مسارات القتال المختلفة، ويمنحها هذا النهج قدرة على المناورة بين الجبهات المتعددة التي تشهد توترًا مستمرًا، وبذلك يتحول حضورها العسكري إلى عنصر مؤثر وإن كان محدودًا في موازين القوى داخل الجغرافيا السورية.
ردود الفعل في الداخل السوري والإقليمية جراء الدور الإيراني الجديد في المشهد السوري:
هذا؛ وأثار الحضور الإيراني المتجدد في الساحة السورية بعد انهيار السلطة المركزية السابقة موجة واسعة من التفاعلات داخل المجتمع السياسي السوري، فقد تعاملت بعض القوى المحلية مع هذا الدور باعتباره محاولة لإعادة إنتاج نفوذ قديم عبر أدوات جديدة تتكيف مع التحولات الميدانية؛ وفي المقابل: رأت أطراف أخرى أنَّ الانخراط الإيراني يمثل عاملًا قد يُعمِّق الانقسامات ويزيد من تعقيد المشهد العسكري، كما ظهرت مواقف حذرة لدى بعض الفاعلين المحليين الذين يخشون أن يؤدي اتساع النفوذ الخارجي إلى تقليص فرص بناء توازن داخلي مستقل، وتعكس هذه المواقف حالة من القلق العام بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية في البلاد.
ففي المناطق الساحلية برزت ردود فعل متباينة تجاه الدعم الإيراني للقوى العسكرية التي ظهرت حديثًا هناك، فبعض الفئات الاجتماعية نظرت إلى هذا الدعم باعتباره وسيلة لحماية مناطقها من تحولات ميدانية قد تهدد استقرارها؛ بينما عبّرت قوى سياسية أخرى عن مخاوف من أن يؤدي هذا الارتباط إلى تحويل تلك المناطق إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، كما ظهرت دعوات تدعو إلى تحييد المنطقة الساحلية عن المنافسة بين القوى الخارجية، ويكشف هذا التباين عن انقسام في الرؤية المحلية حول الدور الذي ينبغي أن تلعبه القوى الدولية في مستقبل المنطقة.
أما في مناطق الشمال الشرقي فقد أثار التقارب الإيراني مع القوى الكردية المسلحة نقاشات واسعة داخل الأوساط السياسية السورية، فقد اعتبر بعض المراقبين أنَّ هذا التقارب يعكس محاولة إيرانية لفتح قنوات نفوذ في مناطق كانت تقليديًّا بعيدة عن نطاق تأثيرها المباشر؛ وفي حين رأت أطراف أخرى أنَّ هذا التوجه قد يؤدي إلى إعادة رسم شبكة التحالفات في تلك الجغرافيا الحساسة، كما أبدت بعض القوى العربية المحلية تخوفها من أن يؤدي هذا التطور إلى تغيرات في التوازنات القائمة، وتعكس هذه النقاشات حالة من الترقب لما قد تؤول إليه التحالفات الجديدة.
وعلى المستوى الإقليمي أثار التحرك الإيراني الجديد سلسلة من المواقف المتباينة بين الدول المعنية بالملف السوري، فقد عبّرت بعض العواصم عن قلقها من أن يؤدي توسيع النفوذ الإيراني إلى تعقيد مسارات التسوية السياسية. وفي المقابل: اتخذت دول أخرى موقفًا أكثر حذرًا يركز على مراقبة التطورات دون الانخراط المباشر في مواجهة هذا الدور، كما برزت تحركات دبلوماسية تهدف إلى إعادة تنسيق السياسات الإقليمية تجاه المشهد السوري المتغير، ويشير ذلك إلى أنَّ التحركات الإيرانية أصبحت عاملًا مهمًا في حسابات القوى الإقليمية.
وتشير مجمل هذه التفاعلات إلى أنَّ الدور الإيراني الجديد بات عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى في سوريا؛ فالتغيرات التي طرأت على بنية السلطة داخل البلاد خلقت فراغًا سياسيًا تسعى قوى متعددة إلى ملئه بطرق مختلفة، وفي هذا السياق تحاول طهران تثبيت موقعها عبر شبكة من التحالفات العسكرية والسياسية المتحركة؛ إلا أنَّ هذا الحضور يواجه في الوقت ذاته مجموعة من التحفظات المحلية والإقليمية التي قد تحد من هامش تحركه، ويجعل ذلك المشهد السوري مرشحًا لمزيد من التفاعلات المعقدة في المرحلة المقبلة.
مدى قدرة المجتمع السوري والمكونات الإثنية المختلفة على قبول التواجد الإيراني:
ويشهد المجتمع السوري بعد التحولات السياسية الكبرى حالة من إعادة تعريف المواقف تجاه القوى الخارجية المنخرطة في البلاد، ويأتي الحضور الإيراني ضمن أكثر القضايا إثارة للنقاش بين مختلف الفئات؛ فسنوات الصراع الطويلة خلقت حساسيات عميقة لدى قطاعات واسعة من السوريين تجاه أي نفوذ خارجي قد يُنظر إليه كعامل مؤثر في القرار الوطني، وفي الوقت ذاته توجد شرائح اجتماعية تنظر إلى العلاقات الإقليمية من زاوية المصالح الأمنية أو التوازنات السياسية؛ لذلك فإنَّ تقبّل الوجود الإيراني لا يتحدد بموقف موحد، بل يتشكل عبر تفاعلات اجتماعية وسياسية معقدة، ويعكس هذا التباين طبيعة المجتمع السوري الذي يضم طيفًا واسعًا من الهويات والاتجاهات.
فضمن البيئة العربية السنية، التي تشكل الكتلة السكانية الأكبر، تتسم المواقف تجاه إيران بدرجة من التحفظ نتيجة تراكمات الصراع خلال السنوات الماضية، فقد ارتبطت صورة الدور الإيراني لدى كثير من هذه الفئات بدعم عسكري وسياسي لقوى كانت طرفًا في النزاع الداخلي؛ وهذا الإرث يجعل من الصعب تحقيق قبول واسع لأي حضور إيراني مباشر في المرحلة الجديدة، ومع ذلك توجد بعض الأصوات التي تدعو إلى التعامل مع الواقع السياسي ببراغماتية إذا كان ذلك يُسهم في استقرار البلاد، ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأنَّ المشهد السوري بات شديد التعقيد ويصعب فصله عن التوازنات الإقليمية.
أما داخل المجتمعات الكردية فتتسم النظرة إلى إيران بدرجة مختلفة من الحذر السياسي والواقعية البراغماتية، فهذه الفئات غالبًا ما تقيم علاقاتها مع القوى الإقليمية وفق حسابات ترتبط بالضمانات الأمنية وموازين القوى المحيطة بها، وفي هذا السياق قد يُنظر إلى التواصل مع طهران باعتباره أحد الخيارات المتاحة ضمن شبكة علاقات أوسع تشمل أطرافًا متعددة؛ غير أنَّ هذا القبول يبقى مشروطًا بمدى احترام خصوصية المناطق الكردية وعدم تحويلها إلى ساحة تنافس إقليمي، ويعكس ذلك توجهًا يركز على حماية المكتسبات السياسية والإدارية التي تشكلت خلال سنوات الصراع.
وفي المقابل: تبدو المواقف داخل بعض المكونات الأخرى، مثل المجتمعات العلوية أو الأقليات الدينية، أكثر تعقيدًا وتنوعًا، فهذه الفئات تعيش حالة من القلق المرتبط بمستقبلها في مرحلة ما بعد التحولات السياسية الكبرى؛ لذلك قد ينظر بعض أفرادها إلى العلاقات مع القوى الإقليمية، ومنها إيران، باعتبارها عاملًا يوفر نوعًا من الضمانات الأمنية، ومع ذلك لا يعني هذا وجود توافق كامل داخل هذه المجتمعات حول طبيعة هذه العلاقة أو حدودها، بل تظهر نقاشات داخلية تعكس اختلاف الرؤى بشأن الدور الذي ينبغي أن تلعبه القوى الخارجية في مستقبل البلاد.
وبالتالي يتوقف مدى تقبّل المجتمع السوري لأي حضور إيراني على مجموعة عوامل تتجاوز البعد السياسي المباشر؛ فالتجربة التاريخية للصراع، وطبيعة العلاقات بين المكونات الاجتماعية، ومستقبل الترتيبات السياسية الجديدة كلها عناصر تؤثر في تشكيل المواقف العامة، كما أنَّ طريقة إدارة إيران لعلاقاتها داخل سوريا ستلعب دورًا مهمًّا في تحديد مستوى القبول أو الرفض الشعبي؛ فإذا اتسم هذا الحضور بطابع تدخلي مباشر فقد يثير مزيدًا من الحساسية داخل المجتمع، أما إذا جرى ضمن أطر سياسية ودبلوماسية متوازنة فقد يفتح المجال أمام مواقف أكثر براغماتية في بعض الأوساط.
انعكاسات الدور الإيراني على مستقبل التوازنات الداخلية السورية وعلى فرص التسوية السياسية الشاملة:
وانطلاقًا مما سبق، يمكن القول: يمثل التدخل الإيراني في سوريا عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، حيث أدى إلى تعزيز نفوذ قوى معينة على حساب أخرى؛ وهذا الحضور خلق حالة من التباين بين القوى المحلية، وأدى إلى تعقيد المشهد السياسي، فإيران تسعى إلى تثبيت مواقع حلفائها بما يضمن استمرار نفوذها، وهذا التوجه ينعكس على طبيعة الصراع الداخلي ويجعل من أي تسوية محتملة أكثر تعقيدًا.
فمن خلال دعمها العسكري والاقتصادي، عززت إيران قدرة بعض القوى على الصمود أمام التحديات، وهذا الدعم منحها نفوذًا مباشرًا في مسارات الصراع؛ لكنه في الوقت ذاته خلق حالة من التوازن غير المستقر بين القوى المتنافسة، إذ أصبحت بعض الأطراف تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، وهذا الاعتماد يضعف فرص التوصل إلى حلول داخلية مستقلة، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي.
فالوجود الإيراني يضيف بعدًا إقليميًّا إلى الصراع السوري، حيث أصبحت التوازنات الداخلية مرتبطة بمصالح خارجية، وهذا الارتباط يجعل من أي تسوية سياسية رهينة لتفاهمات إقليمية ودولية؛ فالقوى المحلية لم تعد تتحرك بمعزل عن تأثيرات خارجية، وهذا الواقع يضعف قدرة السوريين على صياغة حلول ذاتية، ويجعل من التدخلات الخارجية عنصرًا حاسمًا في تحديد مستقبل البلاد.
وعلى المستوى الاجتماعي، أدى التدخل الإيراني إلى تعزيز الانقسامات بين المكونات المختلفة؛ فدعم قوى محددة خلق حالة من التوتر مع الأطراف الأخرى، وهذا التوتر ينعكس على فرص بناء توافق وطني شامل، إذ يصعب تحقيق تسوية سياسية في ظل شعور بعض الأطراف بالتهميش، وهذا الواقع يضعف إمكانية بناء دولة مستقرة ويجعل من التوازنات الداخلية أكثر هشاشة.
ورغم ذلك، يمثل الدور الإيراني ورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية حول التسوية السياسية، فوجوده الميداني يمنح إيران قدرة على التأثير في مسارات الحل؛ لكنه في الوقت ذاته يعقد إمكانية الوصول إلى توافق شامل بين الأطراف السورية، إذ يفرض حضورًا خارجيًا يصعب تجاوزه وهذا الحضور يعكس مشروعًا إستراتيجيًّا يتجاوز حدود سوريا، ويجعل من فرص التسوية مرهونة بتفاهمات إقليمية أوسع.
الخلاصة:
· يمثل الدور الإيراني في سوريا بعد سنوات من الصراع الداخلي محاولة لإعادة صياغة التوازنات بما يخدم مشروعها الإقليمي الأوسع، إذ تسعى طهران إلى تثبيت نفوذها عبر دعم قوى محلية مختلفة وتوسيع دائرة تحالفاتها لتشمل أطرافًا غير تقليدية؛ وهذا الانخراط يعكس إدراكًا بأنَّ السيطرة الميدانية وحدها لا تكفي، بل يجب أن يقترن بحضور اقتصادي ودبلوماسي يضمن استمرارية النفوذ، كما أنَّ دعمها لتشكيلات مناطقية وتفاهماتها مع قوى أخرى يتيح لها بناء شبكة نفوذ متداخلة يصعب تجاوزها؛ وفي الوقت ذاته، يمثل هذا الدور ورقة ضغط في مواجهة القوى الإقليمية والدولية المنافسة، ويجعل من أي تسوية سياسية رهينة لتفاهمات خارجية، وبذلك يتحول التدخل الإيراني إلى عنصر مركزي في رسم مستقبل سوريا، ويعكس طموحًا إستراتيجيًّا يتجاوز حدودها نحو البحر المتوسط.
المصادر: