العراق بين مطرقة الاختراق الصهيوني وسندان النفوذ الإيراني.. مهددات السيادة وسيناريوهات توظيف الساحة

إقليمية
العراق بين مطرقة الاختراق الصهيوني وسندان النفوذ الإيراني.. مهددات السيادة وسيناريوهات توظيف الساحة
١٥ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٢٦ يوليو ٢٠٢٦

يُثِير الحديث عن وجود قواعد عسكرية إسرائيلية سرية داخل العراق، في سياق المواجهة المُتَصَاعِدَة مع إيران، جملة من التساؤلات حول مدى واقعية هذه الادعاءات، وما إذا كانت تستند إلى معطيات ميدانية موثقة أم أنها تدخل ضمن إطار الحرب الاستخباراتية والإعلامية التي ترافق الصراعات الإقليمية؛ كما يُسَلِّط هذا الطرح الضوء على موقع العراق في معادلة التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، بوصفه ساحة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والإستراتيجية، بما يزيد من احتمالات تعرضه لضغوط تهدف إلى استدراجه نحو أدوار تتجاوز أولوياته الوطنية؛ وفي المقابل، يَبْرُز اهتمام الدولة العراقية بالحفاظ على سيادتها ومنع استخدام أراضيها منطلقًا لأي عمليات عسكرية أو استخباراتية تستهدف دول الجوار، انطلاقًا من إدراكها لما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية، ومن ثم، فإن تناول هذه القضية يستدعي قراءة متوازنة تُمَيِّز بين الحقائق المؤكدة والتقديرات غير المثبتة، مع تحليل الأهداف المحتملة لمثل هذه المزاعم، ومدى ارتباطها بإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، إلى جانب استعراض الأدوات والإجراءات التي يمكن للعراق توظيفها لحماية سيادته ومنع تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

فإلى أي مدى تستند الادعاءات المتعلقة بوجود قواعد عسكرية إسرائيلية سرية داخل العراق إلى أدلة ووقائع ميدانية، أم أنها تندرج ضمن سياق الحرب النفسية والإعلامية المرتبطة بالصراع الإقليمي، وكيف تُوَظِّف الأذرع الإيرانية بالعراق تلك الادعاءات؟ وما الأهداف الإستراتيجية التي قد تسعى إسرائيل إلى تحقيقها، في حال صحة وجود أي نشاط عسكري أو استخباراتي داخل العراق، في إطار المواجهة مع إيران؟ وكيف يمكن أن تُؤَثِّر محاولات زج العراق في الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران في أمنه الداخلي، واستقراره السياسي، وعلاقاته الإقليمية، ودور المليشيات الشيعية في البلاد في ذلك المشهد؟ وما أبرز الإجراءات الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية التي يمكن للعراق اتخاذها لمنع استغلال أراضيه في أي أنشطة تستهدف دول الجوار أو تمس سيادته الوطنية؟ وكيف سينعكس استمرار تداول هذه المزاعم، سواء ثبتت صحتها أو لم تثبت، على مستقبل التوازنات الأمنية في العراق وعلى موقعه ضمن معادلات الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط؟

يُسَلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على الأنشطة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية في العراق ومحاولات زج العراق في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها على كامل أراضيها في هذه السطور الآتية.

واقعية الوجود الإسرائيلي في العراق وتوظيف الأذرع الشيعية المسلحة لتلك الادعاءات:

تُعَدُّ المزاعم المتعلقة بوجود منشآت عسكرية إسرائيلية سرية داخل العراق من أكثر القضايا إثارة للجدل في البيئة الأمنية الإقليمية، إذ تتقاطع فيها الاعتبارات الاستخباراتية مع الحسابات السياسية والإعلامية؛ ويصعب التعامل مع هذه الادعاءات بوصفها حقائق ثابتة في ظل غياب الأدلة العلنية القاطعة التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، وهو ما يجعلها موضع نقاش مستمر بين من يراها جزءًا من واقع العمليات الاستخباراتية غير المعلنة، ومن يَعُدُّها انعكاسًا لحملات التأثير النفسي التي ترافق الصراعات بين القوى الإقليمية، لذلك، فإن تقييم هذه المزاعم يتطلب الفصل بين المؤشرات المحتملة وبين الإثباتات الميدانية التي يمكن الاستناد إليها في بناء استنتاجات موضوعية.

ومن الناحية العملية، فإن أي وجود عسكري أجنبي دائم داخل دولة ذات تعقيدات أمنية وسياسية مثل العراق يحتاج إلى بنية لوجستية وشبكات دعم وتأمين واتصالات يصعب إخفاؤها بالكامل لفترات طويلة، خاصة في ظل تعدد الأجهزة الأمنية، وانتشار الفصائل المسلحة، وكثافة النشاط الاستخباراتي الإقليمي والدولي داخل الساحة العراقية؛ ولهذا يرى عدد من المراقبين أَنَّ الحديث عن "قواعد" بالمعنى التقليدي قد يكون أقل واقعية من احتمالات وجود أشكال أخرى من النشاط غير المباشر، مثل التعاون الاستخباراتي أو الاعتماد على وسائل استطلاع وتقنيات مراقبة أو شبكات جمع معلومات تعمل بصورة سرية ومحدودة (الجزيرة).

وفي المقابل: لا يمكن إغفال أَنَّ البيئة الإقليمية الحالية تشهد تصاعدًا ملحوظًا في استخدام الحرب النفسية والإعلامية كأداة موازية للتحركات العسكرية، حيث تسعى الأطراف المتنافسة إلى التأثير في الرأي العام وإرباك حسابات الخصوم عبر تسريب معلومات أو تداول روايات يصعب التحقق منها بصورة فورية؛ وفي هذا السياق، قد تُسْتَخْدَم مثل هذه الادعاءات لتحقيق أهداف متعددة، منها تعزيز الردع، أو توجيه رسائل سياسية، أو تبرير إجراءات أمنية، أو ممارسة ضغوط على أطراف داخلية وخارجية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أَنَّ جميع التفاصيل المتداولة تعكس واقعًا ميدانيًّا مُثْبَتًا.

كما أَنَّ خصوصية الموقع الجغرافي للعراق، وارتباطه بملفات أمنية تتداخل فيها مصالح دول عديدة، يجعلان أراضيه محل اهتمام استخباراتي من أطراف مختلفة، وهو أمر يختلف عن الادعاء بوجود منشآت عسكرية سرية مكتملة الأركان؛ فالدول المنخرطة في صراعات إقليمية غالبًا ما تعتمد على وسائل متنوعة لجمع المعلومات ومراقبة التحركات العسكرية، بما في ذلك التقنيات الفضائية والطائرات غير المأهولة والشبكات البشرية، وهي أدوات قد تحقق أهدافًا إستراتيجية دون الحاجة إلى إنشاء قواعد ثابتة داخل أراضي الدول الأخرى.

وفي ضوء ذلك، فإن التعامل مع هذه المزاعم يقتضي اعتماد منهج موضوعي يستند إلى الوقائع القابلة للتحقق، بعيدًا عن الانجراف وراء الروايات غير المدعومة بأدلة واضحة؛ كما يتطلب فهم طبيعة المنافسة الاستخباراتية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل المعلومات الصحيحة مع عمليات التضليل والتأثير الإعلامي، بما يجعل الوصول إلى تقييم دقيق مرهونًا بتوافر مؤشرات موثوقة ومتراكمة، وليس بمجرد تداول تقارير أو تصريحات قد تعكس أهدافًا سياسية أو نفسية أكثر مما تعكس واقعًا عملياتيًّا ثابتًا (بي بي سي عربي).

وتُعَدُّ القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية ومواجهة النفوذ الخارجي من أبرز المرتكزات التي تستند إليها الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق عند صياغة خطابها السياسي والإعلامي؛ وفي هذا السياق، قد يُسْتَخْدَم الحديث عن وجود نشاط عسكري أو استخباراتي إسرائيلي داخل الأراضي العراقية، سواء استند إلى وقائع أو بقي في إطار الادعاءات غير المثبتة، لتعزيز سردية استمرار التهديد الخارجي، بما يبرر الإبقاء على البنية العسكرية لهذه الفصائل وتوسيع حضورها الأمني والسياسي؛ ومن هذا المنطلق، يُقَدَّم السلاح بوصفه وسيلة للدفاع عن البلاد وردع الأخطار المحتملة، الأمر الذي يُسْهِم في تعزيز التأييد داخل بعض الأوساط المؤيدة لهذا الخطاب، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتصاعد المواجهة بين إيران والكيان الإسرائيلي.

وفي المقابل: يثير هذا التوظيف جدلًا واسعًا داخل العراق، إذ ترى أطراف سياسية وقوى اجتماعية أَنَّ معالجة التهديدات الأمنية ينبغي أن تكون من اختصاص مؤسسات الدولة الرسمية وحدها، وأَنَّ استمرار ربط شرعية التنظيمات المسلحة بوجود أخطار خارجية قد يؤدي إلى إطالة أمد ازدواجية المنظومة الأمنية وتعقيد جهود حصر السلاح بيد الدولة؛ كما أَنَّ بقاء هذا الخطاب حاضرًا في المشهد العام قد يزيد من حدة الانقسام السياسي حول مستقبل الفصائل المسلحة ودورها، ويجعل النقاش الداخلي مرتبطًا بصورة أكبر بالتوازنات الإقليمية، وهو ما ينعكس على مسار بناء مؤسسات الدولة وقدرتها على ترسيخ احتكارها المشروع لاستخدام القوة وفق الأطر الدستورية والقانونية.

الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية في العراق في سياق الحرب مع إيران:

وفيما يتعلق بأنشطة إسرائيل العسكرية أو الاستخباراتية داخل العراق، فإن أحد أبرز الأهداف المحتملة لتلك الأنشطة يتمثل في توسيع نطاق جمع المعلومات المتعلقة بالقدرات العسكرية الإيرانية وشبكاتها الإقليمية؛ فالموقع الجغرافي للعراق يمنح قيمة إستراتيجية لأي جهة تسعى إلى مراقبة التحركات عبر الحدود، ورصد خطوط الإمداد، ومتابعة أنماط انتشار القوى المتحالفة مع طهران، وفي هذا الإطار، قد يُنْظَر إلى العراق بوصفه مساحة تُوَفِّر فرصًا لتعزيز الوعي الاستخباراتي، بما يُسْهِم في بناء صورة أكثر دقة عن التطورات الأمنية في الإقليم.

وقد يرتبط هدف آخر بتعزيز منظومة الإنذار المبكر في مواجهة أي تطورات عسكرية محتملة؛ إذ تسعى الدول المنخرطة في بيئات صراعية إلى تقليص عنصر المفاجأة من خلال تطوير شبكات مراقبة متقدمة تسمح برصد التحركات العسكرية أو إطلاق الصواريخ أو عمليات نقل الأسلحة في مراحلها الأولى، ومن هذا المنطلق، فإن أي نشاط استخباراتي مفترض قد يركز على توفير معلومات تساعد صناع القرار في تقدير الموقف واتخاذ الإجراءات المناسبة قبل تحول التهديدات إلى واقع ميداني (روسيا اليوم).

ومن الزاوية العملياتية، قد يخدم مثل هذا النشاط إذا وُجِدَ، غاية دعم القدرات الخاصة بالاستطلاع والتخطيط للعمليات بعيدة المدى، من خلال جمع البيانات وتحليلها وتحديث الخرائط والمعلومات الفنية المتعلقة بالمسرح الإقليمي؛ ويُعَدُّ هذا النوع من العمل جزءًا من المفهوم الحديث للاستخبارات العسكرية، الذي يعتمد على تكامل المعلومات التقنية والبشرية لتوفير صورة عملياتية شاملة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود قواعد عسكرية كبيرة أو انتشار عسكري تقليدي على الأرض.

كذلك قد يكون من بين الأهداف المحتملة تعزيز سياسة الردع عبر امتلاك خيارات استخباراتية متنوعة في أكثر من اتجاه جغرافي، بما يمنح مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات؛ فتنويع مصادر المعلومات ونقاط المتابعة يُتِيح توسيع هامش المناورة الإستراتيجية، ويقلل الاعتماد على محور واحد في جمع البيانات، وهو ما يُمَثِّل عنصرًا مُهِمًّا في بيئات تتسم بسرعة تغير التهديدات وتعدد الفاعلين الإقليميين.

ومع ذلك فإن تحقيق مثل هذه الأهداف، حتى على مستوى الافتراض النظري، يظل مرتبطًا بجملة من القيود السياسية والأمنية والقانونية، وفي مقدمتها تعقيد المشهد العراقي، وتعدد مراكز القوة، وارتفاع حساسية أي نشاط أجنبي غير معلن داخل البلاد؛ لذلك، فإن أي تقييم لهذه الفرضيات ينبغي أن يميز بين التصورات التحليلية والوقائع المثبتة، لأن غياب الأدلة القاطعة يجعل الحديث عن طبيعة هذه الأنشطة أو حجمها أو نطاقها يدخل في إطار الاحتمالات الإستراتيجية أكثر من كونه وصفًا لواقع مؤكد.

تداعيات محاولات زج العراق في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على أمن واستقرار العراق:

ولا يخفى على أحد أَنَّ أطراف الصراع -الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وإيران- يدفعون باتجاه إدخال العراق في دائرة المواجهة الإقليمية، والذي من شأنه أن يفرض تحديات أمنية معقدة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي؛ فكلما ازداد ارتباط الساحة العراقية بالتنافس الإقليمي، ارتفعت احتمالات تحولها إلى مسرح لعمليات متبادلة أو رسائل عسكرية غير مباشرة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الأخطار التي تواجه المؤسسات الأمنية والبنية التحتية والمرافق الحيوية، كما أَنَّ تعدد الفاعلين المسلحين واختلاف ارتباطاتهم يزيد من صعوبة احتواء أي تصعيد قد ينشأ نتيجة تطورات خارجية لا يكون العراق طرفًا مباشرًا في صنعها.

وعلى المستوى الداخلي، قد ينعكس هذا الوضع على المشهد السياسي من خلال تعميق الانقسامات بين القوى المختلفة بشأن طبيعة العلاقات الخارجية وأولويات السياسة الوطنية؛ إذ يمكن أن تتباين المواقف بين من يدعو إلى التمسك بالحياد وتجنب الانخراط في الاستقطابات الإقليمية، ومن يرى ضرورة تبني مواقف أكثر حسمًا تجاه التطورات المحيطة، وقد ينعكس هذا التباين على وتيرة عمل المؤسسات الدستورية، وعلى قدرة الحكومات المتعاقبة على بناء توافقات مستقرة بشأن الملفات الأمنية والإستراتيجية.

واقتصاديًّا يحمل اتساع نطاق التوتر أخطارًا مباشرة وغير مباشرة على بيئة الاستثمار وحركة التجارة والأسواق المالية، فحالة عدم اليقين الأمنية قد تدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم خططهم، كما يمكن أن تُؤَثِّر في تنفيذ مشاريع التنمية والبنية الأساسية، وترفع كلفة التأمين والنقل والخدمات اللوجستية؛ وإلى جانب ذلك، فإن أي اضطراب إقليمي واسع قد ينعكس على حركة الطاقة وسلاسل الإمداد، بما يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الوطني وقدرته على الحفاظ على معدلات النمو والاستقرار المالي.

أَمَّا في المجال الدبلوماسي، فإن تصاعد الضغوط المرتبطة بالصراع قد يضع العراق أمام تحديات دقيقة في إدارة علاقاته مع الأطراف المختلفة، فالحفاظ على قنوات تواصل متوازنة مع القوى المتنافسة يصبح أكثر تعقيدًا كلما ارتفعت وتيرة الاستقطاب، وهو ما يتطلب سياسة خارجية قادرة على حماية المصالح الوطنية وتجنب الانحياز الذي قد يترتب عليه خسارة شراكات مُهِمَّة أو تعريض البلاد لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة (سكاي نيوز عربية).

وفي الوقت ذاته، قد يدفع هذا الواقع الدولة العراقية إلى تعزيز إجراءاتها الرامية إلى ترسيخ مبدأ حصر القرار الأمني بيد المؤسسات الرسمية، وتكثيف الجهود الرامية إلى منع استخدام أراضيها كساحة لتصفية النزاعات الإقليمية؛ ويشمل ذلك تطوير آليات التنسيق الأمني، وتعزيز الرقابة على الحدود، وتفعيل الأدوات الدبلوماسية لخفض التوتر مع مختلف الأطراف، بما يُسْهِم في حماية السيادة الوطنية وتقليل احتمالات انتقال تداعيات الأزمات الإقليمية إلى الداخل العراقي.

وعلى صعيد الداخل العراقي، فقد أدى انخراط بعض الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران وتبنيها لأنشطة مرتبطة بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل عبر استهداف دول إقليمية، إلى زيادة احتمالات تأثر العراق بتداعيات هذا الصراع؛ فعندما تُنَفَّذ هجمات ضد أهداف أو مصالح أجنبية انطلاقًا من الأراضي العراقية، أو تُطْلَق تهديدات تربط العراق مباشرة بالمواجهة الإقليمية، فإن ذلك قد يرفع من خطر تعرض البلاد لردود فعل عسكرية أو ضغوط سياسية وأمنية، حتى وإن لم تكن الحكومة العراقية قد اتخذت قرارًا رسميًّا بالانخراط في النزاع، كما أَنَّ استمرار هذه الديناميكيات قد يعقد جهود الدولة في الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة تقوم على تجنيب العراق الانزلاق إلى صراعات المحاور، ويجعل الساحة العراقية أكثر عرضة لأن تصبح مسرحًا للمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية.

كما يفرض هذا الواقع تحديًّا مباشرًا على مفهوم احتكار الدولة لاستخدام القوة، إذ إن تعدد الجهات القادرة على اتخاذ قرارات ذات أبعاد عسكرية أو أمنية خارج الإطار الحكومي قد يحد من قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة السياسة الدفاعية والعلاقات الخارجية بصورة موحدة؛ كما قد يؤدي اختلاف المواقف بين القوى السياسية بشأن دور الفصائل المسلحة إلى تعميق الانقسامات الداخلية، ويزيد من صعوبة التوصل إلى توافق وطني حول كيفية التعامل مع الأزمات الإقليمية، وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على استقلال القرار العراقي أكثر تعقيدًا كلما اتسعت الفجوة بين السياسات الحكومية الرسمية وبين تحركات الجهات المسلحة غير الخاضعة بصورة كاملة لسلطة الدولة.

وتتمثل أبرز الأخطار الإستراتيجية في احتمال تراجع قدرة العراق على ترسيخ صورته كدولة تسعى إلى الحياد الإيجابي وخفض التوترات، إذا أصبح يُنْظَر إليه بوصفه ساحة تُسْتَخْدَم لتبادل الرسائل العسكرية بين أطراف الصراع؛ وقد ينعكس ذلك على علاقاته مع شركائه الإقليميين والدوليين، وعلى بيئة الاستثمار وإعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن زيادة الضغوط الأمنية على حدوده ومؤسساته، ومن ثم، فإن تعزيز سيادة الدولة، وحصر القرارين الأمني والعسكري بالمؤسسات الدستورية، وتفعيل الأدوات الدبلوماسية لاحتواء التوترات، تبقى من أهم المرتكزات التي يمكن أن تحد من أخطار انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل العراقي، وتحافظ على استقلالية القرار الوطني.

تحركات العراق لمنع استغلال أراضيه ضد دول الجوار:

هذا ويُشَكِّل تعزيز المنظومة الأمنية الوطنية الخطوة الأولى في الحد من أي محاولات لاستغلال الأراضي العراقية في أنشطة قد تُؤَثِّر في أمن الدول المجاورة أو تُمَثِّل انتهاكًا للسيادة، ويتطلب ذلك رفع كفاءة منظومات المراقبة على المنافذ البرية والجوية، وتطوير وسائل الاستطلاع والرصد، وتكثيف الدوريات في المناطق ذات الحساسية الأمنية، إلى جانب الاستثمار في التقنيات الحديثة الخاصة بالكشف المبكر عن التحركات غير المشروعة؛ كما أَنَّ توحيد إجراءات العمل بين مختلف الأجهزة الأمنية يُسْهِم في سد الثغرات التي قد تستغلها جهات خارجية أو تنظيمات تعمل بصورة سرية.

وعلى الصعيد الاستخباراتي، تبرز أهمية بناء منظومة متكاملة تعتمد على تبادل المعلومات بين المؤسسات المختصة، وتحليل البيانات بصورة استباقية لرصد أي مؤشرات تدل على وجود أنشطة غير قانونية أو شبكات تعمل لصالح أطراف خارجية؛ ويستلزم ذلك تطوير القدرات الفنية في مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات الإلكترونية، وتعزيز إمكانات مكافحة التجسس، مع توفير برامج تدريب متقدمة للعاملين في هذا القطاع بما يرفع قدرتهم على التعامل مع التهديدات المتغيرة وأساليب العمل الاستخباراتي الحديثة.

أَمَّا من الناحية القانونية والإدارية، فإن ترسيخ سيادة الدولة يتطلب تطبيقًا صارمًا للتشريعات المنظمة لحيازة السلاح، وضبط حركة الأفراد والمعدات، ومراقبة الأنشطة التي قد تستغلها جهات أجنبية لتنفيذ أهداف تتعارض مع المصالح الوطنية؛ كما أَنَّ تعزيز الرقابة على الشركات والكيانات التي تعمل في المجالات الحساسة، ومراجعة إجراءات منح التراخيص والتصاريح، يُسْهِمَانِ في تقليص فرص استغلال الغطاء المدني لتنفيذ مهام ذات طابع أمني أو استخباراتي.

وفي المجال الدبلوماسي، يحتاج العراق إلى اتباع سياسة خارجية متوازنة تقوم على تأكيد مبدأ احترام السيادة المتبادلة وعدم السماح باستخدام أراضيه للإضرار بأي دولة، ويمكن تحقيق ذلك عبر تكثيف الحوار مع دول الجوار، وتفعيل قنوات التنسيق الأمني المشترك، وإبرام تفاهمات تُعَزِّز أمن الحدود وتدعم تبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات العابرة للحدود؛ كما أَنَّ الحضور الفاعل في الأطر الإقليمية والدولية يُوَفِّر مساحة أوسع لمعالجة المخاوف الأمنية من خلال الوسائل السياسية والقانونية بدلًا من التصعيد.

ويظل نجاح هذه الإجراءات مرهونًا بوجود إرادة سياسية موحدة تدعم بناء مؤسسات دولة قوية تحتكر إدارة الملفين الأمني والعسكري وفق أحكام الدستور والقانون، فكلما ازدادت قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سلطتها في جميع أنحاء البلاد، وتطوير التنسيق بين الأجهزة المختلفة، وتعزيز ثقة المواطنين بالدولة، تراجعت فرص استغلال الفراغات الأمنية أو السياسية من قِبَل أي أطراف خارجية، وأصبح العراق أكثر قدرة على حماية استقلال قراره الوطني وصون علاقاته المتوازنة مع محيطه الإقليمي.

ارتدادات مزاعم الوجود الإسرائيلي في العراق على مستقبل التوازنات الأمنية بالبلاد:

وهنا يمكن القول إن استمرار تداول المزاعم المتعلقة بوجود نشاط أمني أو استخباراتي أجنبي داخل العراق، بصرف النظر عن مدى صحتها، قد يترك أثرًا واضحًا في البيئة الأمنية؛ لأن مجرد انتشار هذه الروايات يرفع مستوى الحساسية لدى مختلف الأطراف الفاعلة؛ ففي كثير من الأحيان، لا يقتصر تأثير المعلومات المتداولة على مضمونها، بل يمتد إلى الكيفية التي تتعامل بها المؤسسات الأمنية والقوى السياسية معها، وهو ما قد يدفع إلى إعادة تقييم التهديدات وتعديل أولويات العمل الأمني، حتى في غياب أدلة قاطعة تؤكد تلك المزاعم أو تنفيها بصورة نهائية.

وعلى المستوى السياسي، يمكن أن يؤدي استمرار الجدل حول هذه القضية إلى توسيع دائرة الخلافات الداخلية بشأن توجهات السياسة الخارجية وآليات إدارة الملفات الأمنية؛ وقد تستغل بعض القوى هذه الروايات لتدعيم مواقفها أو الضغط باتجاه تبني خيارات معينة، بينما قد ترى أطراف أخرى أَنَّ تضخيم هذه المزاعم ينعكس سلبًا على صورة الدولة ويزيد من حدة الاستقطاب الداخلي؛ ومن ثم، فإن بقاء الملف حاضرًا في الخطاب السياسي قد يضيف عنصرًا جديدًا إلى النقاشات المرتبطة بمفهوم السيادة وحدود الانفتاح على الشراكات الأمنية الخارجية (اندبندنت عربية).

أَمَّا على الصعيد الإقليمي، فإن استمرار تداول مثل هذه الادعاءات قد يدفع الدول المجاورة إلى إعادة النظر في تقديراتها للمشهد العراقي، سواء من خلال تعزيز إجراءاتها الاحترازية أو تكثيف نشاطها الدبلوماسي والأمني تجاه بغداد؛ كما قد تزداد المنافسة الاستخباراتية بين القوى المنخرطة في المنطقة، في ظل سعي كل طرف إلى التحقق من المعلومات المتداولة أو مراقبة أي تغيرات قد تُؤَثِّر في موازين القوى، الأمر الذي يجعل العراق محط اهتمام أكبر ضمن الحسابات الأمنية الإقليمية.

وفي البعد الإستراتيجي الأوسع، قد يُؤَثِّر هذا الجدل في موقع العراق داخل معادلات التوازن في الشرق الأوسط؛ إذ إن أي انطباع بارتباط الساحة العراقية بتطورات الصراعات الإقليمية يمكن أن يغير طريقة تعامل القوى الدولية والإقليمية معها؛ وقد ينعكس ذلك على مستوى التعاون الأمني، أو على طبيعة المبادرات السياسية والاقتصادية الموجهة إلى العراق، أو على حجم الضغوط التي تمارسها بعض الأطراف لضمان توافق السياسات العراقية مع مصالحها الأمنية والإستراتيجية.

وفي المقابل: قد يدفع استمرار هذه المزاعم مؤسسات الدولة العراقية إلى تكثيف جهودها لإثبات قدرتها على بسط سيادتها وتعزيز الشفافية في إدارة الملف الأمني، بما يقلل من مساحة الشكوك والتأويلات؛ كما يمكن أن يُشَجِّع على تطوير آليات أكثر فاعلية للتواصل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وإبراز التزام العراق بعدم السماح باستخدام أراضيه للإضرار بالآخرين، وهو توجه من شأنه أن يُعَزِّز مكانته بوصفه دولة تسعى إلى تحقيق التوازن في علاقاتها الخارجية والحد من انتقال تداعيات الصراعات الإقليمية إلى ساحتها الداخلية.

الخلاصة:

  • تبقى المزاعم المتعلقة بوجود نشاط عسكري أو استخباراتي إسرائيلي داخل العراق قضية معقدة تستوجب التمييز بين ما يمكن إثباته بالوقائع وما يندرج ضمن إطار التقديرات أو الحرب الإعلامية، إلا أَنَّ استمرار تداولها يعكس حجم التشابكات الأمنية التي تحيط بالعراق في ظل التنافس الإقليمي والدولي؛ وفي جميع الأحوال، تظل الأولوية بالنسبة لبغداد متمثلة في ترسيخ سيادتها، وتعزيز قدرات مؤسساتها الأمنية والاستخباراتية، واعتماد سياسة خارجية متوازنة تحول دون تحويل أراضيها إلى ساحة للمواجهات أو تصفية الحسابات بين القوى المتنافسة، بما يحافظ على استقرارها الداخلي ويُعَزِّز دورها كطرف يسعى إلى تخفيف التوترات الإقليمية بدلًا من الانخراط فيها.

المصادر:

الجزيرة

بي بي سي عربي

روسيا اليوم

سكاي نيوز عربية

اندبندنت عربية

الكلمات المفتاحية

النشاط الاستخباراتي داخل العراقالقواعد الإسرائيلية السرية في العراقالوجود العسكري الأمريكيالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران