معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط.. كيف تحمي "عقلانية القاهرة والرياض" المنطقة من فخ الصراع الطائفي؟

تمرّ منطقة الشرق الأوسط بمنعطف جيوسياسي هو الأكثر حرجًا وتعقيدًا منذ سنوات؛ حيث تُعيد التطورات الميدانية الأخيرة المتمثلة في الضربات الجوية على قوات الحشد بعد الصواريخ التي طالت منشآت سعودية، وتطور الأحداث في المنطقة لتعكس حالة الاستقطاب المعقدة بين الفاعلين الإقليميين والولاءات العابرة للحدود؛ حيث شكّلت الهجمات والمواقف الصادرة عن "فصائل الحشد الشعبي" في العراق محورًا حساسًا في معادلة الأمن الإقليمي، لا سيما علاقتها الوثيقة بإيران وإستراتيجية "محور المقاومة"، في مقابل الحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
كما تسعى إسرائيل في تمكين وضغط من دوائر واشنطن، إلى استغلال هذه المواجهات لإعادة تأجيج الصراع وتحويله من محوره الأساسي إلى حرب طائفية مذهبية تقع بين معسكرين إقليميين، حيث تتصاعد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا تُبقي ولا تذر.
يُسَلِّط مركز "رواق" للأبحاث والدراسات السياسية في هذا التقرير عبر تحليلاته، الضوء على عدة زوايا وهي: ما الذي تعنيه الضربات السعودية الأمريكية على الفصائل في العراق؟ كيف يحاول نتنياهو وترامب تحويل المواجهة الإقليمية إلى حرب سنية - شيعية؟ كيف توازن الرياض بين ضرب الأذرع المسلحة والحفاظ على مسار التهدئة مع طهران؟ كيف نجحت مصر في إعادة تشغيل قنوات الاتصال بين السعودية وإيران؟ هل تسقط المنطقة في فخ الحرب المفتوحة أم تنتصر العقلانية الجيوسياسية؟ وهو ما سوف نُجيب عنه في السطور التالية.
التصعيد الميداني بعد الضربات السعودية الأمريكية على قوات الحشد:
الضربات تعكس منعطفًا خطيرًا في مسار الصراع الإقليمي، حيث الانتقال من التوتر الدبلوماسي إلى المواجهة العسكرية المباشرة، في ظل تخوف من تداخل الساحات، إذ لم يعد الصراع محليًّا بل تحول إلى مواجهة بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية وفصائل مسلحة مدعومة من أطراف أخرى مثل الحشد.
هذا التصعيد يهدد بتقويض استقرار المنطقة، ويزيد من احتمالات ردود الفعل الانتقامية، مما يفتح الباب أمام حرب استنزاف مفتوحة يصعب السيطرة على تداعياتها الأمنية والسياسية، لكن كان الهدف من هذه الضربات المزدوجة هو اختراق خطوط الاستنزاف والرد المباشر على تصعيد المُسَيَّرَات، لأنها جاءت عقب موجات مكثفة استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية النفطية في المنطقة الشرقية والعاصمة الرياض. (فرانس 24).
التوقيت في حدِّ ذاته بعث برسالة مفادها أن إستراتيجية "حروب الوكالة" وتشتيت الدفاعات عبر المُسَيَّرَات لم تعد تلتقي باستجابة دفاعية فقط، خصوصًا في ظل توقيت إقليمي حرج، لذا جاء العمل العسكري في لحظة محورية تسعى فيها أطراف دولية لتثبيت قواعد جديدة للصراع، مما حال دون تحويل الأراضي السعودية إلى مسرح استنزاف ممتد دون كلفة عسكرية على المعتدي، لكن قد تجاوز رهان التأجيل توقيت العمليات الذي أجهض مراهنة الفصائل المسلحة على غياب الغطاء السياسي للرد المباشر، وفرض معادلة زمنية جديدة مفادها أن أي استهداف للبنية التحتية السيادية يُقَابَل برد فوري ومحدد.
ما يجري الآن هو التحول من الدفاع إلى الردع الهجومي المُعْلَن، حيث انتقال إستراتيجي صريح من الاكتفاء باعتراض الصواريخ والمُسَيَّرَات عبر منصات الدفاع الجوي، إلى المشاركة المباشرة والإعلان الرسمي عن ضرب أهداف داخل العراق تحت بند "حق الدفاع عن النفس" وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
إن تكتيك القطع والتقليم بَدَلًا من المواجهة الشاملة، كان يهدف إلى ضرب البنية التحتية اللوجستية، ومنظومات الطيران المُسَيَّر، ومراكز القيادة التكتيكية للفصائل دون ضرب المنشآت المدنية أو تجاوز الحدود نحو حرب مفتوحة غير محسوبة مع إيران.
يبدو أن الهدف من إشراك الحليف الأمريكي في جهد جراحي، هو التنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية لمنح الضربات غطاءً استخباراتيًّا وتكتيكيًّا عاليًا تجاه جماعة مسلحة، أي الحشد الشعبي، تعمل خارج نطاق الدولة، واستهدف رَفْع كلفة تحريك الفصائل على الجهات الداعمة لها دون السقوط في فخ الحرب المفتوحة. (فرانس 24).
الرياض توازن بين ضرب الأذرع والحفاظ على مسار التهدئة:
تعتمد الرياض في إدارتها لهذه الأزمة المعقدة على إستراتيجية الردع الحسابي المشروط وهي دمج بين ممارسة قوة الردع المباشرة لمنع تهديد أراضيها، وبين الحفاظ على المسارات الجيوسياسية والدبلوماسية لتفادي الحرب الشاملة. (بي بي سي).
يمكن تفكيك هذا التوازن عبر بعض الأبعاد، مثل الفصل الإستراتيجي بين "الوكيل" و"الأصيل"، وتحييد المسار الدبلوماسي عن العسكري، حيث من خلاله تحرص الرياض على توجيه الضربات الردعية نحو الفصائل والجماعات المسلحة في الميدان بوصفها "كيانات إرهابية منفصلة تُهَدِّد السيادة الوطنية"، دون إعلان الحرب المباشرة على إيران بوصفها دولةً.
أضف إلى ذلك، تحاول الرياض تحميل المسؤولية دون قطع الجسور، حيث تستمر السعودية ومصر معها في التنديد بالدعم الإيراني لهذه الجماعات، لكنها في الوقت ذاته تتجنب إغلاق قنوات التواصل مع طهران، مما يُبقي الأزمة في حدود "الردع المتبادل" وليس القطيعة الإستراتيجية.
هناك معادلة "حق الدفاع" في إطار القانون الدولي المقيد بالمادة 51، وبالتالي تستند السعودية دائمًا في تحركاتها العسكرية المشتركة إلى حق الدفاع الشرعي عن النفس، وهو منصوص عليه في المضمون بميثاق الأمم المتحدة وردًّا على استهداف أمنها واقتصادها، وهو ما يمنح عملياتها شرعية دولية وتكتيكية يمارسها أي طرف سيادي.
هذه المعطيات تُؤَكِّد أن الرياض لم تتراجع عن التزامات اتفاق بكين (مارس 2023م)؛ إذ تُدْرِك أن الدبلوماسية المباشرة المدعومة برعاية بكين هي الصد الحقيقي لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى عارمة تضر بمشاريع التحول الاقتصادي وفق رؤية 2030.
لذلك تعمل المملكة السعودية على تبادل الرسائل عبر الوسطاء مع إيران، حيث تُوَظِّف المملكة القنوات الإقليمية كالقاهرة بشكل أساسي وبغداد ومسقط لنقل رسائل واضحة لطهران مفادها، أن الردع العسكري مخصص لحماية أراضينا، والهدوء السياسي بشرط كبح أذرعكم الإقليمية.
إن توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إيران بضربات قوية، بعد ساعات من إعلان الجيشين الأمريكي والأردني اعتراض صواريخ أطلقتها طهران نحو المملكة، ينذر باستئناف الضربات المتبادلة بعد أيام من التهدئة ولكن في الوقت نفسه يضع ترامب في مأزق داخليًّا.
وفي توسع إضافي للحرب في الشرق الأوسط، أعلنت القوات الأمريكية والسعودية شَنّ غارات على مقرات للحشد الشعبي العراقي، الذي يضم مجموعات مسلحة موالية لإيران، بما يشير إلى انتقال المواجهة من ضرب طهران إلى استهداف حلفائها في المنطقة. (بي بي سي).
لكن وسائل إعلام إيرانية رسمية تحدثت عن تعرض شمال غرب البلاد، قرب الحدود مع العراق، لضربات أمريكية. ونقلت وكالة فارس عن مسؤول أن "صاروخًا معاديًا" أصاب مكانًا غير مأهول من دون إصابات.
وللمرة الأولى منذ توقف تلك الضربات ليل 24 يوليو، أطلقت إيران صواريخ نحو الأردن وقالت إنها اعترضت صواريخ إيرانية في محاولة لشَنّ هجوم مباغت على القوات الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، بينما أعلن الجيش الأردني اعتراض صواريخ مصدرها إيران.
وأكد الحرس الثوري استهداف قاعدة جوية ومركز القيادة المركزية للولايات المتحدة في الأردن بصواريخ باليستية، كما استهدف هجوم أمريكي سعودي، الحشد الشعبي العراقي بالتوازي، وبذلك يعود العراق إلى واجهة التصعيد، بعد أيام من توتر على جبهة الرياض والحوثيين اليمنيين المدعومين من طهران، في خرق لهدوء استمر أعوامًا.
وخلال الأيام الماضية، اتهمت السعودية فصائل عراقية موالية لإيران باستهداف منشآتها النفطية. وقالت إن القوات الأمريكية والسعودية نفذت ضربات "استهدفت إرهابيين موالين لإيران" وجههم الحرس الثوري لمهاجمة القوات الأمريكية والبنية التحتية للطاقة في المملكة.
وأدرجت القيادة الأمريكية الضربات ضمن الرد على أكثر من 30 هجومًا بطائرات مُسَيَّرَة" خلال 72 ساعة، كما أكدت وزارة الدفاع السعودية شَنّ هجوم على "ميليشيات إرهابية موالية لإيران" في العراق، بالتنسيق مع واشنطن.
في المقابل: أعلنت هيئة الحشد الشعبي مقتل 20 من عناصرها وإصابة 32 آخرين في ضربات طالت سبع محافظات، بزعم أن الضربات جاءت ضد المؤسسات الأمنية الرسمية. وقال مسؤولان فيها إن خمسة مستشارين إيرانيين كانوا بين القتلى في ديالى.
بينما أعلن الرئيس ترامب أن الضربات تمت بالتنسيق مع حكومة بغداد، وأدانت الخارجية الإيرانية الهجمات ووصفتها بأنها "انتهاك صارخ" للقانون الدولي، في حين أعلنت فصائل عراقية موالية لإيران أن ردها قادم لا محالة، مع نفيها استهداف السعودية أو منشآتها. (بي بي سي).
كيف يحاول نتنياهو وترامب تحويل المواجهة إلى حرب سنية - شيعية؟
تنسجم خطة نتنياهو بالتوازي مع ضغوط ترامب الجيوسياسية مع إستراتيجية "الطائفية" لإعادة تأجيج الصراع الإقليمي عبر المحاور التالية وهي: إعادة تصدير المفاهيم مثل محاولة شيطنة إيران وأذرعها وإن كانت كذلك بوصفها خطرًا مذهبيًّا شيعيًّا يهدد الشعوب والأنظمة السنية، وذلك عبر استبدال بوصلة الصراع العربي الإسرائيلي بصراع داخلي إسلامي-إسلامي. (فرانس 24).
شراء الحماية العسكرية مقابل الانخراط: مقايضة أمن العواصم العربية ودول الخليج بالتورط المباشر في ضرب الهياكل الشيعية في العراق واليمن، ليتحول التحالف الغربي الإسرائيلي إلى خط دفاع خلفي، بينما الواجهة الميدانية عربية.
كذلك خطاب المحاور المتطرفة: عبر الترويج لمفهوم مواجهة المحور الشيعي الراديكالي لتبرير إقامة حلف أمني يُدْمِج تل أبيب بوصفها عنصرَ حمايةٍ مزعومًا بالمنطقة.
الهدف الأهم وهو تخفيف التكلفة عن تل أبيب وواشنطن: استنزاف القدرات الإقليمية في مواجهات جانبية واستدراج العواصم العربية إلى حرب بالوكالة طويلة الأمد مع طهران، بجانب مقايضة التطبيع بالحرب من خلال محاولة إقناع دول الخليج بأن القضاء على النفوذ الإيراني هو الممر الإجباري الوحيد للاستقرار والسلام الإقليمي الشامل.
حرب بالوكالة:
طالبت الرياض بغداد بمنع استخدام أراضي العراق لمهاجمتها، بينما أعلنت الحكومة العراقية فتح تحقيق، ونفت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ أي عملية ضد المملكة.
وأدى تجدد الأعمال العدائية إلى ارتفاع أسعار النفط، وسط مخاوف من إغلاق مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة، ومن إعلان الحوثيين حظرًا بحريًّا على موانئ السعودية المُطِلَّة على البحر الأحمر.
كما أعلنت الولايات المتحدة عن عقوبات جديدة على كيانات إيرانية، بينها اثنان مرتبطان بالحرس الثوري، متهمة إياهما بفَرْض "بدلات تأمين" على السفن العابرة لمضيق هرمز.
وفي السياق ذاته، أعلن الحرس الثوري استهداف ثلاث ناقلات نفط حاولت عبور هرمز، بعدما أعلن الحوثيون استهداف ناقلة سعودية في البحر الأحمر. (فرانس 24).
لا شك أن المملكة العربية السعودية تواجه معضلة معقدة، فمنذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في 28 فبراير، وهي تسعى إلى حد كبير إلى النأي بنفسها عن هذا الصراع وأيضًا بدعم ونصائح مصرية لكون القاهرة معنية بأمن السعودية خاصةً ودول مجلس التعاون عمومًا.
لكن بعد تعرّض السعودية، في الوقت الراهن لهجمات من ثلاثة محاور، ونفد صبرها، الأمر الذي دفعها إلى شَنّ هجمات مشتركة مع الولايات المتحدة، تلك التي استهدفت ميليشيات موالية لإيران في العراق، وذلك بعد إطلاق طائرات مُسَيَّرَة باتجاه المملكة.
كما تتمثل المعضلة التي تواجه السعودية الآن في الاختيار بين مواصلة الرد العسكري بهدف الردع، أو محاولة خفض التصعيد، وهو ما تعمل عليه مع مصر في نقاشات وخطط مشتركة.
يبدو أن مشاركة السعودية في العملية العسكرية تحمل أبعادًا تتجاوز العراق، إذ تعكس رغبة الرياض في توجيه رسالة واضحة بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التهديدات التي تطال أمنها القومي أو أمن حلفائها، مع الحذر في عدم الوقوع في الفخ وفق الرؤية المصرية وفي ظل التنسيق الدائم بين القاهرة والرياض.
كما تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوتر مع الجماعات المدعومة من إيران في أكثر من ساحة، سواء في البحر الأحمر أو الخليج أو اليمن، ما يجعل التحرك السعودي جزءًا من إستراتيجية أوسع لتعزيز الردع الإقليمي بالتنسيق مع الولايات المتحدة. (فرانس 24).
العراق بين اختبار السيادة والإحراج الدبلوماسي:
بسبب هجمات الفصائل المسلحة، يجد العراق نفسه قد تحول إلى ساحة صراع لا يملك السيطرة الكاملة عليها، ويصبح أمام واقع يضع سيادته تحت اختبار قاسٍ؛ فوجود فصائل مسلحة تعمل خارج إطار الدولة وتنفذ عمليات ضد دول الجوار يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى سيطرة بغداد على أراضيها. (الجزيرة).
هذا الوضع يكشف عن ضعف السيادة العراقية، لأنه من الطبيعي لأي دولة فيها ميليشيات مسلحة ألا تُعَدّ ذات سيادة كاملة، كما أن استمرار هذه الأفعال يضع العراق أمام مسؤوليته تجاه دول الخليج والعالم، لأن عمليات الفصائل تُشَكِّل إحراجًا للدولة العراقية على عدة مستويات تُؤَدِّي إلى تدهور العلاقات مع دول الخليج والأردن، والتشكيك في قدرة بغداد على ضبط أراضيها، وهو ما يُؤَدِّي بالطبع إلى تهديد الاستثمارات والتبادل التجاري.
الخطر الداهم يكمن في أن دولة العراق قد تتحول بسهولة إلى منصة إطلاق في صراع لا يملك السيطرة عليه، مشيرًا إلى أن المنطقة تشهد إعادة رسم للخريطة الأمنية، وهذا النمط يعمل في الظل ويترك الخصوم في حالة تردد دائم؛ لذا تُعَدُّ التطورات العسكرية الأخيرة والضربات المشتركة بين القوات الأمريكية والسعودية على مواقف تابعة لـ "الحشد الشعبي" وفصائل مسلحة في العراق ردًّا على هجمات المُسَيَّرَات والصواريخ، منعطفًا خطيرًا يفتح ملفات التوازن الإقليمي على مصراعيها، لكن من الواضح أن الرياض وإيران تراهنان على الدور المصري في تقريب وجهات النظر مع رَفْض الاعتداءات الإيرانية المتكررة، حيث تبرز الدبلوماسية العربية بقيادة مصرية حثيثة ووعي خليجي متزايد لتلعب دور "صمام الأمان"، عبر فَتْح قنوات اتصال خلفية بين الرياض وطهران، وإعادة ضَبْط بوصلة التوازنات بما يضمن حماية الأمن القومي العربي، ويُفْشِل محاولات التوريط المنظمة.
لأن المخطط واضح وهو رؤية بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية في ظل إعادة تموضع واشنطن منذ فترة إلى معادلة إستراتيجية تُعفي تل أبيب وواشنطن من تحمّل الكلفة المباشرة لأي مواجهة مفتوحة مع إيران، وتحويل الصراع إلى حرب سنية – شيعية، لكن بدا واضحًا أن القيادة السعودية بمساعٍ مصرية أظهرت أنها مدركة جيدًا لهذه الفخاخ الإستراتيجية؛ فالرياض، رغم استخدامها قوة الردع المباشرة للدفاع عن أراضيها ومعاملاتها النفطية بعد هجمات المُسَيَّرَات، لا ترغب في الانجرار إلى حرب أيديولوجية مفتوحة أو الدخول في مواجهة شاملة تُدَمِّر خطط التنمية في المنطقة.
لقد لعبت القاهرة دورًا محوريًّا ودبلوماسيًّا لمنع اشتعال حرب إقليمية واسعة، مستغلة علاقاتها المتوازنة مع الطرفين، ومع أن الخطورة الميدانية للضربات على الحشد الشعبي كبيرة، إلا أن فرص نجاح نتنياهو في جر المنطقة إلى حرب مذهبية طائفية تبدو ضعيفة جدًّا؛ نظرًا للوعي الخليجي-المصري بضرورة الموازنة بين الردع العسكري المباشر وفَتْح مسارات الدبلوماسية مع إيران، لتجنب الفخ الأمريكي الإسرائيلي. (الجزيرة).
الدور المصري السعودي في التهدئة ووقف التصعيد بالمنطقة:
تدرك كل من القاهرة والرياض أن تحويل التنافس الإقليمي إلى مواجهة طائفية مفتوحة "سُنة ضد شيعة" هو فخ إستراتيجي يخدم فقط الفاعلين غير الحكوميين، ويفكك الدولة الوطنية، ويستنزف القدرات السياسية والاقتصادية للمنطقة، لذلك تعتمد العاصمتان لتفكيك هذا الفخ، عبر إستراتيجية مزدوجة تتراوح بين الردع المؤسسي والاحتواء الدبلوماسي لمنع التصعيد. (روسيا اليوم).
ومن هنا فقد نجحت الدبلوماسية المصرية في الاضطلاع بدور الوسيط الموثوق به والحريص على أمن الخليج، لإحياء واستمرار قنوات الاتصال الخلفية بين الرياض وطهران، مستندة إلى إرث أمني وسياسي متوازن يتيح لها التحرك بين الطرفين دون الحسابات المعقدة للانحياز المباشر، إذ تستند إستراتيجية القاهرة في إعادة تشغيل هذه القنوات إلى ستة مرتكزات رئيسة:
التواصل المباشر مع مراكز الثقل: لم تكتفِ القاهرة بالقنوات الدبلوماسية الرسمية عبر وزارات الخارجية، بل فعّلت قنوات التواصل الاستخباراتي المباشر بين جهاز المخابرات العامة المصرية والحرس الثوري ومجلس الأمن القومي الإيراني.
نقل الرسائل الشديدة الحساسية: حيث أَسْهَمَت هذه القنوات الخلفية في نقل الرسائل الأمنية والتكتيكية بدقة بين الرياض وطهران، خاصة في أوقات التصعيد الميداني، لمنع الفهم الخاطئ لنوايا الضربات العسكرية وإبقاء مسارات التهدئة قائمة.
معادلة الوسيط الإستراتيجي: تمتلك مصر علاقات إستراتيجية وتحالفًا وثيقًا مع السعودية لحماية الأمن القومي العربي والخليجي، وفي الوقت نفسه أبقت على قنوات تواصل مفتوحة مع إيران، وهذا التوازن منح القاهرة شرعية وقبولًا لدى طهران بوصفها وسيطًا غير منحاز لسيناريوهات المواجهة المفتوحة.
تأمين الممرات الملاحية: تُدْرِك القاهرة وطهران والرياض أن أي انفجار عسكري في الخليج أو الممرات الملاحية يضر مباشرة بالمالية والاقتصاد الإقليمي وقناة السويس، مما جعل ملف أمن الملاحة نقطة التماس التي انطلقت منها مصر لبناء تفاهمات التهدئة.
فَصْل الردع الميداني عن المسار السيادي: لقد عملت الدبلوماسية المصرية على إقناع الأطراف بضرورة التعاطي مع ضربات الجماعات والفصائل في العراق أو اليمن بوصفها ملفات أمنية تتعلق بالردع المباشر لحماية السيادة، وليست هجومًا كليًّا لإسقاط اتفاقيات التهدئة بين الدول الإقليمية الرئيسة.
توفير الغطاء الإقليمي: شاركت مصر بفعالية في أطر التشاور الإقليمية إلى جانب السعودية ودول المنطقة لفَرْض مظلة دبلوماسية عربية-إسلامية تضغط باتجاه التهدئة وتُحْبِط أي مساعٍ خارجية لدفع المنطقة نحو مواجهة مذهبية شاسعة يسعى إليها ترامب ونتنياهو.
حيث يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق حرج للغاية؛ حيث تتجاذب المنطقة قوتان متضادتان، من خلال دوافع التصعيد البنيوي التي تدفع نحو انفجار مواجهة شاملة، والضرورات الجيوسياسية الاقتصاديّة التي تُملي على اللاعبين الكبار اعتماد العقلانية والتوازنات الصارمة.
هناك محفزات سيناريو المواجهة المفتوحة، فعندما ترتفع كثافة الضربات التكتيكية وتبادل المُسَيَّرَات والصواريخ في عدة ساحات مثل العراق، اليمن، سوريا، يقل هامش المناورة، وأي ضربة خاطئة تسفر عن خسائر بشرية أو حيوية غير متوقعة قد تجبر الأطراف على ردود أفعال متسلسلة تتجاوز خطوط التهدئة الحمراء. (روسيا اليوم).
السيناريوهات المتوقعة في ظل التحركات المصرية:
لقد بدا واضحًا أن الضغط الإسرائيلي المستمر الذي يهدف إلى توسيع الصراع، حيث تتغذى الإستراتيجية الإسرائيلية الحالية على إبقاء حالة الاستقطاب الميداني في أوجها، مراهنةً على إمكانية جر واشنطن لمواجهة مباشرة تُنهي البرنامج النووي الإيراني وتفكك شبكة الفصائل الإقليمية دفعة واحدة.
مصر وكل دول الخليج -وفي مقدمتها السعودية- تدرك أن نجاح التحولات الاقتصادية الكبرى والمرتبطة بالاستثمارات والرؤى المستقبلية يتطلب بيئة إقليمية آمنة ومستقرة، وهو ما يجعل قرار الخوض في حرب شاملة خيارًا مستبعدًا ومُكْلِفًا للغاية.
بجانب أن غياب الرغبة الأمريكية والإيرانية في الصراع المباشر، رغم التصعيد الكلامي والضربات المتبادلة، لكن حرصت كلٌّ من واشنطن وطهران على تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة، مع التركيز على الاستيعاب المتبادل والردود المحدودة.
كما قد نجح شَبْك الاتصال بين القاهرة والرياض وبغداد ومسقط في إقامة "صدمات دبلوماسية" تمتص التوترات وتمنح الأطراف مساحات للتراجع والتفاوض دون فقدان الهيبة أو كسر قواعد الاشتباك. (الجزيرة).
إذًا لربما تنتصر العقلانية الجيوسياسية هنا ليست بمعنى إنهاء الخلافات، بل بفَرْض قواعد اشتباك جديدة تُمارس فيها الأطراف الردع العسكري الموضعي لتحسين المواقف التفاوضية، مع الحفاظ الصارم على الخطوط الساخنة وقنوات الاتصال لتفادي السقوط في فخ المواجهة الشاملة.
الصعوبة تكمن في ضبط أداء الوكلاء الذين تمثلهم الفصائل المسلحة وهي عقبة رئيسة أمام أي اتفاقيات سياسية؛ حيث تتصرف بعض هذه الجماعات بدوافع محليّة وأيديولوجية قد لا تتسق دائمًا مع الحسابات الدبلوماسية لطهران.
ثَمَّة انتقال نوعي في طبيعة التهديد الذي تواجهه دول الخليج، إذ لم تعد الضربات تأتي مباشرة من إيران، بل باتت تُنَفَّذ عبر فصائل مسلحة داخل العراق، في محاولة طهران الالتفاف على القرارات الدولية وتجنب المسؤولية القانونية المباشرة، وهذا التحول لا يُمَثِّل تراجعًا إيرانيًّا، بل إعادة هيكلة للصراع عبر أدوات أكثر مرونة وأقل تكلفة سياسية.
إن استخدام الوكلاء يعكس إستراتيجية إيرانية محسوبة تهدف إلى توسيع دائرة الصراع دون تحمل الثمن السياسي المباشر، في حين يواجه العراق ضغطًا متزايدًا لضبط أراضيه، كما يُؤَكِّدون أن هذه الهجمات تَسْتَهْدِف اختبار صمود التماسك الخليجي، وإرهاق الدفاعات الجوية، ورَفْع التكاليف الاقتصادية، على أمل إحداث تصدع في الموقف الموحد.
ومنذ انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026م تواجه المنطقة موجة تصعيد متعددة الجبهات، إذ تتعرض دول الخليج لهجمات بصواريخ وطائرات مُسَيَّرَة، رغم أن إيران تُؤَكِّد عدم استهدافها دولًا بعينها بل للقواعد الأمريكية في هذه الدول، لكنها تَسْتَهْدِف بوضوح منشآت مدنية في الخليج.
لقد باتت الفصائل المسلحة الموالية لإيران تُشَكِّل جبهة ثانوية فاعلة في معادلة الصراع، ليس بالضرورة على المستوى العسكري الحاسم، لكن على مستوى الضغط النفسي والاقتصادي والاستنزاف اليومي.
الفصائل المسلحة ضمن محور المقاومة في العراق، ووفق تقارير قد نفذت ما بين 21 و31 عملية يوميًّا بمُسَيَّرَات وصواريخ ضد ما تصفه بـ"قواعد أمريكية، وتشمل أهدافًا في دول الخليج والأردن، مسجلة أكثر من 454 عملية تراكمية منذ بدء الحرب، ورغم نجاح الدفاعات الخليجية في التصدي لأكثر هذه الهجمات، لكن هذه الفصائل ما تزال تُشَكِّل جبهة إسناد فَعَّالَة في الضغط النفسي والاقتصادي.
إن استهداف دول الخليج من داخل العراق عبر الأذرع الإيرانية ليس أسلوبًا جديدًا على النظام الإيراني الذي يستخدمه دائمًا ليخفف الضغط عن نفسه، لا سيما أن هذه الإستراتيجية تعتمد على الأذرع المسلحة في لبنان والعراق واليمن بوصفها واجهات للتدخل دون مسؤولية مباشرة.
وبالتالي فإن هذا التصعيد قد يُؤَدِّي إلى خطر الدخول البري إلى إيران وإن كان ضعيفًا بسبب الجغرافيا الوعرة في طهران، كما أن طهران قد تفتح جبهات عبر الحدود الكويتية والسعودية باستخدام الأذرع الموجودة في العراق، وكذلك الحوثيين عبر اليمن.
الاحتواء الدبلوماسي وتبريد الجبهات وهو السيناريو الأقرب، وذلك بعدما نجحت الجهود المصرية والعربية في الضغط على الأطراف لضبط النفس، وتفعيل قنوات الحوار الأمني والسياسي لمنع تحول التوتر العسكري إلى صراع إقليمي. (الجزيرة).
حدوث تأزم محدود وردود متبادلة، عبر استمرار المناوشات العسكرية وعدم السيطرة على الأذرع وحالة اللا حرب واللا سلم دون تطورها إلى حرب شاملة، مع بقاء العراق ساحة تصفية حسابات غير مباشرة.
التخوف من انزلاق تصعيدي وقد يكون ضعيفًا أو هكذا نتمنى، وذلك في حالة خروج الأمور عن السيطرة ووقوع أخطاء في الحسابات الميدانية قد تُؤَدِّي إلى مواجهة واسعة النطاق تُهَدِّد الاستقرار الداخلي والمجتمعي العراقي.
الخلاصة:
- نَخْلُص في هذا التقرير إلى أنه قد فشلت إستراتيجية التوظيف المذهبي، حيث أسقطت الدبلوماسية المصرية العربية الواعية كافة محاولات تحويل الصراع إلى مواجهة "سنية - شيعية"، وأن الأزمة إستراتيجية وسياسية بامتياز ولا مكان لإعادة إنتاج الفتن الطائفية.
- كما تم التأكيد على ثبات معادلة الردع المرن، وهي أن السعودية قامت بممارسة الردع المباشر لحماية سيادتها وأمنها الاقتصادي وهو لا يعني بالضرورة الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، بل هي وسيلة لتحسين شروط التوازن وتثبيت قواعد الاشتباك.
- محورية الدور المصري قد أثبتت أن القاهرة مجددًا هي "صمام أمان" المنطقة بأسرها، بفضل قدرتها الفريدة على العبور بين القنوات الاستخباراتية والدبلوماسية لتجنيب الإقليم سيناريوهات الانفجار الكلي الذي قد يحرق الأخضر واليابس.
- لربما تبقى المنطقة تتحرك في مساحة تتراوح بين الردع العسكري الموضعي والتهدئة الدبلوماسية الوقائية، لكن دون السقوط في فخ الحرب الشاملة التي تجتنبها القوى الإقليمية والدولية الرئيسة وهو بيت القصيد من هذه التطورات.
- بالأخير.. يبقى انتصار الحسابات العقلانية هو الأهم والأبرز في نهاية المطاف، لأنها تُدْرِك ما يُحاك بالمنطقة؛ بل وتفرض أولويات التنمية القومية والأمن الاقتصادي حدودًا صارمة تمنع الأطراف الأساسية من التضحية باستقرار المنطقة لصالح أجندات التصعيد الخارجي، أو تحويل الصراع إلى حرب عقيدة عربية إيرانية أو سنية شيعية.
المصادر: