أشباح في سماء أوروبا.. تداعيات المسيرات المجهولة على الصراع الروسي الأوكراني

تشهد القارة الأوروبية تطورات أمنية غير مألوفة مع تزايد انتشار المسيرات فوق مجالاتها الجوية، ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة هذه الظاهرة وخلفياتها الاستراتيجية؛ فهذا المشهد يأتي في سياق حرب مفتوحة شرقًا، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رسائل الردع والاختبار المتبادل للقدرات، والقلق الأوروبي لا ينفصل عن مخاوف توسيع رقعة المواجهة غير المباشرة؛ خاصة مع تصاعد الشكوك حول الأدوار الخفية لبعض القوى الفاعلة؛ وفي الوقت ذاته، تتعزز مؤشرات سباق التسلح النوعي عبر نقاشات مكثفة حول تعزيز الترسانات بعيدة المدى. ضمن هذه المعادلة المعقدة، يبرز سؤال جوهري حول انعكاسات هذه التحركات الجوية على مسار الصراع وتوازناته المستقبلية.
فما تفاصيل رصد مسيرات في أجواء عدد من دول الاتحاد الأوروبي؟ وإلى أي مدى يعكس انتشار المسيرات في الأجواء الأوروبية تحولًا في طبيعة الصراع الروسي الغربي نحو ساحات غير مباشرة؟ وهل تمثل هذه المسيرات أدوات استطلاع فقط أم رسائل ردع واختبار لقدرات الدفاع الجوي الأوروبي؟ وكيف يمكن أن تؤثر الاتهامات الغربية لموسكو على مستوى التصعيد السياسي والعسكري داخل أوروبا؟ وهل يدفع هذا المشهد الغامض الدول الأوروبية إلى إعادة صياغة عقائدها الأمنية والتنسيقية؟ ماذا عن صفقات التوماهوك المرتقبة وأثرها على مشهد العلاقات الروسية الأوروبية المتأزمة؟
يسلط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة، الضوء على تداعيات رصد مسيرات في الأجواء الأوروبية على مشهد العلاقات الروسية الغربية المتأزم في ظل صفقات صواريخ توماهوك مرتقبة لأوكرانيا، في هذه السطور الآتية.
تفاصيل رصد مسيرات في أجواء عدد من دول الاتحاد الأوروبي:
شهدت الأسابيع الأخيرة تسجيل تحركات جوية غير مألوفة فوق أراضي عدة دول أوروبية، ما أثار قلقًا أمنيًا واسعًا داخل مؤسسات الاتحاد، فطبيعة هذه الأجسام الطائرة وعدم وضوح الجهة المشغِّلة لها دفعا إلى تفعيل آليات المراقبة والإنذار المبكر، وتزامن ذلك مع حالة توتر إقليمي متصاعدة جعلت أي اختراق جوي محتملًا محل تدقيق مضاعف، كما برزت مخاوف من استغلال المجال الجوي المدني لأغراض تتجاوز الطابع الاستطلاعي. وهذا السياق وضع الحكومات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على ضبط أمنها السيادي.
فالتقارير الأولية أظهرت تباينًا في أنماط الرصد بين دول شرق وغرب القارة، ما يعكس اختلاف الجاهزية التقنية وتنوع أنظمة الرادار، فبعض الدول تعاملت مع الوقائع بصفتها حوادث محدودة، في حين اعتبرتها أخرى مؤشرات على نشاط منظم. وهذا التباين كشف عن فجوة تنسيقية داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية، كما أعاد الجدل حول مدى كفاءة تبادل المعلومات الاستخبارية بين العواصم المعنية؛ وهو ما يطرح تساؤلات حول سرعة الاستجابة الجماعية في حالات التهديد غير التقليدي. (المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات).
ومن الناحية العسكرية: يشير هذا التطور إلى تصاعد أهمية الأدوات الجوية منخفضة الكلفة في النزاعات المعاصرة، فهذه الوسائل تمنح مستخدميها قدرة على الاستطلاع والضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة؛ كما أنها تتيح هامش إنكار سياسي يصعّب عملية الرد الحاسم. وفي هذا الإطار، تصبح الأجواء الأوروبية ساحة اختبار غير معلن لتوازنات الردع، الأمر الذي قد يدفع بعض الأطراف إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية.
وسياسيًّا: ألقى هذا المشهد بظلاله على الخطاب داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تصاعدت الدعوات لتعزيز السيادة الجوية المشتركة، فبعض الحكومات رأت في هذه الوقائع فرصة لتسريع مشاريع الدفاع المشترك؛ وفي المقابل، حذرت أطراف أخرى من المبالغة في التقدير خوفًا من التصعيد. فهذا الانقسام يعكس اختلاف أولويات الأمن القومي بين الدول الأعضاء، كما يبرز صعوبة الوصول إلى موقف موحد في بيئة دولية مضطربة.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتقني: أعاد الجدل تسليط الضوء على الحاجة إلى استثمارات أكبر في أنظمة الكشف والتشويش، فالصناعات الدفاعية الأوروبية قد تستفيد من هذا المناخ لتعزيز حضورها في سوق التقنيات المتقدمة، وفي الوقت ذاته، تبرز مخاوف من عسكرة متزايدة للمجال الجوي المدني؛ وهو ما يفرض معادلة دقيقة بين متطلبات الأمن وحماية حركة الطيران. وهذه التطورات مجتمعة تعكس تحولًا عميقًا في طريقة إدراك التهديد داخل القارة.
تحولات الصراع الروسي الغربي غير المباشر في ظل انتشار المسيرات في الأجواء الأوروبية:
كما يشير تزايد النشاط الجوي غير التقليدي فوق القارة إلى تغير ملموس في أنماط التنافس بين موسكو والعواصم الغربية، فبدل المواجهة الصريحة، تتجه الأطراف إلى أدوات أقل وضوحًا وأكثر قابلية للإنكار. وهذا التحول يعكس سعيًا لتوسيع مجال الضغط دون تجاوز عتبات الصدام المباشر، كما أنه يبرز اعتمادًا متناميًا على الوسائل التقنية ذات الكلفة السياسية المحدودة، وبذلك يصبح الفضاء الجوي جزءًا من معركة التأثير غير المعلنة. (القاهرة الإخبارية).
وفي هذا السياق، تكتسب العمليات الرمادية أهمية متزايدة ضمن معادلات الردع المتبادل، فهذه الأنشطة تسمح باختبار ردود الفعل وقياس حدود التحمل لدى الخصوم؛ كما توفر فرصة لجمع بيانات حساسة دون الانخراط في عمل عسكري تقليدي. وهذا النمط من السلوك يعكس إدراكًا بأن الصراع الحديث لم يعد حكرًا على ساحات القتال المعروفة، بل بات يمتد إلى مجالات يصعب ضبطها قانونيًّا وسياسيًّا.
ومن زاوية أمنية: يكشف هذا المسار عن هشاشة نسبية في منظومات الحماية الجماعية؛ إذ إن التعامل مع تهديدات غير واضحة المصدر يربك آليات القرار السريع؛ كما يفرض تحديات جديدة على التنسيق بين الدول ذات القدرات المتفاوتة. وهذا الواقع قد يؤدي إلى ردود أفعال متباينة، بعضها يتسم بالحذر المفرط، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من الاختبارات غير المباشرة.
أما على المستوى الإستراتيجي: فيعكس هذا التطور إعادة تعريف لمفهوم النفوذ، فالتأثير لم يعد مرتبطًا بالسيطرة الميدانية فقط، بل بالقدرة على إرباك الخصم نفسيًا وسياسيًا؛ فاستخدام وسائل غير مأهولة ينسجم مع هذا المنطق القائم على الضغط المتدرج، كما أنه يسمح بإدارة الصراع ضمن مستويات منخفضة الشدة، وبذلك تتحول الساحات الثانوية إلى أدوات مركزية في التنافس الدولي.
وسياسيًّا: يفرض هذا الواقع نقاشًا أوسع داخل المعسكر الغربي حول حدود الرد المقبول، فالتعامل مع أفعال غير معلنة المصدر يضع صُنّاع القرار أمام خيارات معقدة، فبين التصعيد الوقائي والتجاهل المدروس مساحة رمادية واسعة. وهذه المعضلة تعكس طبيعة المرحلة الراهنة من التنافس مع روسيا، مرحلة تتسم بالغموض وتعدد الأدوات واتساع ميادين الصراع غير المباشر.
بين رسائل الردع واختبار قدرات الدفاع الجوي الأوروبي:
هذا، ويثير الجدل حول طبيعة هذه التحركات الجوية تساؤلًا مركزيًّا بشأن الغاية الفعلية منها، وهل تندرج ضمن أنشطة جمع المعلومات أم تتجاوز ذلك إلى أبعاد رمزية وأمنية أوسع؛ فالمواصفات التقنية لبعض هذه الوسائل تشير إلى قدرات مراقبة دقيقة، غير أن توقيت ظهورها وسياقها السياسي يمنحها دلالات تتخطى البعد الاستخباري البحت. وهذا التداخل يجعل الفصل بين الوظيفة التقنية والرسالة السياسية أمرًا معقدًا، وهو ما يفتح المجال أمام قراءات متعددة ومتعارضة.
ومن منظور عسكري: تُعد هذه الوسائل أدوات فعالة لاختبار أنظمة الرصد والاعتراض دون الدخول في مواجهة مباشرة، فهي تسمح بقياس سرعة الاستجابة وكفاءة التنسيق بين الوحدات المختلفة؛ كما تكشف الثغرات المحتملة في تغطية المجال الجوي. وهذا النوع من الاختبارات غير المعلنة يمنح الجهة المشغلة أفضلية معرفية مهمة، وفي الوقت ذاته يضع الطرف المقابل تحت ضغط دائم. (الجزيرة).
وفي المقابل: لا يمكن إغفال البعد الردعي الكامن في هذه التحركات، فمجرد القدرة على اختراق الأجواء أو الاقتراب منها يحمل رسالة مفادها أن العمق الأمني ليس محصنًا بالكامل، وهذه الرسائل لا تُوجَّه فقط للمؤسسات العسكرية، بل للرأي العام وصنّاع القرار، وهي تسهم في خلق شعور بعدم اليقين الاستراتيجي؛ ما قد ينعكس على حسابات التصعيد والتهدئة.
وعلى الصعيد الدفاعي: تفرض هذه الظاهرة تحديات جديدة على المنظومات الأوروبية، فالتعامل مع أهداف صغيرة ومرنة يتطلب استثمارات تقنية وتحديثًا مستمرًا للعقائد التشغيلية؛ كما يستدعي ذلك تعزيز التكامل بين الدفاعات الوطنية ضمن إطار جماعي. وهذا الواقع يكشف أن التفوق التقليدي لا يكفي وحده، بل إن المرونة والجاهزية أصبحتا عنصرين حاسمين.
وسياسيًا: تتجاوز دلالات هذه الوسائل بعدها العسكري لتلامس مفهوم الردع النفسي؛ إذ إن الغموض المحيط بالجهة المشغلة يقيّد خيارات الرد ويزيد من تعقيد المشهد. وهذا الغموض ذاته يمثل أداة ضغط بحد ذاته، فهو يضع الخصم في حالة ترقب دائم، ويعكس تحول الصراعات الحديثة نحو أدوات أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا على المدى الطويل.
دور انتشار المسيرات في تأجيج الصراع الروسي الغربي:
إلى جانب ذلك: تُسهم التصريحات الصادرة عن عواصم غربية تجاه الدور الروسي في رفع منسوب التوتر داخل الفضاء الأوروبي، إذ تتحول اللغة السياسية إلى عامل ضغط بحد ذاته. وهذا الخطاب يعزز مناخ الشك ويقوض فرص التهدئة الدبلوماسية؛ كما يدفع المؤسسات الأمنية إلى التعامل مع أسوأ الاحتمالات بوصفها سيناريوهات مرجحة. وفي ظل هذا المناخ، تصبح الحسابات السياسية أكثر ارتباطًا بالاعتبارات العسكرية، وهو ما يخلق حلقة متبادلة من التصعيد غير المباشر.
وعلى المستوى السياسي الداخلي، تؤثر هذه الأجواء على مواقف الحكومات والرأي العام معًا، فتصاعد الاتهام المتبادل يحدّ من قدرة القادة على تبني مقاربات مرنة، كما يمنح التيارات المتشددة مساحة أوسع للمطالبة بإجراءات صارمة. وهذا الواقع قد يؤدي إلى تضييق هامش المناورة الدبلوماسية، ويجعل أي محاولة للتهدئة عرضة للانتقاد الداخلي، وبذلك يتحول الخطاب الخارجي إلى عامل مؤثر في الاستقرار السياسي الداخلي.
أما عسكريًا: فتنعكس هذه الحالة في رفع درجات الجاهزية وتعزيز الانتشار الدفاعي، إذ تميل الجيوش إلى التعامل مع البيئة المحيطة باعتبارها أكثر خطورة. وهذا السلوك قد يشمل تكثيف التدريبات وتوسيع نطاق المراقبة؛ كما يزيد من احتمالات الاحتكاك غير المقصود، وهو ما يرفع مخاطر سوء التقدير في بيئة مشحونة.
وضمن الإطار الأوروبي المشترك، تسهم هذه الاتهامات في إعادة تشكيل أولويات الأمن الجماعي، فبعض الدول تدفع نحو مقاربة أكثر تشددًا، بينما تفضل أخرى ضبط الإيقاع تفاديًا للتصعيد. وهذا التباين يضعف وحدة الموقف ويعقّد آليات اتخاذ القرار؛ كما يكشف عن اختلاف تقدير التهديد بين الشرق والغرب داخل القارة، ما يجعل الاستجابة الجماعية أقل تماسكًا. (فرنسا 24).
وعلى الصعيد الإستراتيجي: يؤدي هذا المسار إلى ترسيخ منطق الردع المتبادل القائم على الشك بدل الثقة، فكل خطوة تُفسَّر ضمن إطار نوايا عدائية محتملة. وهذا الإدراك يطيل أمد التوتر ويجعل خفضه أكثر صعوبة؛ كما يدفع الأطراف إلى الاستثمار في أدوات الردع بدل قنوات الحوار، وبذلك يتحول الاتهام السياسي إلى عنصر فاعل في إعادة إنتاج التصعيد داخل أوروبا.
أوروبا وإعادة صياغة العقيدة الأمنية والتنسيقية:
وهنا، يفرض المشهد الأمني غير الواضح على الدول الأوروبية مراجعة افتراضاتها التقليدية بشأن طبيعة التهديدات المحيطة بها، فالتطورات الأخيرة كشفت أن مصادر الخطر لم تعد محصورة في جيوش نظامية أو مواجهات معلنة. وهذا الإدراك يدفع نحو التفكير في مقاربات أكثر شمولًا ومرونة؛ كما يعزز القناعة بضرورة تحديث المفاهيم الدفاعية السائدة، وبذلك يصبح التغيير خيارًا استراتيجيًا لا مجرد رد فعل ظرفي.
وعلى مستوى العقيدة العسكرية، تبرز الحاجة إلى دمج أدوات جديدة في منظومات التخطيط والإنذار، فالاعتماد المفرط على نماذج تقليدية قد لا يكون كافيًا في بيئة تتسم بالغموض. وهذا الواقع يحفّز على تطوير قدرات الرصد المبكر والتعامل مع تهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير؛ كما يفرض إعادة النظر في أولويات التسليح والتدريب، وهو ما قد يعيد ترتيب ميزانيات الدفاع داخل القارة.
وتنسيقيًّا: تكشف هذه التحديات عن أهمية تعميق التعاون بين الدول الأوروبية، فالتعامل مع تهديدات عابرة للحدود يتطلب استجابات جماعية لا فردية. وهذا الأمر قد يدفع نحو تعزيز تبادل المعلومات وتوحيد آليات الاستجابة؛ كما يسلط الضوء على ضرورة تقليص الفجوات بين القدرات الوطنية المختلفة، وبذلك يصبح التنسيق عنصرًا مركزيًا في بناء الردع المشترك.
وسياسيًّا: تثير هذه التحولات نقاشًا واسعًا حول مفهوم السيادة الأمنية، فبعض الدول قد ترى في التكامل الدفاعي مساسًا باستقلال قرارها الوطني، في حين تعتبره أخرى ضمانة إضافية للأمن الجماعي. وهذا الجدل يعكس اختلاف التجارب التاريخية ومصادر التهديد المدركة؛ كما يؤثر على سرعة وعمق التغييرات المحتملة، ما يجعل مسار إعادة الصياغة غير متجانس بين العواصم. (سي إن إن عربي).
وإستراتيجيًّا: يشير هذا المشهد إلى انتقال أوروبا نحو مقاربة أمنية أكثر ديناميكية، فبدل الاعتماد على الردع التقليدي وحده، تتجه الأنظار إلى إدارة المخاطر والوقاية المبكرة. وهذا التحول قد يعزز قدرة القارة على التكيف مع أزمات غير متوقعة؛ كما يمنحها أدوات أوسع للتعامل مع بيئات صراع معقدة، وبذلك تتبلور عقائد أمنية تعكس طبيعة المرحلة الراهنة.
صفقات توماهوك الصاروخية مع أوكرانيا وأثرها على مشهد الصراع الروسي الغربي:
وخلال الأسابيع الأخيرة، تزايد الحديث عن إدخال منظومات صاروخية بعيدة المدى إلى المسرح العملياتي الأوكراني، حيث أثارت قلقًا متزايدًا لدى موسكو، لما تحمله من دلالات تتجاوز البعد العسكري التقني. فهذه الخطوة تُقرأ بوصفها رسالة سياسية تعكس تصلب المواقف الغربية؛ كما أنها تعكس انتقالًا من سياسة الاحتواء إلى تعزيز الردع الصلب. وهذا التحول يعمّق فجوة الثقة القائمة أصلًا بين الجانبين، ويجعل البيئة الاستراتيجية أكثر هشاشة وقابلية للتوتر.
ومن الزاوية الروسية: يُنظر إلى هذه الصفقات باعتبارها تهديدًا مباشرًا للتوازن القائم منذ نهاية الحرب الباردة، وخطوة تقرّب أكثر من صراع أوسع؛ إذ تُعيد إلى الواجهة مخاوف تطويق المجال الحيوي وتقليص عمق المناورة. وهذا الإدراك قد يدفع موسكو إلى اتخاذ إجراءات مضادة، سواء عبر نشر قدرات مقابلة في بيلاروسا أو تعديل عقائدها العسكرية، وهو ما يفتح الباب أمام سباق تسلح متجدد في القارة.
وأوروبيًّا: تختلف مقاربات الدول تجاه هذه الخطوة بين من يراها ضرورة أمنية ومن يخشى تبعاتها السياسية، فبعض العواصم تعتبر تعزيز القدرات الهجومية لأوكرانيا خط الدفاع الأول عن أوروبا، وضمانة إضافية للأمن؛ بينما تحذر أخرى من أن ذلك قد يستفز ردودًا غير محسوبة. وهذا الانقسام يعكس تباين تقدير المخاطر بين الشرق والغرب الأوروبي، كما يؤثر على تماسك الموقف الجماعي داخل الاتحاد. (الشرق للأخبار).
وعلى المستوى الإستراتيجي: تسهم هذه الصفقات في إعادة تعريف خطوط الردع؛ فهي لا تقتصر على الرد الدفاعي، بل تعزز القدرة على توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى. وهذا الواقع يغيّر حسابات التصعيد والرد لدى الأطراف كافة، كما يزيد من حساسية أي حادث أمني محدود، ما يرفع احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع نطاقًا.
وسياسيًّا: تضيف هذه التطورات طبقة جديدة من التعقيد إلى العلاقات المتوترة أصلًا، إذ تتراجع فرص الحوار لصالح منطق القوة والضغط المتبادل. وهذا المسار قد يقوّض أي محاولات لإعادة بناء الثقة، كما يعزز خطاب المواجهة داخل الدوائر السياسية والإعلامية؛ وبذلك تصبح الصفقات العسكرية عنصرًا فاعلًا في إعادة إنتاج الأزمة بدل احتوائها.
الخلاصة:
تكشف مجمل هذه التطورات عن انتقال واضح في طبيعة التوتر بين روسيا وأوروبا من صراع سياسي تقليدي إلى مواجهة متعددة المستويات والأدوات، فالغموض الجوي، والاتهامات المتبادلة، والتحركات التسليحية، جميعها تعكس تصاعد منطق الردع غير المباشر. وهذا المسار يعمّق فجوة الثقة ويزيد من هشاشة الاستقرار الإقليمي، كما يضع الدول الأوروبية أمام تحديات أمنية معقدة تتطلب توازنًا دقيقًا بين الردع وضبط التصعيد. وفي ظل غياب قنوات حوار فاعلة، تتزايد مخاطر سوء التقدير، وبذلك يبدو المشهد مرشحًا لمزيد من التعقيد ما لم تُطرح مقاربات سياسية موازية للأدوات العسكرية.
المصادر: