القرن الإفريقي بين إستراتيجية التطويق الإسرائيلية وردع العمق المصري.. قراءة في صراع النفوذ وأمن الممرات البحرية

تشهد منطقة القرن الإفريقي نشاطًا متزايدًا لتل أبيب التي تسعى إلى تعزيز حضورها عبر شراكات أمنية وعسكرية واقتصادية وتوسيع نطاق التعاون الاستخباري واللوجستي مع بعض دول المنطقة، بما يتيح لها مراقبة خطوط الملاحة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب وتأمين مصالحها التجارية والإستراتيجية؛ ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية أوسع تهدف إلى بناء شبكة نفوذ إقليمي قادرة على التأثير في ممرات الطاقة والتجارة الدولية؛ وفي المقابل: تعمل القاهرة على تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع دول الإقليم من خلال اتفاقيات تعاون ومشروعات تنموية وتنسيق أمني يهدف إلى دعم الاستقرار الإقليمي؛ كما تحرص الدولة المصرية على توسيع حضورها الدبلوماسي والعسكري بما يضمن حماية المصالح العربية والإفريقية ويحد من أي محاولات لفرض توازنات تهدد أمن البحر الأحمر، وتتبنى كذلك مقاربة تقوم على الشراكة مع حكومات المنطقة ودعم مؤسساتها الوطنية لمواجهة التحديات الأمنية؛ وتسعى هذه التحركات إلى ترسيخ بيئة إقليمية مستقرة تقوم على احترام السيادة والتعاون المشترك بين دول الإقليم.
فما الأهداف الإستراتيجية التي تسعى إليها تل أبيب من خلال توسيع حضورها الأمني والعسكري والاقتصادي في منطقة القرن الإفريقي؟ وكيف يهدد تنامي النفوذ الإسرائيلي في ممرات البحر الأحمر وباب المندب استقرار الإقليم وتوازنات الأمن الإقليمي؟ ماذا عن الأدوات السياسية والدبلوماسية التي تستخدمها الدولة المصرية لتعزيز حضورها وعلاقاتها مع دول الإقليم ومواجهة النفوذ الإسرائيلي بالمنطقة؟ وإلى أي مدى تسهم التحركات المصرية في دعم الاستقرار والحد من التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار في الإقليم؟ ماذا عن السيناريوهات المحتملة لمستقبل التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي في ظل تعدد القوى الدولية والإقليمية الفاعلة؟
يسلط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على الإستراتيجية الإسرائيلية في إقليم القرن الإفريقي، ومحاولات تل أبيب تفكيك الإقليم وضرب استقرار المنطقة وتحركات الدولة المصرية المضادة في هذه السطور الآتية.
طبيعة الأهداف الإستراتيجية التي تسعى إليها تل أبيب من خلال توسيع حضورها الأمني والعسكري والاقتصادي في منطقة القرن الإفريقي:
تتجه تل أبيب إلى تكثيف حضورها في منطقة القرن الإفريقي انطلاقًا من إدراكها للأهمية الجيوسياسية المتعاظمة التي تتمتع بها هذه المنطقة؛ إذ تمثل نقطة التقاء بين إفريقيا والشرق الأوسط وتشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ ويتيح هذا الموقع مراقبة حركة التجارة والطاقة التي تعبر البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ ولذلك تسعى تل أبيب إلى بناء شبكة من العلاقات الأمنية والسياسية والشراكات الاقتصادية مع دول الإقليم بما يضمن لها موطئ قدم مؤثر في محيط إستراتيجي شديد الحساسية، كما يمنحها هذا الحضور قدرة أكبر على متابعة التحولات الإقليمية والتفاعل معها بسرعة.
كما ترتبط هذه التحركات برغبة في حماية خطوط الملاحة المرتبطة بالتجارة الدولية، خاصة مع تزايد أهمية الممرات البحرية القريبة من باب المندب؛ فتعزيز التعاون العسكري والتقني مع بعض دول المنطقة يتيح إنشاء ترتيبات أمنية غير مباشرة تساهم في مراقبة النشاط البحري وتبادل المعلومات، ويساعد ذلك على تقليل الأخطار المرتبطة بالتهديدات الأمنية أو الاضطرابات الإقليمية؛ إضافة إلى ذلك فإنَّ هذا النوع من التعاون يمنحها نفوذًا متزايدًا في المعادلات الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر (مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية).
ولا تقتصر الأهداف على البعد الأمني فقط، بل تمتد إلى مجالات اقتصادية وتنموية تسعى من خلالها إلى بناء شراكات طويلة الأمد مع دول القرن الإفريقي؛ إذ تعمل على توسيع مجالات التعاون في قطاعات الزراعة والتكنولوجيا وإدارة الموارد المائية والبنية التحتية، ويسهم هذا الانخراط الاقتصادي في تعزيز الروابط مع الحكومات المحلية وفتح أسواق جديدة للشركات المرتبطة بها؛ كما يتيح لها الاستفادة من الموارد الطبيعية والفرص الاستثمارية المتاحة في المنطقة.
ومن جانب آخر: يحمل هذا التوجه بُعدًا سياسيًّا يتعلق بتوسيع شبكة العلاقات الدولية وتقليل العزلة في بعض البيئات الإقليمية، فتعزيز العلاقات مع دول إفريقية يمنحها دعمًا دبلوماسيًّا في المحافل الدولية ويزيد من قدرتها على بناء تحالفات مرنة؛ كما يوفر هذا الحضور مساحة للتأثير في القضايا الإقليمية التي ترتبط بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويؤدي ذلك إلى تعزيز مكانتها فاعلًا قادرًا على التأثير في مسارات التوازنات الإقليمية.
كذلك يعكس هذا التوسع إدراكًا لأهمية التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة في ظل التنافس الدولي المتزايد عليها؛ فوجود قوى إقليمية ودولية متعددة يسعى كل منها إلى تعزيز نفوذه يجعل من القرن الإفريقي ساحة مهمة لإعادة تشكيل موازين القوى، ومن خلال الحضور الأمني والاقتصادي تسعى تل أبيب إلى ضمان موقع لها داخل هذه المعادلة المتغيرة؛ ويمنحها ذلك هامشًا أوسع للمناورة الإستراتيجية والتفاعل مع التطورات المستقبلية في الإقليم.
أثر تنامي النفوذ الإسرائيلي في ممرات البحر الأحمر وباب المندب في استقرار الإقليم وتوازنات الأمن الإقليمي:
هذا؛ ويؤدي اتساع الحضور الإسرائيلي بالقرب من طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب إلى إثارة مخاوف العديد من دول المنطقة بشأن تغير موازين القوى في هذا الفضاء البحري الحساس؛ فالموقع الجغرافي لهذه الممرات يجعلها نقطة عبور رئيسية للتجارة العالمية ونقل الطاقة، لتُشكِّلَ بذلك تلك الرقعة الجغرافية عاملًا محوريًّا في اقتصادات العالم العربي، وهو ما يمنح أي قوة تمتلك نفوذًا هناك قدرة على التأثير في حركة الملاحة؛ ومع تزايد هذا الحضور تتزايد المخاوف من توظيفه في صياغة ترتيبات أمنية تخدم مصالح الكيان الإسرائيلي، كما قد يؤدي ذلك إلى دفع بعض القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم سياساتها الدفاعية؛ ويخلق هذا الواقع بيئة أكثر تعقيدًا في معادلة الأمن الإقليمي.
كما قد يسهم هذا التمدد في تحفيز حالة من التنافس بين القوى الإقليمية والدولية التي تنظر إلى المنطقة باعتبارها ذات أهمية إستراتيجية؛ فعندما تتزايد التحالفات العسكرية أو ترتيبات التعاون الأمني مع بعض دول الساحل الإفريقي، قد تشعر أطراف أخرى بأنَّ نفوذها التقليدي أصبح مهددًا، وهذا الشعور قد يدفعها إلى تعزيز حضورها العسكري أو السياسي في المنطقة؛ ومع تراكم هذه التحركات قد تتحول المنطقة إلى ساحة تنافس مفتوح، الأمر الذي يرفع مستوى التوترات ويجعل إدارة الأزمات أكثر صعوبة.
ويبرز جانب آخر من التحديات المرتبطة بتأثير هذه التحركات في التوازنات الداخلية لبعض دول القرن الإفريقي، فتعزيز علاقات عسكرية أو أمنية مع أطراف خارجية قد يؤثر في طبيعة التفاعلات السياسية داخل تلك الدول، كما قد يؤدي إلى انقسام في مواقف النخب السياسية حول جدوى هذه الشراكات؛ وفي بعض الحالات قد تنظر قوى محلية إلى هذا الحضور باعتباره تدخلًا في شؤون الإقليم، وهو ما يمكن أن يزيد من حساسية البيئة السياسية والأمنية (المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية).
كذلك فإنَّ وجود ترتيبات أمنية مرتبطة بقوى خارجية في مناطق قريبة من خطوط الملاحة قد يغير طبيعة إدارة الأمن البحري في البحر الأحمر؛ فبدلًا من الاعتماد على تعاون إقليمي متوازن، قد تتشكل شبكات أمنية جزئية تخدم مصالح أطراف بعينها، وهذا الأمر قد يؤثر في آليات التنسيق بين الدول المطلة على الممرات البحرية؛ كما قد يؤدي إلى تراجع الثقة المتبادلة بين بعض الفاعلين الإقليميين، وبالتالي تصبح إدارة الأمن البحري أكثر تعقيدًا.
وفي سياق أوسع قد ينعكس هذا الحضور في بنية النظام الإقليمي المحيط بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ فكلما توسعت أدوار القوى الخارجية في هذه المنطقة، زادت احتمالات إعادة تشكيل التوازنات الإستراتيجية القائمة، وقد يؤدي ذلك إلى ظهور تحالفات جديدة أو إعادة ترتيب العلاقات بين الدول المعنية بأمن الممرات البحرية؛ ومع استمرار هذه التحولات قد تتغير أنماط التفاعل السياسي والأمني في المنطقة، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام جهود الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
الأدوات السياسية والدبلوماسية التي تستخدمها الدولة المصرية لتعزيز حضورها وعلاقاتها مع دول الإقليم ومواجهة النفوذ الإسرائيلي بالمنطقة:
وفي ظل الطموحات الإسرائيلية في إقليم القرن الإفريقي والمصالح المصرية المتعاظمة بالإقليم، تعتمد القاهرة على نشاط دبلوماسي مكثف لتعزيز حضورها في محيط القرن الإفريقي من خلال توسيع قنوات التواصل السياسي مع حكومات المنطقة؛ ويشمل ذلك تبادل الزيارات الرسمية وعقد لجان مشتركة تعالج ملفات التعاون المختلفة، ويسهم هذا الحراك في بناء ثقة متبادلة وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية؛ كما يمنحها قدرة أكبر على فهم أولويات الدول المعنية والتفاعل معها بمرونة، ويعزز هذا النهج مكانتها شريكًا إقليميًّا يسعى إلى دعم الاستقرار.
وتلعب المؤسسات الإقليمية دورًا مهمًّا في تحركات القاهرة الدبلوماسية، حيث تسعى إلى تفعيل أطر العمل المشترك داخل المنظمات الإفريقية والمنتديات المرتبطة بالبحر الأحمر، ويسمح هذا المسار بطرح رؤى جماعية لمعالجة التحديات الأمنية والتنموية في المنطقة، كما يتيح بناء توافقات سياسية تقلل من فرص الانفراد بالتأثير في مسارات الإقليم، ويؤدي ذلك إلى ترسيخ مبدأ التعاون متعدد الأطراف وهو ما يدعم التوازن في التفاعلات الإقليمية.
كما تعتمد مصر على أدوات القوة الناعمة لتعزيز روابطها مع مجتمعات دول القرن الإفريقي، خاصة عبر مجالات التعليم والثقافة والتدريب المهني؛ فاستقبال الطلاب وتقديم المنح الدراسية يخلق شبكة من العلاقات الإنسانية طويلة الأمد، إضافة إلى ذلك تسهم البرامج التدريبية في تطوير الكوادر الفنية والإدارية في تلك الدول، ويعزز هذا التفاعل حضورها المجتمعي خارج الإطار الرسمي؛ وهو ما يرسخ صورة إيجابية لدورها في دعم التنمية.
ويبرز البعد الاقتصادي كأحد المحاور المهمة في السياسة المصرية تجاه المنطقة، إذ تسعى إلى توسيع مجالات الاستثمار والتعاون التجاري مع دول الإقليم؛ ويشمل ذلك تنفيذ مشروعات في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل، ويسهم هذا الانخراط الاقتصادي في خلق مصالح مشتركة تدعم استقرار العلاقات؛ كما يمنح القاهرة أدوات إضافية لتعزيز نفوذها الإقليمي، ويعكس توجهًا نحو بناء شراكات تنموية طويلة المدى.
وإلى جانب ذلك تعمل مصر على دعم التنسيق الأمني مع دول القرن الإفريقي بما يسهم في مواجهة التحديات المرتبطة بالإرهاب والقرصنة والجريمة المنظمة؛ ويأتي هذا التعاون في إطار تبادل الخبرات وبناء القدرات الأمنيَّة للدول المعنية، كما يساعد على تطوير آليات مشتركة لحماية الممرات البحرية الحيوية، ويعزز هذا التنسيق الشعور بالمصالح المشتركة بين الأطراف المختلفة؛ الأمر الذي يدعم الاستقرار ويحد من فرص التوتر في البيئة الإقليمية.
أثر التحركات المصرية في دعم الاستقرار والحد من التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار في الإقليم:
وتسهم التحركات المصرية في محيط القرن الإفريقي في تعزيز مناخ الاستقرار عبر تبني سياسة تقوم على بناء شراكات متوازنة مع دول المنطقة؛ فالقاهرة تعمل على ترسيخ علاقات سياسية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما يخلق بيئة أكثر قبولًا لدورها الإقليمي، كما يسهم هذا النهج في تقليل فرص التصعيد بين القوى المتنافسة داخل الإقليم؛ وتتيح هذه العلاقات لمصر مساحة للحوار مع مختلف الأطراف، الأمر الذي يدعم مسارات التهدئة ويحد من التوترات المحتملة (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).
كما تلعب الدبلوماسية المصرية دورًا مهمًّا في دعم التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر، إذ تسعى إلى تشجيع التعاون الجماعي في إدارة القضايا الأمنية المرتبطة بالملاحة البحرية؛ ويساعد هذا التوجه على تعزيز مفهوم الأمن الإقليمي المشترك بدلًا من الاعتماد على ترتيبات أحادية، ومع تزايد التعاون بين دول المنطقة يصبح من الصعب على الكيان الإسرائيلي فرض نفوذ منفرد، ويؤدي ذلك إلى الحفاظ على توازن المصالح بين الفاعلين الإقليميين، كما يدعم استقرار الممرات البحرية الحيوية.
ومن ناحية أخرى: تسهم المبادرات التنموية التي تشارك فيها مصر في معالجة بعض جذور التوتر داخل دول القرن الإفريقي؛ فدعم مشروعات البنية التحتية والتعاون في مجالات التعليم والتدريب يساعد على تعزيز قدرات الدول المحلية، ومع تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تقل فرص استغلال الأزمات الداخلية من قِبَل أطراف خارجية؛ ويؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقرار المؤسسي في هذه الدول، كما يخلق بيئة أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الجيوسياسية.
ويبرز أيضًا دور التعاون الأمني والعسكري الذي تسعى القاهرة إلى تطويره مع عدد من دول الإقليم، فبناء القدرات الدفاعية وتبادل الخبرات يسهمان في تحسين قدرة الدول بالإقليم على حماية حدودها ومياهها الإقليمية، في ظل مساعي إسرائيل إلى تفكيك الصومال؛ كما يعزز هذا التنسيق من قدرة المنطقة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود مثل القرصنة والإرهاب، وعندما تتوافر قدرات أمنية محلية قوية تقل الحاجة إلى الاعتماد على قوى خارجية، وهو ما يساعد في الحفاظ على توازن القوى داخل الإقليم.
وفي إطار أوسع تساعد هذه التحركات على بناء شبكة من العلاقات الإقليمية التي تقوم على المصالح المشتركة والتعاون طويل المدى، فتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي مع دول القرن الإفريقي يمنح القاهرة دورًا فاعلاً في صياغة التفاعلات الإقليمية؛ كما يسهم في إيجاد توازن يمنع أي طرف من الانفراد بالتأثير في مسارات المنطقة، ومع استمرار هذا الانخراط تصبح فرص الحفاظ على الاستقرار أكبر، ويؤدي ذلك إلى تقليل تأثير التحركات التي قد تؤدي إلى اضطراب التوازنات الإقليمية.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي في ظل تعدد القوى الدولية والإقليمية الفاعلة:
وفي ظل التنافس الإقليمي والدولي على إقليم القرن الإفريقي، تتجه بعض التقديرات إلى احتمال استمرار التنافس الجيوسياسي في القرن الإفريقي ضمن إطار توازن حذر بين القوى الدولية والإقليمية؛ ففي هذا السيناريو تحافظ الدول الكبرى والفاعلون الإقليميون على حضورهم السياسي والعسكري دون الانزلاق إلى صدام مباشر، ويؤدي هذا الوضع إلى بقاء المنطقة ساحة نفوذ متداخلة تحكمها تفاهمات غير معلنة؛ كما تسعى الحكومات المحلية إلى الاستفادة من هذا التنافس عبر تنويع شراكاتها الخارجية، ويخلق ذلك نمطًا من العلاقات المعقدة التي تجمع بين التعاون والمنافسة في آن واحد (مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية).
وقد يشهد الإقليم سيناريو آخر يقوم على تصاعد حدة التنافس وتحوله إلى سباق نفوذ أكثر وضوحًا بين القوى المختلفة، ففي ظل الأهمية الإستراتيجية للممرات البحرية والموارد الاقتصادية قد تسعى أطراف متعددة إلى تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي بشكل أكبر. ومع تراكم هذه التحركات قد ترتفع مستويات التوتر السياسي والأمني في بعض مناطق القرن الإفريقي، كما قد تتزايد الضغوط على الدول الصغيرة في الإقليم لاتخاذ مواقف منحازة، ويؤدي ذلك إلى تعقيد البيئة الإقليمية ورفع احتمالات الأزمات.
وهناك احتمال ثالث يتمثل في تطور مسار التعاون الإقليمي ليصبح عاملًا رئيسيًّا في إدارة التنافس الخارجي، ففي هذا التصور تعمل دول القرن الإفريقي على بناء أطر تنسيق مشتركة لتعزيز قدرتها على التفاوض مع القوى الدولية؛ ويساعد هذا النهج على تقليل تأثير الضغوط الخارجية في القرارات السيادية لتلك الدول، كما يمنحها فرصة أكبر للاستفادة من الاستثمارات والشراكات التنموية، ويؤدي ذلك إلى تحويل التنافس الدولي إلى مصدر فرص اقتصادية بدلًا من أن يكون عامل توتر.
كما يمكن أن يتبلور سيناريو يرتبط بتزايد دور التحالفات المرنة التي تجمع بين أطراف إقليمية ودولية وفق مصالح محددة؛ ففي ظل تعدد الفاعلين قد تنشأ ترتيبات تعاون مؤقتة تركز على قضايا بعينها مثل أمن الملاحة أو مكافحة الإرهاب، وتسمح هذه التحالفات بإدارة التحديات المشتركة دون الحاجة إلى تشكيل تكتلات دائمة؛ إلا أنَّ هذا النمط من العلاقات قد يظل عرضة للتغير السريع تبعًا لتبدل المصالح، وهو ما يجعل المشهد الإقليمي متحركًا وغير ثابت.
وفي سياق أوسع قد يتجه مستقبل التنافس في القرن الإفريقي نحو إعادة تشكيل بنية التفاعلات السياسية والاقتصادية في المنطقة، فمع استمرار الاهتمام الدولي بممرات التجارة والطاقة قد تتزايد الاستثمارات والمشروعات الكبرى في البنية التحتية والمواني. ويؤدي ذلك إلى تعزيز أهمية الإقليم في الاقتصاد العالمي، كما قد يمنح الدول المحلية قدرة أكبر على التأثير في مسارات العلاقات الدولية، ومع تزايد هذه الديناميات تصبح المنطقة عنصرًا محوريًّا في معادلات التوازن الجيوسياسي العالمية.
الخلاصة:
تكشف تطورات القرن الإفريقي عن تزايد أهمية الإقليم في معادلات التنافس الجيوسياسي المرتبط بالممرات البحرية الحيوية ومصالح التجارة والطاقة العالمية؛ وقد أسهم تعدد القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في جعل المنطقة ساحة تفاعلات معقدة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية، وفي هذا السياق برزت تحركات مختلفة تهدف إلى توسيع النفوذ وبناء شبكات من العلاقات والشراكات مع دول الإقليم؛ وفي المقابل: تسعى بعض الدول الإقليمية إلى تعزيز حضورها عبر أدوات دبلوماسية وتنموية وأمنية للحفاظ على توازن المصالح ودعم الاستقرار، كما تحاول دول المنطقة الاستفادة من هذا التنافس من خلال تنويع شراكاتها وتحقيق مكاسب تنموية وإستراتيجية، ويظل مستقبل الإقليم مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التنافس بطريقة تقلل من احتمالات التصعيد وتدعم مسارات التعاون الإقليمي.
المصادر:
مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية
المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية