مصر والصين.. شراكة تتجاوز الاقتصاد إلى توطين صناعة السلاح وكسر احتكار الغرب

تُمَثِّل العلاقة بين مصر والصين الشعبية نموذجًا فريدًا في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تجمع بين عُمْق تاريخي يمتد لعقود، وتطور نوعي في مجالات التعاون كافة؛ خاصة على المستويين العسكري والإستراتيجي في العقد الأخير، وقد نجحت القاهرة في بناء شراكة إستراتيجية متوازنة مع بكين، في وقت حافظت فيه على علاقات قوية مع واشنطن، رغم التجاذبات والضغوط الدولية، ويأتي هذا التقرير ليحلل مسار هذه العلاقة وأبعادها وكيف تطورت في السنوات الأخيرة، ويُسَلِّط الضوء على آليات التوازن التي اعتمدتها القاهرة لإدارة علاقاتها مع الصين دون خسارة الولايات المتحدة، كما يوضح كيف استفادت مصر من الصين والعكس، لتنتهج رؤية ذكية بعدم الاعتماد على مصدر واحد للتسليح والتكنولوجيا.
تطور العلاقات:
شهد العقد الأخير نقلة نوعية في العلاقات المصرية-الصينية، تجاوزت فيها العلاقة الإطار السياسي التقليدي لتتحول إلى شراكة إستراتيجية شاملة تغطي كافة المجالات، ففي ظل صعود الصين بوصفها قوةً عظمى، وتزايد التوترات بين واشنطن وبكين، استغلت القاهرة الأوضاع لتطوير علاقاتها مع بكين عبر تبادل الزيارات الرئاسية رفيعة المستوى، حيث زار الرئيس السيسي الصين عدة مرات، كان آخرها في عام 2024م، مما أسفر عن توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات والتفاهمات في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، كما شهد العام نفسه مشاركة مصر الفاعلة في منتدى التعاون الصيني-الإفريقي، حيث أعلنت بكين عن حزمة تمويلية ضخمة للقارة الإفريقية، كان لمصر نصيب وافر منها.
كما كان انضمام مصر إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية في عام 2016م نقطة تحول رئيسة، حيث فتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، وقد شَكَّلَت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشروع تطوير منطقة السخنة الصناعية، ومشروعات الطاقة المتجددة في بنبان، أبرز ثمار هذا التعاون.
في مجال التبادل التجاري، قفز حجم التجارة بين البلدين من نحو 8 مليارات دولار في منتصف العقد الماضي إلى حوالي 17 مليار دولار حاليًّا، مع تطلعات مصرية ليتخطى 20 مليار دولار سريعًا، كما ارتفعت الاستثمارات الصينية في مصر من نحو 5 مليارات دولار إلى حوالي 8 مليارات دولار، مع خطط طموحة لمضاعفتها إلى 16 مليار دولار.
مكاسب مصر من الصين:
استفادت مصر بشكل ملموس من التعاون الاقتصادي مع الصين في عدة مجالات، كالتالي:
- تطوير البنية التحتية، حيث أَسْهَمَت الاستثمارات الصينية في تطوير شبكات النقل والطاقة والموانئ، ونفذت الشركات الصينية مشروعات كبرى في مجال السكك الحديدية والطرق ومحطات توليد الكهرباء.
- كما حصلت مصر على فرص لنقل التكنولوجيا الصينية في مجالات الطاقة المتجددة والتصنيع الذكي والاتصالات، مما أَسْهَم في تطوير القدرات الصناعية المحلية.
- وفتحت السوق الصينية آفاقًا جديدة للصادرات المصرية، خاصة في مجالات المنتجات الزراعية مثل الحمضيات والعنب والتمر، والصناعات التحويلية.
- وَأَسْهَمَت الاستثمارات الصينية في تخفيف الضغوط على الميزانية المصرية، ودعمت جهود التنمية في وقت كانت فيه مصر تواجه تحديات اقتصادية داخلية وإقليمية.
- وعسكريًّا، حققت مصر مكاسب نوعية تجاوزت مجرد شراء أسلحة جاهزة، لتشمل توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا.
- تنويع مصادر التسليح وتقليل الاعتماد على مورد واحد، واكتساب خبرات في التعامل مع أنظمة سلاح غير غربية.
- وتعزيز القدرات الدفاعية في مواجهة التحديات الإقليمية، وكسر الاحتكار الغربي للتسليح في المنطقة.
وفي إطار إستراتيجية تنويع مصادر التسليح، فقد حصلت مصر على مقاتلات J-10CE الصينية من الجيل 4.5، المزودة بصواريخ PL-15 بعيدة المدى، لتكسر بذلك القيود التي فرضتها واشنطن على تحديث أسطولها من طائرات F-16، وتمنح قواتها الجوية قدرات تفوق جوي لم تكن متاحة سابِقًا، كما شهدت مناورات "نسور الحضارة 2026" مشاركة المقاتلات الثقيلة J-16، مما أتاح للقوات المصرية فرصة اختبار التعاون مع أنظمة قتالية صينية متقدمة ودراسة إمكانية ضمها لأسطولها.
أيضًا وَقَّعَت مصر مع الصين مذكرات تفاهم لتوطين الصناعات الدفاعية محليًّا، حيث وَقَّعَت الهيئة العربية للتصنيع مع شركة "نورينكو" الصينية اتفاقية لنقل تكنولوجيا وتصنيع أنظمة دفاعية، كما تم توقيع اتفاق مع شركة CETC لتصنيع معدات اتصالات محليًّا، وشمل التعاون الإنتاج المشترك للطائرات المسلحة بدون طيار، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم لإنتاج طائرة "حمزة-2" المُسَيَّرَة، وهي نسخة مطورة من الطائرة الصينية ASN-209، لتُجَمَّع محليًّا في مصر، وتجري مصر مفاوضات متقدمة مع الصين للحصول على منظومة WJ-700، وهي منصة هجومية متطورة تعمل بدون طيار، مع تركيز على نقل التكنولوجيا لتمكين التصنيع المحلي في مراحل لاحقة.
مكاسب صينية:
من جانبها، حققت الصين مكاسب إستراتيجية كبرى من شراكتها مع مصر، حيث تُمَثِّل مصر بوابة مثالية للاستثمارات الصينية إلى الأسواق الإفريقية والعربية، بفضل موقعها الإستراتيجي واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بالعديد من الدول والتكتلات الاقتصادية، كما تُسْهِم السيطرة على ممرات الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس في ضمان أمن إمدادات الطاقة الصينية القادمة من الشرق الأوسط وإفريقيا. وأتاحت العلاقات المصرية-الصينية للقوات الجوية الصينية فرصة إجراء مناورات عسكرية في قارة إفريقيا، مما يُعَزِّز القدرات الصينية على الإسقاط العسكري البعيد المدى، كما تحظى الصين بدعم مصري في المحافل الدولية، خاصة فيما يتعلق بقضايا تايوان والتبت وحقوق الإنسان، حيث تتبنى مصر موقفًا داعمًا للوحدة الترابية الصينية.
علاوة على اشتراك الرؤى حول العديد من القضايا الدولية، مثل رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم السيادة الوطنية والوحدة الترابية، وتعزيز دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والعمل على إصلاح النظام المالي الدولي، ودعم حل النزاعات بالوسائل السلمية، واتضح هذا التقارب في المواقف المصرية الداعمة للصين في منظمات حقوق الإنسان، وفي المواقف الصينية الداعمة لمصر في مجلس الأمن فيما يتعلق بقضايا المنطقة العربية والشرق الأوسط.
تطور العلاقات العسكرية:
يُمَثِّل التعاون العسكري بين مصر والصين أحدث وأهم أبعاد العلاقات الثنائية، حيث بات يُشَكِّل محورًا أساسيًّا في إستراتيجية التنويع الدفاعي المصرية، وبحسب تأكيد اللواء ناصر سالم، رئيس المخابرات العسكرية المصرية السابق، أَنَّ التعاون الدفاعي مع الصين "جزء من إستراتيجية طويلة الأمد لتنويع مصادر السلاح، والتي ازدادت أهمية بعد أن منعت واشنطن إعادة الطائرات المصرية للخدمة بعد صيانتها في الولايات المتحدة عام 2013م"، كما أن القاهرة ترى أنه "من غير الحكمة الاعتماد على مورد واحد، مما دفعها للتفاوض مع مجموعة واسعة من الدول الأوروبية والآسيوية لتقليل تعرضها للضغوط السياسية"، وبالتالي يُمَثِّل هذا التوجه نقلة نوعية في السياسات الدفاعية المصرية، حيث لم تعد العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة حصرية، وباتت القاهرة تنظر إلى التعاون العسكري مع الصين وروسيا بوصفه خيارًا إستراتيجيًّا لا بديل عنه لضمان جاهزية القوات المسلحة واستقلالية القرار الدفاعي، ووفق مركز الأهرام الإستراتيجي للدراسات، فإن مصر لا تسعى للمواجهة مع الولايات المتحدة، ولا تستفز واشنطن عَمْدًا، بل تتبع إستراتيجية ناعمة بالتنسيق مع بكين وموسكو، بهدف الدفع تدريجيًّا ضد الهيمنة الأحادية على صنع القرار العالمي.
وفي السياق شكلت مناورات "نسور الحضارة 2025" علامة فارقة في تاريخ العلاقات العسكرية بين البلدين، حيث نفذت مصر والصين أول تدريبات جوية مشتركة لهما في الفترة من 17 أبريل إلى 4 مايو 2025م، في قاعدة جوية مصرية، وكانت المرة الأولى التي ترسل فيها القوات الجوية الصينية منظومة متكاملة من القوات إلى إفريقيا للمشاركة في تدريبات مشتركة، شاركت في التدريبات طائرات صينية من طراز J-10C وKJ-500 وYY-20، إلى جانب طائرات مصرية من طراز MiG-29، و"رافال" في مشهد يعكس عُمْق الثقة بين البلدين وقدرة القوات المسلحة المصرية على المزج بين أنظمة تسليحية من مدارس صناعية مختلفة، كما أَنَّ مشاركة "الرافال" تمنح الجانب الصيني فرصة للتدريب والاحتكاك بمنظومة قتالية غربية متطورة، ويعكس في الوقت ذاته الجاهزية العالية للقوات الجوية المصرية للتعاون مع شركاء متنوعين في ظل سيناريوهات قتالية معقدة.
ونفذت المناورات تدريبات شملت العمليات الجوية، وقمع الدفاعات الجوية للعدو، والبحث والإنقاذ في ساحة المعركة، والتدريبات المختلطة، كما شهدت التدريبات تنفيذ عمليات تزويد بالوقود جَوًّا بين طائرة YY-20 الصينية والطائرات المصرية، كما حلقت الطائرات الصينية والمصرية بشكل منخفض فوق أهرامات الجيزة في الأول من مايو 2025م، في مشهد يعكس عُمْق العلاقات ويرمز إلى تلاقي حضارتي وادي النيل والصين العظيمتين، وتحمل هذه المناورات دلالات إستراتيجية ورسالة بأَنَّ مصر تطور قدراتها الدفاعية وأنها لن تبقى أسيرة لعلاقات عسكرية أحادية، ما أثار قلق الاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط من تطور العلاقات بين القاهرة، بل بسبب صفقات المقاتلات الصينية سواء التي امتلكتها القاهرة بالفعل أو الصفقات قيد الاتفاق، فضلًا عن اتفاق مصر والصين على نقل تكنولوجيا التصنيع في مجالات تصنيع المقاتلات والدفاع الجوي واعتراض الصواريخ والطائرات الشبحية والحرب الإلكترونية.
مناورات نسور الحضارة 2:
وفي تطور يعكس تصاعد وتيرة التعاون العسكري، انطلقت السبت 22 أغسطس 2026م النسخة الثانية من التدريبات الجوية المشتركة بين البلدين تحت اسم (نسور الحضارة 2026)، حيث وصلت إلى مصر طائرات تابعة للقوات الجوية الصينية، شملت مقاتلات ثقيلة من طراز J-16، طائرات التزود بالوقود YY-20A ، طائرات النقل الإستراتيجي الثقيلة Y-20 ومروحيات هليكوبتر Z-20KB للعمليات الخاصة والإنزال، في تنوع يعكس تطور مستوى المشاركة الصينية، كما قطع الطيران الصيني مسافة تجاوزت 6,000 كيلومتر، عبر قارتين وأربع دول، في رحلة استغرقت قرابة تسع ساعات، في اختبار حقيقي لقدرات القوات الجوية الصينية على الإسقاط البعيد والانتشار السريع، واستخدمت طائرات YY-20A الصينية في تزويد مقاتلات J-16 بالوقود أثناء الرحلة، مما يعكس قدرات لوجستية متقدمة، كما أنها المرة الأولى التي ترسل فيها الصين هذا الطراز الثقيل من المقاتلات إلى القارة الإفريقية. وانضمت الطائرات المصرية من طرازي ميج-29 ورافال، ولم تشارك أي طائرات أمريكية رغم امتلاك الجيش المصري لها، وركّزت التدريبات على تنفيذ سيناريوهات قتالية متقدمة، تشمل التكتيكات الجوية، وعمليات السيطرة الجوية، والبحث والإنقاذ القتالي، وتمارين على استخدام القوات المشتركة.
وتحمل مشاركة المقاتلة الثقيلة J-16، التي تُعَدُّ المرة الأولى التي ترسل فيها الصين هذا الطراز إلى القارة الإفريقية، دلالات إستراتيجية بالغة الأهمية. فعلى عكس المقاتلات المتوسطة من طراز J-10C التي ركزت في النسخة السابقة على التفوق الجوي، تتمتع J-16 بقدرات متقدمة في ضرب الأهداف البرية والبحرية وحمولة أكبر من الأسلحة، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات قتالية أكثر تنوعًا وتعقيدًا في التدريبات، في حين تُصنف المقاتلة الثقيلة الصينية J-16 بوصفها مقاتلةً متعددة المهام من الجيل 4.5 (أو ما يُعرف بالجيل الرابع المطور)، وعلى الرغم من أنها مشتقة هندسيًّا في الأصل من عائلة مقاتلات "سوخوي" الروسية (تحديدًا Su-30MKK) ، إلا أَنَّ الصين أعادت بناءها بالكامل محليًّا لدمج تقنيات إلكترونية وتسليحية مأخوذة من مقاتلة الجيل الخامس الشبحية J-20 ، كما تحتوي J-16 على 12 نقطة تعليق خارجية، وتستطيع حمل ما يقارب 8 أطنان من الذخائر والصواريخ. تم تسليحها بصواريخ جو-جو بعيدة المدى من طراز PL-15 (الذي يتفوق مداه على كثير من الصواريخ الغربية)، والمقاتلة تتفوق في أكثر من جانب على الرافال واليوروفايتر في أوروبا تحديدًا في المدى والعمق، كما تتفوق على سوخوي 30 و35 الروسيتين في المحركات والصواريخ، وفي ظل تفوق الطائرة الصينية على إف 15 الأمريكية في تنوع الصواريخ ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، تتفوق الطائرة الأمريكية في الحمولة التي تتجاوز 13 طنًّا، ويظهر كل ذلك أهمية الطائرة الصينية ومدى قوتها، وكيف تستفيد القاهرة من التكنولوجيا الصينية الأقل تكلفة والأعلى تأثِيرًا على عكس السلاح الغربي الغالي والذي تتحكم فيه واشنطن وتمنعه عن مصر، كما تتحكم في صيانة السلاح الذي تشتريه الدول بالفعل.
وبالتالي فإن تطور العلاقات بين البلدين لهذا المستوى يعكس تحولًا في القدرات الصينية من مرحلة "إثبات الجدوى" إلى مرحلة "النضج والتطبيع" في العمليات العسكرية البعيدة المدى، ويُعَزِّز حضور الصين العسكري في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما يشير إلى قرار مصر بالاعتماد بشكل قوي على السلاح والتقنية الصينية مستقبَلًا، ولذلك اتفق الطرفان على توطين الصناعة العسكرية ونقل التكنولوجيا، سواء لتصنيع المقاتلات أو تصنيع أنظمة الرادار وأنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى في مصر، حيث تدرس القاهرة الحصول على منظومة الدفاع الجوي المتطورة HQ-9B ، إلى جانب تعزيز التعاون في مجال الغواصات من طراز "يوان" (Type 039A)، وفي السياق، يُمَثِّل التعاون التاريخي في تصنيع طائرة التدريب K-8 (JL-8) بالتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع نموذجًا ناجحًا يمكن البناء عليه في برامج الطائرات المسلحة بدون طيار وأنظمة "رعد-300" الصاروخية.
إلى جانب التعاون العسكري المعلن، يشهد البعد الاستخباراتي والأمني تطورًا نوعيًّا بين القاهرة وبكين، حيث أقامت المخابرات العامة المصرية ووزارة الأمن الصينية (MSS) مستوى غير مسبوق من التنسيق في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب. ويولي الجيش الصيني اهتمامًا خاصًّا للتنسيق مع القيادة العسكرية المصرية في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلًا عن مفاوضات بين القاهرة وبكين لاقتناء مصر طائرات شبحية صينية متطورة من طراز "جي-31"، في خطوة لو تحققت فستُشَكِّل نقلة نوعية غير مسبوقة في التعاون العسكري بين البلدين؛ إذ من شأن هذه الصفقة، حال إتمامها، أن تكسر الاحتكار الأمريكي للتكنولوجيا الشبحية في المنطقة، خاصة في ظل رفض واشنطن المتكرر تزويد القاهرة بطائرات F-35 الأمريكية، وإمعان إسرائيل في الضغط دبلوماسيًّا لمنع أي صفقة تسليح نوعية لمصر من أي مصدر.
العلاقة مع واشنطن وآليات التوازن:
على الرغم من تنامي العلاقات المصرية مع الصين وروسيا، تواصل القاهرة الحفاظ على علاقاتها الإستراتيجية مع واشنطن، مستفيدة من المساعدات العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار التي تقدمها الولايات المتحدة منذ اتفاقية السلام لكل من مصر والاحتلال الصهيوني، وبالتالي فإن التعاون مع الصين لا يهدف إلى تقويض علاقة القاهرة بالولايات المتحدة، ولكن يهدف إلى الحفاظ على التوازن الإستراتيجي، وتحقيق مصالح القاهرة في امتلاك القوة والردع، ما يعكس عُمْق النظرة الإستراتيجية المصرية، التي تدرك أَنَّ التخلي عن العلاقة مع أمريكا في المدى المنظور سيكون مكلفًا، وأَنَّ أفضل إستراتيجية هي تنويع الشراكات لامتلاك القوة والتكنولوجيا، وتعزيز الموقف التفاوضي مع جميع الأطراف.
في حين تستخدم القاهرة أدوات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية لتعزيز موقعها دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أي من القوى الكبرى. وتشمل هذه الآليات التنسيق المتعدد الأطراف من خلال مشاركة مصر في منتديات التعاون الصيني-الإفريقي، ومجموعة البريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون بوصفها مراقبًا، مما يتيح لها منصة للتعاون مع الشرق دون إغضاب الغرب، والغموض الإستراتيجي عبر عدم الإعلان عن تفاصيل الصفقات العسكرية مع الصين وروسيا، مما يحافظ على مساحة من المناورة ويقلل من احتمالية ردود الفعل الغربية القاسية، والاستفادة من التنافس الدولي حيث تقدم كل قوة تنازلات لجذب مصر إلى جانبها، والتدرج في التعاون لتطوير العلاقات بشكل تدريجي يسمح باختبار ردود الفعل وتعديل المسار عند اللزوم، والإبقاء على القنوات المفتوحة مع جميع الأطراف، مما يمنع انغلاق الخيارات ويضمن استمرارية الحوار.
الخلاصة:
يُمَثِّل تطور العلاقات المصرية مع الصين نموذجًا متقدمًا في إدارة العلاقات الدولية، حيث نجحت القاهرة في تطوير شراكة إستراتيجية مع بكين في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، دون أن تتصادم مع واشنطن، مستفيدة من مساحة المناورة التي يتيحها التنافس الدولي لتعزيز مصالحها الوطنية. وإذا كانت العلاقات العسكرية المصرية-الصينية تشهد تطورًا غير مسبوق، كما تجلى في مناورات "نسور الحضارة" بدورتيها 2025 و2026م، والتي تُمَثِّل أول تدريبات جوية مشتركة بين البلدين وأول انتشار لقوات جوية صينية متكاملة في إفريقيا، فإن هذا التطور يأتي في سياق إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تنويع مصادر التسليح وتقليل التبعية، وامتلاك القوة والتكنولوجيا، مما يُعَزِّز استقلالية القرار الدفاعي المصري، ويُمَثِّل عامل استقرار إقليمي يحد من الهيمنة الأحادية ويدفع نحو توازن قوى أكثر عدالة في المنطقة، كما أَنَّ العلاقات المصرية-الصينية لم تعد تقتصر على المجال السياسي والاقتصادي، بل امتدت لتشمل التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي، مما يجعلها واحدة من أهم الشراكات الإستراتيجية في المنطقة، ومع استمرار هذه الديناميكية، تبرز العلاقة المصرية-الصينية بوصفها عنوانًا على قدرة القاهرة على توازن مصالحها في عالم متعدد الأقطاب، وبوصفها دليلًا على نجاح النموذج المصري في إدارة العلاقات الدولية بما يخدم الأمن القومي والتنمية المستدامة، مع العلم أنه قد تكون الصين المستفيد الأكبر من العلاقة، فإن كانت مصر تستفيد من صفقات السلاح المميزة فِعْلِيًّا أو حتى نقل التكنولوجيا الذي بالطبع سيكون بطيئًا نسبيًّا، فإن بكين تسوق سلاحها الفعال في أكبر دول الشرق الأوسط وإفريقيا وأقواها نسبيًّا، كما تبيع السلاح وتطير به في الأجواء المصرية التي تُعَدُّ أقرب دولة لوجود الكيان المحتل، كما أنها تناوئ الولايات المتحدة التي تصدر لمصر السلاح منذ عقود.
مصادر:
وكالة أنباء شينخوا الصينية- "مصر تؤكد أن علاقاتها مع الصين نموذج للشراكة الإستراتيجية الشاملة والتعاون المتبادل المنفعة"- 12 يونيو 2026م.
وكالة أنباء شينخوا الصينية- "حوار: العلاقات المصرية-الصينية 'نموذج إستراتيجي' للتعاون بين دول الجنوب العالمي"- 15 يوليو 2026م.
صحيفة الشعب الصينية- "العلاقات المصرية الصينية تتسم بـ'النضج الإستراتيجي' وتتقدم بثبات"- 6 يوليو 2026م.
شبكة التلفزيون الصينية- "التدريب الجوي المشترك الصيني-المصري 'نسور الحضارة 2026'.. انتشار عابر للقارات"- 22 أغسطس 2026م.
شبكة قوانغمينغ الإخبارية- "انطلاق التدريب المشترك.. طائرات متعددة من القوات الجوية الصينية تصل إلى مصر"- 22 أغسطس 2026م.
الأهرام- "مصر والصين تطلقان التدريب الجوي المشترك 'نسور الحضارة 2026'"- 22 أغسطس 2026م.
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- "التقرير الإستراتيجي للعلاقات المصرية الصينية" – الإصدار الأول- يوليو 2026م.
-HK01 (هونغ كونغ)- "المقاتلة الثقيلة الصينية جيه-16 تشارك لأول مرة في مناورة مشتركة مع مصر.. عبرت كراتشي لإظهار قدرات الانتشار البعيد المدى"- 21 أغسطس 2026م.