حتى لا تسرق التقنية هويتنا.. نحو بناء ذكاء اصطناعي بمرجعية إسلامية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد صيحة تقنية ننبهر بها، بل تحول إلى واقع نتعايش معه بشكل إجباري بعد ما اقتحم تفاصيل حياتنا اليومية، ومع هذا التغلغل، انتقل التحدي من كيف نستخدم التقنية، ونستفيد من التقدم التكنولوجي وفوائد الذكاء الاصطناعي إلى كيف نحمي عقيدتنا من تغولها؛ فالإشكالية الجوهرية تكمن في أن هذا الذكاء قد أُسس بمدخلات وقيم غربية مادية، قد تتصادم في كثير من مخرجاتها مع أخلاق الإسلام وأسس الهوية والعقيدة، وبالتالي فإننا أمام اختبار حقيقي لصيانة الوعي والحفاظ عليه من التغريب وعالم الخوارزميات والمادة، وحفظ الثوابت من رؤية برمجية لا تراعي خصوصية الدين والتقاليد والأخلاق في مجتمعاتنا المسلمة.
وفي هذا التقرير، نستعرض خمسة هياكل إستراتيجية تشكل جدار الحماية داخل مجتمعاتنا من أخطار الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها: مقاصد الشريعة؛ وكيف يصون الذكاء الاصطناعي الضرورات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) بدلًا من تهديدها، ثم مواجهة التغريب الرقمي؛ وبناء ذكاء اصطناعي وطني يحترم عقيدتنا، أو كيف نستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي القائمة دون أن نخسر هويتنا، إضافة إلى تأمين الخصوصية مع استخدام التقنية، مع ضرورة فرض آليات للتبين والتثبت وكشف التزييف، وصناعة "مناعة وطنية" ضد الشائعات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي ومقاصد الشريعة:
يجب وضع مقاصد الشريعة الخمس الأساسية كإطار حاكم لعمل الذكاء الاصطناعي، تحديدًا في المجتمعات المسلمة، فإذا كان الغرب يضع "المنفعة المادية" أو "الحرية المطلقة" أساسًا لخوارزمياته، فإننا في مصر نضع الدين والإنسان المكرم وحقوقه الأساسية كمعيار للقبول أو الرفض، وهذه المقاصد هي كالتالي:
1. حفظ الدين: حماية مرجعية العقيدة الإسلامية من التزييف الرقمي، ومقدرة الذكاء الاصطناعي على توليد فتاوى مشوهة أو انتحال شخصيات دينية كبرى عبر الصوت والصورة، ونستطيع تفعيل ذلك عبر "بصمة رقمية" للمؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر الشريف)، أو منصات رسمية للقرآن الكريم والسنَّة المشرفة، وكذلك مسائل العقيدة والفقه لتمييز المحتوى الأصلي عن المولد آليًّا.
وأيضًا وضع ألية لمعرفة ما نقله وجمعه الذكاء الاصطناعي منضبط بالعقيدة الإسلامية والكتاب والسنة أم لا، وذلك بهدف منع الخوارزميات من نشر فكر متطرف أو فتاوى شاذة -متطرفة أو مفرطة- تحت مسمى: "الاجتهاد الرقمي".
وأخيرًا: يجب التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي ينقل الفتوى فقط دون أن يفتي هو؛ وبالتالي يظل الفقيه البشري هو من يدرك مقاصد الشريعة وفهم السياق النفسي والواقعي لكل من يحتاج الفتوى.
2. حفظ النفس: الذكاء الاصطناعي كأداة للرعاية لا للضرر، حيث إن حفظ النفس يتجاوز منع القتل إلى حماية صحة وأجساد ونفوس الناس، ونستطيع فعل ذلك عبر منع استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي دون رقابة بشرية مختصة، وحظر التطبيقات التي تحرض على إيذاء الذات أو التنمر الرقمي الذي يؤدي للانتحار.
3. حفظ العقل: باختصار لأن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي ضد التضليل وتحديدًا هنا ضد تضليل الذكاء الاصطناعي، وبما أن العقل هو مناط التكليف، والذكاء الاصطناعي اليوم يمتلك قدرة هائلة على "غسل العقول" عبر المحتوى الموجه، ونستطيع القيام بذلك عبر تطوير أنظمة فلترة ذكية تحمي الشباب من المحتوى المضلل الذي يغيب الوعي أو يروج لمخدرات رقمية وأفكار هدامة، مع إلزام المنصات مثلًا بوضع علامة "تم إنتاجه بواسطة الذكاء الاصطناعي" على أي محتوى إخباري.
4. حفظ النسل: يمثل التزييف العميق أكبر تهديد لـ"حفظ النسل" والسكينة المجتمعية في مصر والبلاد العربية والإسلامية؛ لقدرته على إنشاء فيديوهات ومقاطع مرئية تسيء للأعراض وتهدم البيوت، وتدمر الاستقرار، وتستطيع تزييف قصص مرئية غير حقيقية تضر الأفراد والجماعات، وقد يتم ذلك عبر تجريم إنتاج أو تداول المحتوى المفبرك "غير الأخلاقي"، وتغليظ العقوبات لتصل إلى حد الجنايات، مع توفير أدوات تقنية مجانية للمواطنين للتحقق من مصداقية الفيديوهات التي تمس سمعة الأفراد.
5. حفظ المال: وذلك عبر التصدي لعمليات الاحتيال "فائقة الذكاء"، في ظل تطور الاحتيال المالي باستخدام الذكاء الاصطناعي ليحاكي أصوات الأقارب والأصدقاء أو مديري المؤسسات والبنوك وغيرها، وذلك عبر إلزام الجهات المالية وتحديدًا القطاع المصرفي باستخدام أنظمة "الردع السيبراني" التي تكشف التلاعب الصوتي والبصري، وحماية المدخرات من الخوارزميات التي تتلاعب بالبورصة أو الأسعار.
وبالتالي: لا تكتمل حماية الضرورات الخمس إلا بمواجهة التبعية الرقمية وصيانة السيادة المعرفية؛ فخوارزميات الذكاء الاصطناعي ليست كيانات محايدة، بل هي تنحاز بالكامل لقيم وأهداف مبرمجيها في الغرب والشرق، مما يفرض علينا الانتقال من مرحلة الاستهلاك الحذر نحو مرحلة الابتكار والسيادة، وذلك عبر بناء نماذج لغوية وطنية تستمد مدخلاتها من تراثنا الإسلامي وقيمنا العربية؛ لنضمن في النهاية أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز كرامة الإنسان وعدالة المجتمع، لا وسيلة لاستعمار ثقافي جديد يطمس الهوية ويغيب الوعي
السيادة الرقمية ومواجهة التغريب:
بات الذكاء الاصطناعي يمثل معركة السيادة الرقمية، حيث لم يعد الصراع على الحدود الجغرافية فقط، بل على الحدود الثقافية والسيطرة على العقول إلى جانب الثروات، وبالتالي فإن مواجهة التغريب، بالعمل على بناء ذكاء اصطناعي وطني بهوية إسلامية، في مواجهة ChatGPT، Gemini، وDeepSeek، وهي نماذج صنعت بأيدي الغرب أو الشرق اللذين يعاديان الإسلام ويحاربانه بقوة؛ حيث تتعدد الأسباب التي توجب علينا البدء في تدشين نموذج ذكاء اصطناعي وطني مبتكر كالتالي:
· تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي الغربية والصينية وَفْق منظومة قيم تضع الفردية المطلقة والتحرر من القيود فوق أي اعتبار، وعلى سبيل المثال عند سؤال هذه النماذج عن قضايا؛ مثل: (الأسرة، المواريث، أو الأدوار الاجتماعية)، فإنها غالبًا ما تقدم إجابات غربية تهمش العقيدة الإسلامية، وهنا تكمن الحاجة إلى بناء نماذج لغوية كبرى يتم تدريبها على القرآن الكريم وكتب السنَّة النبوية المشرفة، وأمهات الكتب والتاريخ الإسلامي، لتكون قادرة على تقديم إجابات توازن بين الحداثة التقنية وأصالة العقيدة.
· مطلب وطني: لا يمكن للعالم الإسلامي أن يبقى مستورد للذكاء الاصطناعي والتقنية، في ظل انعدام الخصوصية اللغوية، والصعوبات التي تواجه الذكاء الاصطناعي الغربي في فهم اللهجات العربية وسياقاتها الثقافية والشعبية.
· السيادة التاريخية: وذلك لحماية تاريخنا من "التزييف"، ومواجهة تبني النماذج الغربية روايات تاريخية مغلوطة تخدم أجندات خارجية، ولذا فإن أي ذكاء اصطناعي وطني سيحكي التاريخ الإسلامي والعربي باللغة العربية والهوية الإسلامية والحقائق التاريخية.
· مواجهة الانحياز الرقمي ضد المسلمين: كشفت التجارب أن العديد من الخوارزميات تربط بشكل آلي بين مفاهيم إسلامية وبين العنف أو التخلف أو الإرهاب، وذلك بسبب بيانات مشوهة غير حقيقية تدربت عليها نماذج الذكاء الاصطناعي، ويحدث ذلك عبر تطهير البيانات من الصور النمطية المسيئة للإسلام والمسلمين، وإلزام الشركات التقنية العاملة في مصر والعالم الإسلامي بتعديل خوارزمياتها لحظر ازدراء الإسلام والتخويف منه.
· حماية المجتمع من الآلة: يجب ألا يكون الذكاء الاصطناعي أداة لنشر الطبقية والمعتقدات الكاذبة والرأسمالية وسط مجتمع مسلم له هوية وعقيدة، ويكون ذلك عبر الحد من عزل المواطن المصري والمسلم عن قناعاته وهويته، ووقف الترويج لأنماط استهلاكية وعادات غربية.
· ضرورة تأسيس لجان شرعية تقنية مشتركة للإشراف على تطهير البيانات، لضمان بناء نماذج ذكاء اصطناعي خالية من الانحرافات العقائدية أو التشويه التاريخي
· حماية التراث: فبناء نموذج وطني يستوجب اعتبار تراثنا الإسلامي وتاريخنا العربي وقفًا معرفيًا سياديًا؛ لا نسمح للخوارزميات الغربية باستباحة وتوليد مخرجات مشوهة، بل يجب حماية ضد أي انحيازات تسيء للإسلام أو تمارس تمييزًا ضد الهوية والرموز.
وبالتالي، فإن معركة السيادة الرقمية اليوم ليست مجرد سباق تقني لامتلاك الأدوات، بل هي معركة وجودية لحماية "وعي الأمة" من الذوبان في قوالب الخوارزميات الغربية، ولذلك فإن بناء ذكاء اصطناعي وطني بمرجعية إسلامية لم يعد ترفَا فكريًّا، بل هو ضرورة لحماية الأجيال من الانحياز البرمجي الغربي الذي يشوه عقيدتنا ويربط بينها وبين العنف أو التخلف، ومن هنا نستطيع صون الثوابت.
الأمان والخصوصية:
في ظل التحول الرقمي تضع الخصوصية نقاطًا فاصلة بين العقيدة والتكنولوجيا؛ حيث إن الخصوصية ليست مجرد حق قانوني، بل "فريضة شرعية"؛ تحديدًا في مجتمعاتنا المسلمة التي تؤمن بحرمة البيوت وستر العورات، وبالتالي يجب أن تلتزم التقنيات الذكية بمبدأ "ولا تجسسوا" رقميًّا؛ لضمان تحول الذكاء الاصطناعي من أداة للرصد والاختراق إلى وسيلة للأمان والحماية، وبناء منظومة تقنية تستثمر في البيانات دون أن تنتهك الحرمات، وتحرس المجتمع دون أن تتلصص عليه.
ومن هنا نستطيع سرد بعض مشكلات الذكاء الاصطناعي في جانب الخصوصية واقتراح حلول لها كالتالي:
1. حماية البيانات: يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرة تجسس تفوق حواس البشر؛ فهو يستطيع استنتاج أسرار الأفراد من أنماط استهلاكهم أو تحركاتهم، وبالتالي فإن الرؤية العملية لحماية البيانات هي تطبيق النهي القرآني: "ولا تجسسوا"؛ لحماية بيانات المواطنين، بحيث لا يسمح للآلة "بتتبع العورات الرقمية" أو استنتاج خصوصيات الأفراد (الأمراض، الأفكار، العلاقات) لبيعها أو استغلالها.
2. حرمة البيوت: مع دخول أجهزة المساعدة الصوتية والكاميرات المرتبطة بالإنترنت إلى البيوت، تفاقمت مشكلات تسريب لقطات من داخل المنازل، إلى جانب التنصت على الأحاديث الأسرية، والحل في وضع ضوابط تقنية تمنع التجسس على البيانات الحساسة لحماية القيم ونشر العفة والستر.
3. أمان لا مراقبة: انتشار الكاميرات الذكية في الشوارع والمرافق العامة، يشير إلى ضرورة التوازن الصعب بين "الأمن العام ومنع الجريمة"، وبين "حرية الحركة دون الشعور بالمطاردة والمراقبة الدائمة"، وقد يكون الضابط هنا اقتصار معالجة البيانات، وتحديدًا الوجوه على الحالات الأمنية القصوى وبأمر قضائي، مع حظر استخدام الذكاء الاصطناعي لـ "تصنيف المواطنين" بناءً على مظهرهم أو سماتهم الشخصية، تماشيًا مع كرامة الإنسان.
4. حماية العقل البشري: أحد أخطر أنواع التجسس "تجسس التوقعات"، حيث تحلل الخوارزميات نقاط ضعف الإنسان النفسية للتأثير على قراراته، والآلية هنا هي تجريم استخدام الذكاء الاصطناعي في "التلاعب النفسي" بالبشر أو استخدام بياناتهم الشخصية لدفعهم لتبني سلوكيات تتنافى مع قيمهم وهويتهم، واعتبار ذلك نوعًا من "الإكراه الرقمي" المحرم شرعًا وقانونًا.
وبالتالي فإن الخصوصية والحماية من أضرار الذكاء الاصطناعي ليست انغلاقَا، بل هي حق كفله الشرع وحثت عليه العقيدة، وبالتالي فنحن في حاجة لآليات وسبل تمنع تحول التقنية إلى عين تتجسس حياة الناس؛ كما أن أبسط حقوق الفرد هي العيش بأمان من المراقبة والتلصص والشعور بالسكينة.
الذكاء الاصطناعي والأمان الاجتماعي:
مع تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي على أداء مهام بشرية معقدة، يبرز السؤال الوجودي: "هل تأخذ الآلة مكاني؟".. وهنا يكمن الحل بعد التأكيد على أن أرزاق العباد كفلها الله عز وجل وما على الإنسان سوى السعي والأخذ بالأسباب"، فيجب التأكيد على حفظ كرامة العامل، وأن العامل هو الأساس وليس الآلة أو الذكاء الاصطناعي، وبالتالي فإن الحل في أن يكون الذكاء الاصطناعي مضيفًا للعامل وخادمًا له ولمنظومة العمل والمجتمع ككل وليس بديلًا للعامل أو الإنسان، وأن يظل الذكاء الاصطناعي في النهاية آلة نأخذ فوائدها وندع أضرارها دون أن نجعلها سيدًا.
وهنا يجب أن تتوجه السياسات التقنية نحو استخدام الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة العامل، وتخفيف الأعباء الشاقة عنه، لا لإلغاء دوره بالكامل، ويتم ذلك عبر منح الأولوية للتطبيقات التي تحسن مهارات البشر، وبدلًا من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الطبيب ،المهندس ،المعلم ،المحاسب أو الفلاح ، يجب أن يزودهم ببيانات دقيقة تجعلهم أكثر إنتاجية، مع بقاء "القرار النهائي" واللمسة الإنسانية لهم وحدهم، كما يجب التأكيد على أن تحسين مهارات العمال حق أساسي لهم، ومن هنا يجب فرض ميثاق على الشركات والمؤسسات يضمن "إعادة تأهيل" العمالة التي تأثرت وظائفها بالذكاء الاصطناعي، لتعزيز حق العامل في "التعلم والتدريب المستمر" لفهم التكنولوجيا الجديدة.
مواجهة الرأسمالية وحماية المهن:
قد تضحي القيم الغربية بآلاف العمال من أجل رفع أسهم الشركة حتى ولو بـ 1%، لكن في مجتمعاتنا الإسلامية، يظل الاستقرار المجتمعي وحفظ كرامة البيوت ومصادر الدخل أهم من أرقام النمو المجردة، وبالتالي يجب وضع تشريعات تمنع "الاستغناء الجماعي" أو الفصل القائم على استبدال الإنسان بالآلة دون بدائل واقعية، واعتبار مسؤولية الشركات والمؤسسات تجاه موظفيها جزءًا من أمانها القانوني والشرعي؛ أي: هو حق أساسي للموظفين.
وإن وجود الموظف يكفل للمؤسسة الحق في استمرار رخصتهافي العمل، علاوة على أن أحد سبل حماية العامل والمهن من تغول الذكاء الاصطناعي والآلة، هو الحفاظ على المهن اليدوية والتراث الإسلامي والعربي من التنميط الرقمي أو المنافسة غير العادلة للذكاء الاصطناعي، وبالتالي فإن شريعتنا تقتضي حفظ كرامة الإنسان، وأن يشعر العامل دائمًا أنه صانع القرار والمستفيد الأول من التقنية، وألا يقاس الإنسان بـحجم الإنتاجية الرقمية فقط، بل بقدرته على العطاء والكدّ الحلال؛ في مواجهة الآلة التي لا تملك طموحًا أو إحساسًا بالمسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع والوطن ككل.
الوعي في مواجهة التضليل:
بات الكذب والتضليل واقعًا بصريًّا وصوتيًّا يتم صناعته في ثوانٍ عبر تقنيات التزييف العميق التي يتقنها الذكاء الاصطناعي، الذي يتجاوز فريضة "التبيُّن" التي أمرنا بها الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
وهنا يجب علينا إحياء عقيدة "التبيّن" في مواجهة الفتن الرقمية عبر ذكاء اصطناعي توليدي يصنع صورًا وتسجيلات لهدم الاستقرار أو تشويه الأفراد، إضافة إلى غرس قناعة مجتمعية بأن "رؤية العين" و"سماع الأذن" ليست أدلة كافية للتصديق في ظل تقدم التقنية، علاوة على إلزام المؤسسات التعليمية والدينية بنشر الوعي، وألا يكون المؤمن مصدرًا للشائعات، حتى آليات حماية الأمن القومي تتطلب عدم الاعتماد على أدوات خارجية قد تكون هي ذاتها منحازة أو جزءًا من منظومة التضليل، وهنا تظهر أهمية توفير برمجيات وطنية متخصصة في كشف التلاعب بالوسائط (صور، فيديوهات، صوت) التي تمس الرموز أو المؤسسات أو الأفراد والمواطنين، وإتاحتها للجمهور كأداة للتحقق لحماية العائلات والأسر من الانهيار والتفكك بسبب صور أو وسائط تم تفكيكها
ومن ضمن الضوابط لمواجهة التضليل التالي:
· تفعيل عقوبات رادعة (قانونية وشرعية) على كل من يثبت استخدامه للذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى يسيء للأعراض أو يحرض على العنف.
· إلزام المنصات التقنية باستخدام خوارزميات "المسح الفوري" لحذف المحتويات المفبركة قبل انتشارها.
· إنشاء منصة وطنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد الأخبار الكاذبة أو المسمومة التي تهدف إلى نشر الفتنة وتفنيدها بالدليل القاطع خلال دقائق، لقطع الطريق على الخوارزميات التي تستهدف نشر الشائعات أو أي معلومات غير حقيقية.
كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن نخسر هويتنا؟
بما أننا في مرحلة "الاضطرار" لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الغربية الحالية، فإن التعامل معها يجب أن ينتقل من الاستسلام التام للمخرجات إلى الاستخدام المشروط بمعايير الوعي والأخلاق والتبين وتصفية أي مخرجات تخالف العقيدة، ونستطيع عبر تنفيذ عدد من المعايير التي يحث عليها الإسلام إلى الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية دون الوقوع في فخ التضليل والكذب ونشر المخالفات أو أي من الممارسات التي نهانا عنها الإسلام، وبعض هذه المعايير كالتالي:
§ الوعي: يجب أن يدرك المستخدم أن الذكاء الاصطناعي ليس "حقيقة مطلقة"، بل هو مرآة للمعلومات التي تدرب عليها أو على جمعها من الوسائل المتاحة لديه، ثم عرضها بعد تحليلها، وبالتالي علينا أن نعلم جيدًا عند التعامل مع كل تقنيات الذكاء الاصطناعي أنها تعبر عن وجهة نظر غربية أو شرقية، ولذلك ننتبه إلى أن نتائجه لن تتخذ من عقيدة الإسلام مرجعًا.
§ هوية الأوامر: ومن المعيار الأول نفهم أنه علينا عند مخاطبة الذكاء الاصطناعي أن نفرض عليه السياق الإسلامي، وأن نفرض عليه قيمنا عند توجيه الأسئلة أو الأوامر، أي أن ننبه كل مرة أننا نريد نتائج تتوافق مع الشريعة الإسلامية وأخلاقيات مجتمعنا المحافظة.
§ تصفية النتائج: من البنود الأولى نفهم أنه بات لزامًا علينا تدريب الجيل الحالي على معرفة الفرق بين النتائج التي تناسب هويتنا وتاريخنا وقيمنا وبين تلك النتائج المسمومة، وهذا بأن نعيد النتائج إلى مصفاة الأخلاق والعقيدة وشرعنا الحنيف الذي يحرم الشرك والشذوذ والعلاقات في خارج إطار الزواج الشرعي، أو الحريات التي لا تتقيد بالحلال والحرام أو تلك التي تلحق الضرر بالآخرين.
§ تغذية الذكاء الاصطناعي: لأن الذكاء الاصطناعي يتغذى على ما ندخله إليه من معلومات، وبالتالي نستطيع توجيهه إلى طبيعة ما نريده من معلومات، ونرشده إلى بعض الوسائل التي نستقي منها البيانات، كذلك نستطيع أن نحدد له بعض التحذيرات أو المصادر التي لا ينبغي أن يعتمد عليها.
§ بعد التدريب على البنود السابقة، نستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي على مراحل متدرجة، في البداية يمكننا الاعتماد عليه لتفريغ صوتيات أو مقاطع مرئية، أو ترجمة الكتب الإسلامية، صناعة محتوى مرئي يروج لفضائل الأخلاق، كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في نشر قيم الإسلام عالميًا بلغات مختلفة وتصحيح المفاهيم المغلوطة لدى الغرب بسرعة فائقة، بما يناسب أخلاقياتنا وشريعتنا.
ومن هنا نفهم أننا في البداية يجب أن نستخدم من الذكاء الاصطناعي الكفاءة وسرعة الأداء والإنجاز، ولكن بالمحددات والمدخلات التي تناسبنا حتى نضمن أن تكون المخرجات متوافقة مع هويتنا وأخلاقنا وعقيدتنا وبعيدة عن سموم التضليل والتغريب.
الخلاصة:
في النهاية علينا أن نعي أن ابتكار ذكاء اصطناعي جديد يناسب هويتنا وديننا وتاريخنا الإسلامي، أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالي بضوابط الشرع والعقيدة بات ضرورة ملحة لحماية البيت المسلم من التفكك، وذلك عبر العودة لمقاصد الشريعة لتكون درعًا يحمي أعراضنا وعقولنا، من مخاطر التغريب، وفصل أبنائنا عن هويتهم وعقيدتهم؛ حيث إن الذكاء الاصطناعي وافد غريب لا يستقيم في ديارنا إلا بإصلاحات تتماشى مع الإسلام وتعاليمه؛ فلا قيمة ولا نفع في تقنيةٍ تسهل التواصل بالتجسس وانتهاك ستر البيوت، والافتقار إلى التبين، وبالتالي لنجيد استخدام آلة الذكاء الاصطناعي علينا توطين قيم هذه الألة وعلاج الخلل الغربي الذي أضيف إليها عمدًا؛ حتى تظل في النهاية آلة أو تقنية تخدم إرادتنا واحتياجاتنا بحدود الشريعة ومقاصدها، حيث إن إحياء فريضة "التبيّن" في عصر التزييف هي عبادة وضرورية لحماية الأوطان.
المصادر:
مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشرعية-الذكاء الاصطناعي ومقاصد الشريعة الإسلامية: رؤية استشرافية- أكتوبر 2023.
رابطة العالم الإسلامي "ميثاق مكة المكرمة للذكاء الاصطناعي" يونيو 2024.
وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات- الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (المرحلة الثانية): السيادة المعرفية"- يناير 2025.
مجلة البحوث الإعلامية بجامعة الأزهر- "الذكاء الاصطناعي وتحديات الهوية الثقافية في المجتمعات العربية"- مارس 2024.
مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف- فقه التبيّن في العصر الرقمي: مواجهة الشائعات المصنوعة آليًّا"-ورقة بحثية- ديسمبر 2024.
الهيئة العامة للاستعلامات- "تطوير أدوات وطنية لكشف التزييف الإعلامي في مصر"- يونيو 2025.