الدعم الإسرائيلي الإثيوبي للتنظيمات المسلحة في الصومال وقدرة البلاد على المواجهة في ظل أطماع جيوسياسية متزايدة

يُمَثِّل الصومال إحدى أكثر الساحات حساسية في منطقة القرن الإفريقي، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التنافس الجيوسياسي على الممرات البحرية ومناطق النفوذ، في ظل استمرار التحديات الداخلية التي تواجه الدولة ومؤسساتها، وفي هذا السياق تتزايد النقاشات والتحليلات بشأن طبيعة الأدوار التي تمارسها بعض القوى الإقليمية والدولية، ومن بينها إسرائيل وإثيوبيا، لتحقيق مصالح إستراتيجية مرتبطة بالأمن الإقليمي والتوازنات الجيوسياسية، بما في ذلك دعم أطراف مسلحة داخل الصومال، وتتناول هذه الدراسة حدود القدرات الصومالية في مواجهة التحديات الأمنية، ومدى تأثير التدخلات الخارجية والتنافس الإقليمي في إعادة تشكيل موازين القوى، مع تحليل انعكاسات هذه المتغيرات على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في البلاد في ظل تنامي أهمية الصومال في معادلات القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
فما التنظيمات العسكرية المسلحة في الصومال وطبيعة أهدافها وأنشطتها وحدود تأثيرها الأمني والسياسي؟ وكيف يمكن قراءة حدود القوة الصومالية وقدرة البلاد على مواجهة تلك التنظيمات؟ وما طبيعة وأشكال الدعم الإسرائيلي الإثيوبي للتنظيمات المسلحة في الصومال في ظل طموحات جيوسياسية في البلاد ومنطقة القرن الإفريقي؟ ماذا عن السيناريوهات المختلفة لمستقبل الدولة الصومالية في ظل المشهد الأمني والسياسي الحالي؟
يُسَلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على المشهد الأمني والسياسي المُعَقَّد في الصومال وطبيعة التشكيلات العسكرية المسلحة وأنشطتها وحدود الدعم الخارجي لها في ظل أطماع إثيوبية وإسرائيلية في هذه السطور الآتية.
التنظيمات العسكرية المسلحة في الصومال وطبيعة أهدافها وأنشطتها وحدود تأثيرها الأمني والسياسي:
يعكس المشهد الأمني في الصومال تعدد الجهات المسلحة وتباين خلفياتها الفكرية والسياسية والقبلية، وهو ما يجعل البيئة الأمنية أكثر تعقيدًا مقارنة بالعديد من بؤر الصراع الأخرى في إفريقيا؛ فقد أفرزت عقود من ضعف مؤسسات الدولة وتداخل الانقسامات المحلية مع التدخلات الخارجية واقعًا تتنافس فيه تنظيمات ذات طبيعة مختلفة، بعضها يتبنى أهدافًا أيديولوجية، وأخرى تنطلق من اعتبارات قبلية أو محلية أو اقتصادية، ويؤدي هذا التنوع إلى تعدد مراكز القوة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الحكومة على فرض سيادتها وإدارة التوازنات الداخلية.
وتُعَدُّ حركة الشباب أبرز التنظيمات المسلحة من حيث الانتشار والقدرة العملياتية، إذ تتبنى مشروعًا يهدف إلى إسقاط الحكومة المركزية وإقامة نظام حكم يستند إلى تفسيرها ورؤيتها الخاصة للشريعة الإسلامية؛ وتعتمد الحركة على مزيج من العمليات العسكرية والهجمات الانتحارية والكمائن واستهداف المنشآت الحكومية والعسكرية، كما تستفيد من الانتشار في المناطق الريفية وبعض شبكات التمويل المحلية وغير المشروعة، وقد مكنتها هذه الأدوات من الاحتفاظ بقدرة على المناورة رغم الضغوط العسكرية التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية (العربية).
وإلى جانب ذلك، ينشط فرع تنظيم داعش الإرهابي في الصومال بصورة أكثر محدودية مقارنة بحركة الشباب، ويتمركز بشكل رئيسي في بعض المناطق الجبلية في شمال البلاد، ويركز هذا التنظيم على بناء شبكات صغيرة ذات طابع سري، معتمدًا على تنفيذ هجمات متفرقة ومحاولة استقطاب عناصر جديدة عبر الخطاب الأيديولوجي؛ ورغم أن حجمه وتأثيره الميداني أقل من حركة الشباب، فإنه يُمَثِّل تحديًّا أمنيًّا إضافيًّا بسبب ارتباطه بشبكات عابرة للحدود وقدرته على استغلال الفراغات الأمنية في بعض المناطق.
ولا يقتصر المشهد على التنظيمات ذات التوجهات الأيديولوجية، إذ توجد أيضًا تشكيلات عشائرية وقوات محلية أُنْشِئَت للدفاع عن المجتمعات أو لحماية مصالح الأقاليم المختلفة، وقد تتعاون أحيانًا مع الحكومة في مواجهة الجماعات المتشددة، بينما تدخل في أحيان أخرى في نزاعات مرتبطة بالنفوذ أو الموارد أو الخلافات المحلية؛ ويعكس هذا الواقع الطبيعة المركبة للبنية الأمنية الصومالية، حيث تتداخل الاعتبارات القبلية مع الاعتبارات السياسية والعسكرية بصورة تجعل التحالفات قابلة للتغيير تَبَعًا للظروف الميدانية.
وعلى الصعيد الأمني، تمتلك هذه التشكيلات القدرة على التأثير في حركة الاقتصاد والنقل والاستثمار من خلال تهديد الطرق الحيوية أو استهداف البنية التحتية أو فرض الإتاوات في بعض المناطق، وهو ما ينعكس على جهود التنمية وإعادة الإعمار؛ كما تُؤَدِّي الهجمات المتكررة إلى استنزاف الموارد الحكومية وتوجيه جزء كبير من الإنفاق نحو الجوانب الأمنية بدلًا من توظيفه في تحسين الخدمات العامة أو دعم المشروعات الاقتصادية والاجتماعية.
أَمَّا سياسيًّا، فإن استمرار وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة يفرض تحديات مستمرة أمام عملية بناء المؤسسات وترسيخ الشرعية، إذ تُؤَثِّر هذه الجماعات في بيئة الانتخابات، وتحد من قدرة الحكومة على توسيع نفوذها الإداري في بعض المناطق، كما تفرض على صناع القرار تخصيص جانب كبير من جهودهم لإدارة الملفات الأمنية؛ ويؤدي ذلك إلى إبطاء وتيرة الإصلاحات السياسية وتعقيد العلاقات بين الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية، خاصة عندما تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التوازنات القبلية والمحلية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن تأثير التنظيمات المسلحة في الصومال لا يقاس فقط بحجمها العسكري، وإنما بقدرتها على استغلال التحديات الاقتصادية والانقسامات الاجتماعية وضعف المؤسسات العامة، ولذلك فإن الحد من نفوذها يتطلب إستراتيجية شاملة تجمع بين تطوير القدرات العسكرية، وتعزيز مؤسسات الحكم، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتوسيع فرص التنمية والمصالحة المجتمعية، بما يقلل من البيئة التي تسمح باستمرار نشاط هذه التنظيمات ويُعَزِّز استقرار الدولة على المدى الطويل.
حدود القوة الصومالية وقدرة البلاد على مواجهة تلك التنظيمات:
وتعكس القوة الشاملة للدولة الصومالية مزيجًا من عناصر التطور والتحديات في آن واحد، إذ حققت الحكومة خلال السنوات الأخيرة تقدمًا في إعادة بناء مؤسساتها الرسمية، لكنها ما تزال تواجه بيئة أمنية وسياسية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات القبلية مع الأزمات الاقتصادية والتنافس الإقليمي؛ ولذلك فإن تقييم قدرة الصومال على مواجهة الجماعات المسلحة لا يعتمد على حجم القوات النظامية وحده، بل يرتبط أيضًا بمدى تماسك المؤسسات السياسية، وكفاءة الإدارة العامة، ومستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، فضلًا عن قدرة الدولة على بسط نفوذها الإداري في مختلف الأقاليم.
وعلى المستوى السياسي: استطاعت الحكومة تعزيز حضورها في المحافل الإقليمية والدولية والحصول على دعم دبلوماسي وبرامج لبناء المؤسسات، وهو ما وفر لها مساحة أوسع لإعادة تنظيم أجهزة الدولة وتطوير التشريعات المتعلقة بالأمن والإدارة؛ ومع ذلك، فإن استمرار التباينات بين الحكومة المركزية وبعض الإدارات الإقليمية، إضافة إلى تعقيدات المشهد القبلي، يحد من سرعة تنفيذ السياسات الوطنية ويجعل عملية اتخاذ القرار في بعض الملفات أكثر تعقيدًا، الأمر الذي ينعكس على فعالية إدارة التحديات الأمنية (الشرق الأوسط).
أَمَّا من الناحية العسكرية: فقد شهد الجيش الصومالي تطورًا تدريجيًّا من خلال برامج التدريب وإعادة الهيكلة وتحديث منظومة القيادة والسيطرة، إلى جانب اكتساب خبرات ميدانية في مواجهة الجماعات المسلحة؛ إلا أن القوات النظامية ما تزال بحاجة إلى تعزيز قدراتها في مجالات الإسناد اللوجستي، والنقل، والاستطلاع، والاتصالات، فضلًا عن زيادة القدرة على تنفيذ عمليات متزامنة في مناطق جغرافية واسعة، بما يضمن الحفاظ على المكاسب الميدانية وعدم السماح بعودة الجماعات المسلحة إلى المناطق التي يتم استعادتها.
وفي المجال الأمني: قطعت الأجهزة المختصة خطوات مُهِمَّة في تطوير قدراتها على جمع المعلومات ومتابعة التهديدات الداخلية، كما أَسْهَم التنسيق بين المؤسسات الأمنية المختلفة في إحباط عدد من العمليات وتقليص هامش تحرك بعض الجماعات؛ غير أن الطبيعة اللامركزية للتهديدات، واتساع الحدود البرية والساحلية، واستمرار وجود مناطق يصعب الوصول إليها، تفرض تحديات مستمرة تتطلب استثمارات كبيرة في التكنولوجيا الأمنية، وتطوير منظومات المراقبة، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة المدنية والعسكرية.
وتظل البيئة الاقتصادية عاملًا مؤثرًا في تحديد قدرة الدولة على الاستمرار في المواجهة؛ إذ إن محدودية الموارد المالية تُؤَثِّر في حجم الإنفاق على تحديث القوات المسلحة وتحسين أوضاع أفرادها، كما تُؤَثِّر في قدرة الحكومة على تنفيذ مشروعات تنموية في المناطق التي تعاني من الهشاشة الأمنية؛ ويؤدي هذا الترابط بين الأمن والتنمية إلى جعل النجاح العسكري مرتبطًا بوجود برامج اقتصادية واجتماعية تقلل من دوافع الانخراط في الجماعات المسلحة وتُعَزِّز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
كما أَنَّ نجاح الصومال في مواجهة التنظيمات المسلحة يعتمد على مستوى التعاون مع المجتمعات المحلية، إذ تُمَثِّل العشائر والقيادات التقليدية عنصرًا مُهِمًّا في توفير المعلومات، وتعزيز الاستقرار، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة بناء نفوذها؛ وكلما نجحت الدولة في توسيع الشراكة مع القوى المجتمعية، ازدادت قدرتها على تحقيق استقرار طويل الأمد، لأن الحلول الأمنية تصبح أكثر فاعلية عندما ترافقها سياسات للمصالحة والتنمية وتحسين الخدمات العامة (الجزيرة).
وبالتالي: فإن الصومال يمتلك اليوم مقومات أفضل مما كان عليه في مراحل سابقة، إلا أن هذه المقومات لا تزال في طور البناء والتطوير، فالدولة تمتلك القدرة على تحقيق تقدم تدريجي في مواجهة التنظيمات المسلحة إذا استمرت في تعزيز مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية، وتوسيع قاعدة التنمية، والحفاظ على التوازن بين العمل العسكري والإصلاح المؤسسي، بما يضمن تحويل الإنجازات الميدانية إلى استقرار مستدام يُعَزِّز سيادة الدولة على كامل أراضيها.
طبيعة وأشكال الدعم الإسرائيلي الإثيوبي للتنظيمات المسلحة في الصومال في ظل طموحات تل أبيب وأديس أبابا الجيوسياسية في البلاد ومنطقة القرن الإفريقي:
وفيما يتعلق بالأطماع الخارجية، يُشَكِّل القرن الإفريقي إحدى أكثر المناطق حساسية في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل الصومال محط اهتمام عدد من القوى الساعية إلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية والإستراتيجية؛ وفي هذا السياق، تبرز الأدوار المزعزعة للاستقرار التي تُؤَدِّيهَا بعض الدول في الساحة الصومالية، ومن بينها إسرائيل وإثيوبيا، فالبلدان لا يُخْفِيَانِ سعيهما المستمر لتقسيم الصومال وفصل إقليم أرض الصومال لبناء موطئ قدم في منطقة القرن الإفريقي؛ إذ تنظر إثيوبيا إلى الصومال بوصفه حديقة خلفية، نظرًا لطول الحدود المشتركة، ووجود تحديات أمنية عابرة للحدود، إضافة إلى سعيها لتعزيز مكانتها الإقليمية وتأمين مصالحها الاقتصادية، وعلى رأسها الوصول إلى المنافذ البحرية؛ وانطلاقًا من هذه الاعتبارات، تركز أدواتها على دعم إقليم أرض الصومال وتعزيز الحضور الدبلوماسي، والتنسيق الأمني، والمشاركة في بعض الأطر الإقليمية والبعثات متعددة الأطراف مع الإقليم الانفصالي، إلى جانب بناء علاقات مع الفاعلين السياسيين المحليين بما يخدم إستراتيجيتها لإضعاف الصومال وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية لمنطقة القرن الإفريقي وفق رؤيتها لمعادلات الاستقرار في المنطقة (الجزيرة).
أَمَّا حكومة الاحتلال الإسرائيلي، فيرتبط اهتمامها بالقرن الإفريقي بالأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر وخليج عدن والممرات البحرية الدولية، فضلًا عن متابعة التطورات الأمنية التي قد تُؤَثِّر في حركة الملاحة والشحن البحري الإسرائيلي في البحر الأحمر أو في التوازنات الإقليمية؛ ولهذا تركز سياساتها في المنطقة على توسيع شبكة العلاقات السياسية والأمنية مع دول إقليم القرن الإفريقي وحشد اعتراف دولي بإقليم أرض الصومال الانفصالي وترسيخ موطئ قدم في المنطقة، وتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والأمن البحري والاستخبارات، ضمن رؤية أوسع تهدف إلى توسيع حضورها الإستراتيجي في محيط البحر الأحمر.
وفيما يتعلق بالدعم الإثيوبي الإسرائيلي للتنظيمات المسلحة داخل الصومال، فإنه يندرج ضمن إستراتيجية البلدين لتفكيك الصومال وإعادة تشكيل معادلات القوة والنفوذ بإقليم القرن الإفريقي، إذ إن التنافس الإسرائيلي الإثيوبي المتزايد بمنطقة القرن الإفريقي خصوصًا مع تركيا ومصر، قد أدى إلى نشوء قنوات تأثير غير مباشرة عبر شبكات محلية وتحالفات سياسية وأمنية غير شرعية مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، بما ينعكس على موازين القوى داخل الصومال.
كما أَنَّ الحضور المصري التركي في الصومال لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى أدوات أخرى مثل الاستثمار، والمساعدات الاقتصادية، والدعم الفني، والتعاون الاستخباراتي، والوساطة السياسية، والعلاقات مع الحكومات المحلية والإقليمية؛ وَتَسْتَخْدِم القاهرة وأنقرة هذه الأدوات لتعزيز الحضور الإستراتيجي وكسب النفوذ في بيئة تتسم بتعدد الفاعلين وتشابك المصالح، حيث أصبح التأثير السياسي والاقتصادي في كثير من الأحيان أكثر استدامة من الاعتماد على الأدوات العسكرية وحدها.
وتظل قدرة أي قوة خارجية على تحقيق أهدافها في الصومال مرتبطة بطبيعة التوازنات الداخلية، ومدى قوة مؤسسات الدولة الصومالية، ومستوى التوافق بين المكونات السياسية والاجتماعية، فضلًا عن مواقف القوى الإقليمية والدولية الأخرى المنخرطة في شؤون القرن الإفريقي؛ ولذلك فإن مستقبل النفوذ الخارجي في الصومال سيظل رهنًا بالتغيرات التي تشهدها البيئة الإقليمية، وبقدرة الدولة الصومالية على ترسيخ سيادتها، وإدارة علاقاتها الخارجية وفق مقاربة متوازنة تحد من فرص تحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ والتنافس الجيوسياسي.
السيناريوهات المختلفة لمستقبل الدولة الصومالية في ظل التنافس الخارجي المتزايد والمشهد الأمني والسياسي الحالي:
وهنا يقف الصومال أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها التحولات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يجعل مستقبل الدولة مفتوحًا على مجموعة من السيناريوهات المتباينة، ويعود ذلك إلى تفاعل عدة عوامل في وقت واحد، تشمل قدرة الحكومة على تطوير مؤسساتها، واستمرار التحديات الأمنية، وطبيعة العلاقات بين الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية، إضافة إلى حجم التنافس الخارجي على منطقة القرن الإفريقي؛ ومن ثم، فإن مسار الدولة خلال السنوات المقبلة لن يتحدد بعامل واحد، بل سيكون نتاجًا لتفاعل هذه المتغيرات بصورة مستمرة (اندبندنت عربية).
ويتمثل السيناريو الأول في نجاح الدولة في تعزيز الاستقرار التدريجي، وذلك إذا تمكنت من مواصلة إصلاح مؤسساتها العسكرية والأمنية والإدارية، وتحسين التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، وتوسيع نطاق التنمية الاقتصادية والخدمات العامة؛ وفي هذا السيناريو، تتراجع قدرة الجماعات المسلحة على التأثير في المشهد الداخلي نتيجة تحسن الأداء الحكومي، وارتفاع مستوى الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية، وزيادة الاستثمارات المحلية والخارجية، وهو ما يهيئ بيئة أكثر استقرارًا تسمح للصومال بتعزيز دوره الإقليمي.
أَمَّا السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار الوضع القائم مع تحقيق مكاسب محدودة دون الوصول إلى استقرار شامل، بحيث تحتفظ الحكومة بسيطرتها على المدن والمراكز الرئيسية، بينما تستمر بعض المناطق في مواجهة تحديات أمنية متقطعة، ويُعَدُّ هذا السيناريو من أكثر الاحتمالات واقعية إذا استمرت الإصلاحات بوتيرة متوسطة، وبقيت العوامل التي تغذي الصراع قائمة دون معالجة جذرية، مما يؤدي إلى بقاء الدولة في حالة توازن هش يجمع بين التقدم المؤسسي واستمرار التهديدات الأمنية.
ويتمثل السيناريو الثالث في تصاعد حدة التنافس الإقليمي وانعكاسه بصورة أكبر على الداخل الصومالي، بحيث تصبح البلاد أكثر تأثرًا بالاستقطابات بين القوى الإقليمية والدولية؛ وفي هذه الحالة، قد تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية المرتبطة بالموانئ والممرات البحرية والاستثمارات الإستراتيجية، الأمر الذي قد يفرض على الحكومة تحديات إضافية في إدارة علاقاتها الخارجية والحفاظ على استقلالية قرارها الوطني وسط تضارب المصالح بين الأطراف المختلفة.
أَمَّا السيناريو الرابع، وهو الأقل تفضيلًا، فيفترض تعرض الدولة لانتكاسات مؤسسية نتيجة تداخل الأزمات الأمنية مع الخلافات السياسية والضغوط الاقتصادية، بما يؤدي إلى إبطاء مسار الإصلاح وإضعاف قدرة المؤسسات على فرض سيادتها في بعض المناطق؛ وفي مثل هذا السيناريو، قد تتراجع وتيرة التنمية، وتزداد صعوبة تنفيذ الخطط الحكومية، كما ترتفع تكلفة الحفاظ على الأمن والاستقرار، وهو ما قد ينعكس سلبًا على فرص التعافي الاقتصادي وإعادة بناء الدولة.
وفي المقابل، قد يبرز سيناريو يقوم على تعميق التكامل الإقليمي، حيث تنجح دول القرن الإفريقي في تطوير أطر جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي، بما يخفف من حدة التنافس ويحول جزءًا منه إلى شراكات قائمة على المصالح المشتركة؛ ويمكن لهذا المسار أن يُسْهِم في تحسين أمن الحدود، وتعزيز التجارة الإقليمية، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية، وهو ما يُوَفِّر للصومال فرصًا أكبر للاستفادة من موقعه الجغرافي وتحويله إلى مصدر للنمو بدلًا من أن يكون محورًا للصراعات.
وفي ضوء هذه السيناريوهات، يبدو أن مستقبل الدولة الصومالية سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وتحقيق توازن بين متطلبات الأمن والتنمية، وإدارة علاقاتها الخارجية وفق رؤية إستراتيجية تراعي مصالحها الوطنية في بيئة إقليمية تتسم بالتنافس المستمر؛ كما أَنَّ نجاح الحكومة في تعزيز التوافق الداخلي، وتحسين الحوكمة، واستثمار الموقع الجغرافي للبلاد في مشروعات اقتصادية وتنموية، سيكون عاملًا حاسمًا في ترجيح سيناريو الاستقرار على حساب السيناريوهات التي تبقي الصومال عرضة للتوترات والصراعات الممتدة.
الخلاصة:
- يعكس المشهد الحالي للدولة الصومالية أن مستقبل البلاد سيظل رهنًا بمدى قدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات بناء الدولة وإدارة التحديات الأمنية والتعامل مع التنافس الإقليمي والدولي المتزايد في منطقة القرن الإفريقي؛ فكلما نجحت المؤسسات الصومالية في تعزيز كفاءتها السياسية والعسكرية والإدارية، وتوسيع نطاق التنمية، وترسيخ التوافق بين مختلف المكونات الوطنية، ازدادت فرص انتقال البلاد إلى مرحلة أكثر استقرارًا وقدرة على حماية سيادتها واستثمار موقعها الجغرافي الإستراتيجي؛ وفي المقابل، فإن استمرار الهشاشة المؤسسية، وتصاعد الضغوط الأمنية، واحتدام المنافسة على النفوذ الإقليمي قد يؤدي إلى إطالة أمد حالة عدم الاستقرار، بما يجعل مستقبل الدولة مرتبطًا بقدرتها على تحويل التحديات الراهنة إلى فرص لبناء نظام سياسي أكثر تماسكًا واستقلالية في مواجهة المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
المصادر: