دور حراك الربيع العربي وتداعياته وارتداداته الإقليمية والدولية في إعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية للقوى الغربية وروسيا في الشرق الأوسط

إقليمية
دور حراك الربيع العربي وتداعياته وارتداداته الإقليمية والدولية في إعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية للقوى الغربية وروسيا في الشرق الأوسط
١٨ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦

أحدثت الأزمات الإقليمية التي شهدها الشرق الأوسط منذ اندلاع ثورات الربيع العربي تحولًا جذريًّا في البيئة الجيوسياسية للإقليم، بعدما انتقلت المنطقة من مرحلة الاستقرار النسبي إلى فضاء تتشابك فيه الصراعات الداخلية مع التنافس الدولي والإقليمي؛ وقد فرض هذا الواقع الجديد على القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، إعادة تقييم أولويات سياساتها الخارجية بما يتلاءم مع التحديات الأمنية والاقتصادية والإستراتيجية المستجدة، سواء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، أو حماية مصادر الطاقة والممرات البحرية، أو احتواء النفوذ الإقليمي للقوى المنافسة، أو توسيع مناطق النفوذ السياسي والعسكري؛ وفي ضوء هذه التحولات، أصبح الشرق الأوسط أحد أهم ميادين إعادة تشكيل التوازنات الدولية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول الكيفية التي أعادت بها أزمات الإقليم رسم أجندة القوى الكبرى، ومدى تأثير ذلك في مستقبل النظام الإقليمي وتفاعلاته خلال السنوات المقبلة.

فكيف أحدثت الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط منذ عام 2011م تحولًا في طبيعة تحركات الولايات المتحدة بالمنطقة؟ وما أبرز أدوات التحركات الأمريكية بالإقليم وأبعادها الجيوسياسية؟ ماذا عن الانخراط الأوروبي في الأزمة السورية والليبية واليمنية ودوافع ذلك الانخراط في ظل التداعيات الاقتصادية لانهيار الاستقرار الإقليمي في سلاسل التوريد العالمية والممرات المائية بالمنطقة؟ وكيف يمكن قراءة الدخول الروسي على خط أزمات الشرق الأوسط ودور الانخراط الروسي في عودة صعود روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي على المسرح العالمي؟ ماذا عن دور تضارب المصالح الروسية الأوروبية الأمريكية في الشرق الأوسط في تعميق أزمات المنطقة؟ وكيف يمكن قراءة علاقات القوى الثلاث بحكومات الشرق الأوسط ما بعد الربيع العربي ومستقبل المنطقة في ظل التحولات الجارية؟

يُسَلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على إستراتيجيات القوى الكبرى تجاه إقليم الشرق الأوسط ما بعد الربيع العربي في ظل تأزم المشهد الأمني والسياسي الإقليمي واحتدام التنافس الدولي الجيوسياسي على المنطقة في هذه السطور الآتية.

دور أزمات ما بعد الربيع العربي في إعادة صياغة طبيعة التحركات الأمريكية في المنطقة:

أحدثت الأزمات الإقليمية التي تصاعدت في الشرق الأوسط منذ عام 2011م تحوُّلًا واضحًا في طبيعة التحركات الأمريكية، إذ انتقلت واشنطن تدريجيًّا من التركيز على التدخلات العسكرية المباشرة إلى إدارة الصراعات عبر مزيج من التحالفات المحلية والإقليمية، والوجود العسكري المحدود، والدعم الاستخباراتي، والعقوبات، والوساطات الدبلوماسية؛ وقد فرضت الحروب في سوريا والعراق واليمن وليبيا، إلى جانب صعود التنظيمات المسلحة وتنامي التنافس بين القوى الإقليمية، إعادة ترتيب للأولويات الأمريكية بحيث أصبحت حماية المصالح الإستراتيجية، ومكافحة الإرهاب، وتأمين طرق الطاقة والملاحة، واحتواء الخصوم الإقليميين والدوليين، أهدافًا أكثر حضورًا من مشاريع إعادة بناء الأنظمة السياسية، كما دفعت هذه التحولات الولايات المتحدة إلى التعامل مع الفاعلين المحليين بصورة أكثر انتقائية، بما في ذلك قوى مسلحة وأطراف غير دولية، بوصفها أدوات مُؤَثِّرَة في إدارة موازين القوى على الأرض.

وفي هذا السياق، برز الصراع السني الشيعي بوصفه أحد أهم محددات البيئة الأمنية التي تحركت داخلها السياسة الأمريكية، ولا سيما في العراق وسوريا واليمن ولبنان والخليج؛ وقد أَسْهَم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، ثم ترتيبات بناء النظام السياسي بعد سقوط نظام صدام حسين، في إحداث اختلالات عميقة في توازنات السلطة وإطلاق تنافس سياسي ومذهبي استفادت منه قوى داخلية وإقليمية، قبل أن تتفاقم الانقسامات مع الحرب السورية والتنافس الإيراني السعودي؛ وعلى الرغم من أَنَّ الولايات المتحدة لم تكن منشئة للصراع المذهبي بمفردها، فإن بعض سياساتها، مثل: بناء تحالفات أمنية قائمة على اصطفافات متعارضة، ودعم أطراف محلية على حساب أخرى، والتعامل الانتقائي مع القوى الإقليمية، أَسْهَمَت في ترسيخ بيئة الاستقطاب المذهبي بَدَلًا من احتوائها في بعض المراحل، خاصة عندما غلبت الحسابات الأمنية قصيرة المدى على معالجة جذور الانقسام السياسي والاجتماعي. (مركز الدراسات والأبحاث في العالم العربي).

كما اتخذت القضية الكردية والصراع الكردي العربي موقعًا متزايدًا في التحركات الأمريكية، خصوصًا مع الحرب على تنظيم داعش في العراق وسوريا؛ فقد قدمت واشنطن دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا واسعًا لقوات كردية، ولا سيما وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، بوصفها شريكًا فَعَّالًا في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وهو ما عَزَّز القوة العسكرية والسياسية لبعض الفصائل الكردية، وفي المقابل، أثار هذا الدعم مخاوف تركيا والعراق وبعض القوى العربية، وَأَسْهَم في تعقيد العلاقات بين المكونات القومية والإثنية داخل المنطقة، خصوصًا مع ارتباط المشروع الكردي بمطالب الحكم الذاتي أو إعادة توزيع السلطة والثروة؛ وهنا يظهر أحد أوجه السياسة الأمريكية الأكثر إثارة للجدل، إذ إن دعم مكونات محلية لتحقيق أهداف أمنية محددة قد يُعَزِّز عمليًّا انقسامات قومية وإثنية قائمة، حتى عندما لا يكون الهدف الأمريكي المُعْلَن هو إعادة رسم الحدود أو تقسيم الدول.

ومن ثَمَّ فإن التحول في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط منذ 2011م لا يمكن فهمه فقط من خلال التغير في الأدوات العسكرية، وإنما من خلال اعتماد واشنطن بصورة أكبر على إدارة التوازنات والانقسامات المحلية كجزء من إستراتيجيتها للحفاظ على النفوذ وتقليل تكلفة الانخراط المباشر؛ وقد أَدَّى ذلك في بعض الحالات إلى تعميق الانقسامات المذهبية والإثنية والقومية، سواء بصورة مباشرة عبر قرارات وتدخلات محددة، أو بصورة غير مباشرة من خلال دعم أطراف متنافسة أو بناء تحالفات ترتبط بهويات طائفية وقومية متباينة؛ إذ إن التحركات الأمريكية وسياسات الإدارات المتعاقبة في التعامل مع قضايا وملفات وأزمات المنطقة قد زادت المشهد تعقيدًا وأطالت أمد الصراع بالإقليم، كما تتداخل عدة عوامل إلى جانب دور الولايات المتحدة في تدهور أوضاع المنطقة وصعود الصراعات القومية والإثنية والمذهبية، منها عوامل تاريخية واجتماعية وصراعات داخلية ومصالح لقوى إقليمية متعددة؛ لكن الدور الأمريكي ظل عاملًا مُؤَثِّرًا في إعادة توزيع القوة داخل هذه الانقسامات، وهو ما جعل سياستها في المنطقة تتحول من مجرد مواجهة الأزمات إلى المشاركة في إعادة تشكيل موازين القوى التي تحدد طبيعة النظام الإقليمي نفسه.

أبرز أدوات التحركات الأمريكية بالإقليم وأبعادها الجيوسياسية:

وفيما يتعلق بأدوات التحرك الأمريكي، فقد اعتمدت الولايات المتحدة منذ تصاعد أزمات الشرق الأوسط على منظومة متداخلة من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية، بَدَلًا من الاقتصار على التدخل العسكري المباشر؛ وشملت هذه الأدوات الانتشار العسكري والقواعد والشراكات الدفاعية، وتشكيل التحالفات الدولية والإقليمية، والضربات الجوية والعمليات الخاصة، إلى جانب العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي والدعم السياسي والأمني لحلفاء محليين، وقد ارتبط توظيف هذه الأدوات بأهداف جيوسياسية أوسع، مثل مواجهة تنظيم داعش والجماعات المسلحة، واحتواء النفوذ الإيراني، وحماية إسرائيل، وتأمين المصالح المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية؛ ومن ثَمَّ، أصبحت السياسة الأمريكية تقوم بدرجة متزايدة على إدارة موازين القوى من خلال شركاء محليين، بما يقلل تكلفة الانتشار المباشر ويمنح واشنطن قدرة أكبر على التأثير في مسارات الأزمات.

وتبرز قوات سوريا الديمقراطية بوصفها نموذجًا واضحًا لهذه المقاربة، إذ بنت واشنطن منذ الحرب على تنظيم داعش شراكة عسكرية معها بوصفها قوةً محليةً فاعلةً في مكافحة التنظيم والسيطرة على مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا؛ وقد ارتبط الوجود الأمريكي في هذه المنطقة رسميًّا بمواصلة عمليات مكافحة تنظيم داعش، بينما ارتبطت السيطرة المحلية على مناطق النفط والموارد بإدارة السلطة المحلية لهذه الموارد؛ وقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية في مراحل سابقة أَنَّ الهدف هو منع وقوع عائدات النفط في يد تنظيم داعش، مع التأكيد رسميًّا على دعم وحدة الأراضي السورية؛ غير أَنَّ سوريا وروسيا وإيران والصين قد أشارت في أكثر من مناسبة إلى اتفاقيات غير شرعية لتجارة النفط السوري بين قسد وشركات أمريكية كبرى، إلى جانب واقع ما أصاب حقول النفط في الشمال السوري من تدهور نتيجة الإهمال والتركيز على النهب وإخراج شحنات النفط السوري عبر الشمال العراقي إلى إقليم كردستان، ومن الناحية الجيوسياسية، منحت هذه الشراكة الولايات المتحدة موطئ قدم مُؤَثِّرًا في منطقة تقع على مقربة من الحدود العراقية والتركية وتتمتع بأهمية كبيرة من حيث الموارد والموقع وخطوط الاتصال، ومع ذلك المشهد وصفت وسائل إعلام عربية عدة قوات سوريا الديمقراطية بأنها "وكيل أمريكي". (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).

وفي العراق، استخدمت الولايات المتحدة مزيجًا من التدخل العسكري المباشر ثم إعادة بناء القدرات الأمنية والشراكات مع مؤسسات الدولة وقوى محلية، إلى جانب دعم إقليم كردستان والتعامل مع القوى السياسية العراقية المختلفة؛ وقد أَسْهَم الوجود الأمريكي، ولا سيما بعد عام 2003م، في إعادة تشكيل بنية السلطة والعلاقات بين المكونات الطائفية والقومية، بينما أَدَّى اعتماد واشنطن لاحقًا على قوى محلية في الحرب على تنظيم داعش إلى ترسيخ أنماط جديدة من توزيع القوة، وهنا كانت الإستراتيجية الأمريكية تعتمد على "تمزيق الدولة العراقية"، إذ كانت الانقسامات الطائفية والقومية والصراعات الداخلية السائدة بوابة الولايات المتحدة لإضعاف الدولة العراقية، فقرارات الاحتلال وبناء النظام السياسي الجديد وسياسات التحالف مع قوى ومكونات محددة أَسْهَمَت في إعادة توزيع القوة داخل الدولة وفي تعقيد عملية بناء مركز سياسي وأمني متماسك؛ وتكشف هذه التجربة عن أحد الأبعاد الجيوسياسية الرئيسة للتحرك الأمريكي: استخدام الشراكات المحلية لإدارة التوازنات بَدَلًا من محاولة التحكم المباشر في جميع مكونات المشهد.

أَمَّا في سوريا، فقد كان الأثر أكثر تعقيدًا؛ فالدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية ساعدها على بناء قدرة عسكرية وإدارية واسعة في شمال وشرق البلاد، وهو ما أَدَّى عمليًّا إلى قيام منطقة نفوذ منفصلة نسبيًّا عن دمشق لسنوات، وأثار في الوقت نفسه صدامات مع تركيا والحكومة السورية وقوى إقليمية أخرى، غير أَنَّ التطورات الأحدث تُظهِر أَنَّ هذا النهج لم يكن ثابتًا؛ ففي يناير 2026م تحولت السياسة الأمريكية تدريجيًّا نحو دعم مسار دمج القوات الكردية ضمن الدولة السورية، قبل إعلان قوات سوريا الديمقراطية حَلّ بنيتها العسكرية المستقلة والاندماج في مؤسسات الدولة في أغسطس 2026م.

وهنا كانت قسد ورقة أمريكية لإضفاء مزيد من الضعف على الدولة السورية؛ فقد أَسْهَمَت الشراكة مع قسد في إضعاف احتكار دمشق للسيطرة على مناطق واسعة خلال الحرب، لكنها في الوقت نفسه أصبحت لاحقًا أداة تفاوضية ضمن مسار استعادة وحدة الدولة، وتكشف الحالة السورية أَنَّ الأدوات الأمريكية ذات البعد الجيوسياسي قد تنتج أحيانًا واقعًا مُجَزَّأً ومتنازعًا عليه، حتى عندما تعلن واشنطن رسميًّا دعمها لوحدة الأراضي السورية.

الانخراط الأوروبي في الأزمة السورية والليبية واليمنية وأبرز دوافعه:

وفيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، فقد اتخذ الانخراط الأوروبي في أزمات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخاصة السورية والليبية واليمنية، طابعًا يتجاوز الاعتبارات السياسية والدبلوماسية المباشرة، ليصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بحماية الأمن والمصالح الاقتصادية الأوروبية؛ ففي سوريا، ركز الاتحاد الأوروبي تاريخيًّا على المساعدات الإنسانية ودعم المسار السياسي واحتواء تداعيات الحرب، بينما اتجه في المرحلة الانتقالية الأخيرة إلى تعزيز الحوار مع السلطات السورية ودعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي؛ وقد تجاوزت مساهمات الاتحاد ودوله الأعضاء في دعم أطراف الصراع المختلفة في سوريا نحو 41 مليار يورو منذ بداية الأزمة عام 2011م ما أثار تساؤلات متعددة حول طبيعة الأهداف الأوروبية في الملف السوري؛ وفي ليبيا، ارتبط الانخراط الأوروبي بدرجة كبيرة بمنع امتداد عدم الاستقرار إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، ومواجهة شبكات تهريب البشر، وإدارة تدفقات الهجرة، فضلًا عن حماية المصالح الاقتصادية والطاقة والأمن البحري، أَمَّا في اليمن، فقد ارتبط الحضور الأوروبي بالمسار الدبلوماسي والمساعدات الإنسانية، ثم اكتسب بُعْدًا أمنيًّا مباشرًا مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

ويكشف التطور في السياسة الأوروبية أَنَّ أمن الطاقة أصبح أحد المحددات الرئيسة للتعامل مع أزمات المنطقة، خاصة بعد تعرض أوروبا لصدمات متتالية في إمدادات الطاقة والأسعار نتيجة الأزمات الجيوسياسية العالمية؛ ولذلك أصبح استقرار شرق المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط مرتبطًا بالأمن الاقتصادي الأوروبي، ليس فقط من خلال ضمان إمدادات النفط والغاز، وإنما أيضًا عبر حماية البنية التحتية للطاقة والاستثمارات والموانئ وممرات النقل، وفي الحالة السورية، اتجه الاتحاد الأوروبي منذ عام 2025م إلى تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية بما يسمح بتعافي قطاعات الطاقة والنقل وإعادة دمج النشاط الاقتصادي، في تحول يعكس إدراكًا لأهمية الاستقرار الاقتصادي في منع استمرار الأزمات وآثارها العابرة للحدود؛ أَمَّا ليبيا، فتكتسب أهميتها من موقعها القريب من أوروبا ومن دورها في أمن الطاقة والهجرة والبحر المتوسط، ما يجعل استقرارها جزءًا من حسابات الأمن الأوروبي الأوسع.

وفي الأزمة اليمنية، تحولت حماية الممرات البحرية إلى عنصر أساسي في الانخراط الأوروبي نتيجة تأثير اضطراب البحر الأحمر وباب المندب في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، فقد أطلق الاتحاد الأوروبي عملية "أسبيدس" في فبراير 2024م لحماية حرية الملاحة والسفن التجارية في البحر الأحمر، ثم جرى توسيع مهمتها في مارس 2026م لتشمل مهام مرتبطة بالمعلومات عن البنية التحتية البحرية الحيوية والتعاون مع خفر السواحل اليمني والقوات البحرية في جيبوتي؛ وتنبع أهمية هذا التحرك من أَنَّ أي اضطراب في باب المندب والبحر الأحمر لا يُؤَثِّر في التجارة الأوروبية فحسب، بل يمتد إلى حركة السفن عبر قناة السويس وسلاسل التوريد العالمية، وهو ما دفع الاتحاد إلى التعامل مع أمن الملاحة بوصفه جزءًا من أمنه الاقتصادي والإستراتيجي المباشر، وقد أكدت المؤسسات الأوروبية أَنَّ اضطرابات اليمن والمنطقة انعكست في الأمن البحري والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.

ومن ثَمَّ، يمكن فهم الانخراط الأوروبي في الأزمات السورية والليبية واليمنية بوصفه محاولةً لمنع انتقال عدم الاستقرار من المجال الإقليمي إلى المجال الأوروبي، عبر مجموعة مترابطة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية؛ فالحرب السورية أنتجت أزمة نزوح وهجرة واسعة، وعدم الاستقرار في ليبيا ارتبط بضغط الهجرة والتهريب والجريمة العابرة للحدود، بينما أَدَّى الصراع اليمني وتوتر البحر الأحمر إلى تهديد مباشر للملاحة والتجارة العالمية، وفي هذا الإطار، لم تعد السياسة الأوروبية تتعامل مع أزمات المنطقة بوصفها ملفات منفصلة، بل بوصفها حلقات مترابطة تُؤَثِّر في أمن الطاقة، والهجرة، والتجارة، وسلاسل التوريد، والبنية التحتية البحرية، ويعكس ذلك انتقال أوروبا تدريجيًّا من سياسة الاستجابة لتداعيات الأزمات إلى سياسة أكثر استباقية، تسعى إلى حماية بيئتها الاقتصادية والأمنية عبر التأثير في مصادر عدم الاستقرار نفسها، وإن ظل نجاح هذا النهج مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين أدوات القوة الاقتصادية والدبلوماسية والوجود الأمني دون الانزلاق إلى تدخلات عسكرية أوسع.

الدخول الروسي على خط أزمات الشرق الأوسط ودوره في عودة صعود روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي على المسرح العالمي:

وفيما يتعلق بروسيا، فمَثَّل الانخراط الروسي في أزمات المنطقة نقطة تحول في مسار السياسة الخارجية الروسية، إذ انتقلت موسكو من حالة التراجع النسبي التي اتسمت بها مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى سياسة أكثر نشاطًا في المناطق التي تمتلك فيها مصالح إستراتيجية؛ وقد وفرت الأزمات السورية والليبية واليمنية، إلى جانب التوترات في الخليج والبحر الأحمر، فرصًا لروسيا كي تعيد تقديم نفسها بوصفها قوةً دوليةً قادرةً على التأثير في الأزمات الكبرى خارج مجالها الجغرافي المباشر، ولم يكن هذا الانخراط مدفوعًا بعامل أيديولوجي واحد، بل ارتبط بمزيج من المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية والجيوسياسية، وفي مقدمتها الحفاظ على موطئ قدم إستراتيجي في شرق المتوسط، وتوسيع شبكات الشراكة مع دول المنطقة، ومنع القوى الغربية من الانفراد بتحديد مسارات التسويات الإقليمية.

وتُعَدُّ الأزمة السورية النموذج الأبرز لفهم الأبعاد الإستراتيجية للصعود الروسي، إذ وفرت لموسكو فرصة لتوظيف القوة العسكرية والدبلوماسية بصورة متكاملة، من خلال دعم الحكومة السورية عسكريًّا وسياسيًّا والتدخل المباشر منذ عام 2015م، بالتوازي مع استخدام مسارات التفاوض الإقليمية والدولية؛ وقد مكّن ذلك روسيا من تثبيت وجودها العسكري في شرق المتوسط وتعزيز موقعها في معادلات الأمن الإقليمي، كما منحها قدرة على التواصل مع أطراف متعارضة في الوقت نفسه، وهو ما عَزَّز صورتها بوصفها قوةً قادرةً على لعب دور الوسيط أو الموازن؛ والأهم أَنَّ الحضور الروسي في سوريا أرسل رسالة إستراتيجية إلى القوى الدولية مفادها أَنَّ موسكو استعادت القدرة على استخدام القوة خارج محيطها المباشر، وأنها لن تقبل بعودة مرحلة الهيمنة الغربية المنفردة على الأزمات الدولية.

وامتد الحضور الروسي لاحقًا إلى ساحات أخرى، خصوصًا ليبيا، حيث سعت موسكو إلى بناء علاقات مع أطراف متعددة وتعزيز حضورها السياسي والأمني والاقتصادي، فضلًا عن اهتمامها بموقع ليبيا في المتوسط وإفريقيا ومصادر الطاقة، كما طورت روسيا علاقات وثيقة مع عدد من دول الخليج والشرق الأوسط، ووسعت تعاونها في مجالات الطاقة والتسليح والاستثمارات والتنسيق السياسي، مع الحرص على عدم حصر علاقاتها في محور إقليمي واحد؛ وقد مكّنها هذا النهج من تحويل الشرق الأوسط إلى شبكة من الشراكات المتداخلة التي تخدم هدفًا أوسع يتمثل في تعزيز النفوذ الروسي في مواجهة الضغوط الغربية، وفتح قنوات تأثير تمتد من البحر المتوسط إلى الخليج وإفريقيا، بما يمنح موسكو أوراقًا إضافية في صراعاتها الدولية مع الولايات المتحدة وأوروبا. (المركز الديمقراطي العربي للدراسات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية).

ومن منظور أوسع، أَسْهَم الانخراط في الشرق الأوسط في دعم عودة روسيا إلى المسرح العالمي عبر إثبات قدرتها على توظيف القوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية بصورة متزامنة، وتحويل الأزمات الإقليمية إلى أدوات لتعزيز مكانتها في النظام الدولي؛ فالنجاح في فرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاهله في عدد من الملفات الشرق أوسطية منح موسكو نفوذًا يتجاوز القيمة الجغرافية المباشرة للمنطقة، وساعدها على ترسيخ رؤيتها لنظام دولي متعدد الأقطاب لا تنفرد فيه الولايات المتحدة بصياغة قواعد الأمن والسياسة العالمية، ومع ذلك، فإن هذا الصعود لا يعني استعادة النفوذ السوفيتي السابق بصورة كاملة، بل يعكس نموذجًا روسيًّا أكثر مرونة يقوم على انتهاز الفرص، وبناء شراكات متنوعة، واستخدام القوة المحدودة والدبلوماسية النشطة لتحقيق مكاسب إستراتيجية بتكاليف أقل من تلك التي كانت تتطلبها المواجهات الشاملة.

دور تضارب المصالح الروسية الأوروبية الأمريكية في الشرق الأوسط في تعميق أزمات المنطقة:

ومع تزايد انخراط القوى الكبرى في الإقليم، أَسْهَم تضارب المصالح الروسية والأمريكية والأوروبية في تحويل عدد من أزمات المنطقة من نزاعات ذات أبعاد داخلية وإقليمية إلى ساحات للتنافس الدولي، حيث سعت كل قوة إلى حماية مصالحها الإستراتيجية وتعزيز نفوذها ومنع خصومها من تحقيق مكاسب جيوسياسية؛ فبينما ركزت الولايات المتحدة على الحفاظ على شبكة تحالفاتها الأمنية، وحماية إسرائيل، واحتواء إيران والحد من تمدد المنافسين الدوليين، عملت روسيا على توسيع حضورها العسكري والسياسي وكسر ما تَعُدُّه هيمنةً غربيةً على النظام الإقليمي، في حين انشغل الاتحاد الأوروبي بدرجة أكبر بأمن الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب وحماية التجارة والملاحة، وقد أَدَّى اختلاف هذه الأولويات إلى تباين المواقف تجاه الأزمات، وأضعف فرص بلورة مقاربات دولية موحدة لمعالجتها.

وتظهر الأزمة السورية بوضوح أثر هذا التضارب؛ إذ اتخذت الولايات المتحدة ودول أوروبية مواقف داعمة للمعارضة السورية وضاغطة على النظام في مراحل مختلفة، بينما اختارت روسيا التدخل العسكري المباشر إلى جانب دمشق والحفاظ على مؤسسات الدولة السورية، ومع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الكبرى، تعددت المبادرات والمسارات التفاوضية وتباينت الأولويات بشأن مستقبل النظام السياسي والقوى المسلحة ومناطق النفوذ، الأمر الذي أَسْهَم في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية؛ كما أَدَّت العقوبات الغربية، والدعم العسكري والسياسي لأطراف مختلفة، والوجود الروسي والأمريكي على الأرض إلى نشوء توازنات ميدانية متغيرة، جعلت مسار الأزمة مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتفاهمات بين القوى الخارجية إلى جانب العوامل السورية الداخلية.

وامتد تأثير تضارب المصالح إلى ليبيا واليمن والشرق الأوسط الأوسع، حيث أَدَّى اختلاف المواقف الدولية من الأطراف المتصارعة إلى توفير بيئة تسمح باستمرار الانقسامات المحلية وتعدد مراكز القوة، ففي ليبيا، تداخلت المصالح الأوروبية المتعلقة بالهجرة والطاقة وأمن المتوسط مع التحركات الروسية والأمريكية، بينما جعل الصراع اليمني وموقعه الجغرافي قرب باب المندب مصالح الأمن البحري والطاقة والتجارة الدولية جزءًا من حسابات القوى الدولية؛ كما أَدَّى التنافس حول النفوذ في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط إلى زيادة أهمية القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية وصفقات التسليح، بحيث أصبحت بعض الأزمات الإقليمية مرتبطة بشبكة أوسع من المصالح الدولية التي تجعل التسويات أكثر تعقيدًا.

ومن ثَمَّ، فإن تضارب المصالح الروسية والأمريكية والأوروبية لم يكن السبب الوحيد في تعميق أزمات الشرق الأوسط، لكنه شَكَّل عاملًا مُهِمًّا في إطالة بعض الصراعات وإعادة إنتاجها، بسبب توظيف القوى الدولية للأزمات بوصفها أدواتٍ للمنافسة الإستراتيجية وإدارة النفوذ؛ فغياب التوافق بين القوى الكبرى شجع الأطراف المحلية والإقليمية على البحث عن داعمين خارجيين، وسمح بتحول ساحات الصراع إلى مناطق نفوذ متنافسة بَدَلًا من أن تكون مساحات لتسويات مستقرة، وفي الوقت نفسه، فإن استمرار هذا التنافس قد يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على تنويع شراكاتها الدولية، لكنه يحمل خطر تكريس الانقسام والاستقطاب ما لم تتجه القوى الكبرى نحو مقاربة تقوم على خفض التصعيد، واحترام وحدة الدول، ودعم التسويات السياسية بَدَلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمات وفقًا لمصالحها الإستراتيجية. (مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية).

علاقات القوى الثلاث بحكومات الشرق الأوسط ما بعد الربيع العربي ومستقبل المنطقة في ظل التحولات الأخيرة:

وانطلاقًا مما سبق يمكن القول: أعادت تحولات الشرق الأوسط منذ الربيع العربي تشكيل طبيعة علاقات القوى الكبرى بحكومات المنطقة، فلم تعد العلاقة تقوم فقط على دعم الحكومات القائمة، وإنما أصبحت أكثر ارتباطًا بقدرتها على حماية المصالح الأمنية والاقتصادية والإستراتيجية لكل قوة، فقد حافظت الولايات المتحدة على شبكة تحالفاتها التقليدية مع دول الخليج ومصر والأردن وإسرائيل، مع توسيع الاعتماد على الشراكات الأمنية والسياسية المحلية، بينما عملت روسيا على بناء علاقات أكثر مرونة مع حكومات متباينة، مستفيدة من استعدادها للتعامل مع أطراف متعددة في الوقت نفسه؛ أَمَّا الاتحاد الأوروبي، فقد ركز بصورة أكبر على الاستقرار السياسي والاقتصادي، والهجرة، وأمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب وحماية المصالح الأوروبية المرتبطة بالجوار الجنوبي، ويعكس هذا التباين انتقال العلاقات الدولية في الشرق الأوسط من نمط التحالفات الثابتة إلى شبكة أكثر تعقيدًا من الشراكات المتغيرة والمتعددة.

وفي الحالة الأمريكية، برز اتجاه متزايد نحو التعامل مع حكومات الشرق الأوسط وفق معيار المصلحة الإستراتيجية وليس وفق طبيعة النظام السياسي وحدها؛ فالأولوية أصبحت لضمان أمن الحلفاء، ومواجهة التهديدات الإيرانية والتنظيمات المسلحة، وحماية الممرات البحرية والطاقة، مع محاولة الحد من كلفة الوجود العسكري المباشر؛ وفي المقابل، أظهرت واشنطن خلال عام 2026م استعدادًا لإعادة صياغة بعض علاقاتها وفق التحولات السياسية الجديدة؛ ومن أبرز الأمثلة تطور العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة، إذ أزالت الولايات المتحدة سوريا في أغسطس 2026م من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد خطوات مرتبطة بالتعاون مع الحكومة الجديدة وتقليص بعض الروابط الروسية؛ ويعكس ذلك أَنَّ السياسة الأمريكية باتت أكثر براغماتية وقدرة على إعادة ترتيب التحالفات عندما تتغير موازين القوى والمصالح.

أَمَّا روسيا، فقد استفادت من حالة السيولة السياسية التي أنتجتها أزمات المنطقة لبناء علاقات تتجاوز الاصطفافات التقليدية، فحافظت على قنوات مع حكومات وقوى متعارضة، وسعت إلى تحويل حضورها العسكري والدبلوماسي إلى نفوذ اقتصادي وسياسي طويل الأمد؛ وقد مكّنها ذلك من تقديم نفسها بوصفها شريكًا بديلًا أو موازنًا للنفوذ الغربي، حتى مع تغير الظروف في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وفي المقابل، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة انخراطه السياسي والاقتصادي مع الحكومات التي يرى أَنَّ استقرارها ينعكس مباشرة في الأمن الأوروبي؛ ففي 2026م انتقل الاتحاد إلى حوار سياسي رفيع المستوى مع الحكومة السورية الانتقالية، وركز على دعم الانتقال السياسي والتعافي الاقتصادي، مع تخصيص حزمة مالية جديدة لسوريا؛ كما عَزَّز الاتحاد حواراته الأمنية والدفاعية مع دول المنطقة، ومن بينها مصر، في إطار أوسع للتعامل مع أزمات الشرق الأوسط والبحر الأحمر وليبيا واليمن.

وهنا بات مستقبل المنطقة مرتبطًا بانتقالها من مرحلة الهيمنة النسبية لقوة واحدة إلى نظام أكثر تعددًا في مراكز النفوذ، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية التنافس الدولي، فالحكومات الشرق أوسطية أصبحت تمتلك مساحة أكبر للمناورة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والصين، وتنويع الشراكات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وهو ما قد يمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها الوطنية؛ لكنه قد يُؤَدِّي أيضًا إلى زيادة تعقيد الصراعات إذا تحولت المنافسة الدولية إلى دعم متعارض للقوى المحلية؛ وتكشف التطورات الجارية في سوريا وليبيا وأمن الخليج والبحر الأحمر أَنَّ المرحلة المقبلة ستتسم بمزيج من التعاون والتنافس وإعادة ترتيب التحالفات، بينما ستظل قدرة دول المنطقة على بناء مؤسسات وطنية قوية وأطر أمن إقليمي مستقلة هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان تعدد مراكز النفوذ سيتحول إلى توازن أكثر استقرارًا، أم سيُؤَدِّي إلى إعادة إنتاج الأزمات في صورة جديدة.

الخلاصة:

  • أَسْهَمَت التحولات التي أعقبت الربيع العربي في إعادة تشكيل علاقة الشرق الأوسط بالقوى الكبرى، بحيث أصبحت المنطقة أكثر انفتاحًا على تعدد الشراكات والتحالفات، وأقل خضوعًا لنفوذ دولي منفرد؛ غير أَنَّ هذا التعدد لا يزال محكومًا بتنافس حاد بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تنامي أدوار قوى دولية وإقليمية أخرى، وهو ما يجعل المنطقة أمام مسارين محتملين: إما نشوء توازنات أكثر مرونة تسمح لدولها بتعزيز استقلالية قراراتها والاستفادة من تنافس القوى الكبرى، أو استمرار حالة الاستقطاب وتحول الأزمات المحلية إلى ساحات للتنافس الدولي، وفي الحالتين، ستظل قدرة دول الشرق الأوسط على بناء مؤسسات وطنية قوية، وتطوير أطر للتعاون الإقليمي، وتقليل الاعتماد على التدخلات الخارجية، العامل الأهم في تحديد مستقبل الاستقرار والتوازن في المنطقة.

المصادر:

الكلمات المفتاحية

ثورات الربيع العربيأزمات الشرق الأوسطالحروب الأهلية بالإقليمالنزاعات المسلحةالاقتتال الداخليالسياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط