توظيف الذكاء الاصطناعي في العلاقات الدولية في ظل استقطاب الصين للمؤسسات الأوروبية.. كيف أصبح سباق التكنولوجيا أحد أهم أدوات النفوذ السياسي؟

بحوث ودراسات
توظيف الذكاء الاصطناعي في العلاقات الدولية في ظل استقطاب الصين للمؤسسات الأوروبية.. كيف أصبح سباق التكنولوجيا أحد أهم أدوات النفوذ السياسي؟
٢٣ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٤ سبتمبر ٢٠٢٦

يشهد النظام الدولي تحولًا متسارعًا جعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة جزءًا أساسيًّا من أدوات القوة والنفوذ السياسي والاقتصادي، فلم تعد المنافسة بين القوى الكبرى تدور فقط حول السلاح والأسواق والموارد، بل أصبحت تدور كذلك حول البيانات والخوارزميات والرقائق ومراكز البحث والكفاءات والشركات القادرة على تحويل الابتكار إلى قوة إستراتيجية؛ وفي هذا السياق توظِّف الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي لتعزيز تفوقها العسكري والاستخباراتي والاقتصادي، وتربط قوتها التقنية بشبكة واسعة من شركات التكنولوجيا والحوسبة السحابية والاستثمار، مع توسيع الشراكات الأوروبية في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية؛ وتستخدم الصين الذكاء الاصطناعي ضمن إستراتيجية أوسع للانتقال من قوة صناعية إلى قوة تكنولوجية، فيأتي توظيفه في التصنيع والروبوتات والسيارات ذاتية القيادة والتجارة الرقمية واللوجستيات والأمن، بالتوازي مع توسيع استثماراتها وشراكاتها داخل أوروبا، ويحتدم التسابق بين الصين والولايات المتحدة لتوسيع حضورهما داخل التكتلات الاقتصادية الكبرى وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي من بوابة الذكاء الاصطناعي؛ ومن ثَمَّ، فإن سباق التكنولوجيا لم يعد مجرد منافسة تجارية بين الشركات، بل تحول إلى أداة للقوى العظمى لإعادة تشكيل النفوذ السياسي والتحالفات الدولية، بحيث أصبحت الدولة القادرة على جذب الشركات والعقول المتنوعة، وتأمين سلاسل التكنولوجيا والبيانات ورأس المال، أكثر قدرة على التأثير في قواعد الاقتصاد العالمي وصياغة ملامح النظام الدولي القادم.

فكيف توظف الصين والولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي في صياغة سياسات وتحركات علاقاتهما الخارجية، وما تأثيره في أدوات النفوذ السياسي والدبلوماسي للبلدين؟ وما أبرز الدوافع التي تقف وراء سعي الصين إلى استقطاب المؤسسات الكبرى من الاتحاد الأوروبي العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، وكيف يخدم ذلك أهدافها الإستراتيجية؟ ماذا عن ملامح التأثير السياسي والاقتصادي للصين في أوروبا في ظل سرعة توسع الاستثمارات الصينية في قطاعات الذكاء الاصطناعي والرقمنة الأوروبية؟ ماذا عن التحركات الأمريكية المضادة في أوروبا والإجراءات الأوروبية تجاه التوسع الاستثماري الصيني في دول التكتل وملامح التوسع الأمريكي في الذكاء الاصطناعي والمجالات الرقمية والعلاقات التجارية لمواجهة الصين في أوروبا؟ وإلى أي مدى أصبح سباق الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات داخل النظام الدولي؟ وهل يقود التنافس الصيني الغربي على الذكاء الاصطناعي إلى نشوء نظام دولي جديد قائم على الهيمنة التكنولوجية، أم أنه سيؤسس لمرحلة من التوازن الإستراتيجي والتنافس طويل الأمد؟

يُسَلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على أبعاد ودوافع إستراتيجية توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية في سياق الصراع الصيني الغربي في ظل محاولات الاستقطاب المتزايدة للمؤسسات الأوروبية والاستفادة من الإجراءات الأمريكية في تقييد وصول أوروبا إلى التقنيات الغربية في هذه السطور الآتية.

أثر توظيف الذكاء الاصطناعي في سياق العلاقات الدولية في أدوات النفوذ للدول الكبرى:

أصبح الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الولايات المتحدة والصين أحد مكونات القوة الشاملة للدولة، وانتقل من كونه قطاعًا اقتصاديًّا وتقنيًّا إلى أداة تتدخل بصورة مباشرة في صياغة العلاقات الخارجية وإدارة النفوذ الدولي؛ فالولايات المتحدة توظف تفوقها في نماذج الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والرقائق والبنية الرقمية لبناء شبكات اعتماد تكنولوجي مع الحلفاء، وربط التعاون الاقتصادي والتقني بالأمن القومي والسياسة الخارجية، بينما توظف الصين الذكاء الاصطناعي والرقمنة ضمن إستراتيجية تجمع بين التوسع التجاري وبناء النفوذ التكنولوجي وتصدير البنية الرقمية والمعايير التقنية، ويعكس إعلان واشنطن في أغسطس 2026م توجهًا أكثر وضوحًا نحو تحويل الشراكات التقنية إلى اصطفافات جيوسياسية، بعدما بدأت تضغط على الدول للاختيار بين منظومتها للتعاون في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة وبين المبادرات الصينية المنافسة.

وتستخدم الولايات المتحدة شركاتها التكنولوجية الكبرى بوصفها أدواتٍ للقوة الاقتصادية والابتكار والنفوذ الخارجي، وإن كان من الأدق وصفها بأنها أدوات نفوذ مرتبطة بالبيئة الإستراتيجية الأمريكية وليست أدوات حكومية مباشرة؛ فشركات مثل "مايكروسوفت وجوجل وأوبن إيه آي وإنفيديا وأمازون"، تعمل على بناء بنية تحتية وشبكات استثمار وشراكات مع الحكومات والمؤسسات الأوروبية، ويُعَدُّ تحالف "أوبن إيه آي ومايكروسوفت" مثالًا مُهِمًّا على هذا النموذج؛ إذ تمتلك مايكروسوفت حصة استثمارية كبيرة في أوبن إيه آي وتُوَفِّر لها البنية الحوسبية، بينما أصبحت إنفيديا عنصرًا محوريًّا في بناء منظومات «الذكاء الاصطناعي السيادي» حول العالم، وقد أعلنت استثمارات وشراكات متعددة في أوروبا، منها تعهدات واستثمارات في بريطانيا، كما توسع مايكروسوفت حضورها في أوروبا عبر مراكز البيانات والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ ففي بولندا، على سبيل المثال، استثمرت 1.7 مليار دولار في مركز بيانات، بينما أعلنت أمازون خططًا تتجاوز 5 مليارات دولار للبنية التحتية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنح الولايات المتحدة نفوذًا طويل الأمد على البنية الرقمية الأوروبية. (الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي).

أَمَّا الصين فتتحرك بطريقة مختلفة نسبيًّا إذ تمزج بين الاستثمار التجاري، وتوطين التصنيع، والشراكات التكنولوجية، وتوسيع حضور شركاتها في الأسواق الخارجية، بما يسمح بتحويل الانتشار الاقتصادي إلى نفوذ سياسي وتقني؛ وتظهر شركات مثل "هواوي وعلي بابا وتينسنت وبايت دانس" إلى جانب شركات السيارات والبطاريات والروبوتات الصينية، ضمن هذا المسار، مع تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي والرقمنة والروبوتات والسيارات الكهربائية والبنية التحتية الذكية، وتكتسب الاستثمارات الصينية في أوروبا أهمية خاصة، فقد ارتفع الاستثمار الصيني المباشر في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بنسبة 67% خلال 2025م ليصل إلى 16.8 مليار يورو، كما ارتفعت عمليات الاندماج والاستحواذ بنسبة 89% إلى 7.9 مليار يورو، في حين ارتفعت الاستثمارات الجديدة في المشروعات والبنية الإنتاجية بنسبة 51% إلى مستوى قياسي بلغ 8.9 مليار يورو؛ ورغم أَنَّ قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات كان المحرك الأكبر لهذه الاستثمارات، فإن التقرير يرصد كذلك توسعًا في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة، بما يعكس انتقال الصين تدريجيًّا من تصدير المنتجات إلى بناء وجود صناعي وتكنولوجي داخل أوروبا.

وتبرز أهمية هذه الإستراتيجية الصينية في أَنَّ بعض الاستثمارات لا تَسْتَهْدِف الذكاء الاصطناعي بصورة منفردة، وإنما القطاعات التي تُشَكِّل البنية الاقتصادية للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي مستقبلًا؛ فقد استحوذت "تينسنت" في 2025م على شركة الألعاب القبرصية "إيزي بران" مقابل نحو 1.1 مليار يورو، كما استحوذت على حصة 25% في استوديو فيندج التابع ليوبي سوفت في فرنسا، بينما استحوذت هونج شين على مجموعة مارشال السويدية مقابل نحو 1.2 مليار يورو، وشهد قطاع السيارات الأوروبي استثمارات صينية بلغت 7.6 مليار يورو، كان 93% منها مُوَجَّهًا إلى سلسلة إمداد السيارات الكهربائية، وتكشف هذه الأرقام أَنَّ بكين تستخدم رأس المال والشركات وسلاسل الإمداد للوصول إلى الأسواق الأوروبية، والاقتراب من المعرفة الصناعية، وبناء علاقات اقتصادية تجعل الانفصال التكنولوجي عن الصين أكثر تكلفة، وهو ما يمكن أن يتحول في المدى الطويل إلى مصدر نفوذ سياسي ودبلوماسي.

ويظهر الاختلاف بين النموذجين الأمريكي والصيني بوضوح عند النظر إلى أوروبا؛ فالولايات المتحدة تتمتع بميزة كبيرة في خدمات الحوسبة السحابية والنماذج التأسيسية والرقائق ومنصات الذكاء الاصطناعي، ولذلك تميل إلى بناء اعتماد تكنولوجي شبكي يجعل الشركات والمؤسسات الأوروبية مرتبطة بالبنية الأمريكية، في حين تعتمد الصين بصورة أكبر على الاستثمار المباشر والتصنيع والشراكات التجارية ونقل منظوماتها الرقمية إلى الأسواق الخارجية، وتشير بيانات الاستثمار إلى أَنَّ أوروبا أصبحت في 2025م تستحوذ على قرابة ربع الاستثمارات الصينية الخارجية العالمية، مقابل 17% في 2024م، بينما ظل الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة عند نحو 3 مليارات يورو سنويًّا، وهو ما يعكس اختلافًا واضحًا في قدرة بكين على التوسع داخل السوق الأوروبية مقارنة بالسوق الأمريكية؛ وفي الوقت نفسه، تدفع الهيمنة الأمريكية على البنية السحابية والرقائق أوروبا إلى محاولة بناء استقلال تكنولوجي خاص بها؛ إذ خصص الاتحاد الأوروبي خطة تصل إلى 10 مليارات يورو لإنشاء سبع منشآت عملاقة للذكاء الاصطناعي، مع استهداف جذب 20 مليار يورو إضافية من القطاع الخاص.

وهنا، لا يمكن فهم توظيف الولايات المتحدة والصين للذكاء الاصطناعي والرقمنة في العلاقات الخارجية بوصفه مجرد تنافس تجاري بين شركات، بل بوصفه انتقالًا إلى نموذج جديد من القوة الجيو-تكنولوجية، حيث تصبح الشركة ومركز البيانات والرقاقة ومنصة الذكاء الاصطناعي وسلسلة الإمداد أدوات يمكن أن تُؤَثِّر في القرار السياسي مثلما كانت القواعد العسكرية وممرات التجارة في مراحل سابقة؛ وتملك الولايات المتحدة حاليًّا أفضلية واضحة في النفوذ العالمي للمنظومات الحوسبية والنماذج المتقدمة ورأس المال التكنولوجي، بينما تستفيد الصين من قدرتها الصناعية الهائلة، وانتشار شركاتها في الأسواق، وتنامي استثماراتها الأوروبية، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي منخفضة التكلفة ومفتوحة الأوزان يمكن أن تنتشر عالميًّا، ومن ثَمَّ فإن المعركة القادمة لن تكون فقط حول مَن يمتلك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي، وإنما مَن يستطيع تحويل هذا النموذج إلى شبكة عالمية من الشركات والاستثمارات والبنية التحتية والمعايير والشراكات السياسية؛ وهو ما يجعل أوروبا إحدى أهم ساحات التنافس الأمريكي-الصيني على النفوذ التكنولوجي في النظام الدولي.

دوافع سعي الصين إلى استقطاب المؤسسات الأوروبية العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة:

وينطلق سعي الصين إلى استقطاب المؤسسات والشركات الأوروبية العاملة في التكنولوجيا المتقدمة من إدراك متزايد بأَنَّ امتلاك المعرفة والبيانات والقدرات الابتكارية أصبح جزءًا أساسيًّا من القوة الاقتصادية والأمن القومي والنفوذ الدولي، فبكين في ظل القيود الأمريكية على تصدير الرقائق والتقنيات المتقدمة، تسعى إلى بناء منظومة تكنولوجية أكثر استقلالًا وقدرة على الصمود، وتَعُدُّ الذكاء الاصطناعي قطاعًا إستراتيجيًّا للأمن الاقتصادي والقومي؛ ولذلك تعمل على توسيع الوصول إلى الخبرات الأوروبية في مجالات التصنيع الذكي والروبوتات والبرمجيات والاتصالات والحوسبة، إلى جانب جذب رؤوس الأموال والشراكات البحثية، وتكشف الإستراتيجية الصينية للذكاء الاصطناعي عن دعم واضح لتوسع الشركات الصينية خارجيًّا عبر عمليات الاندماج والاستحواذ والاستثمار في الشركات الناشئة وإنشاء مراكز البحث والتطوير الخارجية، بما يجعل الانفتاح على المؤسسات الأوروبية جزءًا من إستراتيجية أوسع لتعزيز القدرات الصينية وليس مجرد توسع تجاري.

ويتمثل الدافع الثاني في محاولة الصين الوصول إلى الأسواق الأوروبية بوصفها واحدةً من أكثر البيئات الاقتصادية والتكنولوجية تقدمًا في العالم، خصوصًا في ظل رغبتها في نقل جزء من نشاط شركاتها إلى داخل السوق الأوروبية بَدَل الاعتماد على التصدير من الصين فقط؛ وقد ارتفع الاستثمار الصيني المباشر في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بنسبة 67% خلال عام 2025م ليصل إلى 16.8 مليار يورو، بينما ارتفعت عمليات الاندماج والاستحواذ بنسبة 89% إلى 7.9 مليار يورو، وأصبح الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يُمَثِّلان قرابة ربع الاستثمارات الصينية الخارجية العالمية، ولا تعني هذه الأرقام أَنَّ الاستثمار الصيني كله مُوَجَّه إلى الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف عن اتساع قاعدة الوجود الاقتصادي الصيني داخل أوروبا، وهو وجود يمكن أن يُوَفِّر للشركات الصينية الأسواق والخبرات وشبكات الموردين والبيانات والكوادر اللازمة لتطوير تطبيقات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

وتبرز عمليات الاستحواذ والملكية الجزئية في قطاع التكنولوجيا والترفيه الرقمي بوصفها إحدى الأدوات المُهِمَّة في هذا المسار كما سبق أن أشرنا؛ إذ تعكس تلك العمليات أَنَّ الشركات الصينية لا تركز فقط على المصانع والطاقة والسيارات، وإنما تسعى أيضًا إلى امتلاك أصول أوروبية مرتبطة بالمحتوى الرقمي والترفيه والتقنيات الاستهلاكية والمنصات الرقمية، وهي قطاعات ترتبط بصورة متزايدة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والخدمات الرقمية.

أَمَّا الدافع الرابع فيرتبط ببناء نفوذ داخل سلاسل التكنولوجيا والصناعة الأوروبية، وليس بالضرورة شراء شركات ذكاء اصطناعي أوروبية بصورة مباشرة، فقد اتجهت الاستثمارات الصينية بقوة إلى قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهي قطاعات تُشَكِّل بنية أساسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والرقمنة؛ وبلغت الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات الأوروبي 7.6 مليار يورو خلال 2025م، بزيادة 46% عن 2024م، وذهب 93% منها إلى سلسلة إمداد السيارات الكهربائية، بينما ارتفع الاستثمار الصيني في المشروعات الجديدة بقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة 35% إلى نحو 592 مليون يورو؛ كما تَضَمَّنَت الاستثمارات مشروعات لمراكز بيانات ومنشآت إنتاج إلكترونية، مثل مركز بيانات تيك توك في فنلندا ومنشأة شركة نيكسبيريا في هامبورغ، ويمنح هذا الانتشار الصين قدرة أكبر على بناء روابط طويلة الأجل مع الاقتصاد الأوروبي، والوصول إلى شبكات التصنيع والبحث والتطوير، وتعميق اعتماد بعض القطاعات الأوروبية على الشركات والاستثمارات الصينية. (مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية).

ويخدم هذا التوسع هدفًا جيوسياسيًّا أوسع يتمثل في زيادة هامش المناورة الصيني داخل الاتحاد الأوروبي وتقليل قدرة الولايات المتحدة على فرض اصطفاف أوروبي كامل تجاه بكين في قضايا التكنولوجيا والتجارة، فكلما أصبحت الشركات الأوروبية والأسواق الأوروبية مرتبطة باستثمارات وشراكات وسلاسل توريد صينية، أصبح من الصعب فَصْل الاعتبارات الاقتصادية عن الحسابات السياسية والأمنية؛ وتظهر أهمية هذا الأمر في تزايد حضور الصين في ألمانيا وفرنسا؛ فقد ارتفعت حصة ألمانيا من الاستثمارات الصينية في أوروبا من 10% عام 2024م إلى 15% عام 2025م، بينما ارتفعت حصة فرنسا من 5% إلى 12%، وأصبحت حصة ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة مجتمعة 34% من الاستثمار الصيني في أوروبا خلال 2025م، مقارنة بـ23% في العام السابق؛ كما أَنَّ الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة يتجاوز مجرد العائد المالي، لأنه يضع الشركات الصينية داخل البنية الاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية ويخلق قنوات اتصال دائمة مع المؤسسات والأسواق والسلطات المحلية.

ولذا، فإن استقطاب الصين للمؤسسات والشركات الأوروبية لا ينبغي قراءته بوصفه حملةً صينيةً للاستحواذ على شركات الذكاء الاصطناعي الأوروبية فقط، وإنما بوصفه إستراتيجيةً متعددة المسارات تجمع بين الاستثمار والاستحواذ والتصنيع والشراكات البحثية ومراكز البيانات وسلاسل الإمداد والرقمنة؛ وتكمن القيمة الإستراتيجية لهذه السياسة في أنها تمنح بكين إمكانية الوصول إلى الأسواق الأوروبية والخبرات والمعرفة وشبكات الابتكار، وفي الوقت نفسه تخلق مصالح اقتصادية متبادلة يمكن توظيفها في إدارة العلاقات السياسية مع دول الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، فإن قدرة الصين على تحويل هذا الحضور الاقتصادي إلى نفوذ سياسي مباشر ليست مُطْلَقَة، بسبب تَشَدُّد أوروبا المتزايد في فحص الاستثمارات الأجنبية وحماية التقنيات الحساسة، ولذلك يبدو أَنَّ الهدف الصيني الأكثر واقعية هو بناء شبكة نفوذ جيو-اقتصادي وتكنولوجي تدريجية داخل أوروبا، تجعل الصين شريكًا يصعب تجاهله في مستقبل الذكاء الاصطناعي والرقمنة والصناعات المتقدمة، بَدَل السعي إلى السيطرة المباشرة على المؤسسات الأوروبية.

ملامح التأثير السياسي والاقتصادي للصين في أوروبا في ظل سرعة توسع الاستثمارات الصينية في قطاعات الذكاء الاصطناعي والرقمنة الأوروبية:

ومع تعاظم الحضور التكنولوجي الصيني في أوروبا، أصبح التأثير الصيني في أوروبا أكثر تعقيدًا من مجرد زيادة حجم التجارة أو الاستثمارات؛ إذ انتقل تدريجيًّا إلى مستوى يرتبط بالأمن الاقتصادي والتكنولوجيا والبنية الصناعية وصناعة القرار الأوروبي، وتستفيد بكين من استثماراتها في السيارات الكهربائية والبطاريات والاتصالات والرقمنة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي لبناء مصالح اقتصادية طويلة الأمد داخل القارة، بما يمنحها أدوات إضافية للتأثير في حسابات الحكومات والشركات الأوروبية، وقد ارتفع الاستثمار الصيني المباشر في أوروبا خلال عام 2025م إلى أعلى مستوى له منذ سبع سنوات، مدفوعًا بدرجة كبيرة بعمليات الاندماج والاستحواذ والاستثمارات الصناعية الجديدة، ومع ذلك، ينبغي التمييز بين وجود نفوذ اقتصادي صيني حقيقي وبين الادعاء بأَنَّ بكين تتحكم مباشرة في القرارات السياسية الأوروبية؛ فالدراسات المتخصصة تشير إلى أَنَّ الاستثمارات الصينية ليست مهيمنة على سوق الاستثمار الأوروبي، وأَنَّ أوروبا طورت خلال السنوات الأخيرة آليات أكثر صرامة لفحص الاستثمارات الأجنبية.

ويظهر التأثير الاقتصادي الصيني بصورة أوضح على مستوى الشركات الأوروبية، خصوصًا في الدول التي ترتبط صناعاتها بسلاسل القيمة الصينية، فالاستثمارات الصينية في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة والتكنولوجيا الرقمية تخلق مصالح لدى شركات أوروبية ترى في استمرار العلاقة مع بكين فرصة للحفاظ على الوظائف والأسواق والاستثمارات، وقد أَسْهَم ذلك في ظهور اختلافات داخل أوروبا بشأن سرعة تشديد القيود على المنتجات والاستثمارات الصينية؛ فبعض الحكومات تنظر إلى الصين بوصفها منافسًا إستراتيجيًّا، بينما تركز حكومات أخرى على المكاسب الصناعية والاستثمارية التي يمكن أن تُوَفِّرها الشركات الصينية، وتكشف هذه المعادلة أَنَّ النفوذ لا يحتاج دائمًا إلى ضغط سياسي مباشر؛ إذ يمكن للمصالح التجارية المحلية، والشركات المستفيدة من الاستثمارات الأجنبية، ومخاوف فقدان السوق الصينية، أن تُؤَثِّر بصورة غير مباشرة في مواقف الحكومات تجاه السياسات الأوروبية الخاصة بالصين، وتبرز المجر مثالًا واضحًا على هذا الاتجاه، إذ أصبحت من أكثر الدول الأوروبية ترحيبًا بالاستثمارات الصينية، بينما أَدَّت الخلافات بين الدول الأعضاء، ومنها المواقف الألمانية والإسبانية، إلى إضعاف قدرة الاتحاد على تبني سياسة موحدة تجاه بعض الملفات الصينية.

أَمَّا قطاع الذكاء الاصطناعي والرقمنة، فيمنح الصين أدوات نفوذ أكثر حساسية من الاستثمار الصناعي التقليدي، لأن الشركات الصينية تستطيع من خلال مراكز البيانات والاتصالات والمنصات الرقمية والسيارات الذكية والروبوتات الدخول إلى البنية التكنولوجية الأوروبية نفسها، وهنا يبرز نموذج شركات مثل: هواوي في الاتصالات، وشركات التكنولوجيا والمنصات الصينية، إضافة إلى توسع شركات السيارات الكهربائية التي تعتمد بدرجة متزايدة على البرمجيات والذكاء الاصطناعي، ولا يعني ذلك أَنَّ هذه الشركات تتحكم في القرار الأوروبي، لكنه يعني أَنَّ وجودها داخل البنية الرقمية والصناعية يخلق قضية سياسية تتجاوز العلاقة التجارية؛ لأن الاتحاد الأوروبي أصبح يربط التكنولوجيا بالأمن الاقتصادي والسيادة الرقمية، ولهذا اتجه الاتحاد إلى تشديد نظام فحص الاستثمارات الأجنبية، وأقر في ديسمبر 2025م اتفاقًا سياسيًّا لتقوية آلية الفحص، بما يشمل إلزام الدول الأعضاء بآليات فحص وطنية أكثر اتساقًا وتوسيع نطاق التعامل مع أخطار الاستثمارات المرتبطة بأطراف من دول ثالثة.

ويظهر أحد أهم مظاهر التأثير الصيني في قدرة بكين على استغلال تباين المصالح بين الدول الأوروبية بَدَل محاولة التأثير في الاتحاد الأوروبي بوصفه كتلة سياسية واحدة، فالصين تستطيع التعامل مع ألمانيا بوصفها قوةً صناعيةً كبرى، ومع فرنسا بوصفها قوةً سياسيةً وإستراتيجيةً، ومع المجر وغيرها بوصفها دولًا أكثر انفتاحًا على الاستثمارات الصينية، وبذلك تتحول العلاقات الثنائية إلى أداة للتفاوض داخل البيئة الأوروبية الأوسع؛ وقد ارتفعت حصة ألمانيا من الاستثمارات الصينية في أوروبا من نحو 10% عام 2024م إلى 15% عام 2025م، بينما ارتفعت حصة فرنسا من 5% إلى 12%، وهو ما يوضح تَرَكُّز جزء مُهِمّ من النشاط الصيني في أكبر الاقتصادات الأوروبية؛ وفي هذا السياق، يمكن للاستثمارات الصينية أن تُؤَثِّر في مواقف بعض الحكومات تجاه قضايا مثل الرسوم التجارية والسياسات الصناعية والقيود على التكنولوجيا، لكن تأثيرها يظل تفاوضيًّا ومصلحيًّا أكثر منه قدرة مباشرة على توجيه القرار الأوروبي. (الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي).

وعلى المستوى السياسي والحزبي، توجد بالفعل حالات ظهر فيها تقارب واضح بين بعض القوى السياسية الأوروبية والصين، إلا أَنَّ وَصْف ذلك بأنه "سيطرة صينية على الأحزاب الأوروبية" سيكون مبالغة لا تدعمها الأدلة المتاحة، الأوضح هو أَنَّ بكين تحاول بناء علاقات مع الأحزاب والنخب ومراكز التفكير والمؤسسات الاقتصادية عبر الحوار السياسي والدبلوماسي والزيارات والمنتديات والعلاقات المحلية، بالتوازي مع استخدام العلاقات التجارية والاستثمارية لتوسيع قنوات الاتصال.

وفي المقابل: أثارت بعض الاستثمارات الصينية السابقة مخاوف سياسية داخل ألمانيا وفرنسا وغيرها، وَأَسْهَمَت هذه المخاوف نفسها في الدفع نحو إنشاء نظام أوروبي لفحص الاستثمارات؛ أي: أَنَّ التأثير الصيني أنتج نتيجتين متعارضتين، تعميق المصالح الاقتصادية من جهة، وتسريع بناء أدوات أوروبية للحد من الأخطار الصينية من جهة أخرى؛ وتُؤَكِّد التقارير الاقتصادية الأوروبية أَنَّ عمليات استحواذ صينية بارزة في منتصف العقد الماضي كانت من العوامل التي دَفَعَت النقاش الأوروبي نحو تبني إطار لفحص الاستثمارات الأجنبية عام 2019م، قبل أن يتوسع هذا الإطار لاحقًا.

أبرز التحركات الأمريكية المضادة في أوروبا والإجراءات الأوروبية تجاه التوسع الاستثماري الصيني في دول التكتل:

وفيما يتعلق بالجانب الأمريكي، فخلال السنوات الأخيرة، أصبح التوسع الصيني في الاستثمارات والتكنولوجيا داخل أوروبا أحد الملفات الرئيسة في إعادة صياغة الإستراتيجية الأمريكية تجاه القارة، إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى المنافسة مع بكين بوصفها مواجهة تجارية منفصلة، وإنما بوصفها سباقًا على البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي والرقائق ومراكز البيانات وسلاسل الإمداد؛ ولذلك تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز ارتباط أوروبا بالمنظومة التكنولوجية الأمريكية من خلال توسيع استثمارات شركاتها الكبرى في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وربط التعاون التقني بالتنسيق الأمني والاقتصادي؛ ويعكس ذلك التحول في السياسة الأمريكية من مجرد احتواء انتقال التكنولوجيا إلى الصين نحو تصدير المنظومة التكنولوجية الأمريكية كاملة إلى الحلفاء، بما يشمل البرمجيات والرقائق والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، وقد نصَّت السياسة الأمريكية صراحة على أَنَّ تصدير منظومة الذكاء الاصطناعي الأمريكية ومعاييرها ونماذج حوكمتها إلى الخارج يهدف إلى تعزيز العلاقات مع الحلفاء والحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي.

وتتحرك الولايات المتحدة في أوروبا عبر شركاتها العملاقة بوصفها أحد أهم أذرع التوسع التكنولوجي الأمريكي؛ فقد أصبحت شركات مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل وإنفيديا وأوراكل جزءًا أساسيًّا من البنية الرقمية الأوروبية، خصوصًا في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والرقائق وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ وتكشف التطورات الأخيرة عن تسارع هذا الاتجاه؛ فشركات الحوسبة السحابية الأمريكية الثلاث الكبرى تستحوذ على أكثر من 60% من سوق الحوسبة السحابية الأوروبية، في حين تعمل مايكروسوفت وأمازون على تطوير حلول «سيادية» ومحلية تستجيب لمخاوف أوروبا بشأن البيانات والسيادة الرقمية؛ كما أبرمت مايكروسوفت في يوليو 2026م اتفاقًا بمليارات الدولارات لدعم توسع شركة الذكاء الاصطناعي الفرنسية «ميسترال» في أوروبا، مع إتاحة مراكز بياناتها الفرنسية لعملاء مايكروسوفت، وهو نموذج يجمع بين التكنولوجيا الأمريكية والقدرات الأوروبية بَدَل ترك المجال مفتوحًا أمام البدائل الصينية.

وفي المقابل: بدأت أوروبا نفسها في بناء منظومة دفاع اقتصادي وتكنولوجي ضد أخطار الاعتماد المفرط على الصين، ولكن أيضًا ضد الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، وهو ما يجعل الموقف الأوروبي مختلفًا عن الإستراتيجية الأمريكية؛ ففي ديسمبر 2025م تَوَصَّل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق سياسي لتشديد آلية فحص الاستثمارات الأجنبية، بهدف تحديد ومعالجة أخطار الاستثمارات التي قد تمس الأمن والنظام العام، مع تعزيز قدرة الدول الأوروبية على التعامل بصورة جماعية مع الاستثمارات الحساسة، ويأتي ذلك في سياق تزايد المخاوف من امتلاك جهات أجنبية أصولًا إستراتيجية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاتصالات والبنية التحتية، كما تستخدم المفوضية الأوروبية أدوات أخرى، مثل نظام الإعانات الأجنبية وقواعد المنافسة والسياسات التجارية، لتقليص قدرة الشركات المدعومة من حكومات أجنبية على اكتساب مزايا غير عادلة داخل السوق الأوروبية.

وتظهر الإجراءات الأوروبية بصورة أكثر وضوحًا في التعامل مع القطاعات التي يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ جيوسياسي صيني، وفي مقدمتها السيارات الكهربائية والبطاريات والاتصالات ومراكز البيانات والتكنولوجيا الرقمية؛ فقد فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا إضافية على السيارات الكهربائية الصينية بعد تحقيقات بشأن الدعم الحكومي الصيني، ثم واصل في 2026م البحث عن ترتيبات تجارية بديلة، بما في ذلك قبول المفوضية الأوروبية في فبراير 2026م تعهدًا سعريًّا من إحدى الشركات الصينية المصدرة للسيارات الكهربائية، وفي الوقت نفسه، تتحرك بروكسل لتقليل اعتمادها على البنية التكنولوجية الأجنبية؛ فقد طرحت المفوضية الأوروبية في يونيو 2026م تشريعات جديدة لتطوير صناعة الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات داخل أوروبا، بهدف تعزيز «السيادة التكنولوجية» وتقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية والصينية، مع استهداف مضاعفة حصة أوروبا من سوق أشباه الموصلات العالمي إلى 20% بحلول 2030م.

أَمَّا التحرك الأمريكي المضاد للصين، فيتجاوز محاولة منع الاستثمارات الصينية إلى تقديم بديل استثماري وتكنولوجي أوسع لأوروبا، فواشنطن تدفع شركاتها إلى بناء مراكز بيانات ومجمعات حوسبة ضخمة داخل القارة، وتطوير شراكات مع شركات أوروبية، وربط البنية السحابية الأمريكية بالقطاعات الأوروبية الحساسة؛ ويظهر ذلك في صفقة المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة عام 2025م، التي تَضَمَّنَت التزامات استثمارية أمريكية في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية بقيمة نحو 42 مليار دولار، وفي توسع مايكروسوفت وإنفيديا وغيرهما في البنية الأوروبية، كما أَنَّ الاستثمارات الأمريكية لا تقتصر على البرمجيات، بل تمتد إلى الرقائق ومراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها؛ وتشير تقارير أوروبية حديثة إلى أَنَّ أكبر أربع شركات حوسبة فائقة السعة عالميًّا ستنفق نحو 725 مليار دولار في 2026م، بزيادة 77% عن 2025م، معظمها على الذكاء الاصطناعي والبنية الخاصة بمراكز البيانات، وهذا يعني أَنَّ واشنطن تحاول جعل التفوق الأمريكي في الذكاء الاصطناعي أساسًا لعلاقة اقتصادية وتكنولوجية طويلة الأمد مع أوروبا.

حدود دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات داخل النظام الدولي:

ومع احتدام مشهد التنافس الصيني الأمريكي على السوق الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، أصبح سباق الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة أحد أبرز العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام الدولي، بعدما انتقلت المنافسة بين الدول من التركيز على الموارد الطبيعية والقوة العسكرية التقليدية إلى التنافس على امتلاك المعرفة والبيانات والقدرات الرقمية؛ فالذكاء الاصطناعي بات يُمَثِّل ركيزة أساسية للقوة الشاملة للدولة، لما يُوَفِّره من مزايا في مجالات الاقتصاد، والدفاع، والاستخبارات، والأمن السيبراني، وإدارة الأزمات، ولذلك، تنظر القوى الكبرى إلى التفوق التكنولوجي بوصفه المدخل الرئيس لتعزيز مكانتها الدولية وضمان قدرتها على التأثير في صياغة قواعد النظام العالمي خلال العقود المقبلة.

وقد انعكس هذا التحول في طبيعة التحالفات الدولية، حيث لم تعد المصالح العسكرية أو الجغرافية وحدها هي المحدد الرئيس لبناء الشراكات، بل أصبحت القدرات التكنولوجية عنصرًا حاسمًا في تشكيل التحالفات الجديدة؛ فالدول باتت تسعى إلى التعاون مع الشركاء الذين يمتلكون بنية تحتية رقمية متطورة، وقدرات بحثية متقدمة، وإمكانات كبيرة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الكمية، ونتيجة لذلك، ظهرت تكتلات تستند إلى التعاون في تطوير التكنولوجيا وتبادل الخبرات، إلى جانب تشديد القيود على نقل التقنيات الحساسة إلى الدول المنافسة. (مركز رع للدراسات الإستراتيجية).

كما أَدَّى احتدام السباق التكنولوجي إلى تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على وضع المعايير العالمية المنظمة للتقنيات الحديثة، إذ أصبح مَن يملك القدرة على تطوير المنصات الرقمية، والخوارزميات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أكثر قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والأسواق الرقمية؛ ولم يعد النفوذ الدولي يقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية، بل أيضًا بمدى السيطرة على البيانات، والقدرة على إنتاج الرقائق الإلكترونية، وتطوير البرمجيات المتقدمة، وامتلاك منظومات الابتكار العلمي، وهو ما جعل التكنولوجيا أداة إستراتيجية لإعادة توزيع النفوذ العالمي.

وفي المقابل: أَسْهَم هذا الواقع في تعميق مظاهر الاستقطاب داخل النظام الدولي، حيث تسعى كل قوة كبرى إلى بناء منظومة تكنولوجية مستقلة تقلل من اعتمادها على منافسيها؛ وقد دفع ذلك العديد من الدول إلى تبني سياسات تهدف إلى تعزيز الأمن التكنولوجي، وتنويع سلاسل التوريد، وزيادة الاستثمارات في الصناعات الرقمية، مع فرض قيود على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة، كما أصبح التنافس على استقطاب العلماء والكفاءات، وإنشاء مراكز البحث والتطوير، جزءًا من أدوات الصراع الجيوسياسي، بما يعكس التحول من المنافسة التقليدية إلى منافسة قائمة على الابتكار والمعرفة.

ويمكن القول: إن سباق الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة أصبح عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات داخل النظام الدولي، إذ لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًّا لضمان النفوذ العالمي، بل أصبح التفوق التقني شرطًا أساسيًّا للحفاظ على المكانة الدولية وتعزيز القدرة على التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية والأمنية؛ ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة، مع تزايد الاستثمارات في التكنولوجيا المتقدمة، واحتدام التنافس على الابتكار، وتوسع التحالفات القائمة على المصالح الرقمية، بما يُمهد لظهور نظام دولي تتداخل فيه القوة التكنولوجية مع مختلف أبعاد القوة الشاملة للدول.

النظام الدولي في ظل التنافس الصيني الغربي على الذكاء الاصطناعي:

هذا، وقد أَدَّى التنافس "الصيني - الغربي" في مجال الذكاء الاصطناعي إلى فَتْح مرحلة جديدة في تطور النظام الدولي، إذ لم تعد المنافسة بين القوى الكبرى تقتصر على الجوانب العسكرية أو الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت التكنولوجيا المتقدمة محورًا رئيسًا للصراع على النفوذ العالمي؛ فالسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة الكمية، والبنية التحتية الرقمية، باتت تُمَثِّل أحد أهم مؤشرات القوة الشاملة للدول، ومن ثَمَّ، يُثَار تساؤل جوهري حول ما إذا كان هذا التنافس سيقود إلى نشوء نظام دولي جديد قائم على الهيمنة التكنولوجية، أم أنه سيؤسس لتوازن إستراتيجي طويل الأمد تتقاسم فيه القوى الكبرى مراكز التأثير وفقًا لقدراتها التقنية والاقتصادية.

ويستند الاتجاه الأول إلى فرضية أَنَّ الدولة التي تنجح في تحقيق تفوق واضح في الذكاء الاصطناعي ستكون قادرة على فرض معاييرها التقنية والتنظيمية على الاقتصاد العالمي، وتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي والعسكري؛ فامتلاك التقنيات المتقدمة يمنح الدول قدرة أكبر على التحكم في تدفقات البيانات، وتطوير الصناعات المستقبلية، وإدارة شبكات الاتصالات العالمية، فضلًا عن تعزيز قدراتها الاستخباراتية والدفاعية، وإذا تمكنت إحدى القوى الكبرى من تحقيق فجوة تكنولوجية واسعة ومستدامة مقارنة بمنافسيها، فقد يفضي ذلك إلى شكل جديد من الهيمنة الدولية تكون فيه التكنولوجيا أساسًا لإعادة توزيع القوة والنفوذ على المستوى العالمي.

وفي المقابل: يرى اتجاه آخر أَنَّ طبيعة الابتكار التكنولوجي وانتشار المعرفة عالميًّا تجعل من الصعب احتكار الذكاء الاصطناعي بصورة مُطْلَقَة، فالتطور العلمي يعتمد على شبكات واسعة من التعاون الدولي، وتبادل الخبرات، والاستثمارات العابرة للحدود، كما أَنَّ العديد من الدول تمتلك قدرات متقدمة في مجالات مختلفة من التكنولوجيا، وهو ما يحد من إمكانية انفراد دولة واحدة بقيادة المشهد التقني العالمي؛ ووفقًا لهذا التصور، فإن التنافس الصيني الغربي قد يقود إلى حالة من التوازن الإستراتيجي، تتسم باستمرار المنافسة والردع المتبادل، مع بقاء مجالات للتعاون في القضايا العابرة للحدود، مثل تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتغير المناخي.

كما أَنَّ مواقف القوى المتوسطة والناشئة سيكون لها دور مُؤَثِّر في تحديد شكل النظام الدولي القادم، إذ تسعى العديد من الدول إلى تنويع شراكاتها التكنولوجية وتجنب الانحياز الكامل لأي من الطرفين؛ ويُؤَدِّي هذا السلوك إلى ظهور بيئة دولية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها التحالفات التقنية مع المصالح الاقتصادية والأمنية، وتقوم على التعاون في بعض المجالات والتنافس في مجالات أخرى؛ ومن ثَمَّ، قد يتجه النظام الدولي نحو تعددية تكنولوجية، تتوزع فيها مراكز الابتكار والإنتاج بين عدة قوى، بَدَلًا من هيمنة مركز واحد على المشهد العالمي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أَنَّ مستقبل النظام الدولي سيُحَدَّد بمدى قدرة القوى الكبرى على الحفاظ على تفوقها التقني، وفي الوقت نفسه إدارة المنافسة بما يمنع تحولها إلى صدام شامل؛ ورغم أَنَّ احتمالات الهيمنة التكنولوجية تظل قائمة إذا نجحت إحدى القوى في تحقيق تفوق استثنائي ومستدام، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أَنَّ السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار تنافس إستراتيجي طويل الأمد، تتداخل فيه عناصر التعاون والصراع، وتُعاد خلاله صياغة موازين القوى بصورة تدريجية، ليصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم مرتكزات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني في النظام الدولي خلال العقود القادمة.

الخلاصة:

  • يُؤَكِّد التنافس الصيني الغربي في مجال الذكاء الاصطناعي أَنَّ التكنولوجيا أصبحت أحد أهم محددات القوة والنفوذ في النظام الدولي المعاصر، وأَنَّ موازين القوى المستقبلية ستتأثر بدرجة كبيرة بقدرة الدول على امتلاك التقنيات المتقدمة وتطويرها، ورغم أَنَّ هذا السباق قد يفتح المجال أمام محاولات لفرض هيمنة تكنولوجية من قبل بعض القوى الكبرى، فإن تشابك الاقتصاد العالمي، وتعدد مراكز الابتكار، وتنامي قدرات القوى الصاعدة، يجعل من الصعب احتكار التفوق التقني بصورة مُطْلَقَة؛ ولذلك، يبدو أَنَّ السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار حالة من التنافس الإستراتيجي طويل الأمد، تتداخل فيها المنافسة مع التعاون الانتقائي، وتُعاد خلالها صياغة التحالفات وموازين النفوذ على أساس القدرات التكنولوجية، ليغدو الذكاء الاصطناعي أحد أبرز أدوات تشكيل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.

المصادر:

الكلمات المفتاحية

سباق الذكاء الاصطناعيالقدرات الأوروبية التكنولوجيةالصراع الصيني الغربيالتكنولوجيا الرقميةالتكنولوجيا الصينيةالتقييد الأمريكي للصين وأوروبا