القاهرة وأنقرة.. صفحة جديدة من التعاون الإستراتيجي لإعادة رسم ملامح الاستقرار الإقليمي

لقد جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر لتعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي، وتفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين القاهرة وأنقرة؛ هذه الزيارة لم تكن مجرد حدث بروتوكولي عادي، بل خطوة إستراتيجية تعكس إرادة القيادتين في تجاوز أي خلافات سابقة، والانطلاق نحو شراكة واسعة، بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز ركائز الاستقرار في محيط مضطرب.
شهدت العلاقات المصرية التركية عام 2026 مرحلة تطبيع شامل وشراكة إستراتيجية غير مسبوقة، عقب زيارات متبادلة رفيعة المستوى بين الرئيسين السيسي وأردوغان؛ حيث انتقلت العلاقات من التوتر خلال السنوات الماضية إلى التحالف، مع تركيز كبير على ملفي الأمن والاقتصاد، وتوقيع 27 اتفاقية، وتفعيل التعاون الأمني والدفاعي لتعزيز الاستقرار في شرق المتوسط والشرق الأوسط. في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات السياسية، نسلط الضوء على زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، ودلالة التوقيت والارتقاء، لأول مرة، إلى اتفاقيات إطارية وإستراتيجية، وهي:
- شراكة إستراتيجية جديدة بين القاهرة وأنقرة.. ما الأهداف؟
- اتفاقية عسكرية إطارية.. دلالات ورسائل إقليمية.
- التعاون الاقتصادي.. نحو رفع التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار.
- الدور المصري في حماية الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط.
- ملفات إقليمية ساخنة: غزة، ليبيا، سوريا، والسودان.
- مصر بوابة لوجستية للأسواق الإقليمية والدولية.
زيارة في توقيت حساس تعيد رسم ملامح الاستقرار الإقليمي:
لقد مَثَّلَت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2026، نُقْطةَ تحول مهمة في العلاقات المصرية التركية، حيث جرى استقبال رسمي من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعُقِدَت قمة ثنائية تخللتها لأول مرة اجتماعات لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين؛ حيث قد أنهت الزيارة سنوات من الجفاء السياسي، وأعادت بناء الثقة بين قوتين إقليميتين كبيرتين تمثلان معًا ثلث القوة الاقتصادية والعسكرية في حوض المتوسط. وفي ختام زيارة الرئيس أردوغان، صدر بيان تعاون إستراتيجي مشترك ليؤسس إطارًا مهمًا للتنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين القاهرة وأنقرة.
شراكة إستراتيجية جديدة بين القاهرة وأنقرة.. ما الأهداف؟
إنَّ زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة تُعَدُّ نُقْطةَ فارقة وتحولًا في مسار العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا، بعد سنوات من التوتر والقطيعة؛ هذا التقارب يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية التعاون بين قوتين إقليميتين كبيرتين في ظل التحديات الراهنة. الاتفاقيات الموقعة، وعلى رأسها الاتفاقية العسكرية الإطارية، تُشيرُ إلى مستوى جديد من الثقة السياسية والرغبة في بناء شراكة طويلة الأمد.
من الجانب الاقتصادي، رفع سقف التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار يعكس أولوية المصالح الاقتصادية في أجندة البلدين؛ سياسيًّا، التنسيق في ملفات غزة وليبيا وسوريا والسودان يُبْرِزُ دور القاهرة وأنقرة كفاعلين رئيسيين في صياغة مستقبل المنطقة، حيث هذه الشراكة الجديدة تحمل رسائل إقليمية ودولية بأنَّ البلدين قادران على تجاوز الخلافات السابقة والعمل معًا لتحقيق الاستقرار؛ لذلك فالزيارة تُؤَسِّسُ لمرحلة جديدة من التعاون الإستراتيجي، وقد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط؛ كما أنَّ زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة تمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات المصرية التركية، وتعكس تحولًا نوعيًّا نحو بناء شراكة إستراتيجية أكثر توازنًا وفاعلية، تقوم على إرادة سياسية واضحة لدى قيادتي البلدين لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، بما يخدم مصالح الشعبين ويدعم استقرار المنطقة.
أبعاد سياسية ودبلوماسية للزيارة:
هناك أبعاد سياسية ودبلوماسية للزيارة تحمل دلالات عميقة، في ظل ما تمر به المنطقة من تحديات إقليمية معقدة، والتنسيق المصري التركي يعكس التزامًا مشتركًا بدعم جهود إحلال السلام وتعزيز الأمن والاستقرار، حيث يرمي إلى توافق الرؤى تجاه عدد من القضايا العربية والإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إلى جانب ملفات ليبيا والسودان وسوريا ولبنان والصومال، بما يؤكد المسؤولية المشتركة للقاهرة وأنقرة في التعامل مع الأزمات الإقليمية برؤية متوازنة وحلول مستدامة.
الدور المصري في حماية الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط:
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع نظيره التركي على الدور المحوري لمصر في حماية الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، وعلى استمرار الجهود المصرية الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بالتوازي مع التنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية لإدارة الأزمات، انطلاقًا من نهج يقوم على الحوار والتفاهم ورفض التصعيد، بما يعزز فرص التهدئة والاستقرار.
وبناءً على ذلك: تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم خلال الزيارة يعكس ترجمة عملية للإرادة السياسية المشتركة، ويفتح آفاقًا جديدة لتعميق التعاون الإستراتيجي بين البلدين، لاسيما أنَّ انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى يمثل خطوة مؤسسية مهمة لتعزيز التنسيق السياسي وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، بما يسهم في إطلاق مشروعات مشتركة كبرى ويدعم مسارات التنمية الشاملة. المنطقة شهدت تصاعدًا في الأزمات الإقليمية خلال السنوات الماضية، بما في ذلك الملف الإيراني، الوضع في سوريا، وملف غزة، فضلًا عن تأثيرات عدم الاستقرار في السودان وليبيا في الأمن القومي العربي.
التعاون المصري التركي أصبح ضرورة لحماية الممرات الإستراتيجية مثل البحر الأحمر، باب المندب، خليج عدن، قناة السويس، والبحر المتوسط، لضمان أمن الملاحة الدولية وحماية المصالح الاقتصادية للدول الإقليمية والعالمية؛ كما أنَّ البعد الاقتصادي للزيارة يمثل أحد أهم المحاور، وأنَّ تعميق التعاون بين القاهرة وأنقرة يفتح المجال لتعزيز التبادل التجاري، التكامل الصناعي، والاستثمارات المشتركة؛ لذا إنَّ زيارة الرئيس أردوغان لمصر تمثل فرصة حقيقية لتأسيس شراكة إستراتيجية قوية، تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي بين القاهرة وأنقرة، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة (اليوم السابع).
اتفاقية عسكرية إطارية.. دلالات ورسائل إقليمية:
الاتفاقية العسكرية الإطارية بين مصر وتركيا تمثل نقلة نوعية في مسار العلاقات الثنائية، وهذه الخطوة تحمل رسالة واضحة بأنَّ البلدين يسعيان إلى تعزيز التعاون الأمني والدفاعي في ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة؛ من أبرز دلالاتها أنها تفتح الباب أمام تنسيق في ملفات حساسة مثل أمن البحر المتوسط ومكافحة الإرهاب، كما تعكس رغبة مشتركة في إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية، خاصة مع التنافس على الطاقة والممرات البحرية.
الاتفاقية أيضًا توجه رسالة إلى القوى الدولية بأنَّ القاهرة وأنقرة قادرتا على بناء شراكة أمنية مستقلة تخدم مصالحهما؛ إقليميًّا، قد تسهم في تهدئة بعض الملفات الساخنة عبر التنسيق العسكري والسياسي المشترك، كما أنَّ أهمية الزيارة لا تقتصر على الإطار الثنائي فقط، بل تمتد لتشمل عددًا من القضايا الإقليمية والدولية مؤكدين أنَّ التقارب مع أنقرة عنصر توازن ضروري في إقليم يعاني من أزمات ممتدة. إنَّ زيارة الرئيس التركي تعكس وجود إرادة سياسية مشتركة لدى قيادتي البلدين لفتح صفحة جديدة من التعاون القائم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، وتأتي استكمالًا لمسار التقارب الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال الفترة الماضية خاصة في ضوء اللقاءات السابقة بين الرئيسين، وما أسفرت عنه من توقيع عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقات التي تستهدف تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، وتهيئة مناخ أكثر انفتاحًا للتعاون بين القطاعين العام والخاص في البلدين.
تخللت زيارة الرئيس أردوغان إلى مصر الحديث عن حجم التنسيق المصري التركي بشأن ملفات مهمة مثل الأوضاع في غزة، والصومال، والسودان، يعكس حرص الجانبين على دعم الحلول السياسية، والحفاظ على استقرار الدول، واحترام سيادتها، بعيدًا عن أي تدخلات في شؤونها الداخلية. ولذلك فإنَّ انعقاد اجتماع مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا برئاسة الرئيسين، يمثل خطوة محورية لتطوير آليات التعاون المؤسسي، ومناقشة سبل زيادة حجم التبادل التجاري، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، ودعم مبادرات مجتمع الأعمال، بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام يخدم مصالح الشعبين. توقيت الزيارة يحمل دلالات خاصة في ظل التحديات الإقليمية الراهنة، ويؤكد الدور المحوري الذي تقوم به مصر في تعزيز الحوار الإقليمي وبناء شراكات متوازنة، وأنَّ هذا المسار الإستراتيجي الجديد من شأنه أن يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة، ويدعم جهود التعاون الإقليمي على أسس أكثر واقعية واستدامة.
كما تُشكِّلُ مؤشرًا واضحًا على الإرادة السياسية المشتركة للقيادتين لتعزيز الشراكة الثنائية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، لأنَّ التوقيت بالغ الدقة، في ظل العبث الصهيوني وما تشهده المنطقة من تحولات جيوسياسية معقدة، ويعكس حرص القاهرة وأنقرة على تنسيق الرؤى تجاه الملفات الإقليمية الحساسة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وملف الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، بما يسهم في إدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار الإقليمي.
كانت هناك بعض الرسائل المهمة للرئيس عبد الفتاح السيسي -خلال لقائه مع الرئيس التركي- بشأن الأوضاع في الشرق الأوسط، أبرزها أنَّ مصر ستواصل دورها المحوري في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي وحماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مع التركيز على تثبيت وقف إطلاق النار في غزة والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية لإيجاد حلول عملية للأزمات. وشدد السيسي على أنَّ أي تعامل مع التطورات الإقليمية يجب أن يقوم على الحوار والتفاهم والتعاون المشترك بعيدًا عن التصعيد، حيث إنَّ السياسة المصرية تهدف إلى إدارة التوترات بشكل رشيد، ودعم مسارات التنمية والأمن، وتعزيز دور مصر كلاعب مؤثر في استقرار المنطقة.
لذلك فالتوقيع بين القاهرة وأنقرة خلال زيارة أردوغان على عددٍ من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم خلال اللقاء يمثل ترجمة عملية للإرادة السياسية الراغبة في بناء شراكة شاملة ومستدامة، ويفتح آفاقًا جديدة لتعميق التكامل الإستراتيجي بين البلدين. وبالتالي: فالاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى يُشكِّلُ منصة مؤسسية فعالة لتعزيز التنسيق السياسي، ودعم التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، بما يتيح تطوير مشروعات مشتركة على نطاق واسع، ويخلق فرص عمل ويسهم في تعزيز النمو والتنمية الشاملة في البلدين.
يبدو أنَّ العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا أصبحت اليوم ركيزة أساسية لمسار التعاون الثنائي، في ظل الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلدان والفرص الواعدة لتعظيم حجم التبادل التجاري، الذي بلغ نحو 9 مليارات دولار خلال العام الماضي، مع استهداف الوصول إلى 15 مليار دولار سنويًّا خلال السنوات المقبلة. هناك إمكانيات هائلة للتعاون في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية واللوجستيات، بما يضمن إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة، ويعزز التكامل الاقتصادي ويخلق بيئة استثمارية جاذبة للشركات المحلية والأجنبية، ويؤكد متانة الروابط بين مجتمعي الأعمال في البلدين.
وهذا التطوّر يحمل أبعادًا إستراتيجية على صعيد دعم الاستقرار الإقليمي، وتهيئة مناخ أكثر ملاءمة للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، بما يخدم مصالح الشعبين، ويُسهم في تخفيف حدة الاستقطابات داخل منطقة أنهكتها الصراعات وتقاطعات النفوذ وتراكم الأزمات. لاسيما أنَّ السياسة الخارجية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، باتت تشهد وتُدَارُ بعقل الدولة ومفهوم الشراكة المسؤولة، حيث تُقَدَّمُ المصالح الوطنية والأمن القومي باعتبارهما محددين أساسيين للحركة الدبلوماسية، مع الالتزام بثوابت احترام السيادة الوطنية. ولا شك أنَّ الدولة المصرية تؤكد اليوم عبر سياستها الخارجية المتزنة، أنها قادرة على إعادة ضبط الإيقاع الإقليمي، وترسيخ معادلة مفادها أنَّ الاستقرار مدخل للتنمية، والحوار بوابة للشراكة، والتوازن ركيزة للبقاء؛ لتظل مصر فاعلاً رئيسيًّا في معادلات الإقليم.
إنَّ الزيارة تعني أنَّ العلاقات المصرية التركية قد انتقلت من اللقاءات العابرة إلى الإدارة المؤسسية، وهذا النهج يضمن استدامة التعاون وتحصينه ضد أي متغيرات إقليمية، ويحول الرؤى السياسية إلى مشروعات واتفاقيات ملزمة تعود بالنفع على الشعوب. كما أنَّ مشاركة الزعيمين في منتدى الأعمال المصري التركي تؤكد على أنَّ الاقتصاد هو القاطرة التي ستقود قطار السياسة، ودعوة صريحة ومطمئنة لرأس المال في البلدين بأنَّ الضوء الأخضر قد مُنِحَ، وأنَّ التكامل بين السوقين المصري والتركي سيخلق قوة اقتصادية إقليمية لا يمكن تجاهلها.
إنَّ قوة وتماسك العلاقات المصرية التركية من شأنها أن تنعكس إيجابًا على استقرار المنطقة، التي شهدت خلال العامين الأخيرين تصاعدًا غير مسبوق في الأزمات والصراعات والتوترات، في ظل تحديات أمنية واقتصادية معقدة.
تخللت زيارة أردوغان ملفات مهمة وحساسة للغاية مثل الأمن والسلام في منطقة القرن الإفريقي تمثل أحد المحاور الرئيسية التي تُبْرِزُ أهمية التنسيق بين القاهرة وأنقرة، إلى جانب الأوضاع في السودان وليبيا، وما تمثله من تحديات مباشرة للأمن القومي الإقليمي. لاسيما أنَّ مصر وتركيا تمثلان قوتين إقليميتين مؤثرتين، وأنَّ أي تقارب حقيقي بينهما ينعكس بالضرورة على استقرار الشرق الأوسط وشرق المتوسط خاصة بملفات إدارة الأزمات، وأمن الطاقة، وسلامة الممرات الملاحية، فضلاً عن دعم مسارات الحلول السياسية بدلاً من منطق الصراع (صدى البلد).
التعاون الاقتصادي بين القاهرة وأنقرة:
إنَّ التعاون الاقتصادي بين مصر وتركيا يُشكِّلُ أحد أعمدة التقارب الجديد بين البلدين، حيث يسعى الطرفان إلى تحويل العلاقات السياسية إلى مكاسب عملية، إذ تمَّ الاتفاق على رفع سقف التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار يعكس طموحًا مشتركًا لتوسيع الأسواق وتعزيز الاستثمارات المتبادلة. تركيا ترى في مصر بوابة رئيسية إلى إفريقيا والعالم العربي، بينما تعتبر القاهرة أنَّ أنقرة شريكًا صناعيًّا وتجاريًّا مهمًا.
والاتفاقيات الموقعة في مجالات الزراعة والأدوية والخدمات البيطرية تفتح آفاقًا جديدة للتكامل الاقتصادي. هذا التعاون يساهم في تنويع مصادر الدخل لمصر، ويمنح تركيا فرصًا لتعزيز حضورها في المنطقة، كما أنَّ البعد الاقتصادي يرسخ الثقة السياسية، إذ يخلق مصالح مشتركة يصعب التفريط بها، ومن ثمَّ الاقتصاد يصبح أداة لتعزيز الاستقرار الإقليمي، ويعكس أنَّ الشراكة المصرية التركية تلك التي تتجاوز الشعارات لتترجم إلى مشروعات ملموسة، وهو ما أكده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على أنَّ العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا تقوم على أسس راسخة وعملية، إذ أسهمت مقومات التكامل الاقتصادي الكبير بين البلدين إلى جانب التقارب الجغرافي والثقافي، وتوافر الإرادة السياسية وإرادة مجتمع الأعمال في بلوغ مستويات غير مسبوقة من التعاون التجاري والاستثماري.
شهد المنتدى الاقتصادي خلال زيارة أردوغان حضورًا واسعًا لممثلي الحكومتين المصرية والتركية، إلى جانب نخبة من رجال الأعمال في البلدين، إذ شارك أكثر من 460 من رؤساء وممثلي الشركات التركية العاملة في مصر أو المهتمة باستكشاف فرص جديدة للاستثمار، فضلاً عن نحو 270 من ممثلي القطاع الخاص المصري، وتناولت جلسات المنتدى سبل تعزيز التبادل التجاري بين البلدين، واستعراض الفرص المتاحة أمام الاستثمارات التركية في السوق المصرية.
التبادل التجاري:
فعليًّا لقد وصل حجم التبادل التجاري إلى نحو 9 مليارات من الدولارات، وأكد الرئيس السيسي ضرورة وصوله إلى 15 مليار دولار أو يزيد، حتى يجعل مصر الشريك التجاري الأول لتركيا في إفريقيا، فيما تُعدُّ تركيا من أبرز مقاصد الصادرات المصرية، كما تجاوز حجم الاستثمارات التركية في مصر 4 مليارات دولار، وهو إنجاز لم يكن ليتحقق لولا تضافر جهود الحكومات ومجتمع الأعمال معًا.
وقد شدد الرئيس السيسي بالقول: "انطلاقًا من هذا المسار الإيجابي، ومع مرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، فقد أكدت مشاوراتي اليوم مع الرئيس أردوغان وجود توافق كبير على أنَّ آفاق التعاون لم تُسْتَغَلَّ بعد بالكامل. واتفقنا على العمل المشترك لزيادة حجم التجارة وجذب المزيد من الاستثمارات التركية، بما يحقق منفعة متبادلة من خلال مشاركة المستثمرين الأتراك في التنمية الصناعية التي تشهدها مصر في قطاعات ذات أولوية، مستفيدين في الوقت ذاته من الإصلاحات الهيكلية التي دخلت على بيئة الاستثمار المصرية، والحوافز المتعددة والمزايا النسبية المرتبطة بالموقع الإستراتيجي والنفاذ للأسواق عبر اتفاقيات التجارة الحرة، التي تربط مصر بالعديد من الدول والتجمعات الإقليمية والدولية، فضلاً عن توافر الأيدي العاملة الماهرة". واستكمل الرئيس المصري: "أود أن أحيي بصورة خاصة التجربة الناجحة لمستثمري الملابس والمنسوجات الأتراك في مصر، إذ تُمثل مساهمتهم جزءًا مؤثرًا في صادرات هذا القطاع من مصر إلى الخارج، كما أود أن أؤكد ترحيبنا بتوسيع الاستثمارات التركية في قطاعات أخرى مثل الصناعات الكيماوية والصحية، بما يمثل قيمة مضافة حقيقية ويوفر فرص عمل وينقل خبرات صناعية وتكنولوجية" (القاهرة الإخبارية).
العلاقات المصرية التركية عسكريًّا:
تشهد العلاقات العسكرية المصرية التركية تقاربًا إستراتيجيًّا لافتًا ومتسارعًا منذ عام 2024، يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، وتصنيع المسيّرات، والمناورات البحرية، وانضمام مصر لبرنامج المقاتلة التركية "KAAN". تركز الشراكة على تبادل التكنولوجيا العسكرية، والأمن والاستخبارات، وتنسيق الجهود في ملفات إقليمية كليبيا وشرق المتوسط، مع تبادل زيارات رفيعة المستوى؛ حيث وقعت مصر وتركيا اتفاقيات لإنتاج طائرات مسيرة حربية (بيرقدار) بين الهيئة العربية للتصنيع وشركة "هافيلسان" التركية، كما أبدت مصر اهتمامًا بأسلحة تركية متقدمة مثل صاروخ TRLG-230، والذخائر الذكية، وسلاح مضاد للدبابات.
على مستوى المناورات البحرية والتدريب: استأنف البلدان مناورات "بحر الصداقة" البحرية في شرق المتوسط، والتي تشمل فرقاطات وغواصات ومقاتلات "إف-16" لرفع كفاءة الجيوش وتبادل الخبرات. وفيما يتعلق بالتنسيق الإستراتيجي، نجد أنَّه قد تعزز التعاون الاستخباري والأمني في ملفات الإرهاب والقرصنة، مع توجه نحو تنسيق عسكري دائم، وعلى مستوى مجلس التعاون الإستراتيجي، فقد أُعيد تفعيل مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين لتعزيز التعاون في مجالات الدفاع، والتصنيع المشترك، والاستثمار العسكري.
مصر وتركيا.. "التحالف الإسلامي الأقوى" الذي تخشاه إسرائيل:
في 5 فبراير الماضي، خرج العميد المتقاعد في جيش الاحتلال الإسرائيلي أمير أفيفي، مؤسس ومدير حركة "الأمنيين" التي تضم قيادات أمنية سابقة في إسرائيل ورئيس منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، في مقطع مصور تحدث فيه عن هواجسه حول التقارب المصري التركي عسكريًّا واقتصاديًّا. وفي المقطع الذي بثه على منصة إكس، تحدث أفيفي قائلاً: "بينما نحن منشغلون بإسقاط المحور الشيعي وننتظر الهجوم الأمريكي على النظام الإيراني.. وقَّعت مصر وتركيا اتفاق تعاون إستراتيجي عسكري". تخوَّفَ المدعو أفيفي من أنَّ الاتفاقية الجديدة تمثل آخر محاولات البلدين لتعميق تعاونهما العسكري والأمني وتعزيز العلاقات بعد سنوات التوتر، ولكن الأهم هي دعوته لأن تكون القاهرة وأنقرة هما "البوصلة" في بناء الجيش الإسرائيلي في السنوات المقبلة، قائلاً: إنَّ على إسرائيل أن تبني جيشًا يعرف كيف يقاتل على جبهتين ضد جيشين نظاميين في الوقت نفسه، حيث زعم بالقول: "فرغم أنَّ الأتراك والمصريين ليسوا أعداء لإسرائيل حاليًّا، لكنهم خصوم ويمكن أن يكونوا أعداء في المستقبل".
في السياق ذاته، تحفظت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، التي غطت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر بالنبرة المتحفظة نفسها، وقالت إنَّ أردوغان يحسن العلاقات مع السعودية ومصر في إطار توحيد للمصالح في مواجهة إسرائيل، وأضافت الصحيفة العبرية أنَّ الرئيس التركي وصل في زيارة رسمية إلى مصر بعد نهاية زيارته إلى السعودية، وأعلن في الزيارتين عن تفاهمات واتفاقيات تعاون ترى الصحيفة أنها تستهدف إسرائيل في المقام الأول. على مستوى المواقف الرسمية لم يختلف الأمر كثيرًا، فقد حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تعاظم قوة الجيش المصري خلال جلسة مغلقة للكنيست تزامنت مع التحركات الأخيرة للقاهرة وأنقرة، قائلاً إنَّ قوة الجيش المصري تتزايد ولا بد من مراقبة الأمر، وإنه برغم العلاقة الدبلوماسية الحالية بين إسرائيل ومصر، فإنَّ "علينا أن نمنع أي تراكم مفرط للقوة العسكرية المصرية"، بحسب قوله.
مصر بوابة لوجستية للأسواق الإقليمية والدولية:
تأتي أهمية الجهود التي بذلتها الدولة المصرية في تطوير البنية التحتية، إذ ضخت منذ عام 2014 استثمارات تجاوزت 550 مليار دولار، شملت تحديث شبكات الطرق، وتطوير قطاعات الطاقة والمياه، وإنشاء المدن الذكية. ولم يكن الهدف من هذا الإنفاق في البنية الأساسية معالجة مشكلات الحاضر، بل كان مبنيًّا على رؤية مستقبلية تهدف إلى تهيئة أرض صلبة لبناء اقتصاد حديث ومتنوع وجاذب للاستثمارات.
لقد أولت الدولة المصرية اهتمامًا خاصًّا بقطاع اللوجستيات، إذ شرعت في تنفيذ رؤية قومية لتحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي عبر تطوير الموانئ التجارية، أبرزها ميناء الإسكندرية، وميناء السخنة الذي يُعَدُّ أكبر ميناء محوري على البحر الأحمر، إضافة إلى ميناء شرق بورسعيد الذي صُنِّفَ ضمن أفضل الموانئ كفاءة بالعالم؛ ومن هنا دعا الرئيس السيسي مجتمع الأعمال في البلدين إلى التركيز، خلال المرحلة المقبلة على عدة مسارات عملية، من خلال تعزيز الاستثمارات الصناعية المشتركة في المجالات ذات الأولوية والقيمة التكنولوجية العالية مثل صناعة السيارات ومكوناتها، وصناعة الكيماويات والمعادن والأجهزة المنزلية، وبناء شراكات لوجستية وخطوط نقل بحري ومراكز توزيع إقليمية ترتبط بالموانئ المصرية وتخدم الأسواق المحيطة، ودفع التعاون في مجالات التحول الأخضر وكفاءة الطاقة والتصنيع النظيف بما يتماشى مع اتجاهات الأسواق العالمية، وتفعيل آليات التواصل المباشر بين الشركات عبر لقاءات دورية ومجموعات عمل قطاعية لضمان تحويل فرص التعاون إلى عقود ومشروعات قابلة للتنفيذ.
ملفات إقليمية ساخنة: غزة، ليبيا، سوريا، والسودان:
لقد بات التقارب المصري التركي يكتسب أهمية مضاعفة في ظل تعدد الملفات الإقليمية المشتعلة التي تمس أمن واستقرار المنطقة. ففي غزة، يسعى الطرفان إلى تنسيق المواقف تجاه الأزمة الإنسانية والبحث عن حلول سياسية توقف التصعيد. أما في ليبيا، فالتعاون يهدف إلى دعم مسار الاستقرار ومنع الانقسام، مع إدراك أنَّ البلدين يمتلكان نفوذًا مؤثرًا هناك. وفي سوريا، التنسيق بين القاهرة وأنقرة قد يفتح آفاقًا جديدة لمعالجة الأزمة الممتدة، خاصة فيما يتعلق باللاجئين ومكافحة الإرهاب.
وفي السودان، يُشكِّلُ التعاون فرصة لدعم جهود الوساطة وتخفيف حدة الصراع بما يحفظ وحدة الدولة، وهذه الملفات تمثل اختبارًا حقيقيًّا لقدرة البلدين على تحويل الشراكة إلى أداة عملية لإدارة الأزمات.
إذًا فالمباحثات التي عُقِدَت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى، عكست تحولاً نوعيًّا في طبيعة العلاقات، خاصة مع التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات حيوية تشمل التعاون العسكري، والتجارة والاستثمار، والصحة، والحماية الاجتماعية، والشباب والرياضة، بما يعزز من فرص التكامل الاقتصادي ويخدم مصالح الشعبين المصري والتركي.
كما حمل المؤتمر الصحفي المشترك بين الرئيسين عدة رسائل شديدة الوضوح والحسم، خاصة فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية وضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بمراحله المختلفة، والتأكيد على حل الدولتين باعتباره المسار الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل، مع الرفض القاطع لأي محاولات للالتفاف على حقوق الشعب الفلسطيني أو المساس بالوضع القانوني والتاريخي للقدس.
خصوصًا أنَّ أهمية الزيارة لا تقتصر على البعد الثنائي فقط، بل تمتد إلى بعدها الإقليمي، حيث عكست المباحثات تطابقًا ملحوظًا في الرؤى تجاه عدد من الملفات الساخنة، وفي مقدمتها الأوضاع في السودان وليبيا وسوريا والصومال ومنطقة القرن الإفريقي، مؤكدًا أنَّ التنسيق المصري التركي في هذه الملفات يعزز فرص الحلول السياسية ويحاصر مسارات الفوضى والصراعات المسلحة. بالطبع لقد أكدت زيارة الرئيس أردوغان لمصر بأنَّ القاهرة ستظل لاعبًا رئيسيًّا ومحوريًّا في معادلات التوازن والاستقرار، وأنَّ السياسة المصرية بقيادة الرئيس السيسي تتحرك بثبات لربط التنمية الاقتصادية بالأمن الإقليمي، وترسيخ الشراكات التي تخدم الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط (برلماني).
زيارة في توقيت حساس تعيد رسم ملامح الاستقرار الإقليمي:
زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة جاءت في لحظة تتسم باضطراب إقليمي وتغيرات دولية متسارعة، ما منحها وزنًا استثنائيًّا. التوقيت الحساس يعكس انتباهًا وعمقًا بأنَّ التعاون بين مصر وتركيا يمكن أن يكون عاملاً مؤثرًا في تهدئة الأزمات المحيطة. كما أنها تعزز صورة مصر وتركيا كقوتين قادرتين على لعب دور محوري في إدارة التوازنات بالشرق الأوسط، فالتحركات المشتركة في هذا التوقيت قد تمنح البلدين أوراق ضغط إضافية في مواجهة التحديات الدولية، حيث توجه إشارة إلى القوى العالمية بأنَّ المنطقة قادرة على إنتاج شراكات مستقلة تخدم مصالحها، الأمر الذي قد يمثل بداية مرحلة يمكن أن تعيد رسم ملامح الاستقرار الإقليمي عبر تعاون ثنائي متين.
الخلاصة:
- زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل شكلت نُقْطةَ تحول إستراتيجي في مسار العلاقات المصرية التركية.
- الاتفاقيات الموقعة، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي أو الثقافي، تعكس إرادة مشتركة لتجاوز الماضي والانطلاق نحو شراكة متينة تخدم مصالح الشعبين.
- في ظل الأزمات الإقليمية المتشابكة، والحرب مجددًا بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، خصوصًا في ظل العدوان على غزة، يبرز هذا التقارب كعامل توازن جديد قادر على إعادة صياغة معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط.
- إذًا ما تحقق خلال هذه الزيارة يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة، حيث تتحول القاهرة وأنقرة من خصمين سياسيين إلى شريكين إستراتيجيين، يضعان أسس تعاون شامل يعزز مكانتهما الإقليمية والدولية ويجعل لهما اليد العليا -أو إلى حدٍ كبير- في هذا الإقليم المشتعل من كل جانب.
المصادر: