النووي السعودي بين مقتضيات "رؤية 2030" ومناورات المقايضة الأمريكية بأوراق "أبراهام"

يُشَكِّل البرنامج النووي السلمي السعودي أحد أهم المحاور الجوهرية في إستراتيجية التحول الاقتصادي والجيوسياسي التي تقودها المملكة في إطار "رؤية 2030". ففي الوقت الذي تبحث فيه الرياض عن تنويع مصادر الطاقة وتأمين بدائل مستدامة تُعَزِّز قدرتها الاستثمارية في قطاع النفط وتدعم مشاريع تحلية المياه والتصنيع، يأخذ هذا الملف مسارًا معقدًا يتجاوز الطموحات التنموية ليتقاطع مع موازين القوى الإقليمية وديناميكيات السياسة الدولية؛ حيث تسعى واشنطن لربط المشروع بحزمة معاهدات أمنية وإستراتيجية تشمل الدخول في "اتفاقيات أبراهام" وسياقات التطبيع مع الكيان المحتل.
في مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، نُسَلِّط الضوء على عدة محاور مختلفة، وهي: كيف يتحول الخيار النووي إلى شريان تنموي واستثماري للسعودية؟ هل تفرط الرياض في الدورة النووية المغلقة إرضاءً للشروط الأمريكية؟ كيف يُؤَثِّر الطموح النووي السعودي في موازين الردع والسباق الإقليمي؟ النووي مقابل "أبراهام".. هل تُقايض واشنطن التكنولوجيا السلمية بصفقة التطبيع الكبرى؟ هل تملك السعودية أوراق ضغط نووية باتجاه بكين وباريس وسيول؟ في السطور التالية سنناقش هذه الزوايا بشكل تحليلي مُفَصَّل.
يمر البرنامج النووي المدني السعودي بمنعطف حاسم يربط بين طموحات رؤية السعودية حول تنويع مصادر الطاقة والاقتصاد، وضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المجحفة التي تشترط انضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام للتطبيع مع إسرائيل للمضي قُدُمًا في تنفيذ الاتفاق النووي الممتد لـ30 عامًا ودون السماح بالتخصيب.
ورغم أَنَّ المملكة العربية السعودية لا تمتلك حتى الآن بنية تحتية نووية كبيرة خاصة بها، لكن تقارير دولية تحدثت عن قيام الرياض ببناء مفاعل أبحاث نووي صغير على مشارف الرياض وبناء قواعد صواريخ باليستية بمساعدة الصين.
ومع دخول واشنطن على خط التفاوض لبناء المفاعلات وتوفير التكنولوجيا المتقدمة، فقد تحوّل الملف النووي إلى ورقة ضغط ومقايضة في إطار الترتيبات الأوسع للمنطقة؛ حيث تسعى واشنطن لربطه بحزمة معاهدات أمنية وإستراتيجية تشمل الدخول في "اتفاقيات أبراهام" وسياقات التطبيع. يضع هذا المشهد الطموح السعودي بين رهانات الاستقلالية الوطنية وتوطين التقنية من جهة، وبين محاولات القوى الكبرى لاستغلال هذا الاحتياج التنموي لتحقيق مكاسب جيوسياسية وإعادة ترتيب أوراق المنطقة من جهة أخرى.
رؤية 2030 كيف يتحول "الخيار النووي" إلى شريان تنموي للسعودية؟
ينطلق الخيار النووي السعودي من ضرورة اقتصادية مُلِحَّة تتجاوز مجرد إضافة مصدر جديد للكهرباء؛ إذ تَسْتَهْدِف "رؤية 2030" تحرير مئات آلاف البراميل من النفط والمكثفات التي تُسْتَهْلَك يوميًّا في المحطات المحلية وتوجيهها للتصدير أو المخرجات البتروكيميائية عالية القيمة.
حيث يتحول البرنامج النووي في المملكة العربية السعودية من مفهوم طاقة بديلة إلى شريان تنموي أساسي يخدم مستهدفات رؤية المملكة الاقتصادية والإستراتيجية أيضًا وذلك عبر تنويع مصادر الطاقة، وتحرير ملايين براميل النفط المخصصة للكهرباء لتوجيهها نحو التصدير والصناعات التحويلية، وتوطين التقنيات المتقدمة وبناء الكفاءات الوطنية.
يُمَثِّل استغلال الثروات المحلية من اليورانيوم خطوة مفصلية لبناء دورة وقود متكاملة تدعم صناعة تحلية المياه الشديدة الكثافة في استهلاك الطاقة، وتؤمن احتياجات المشاريع العملاقة مثل "نيوم" و"المربع الجديد".
كما يفتح البرنامج آفاقًا استثمارية واسعة عبر جذب التكنولوجيا العالمية، وتأسيس سلاسل إمداد محلية للقطاعات الهندسية والإنشائية، ونقل المعرفة عبر تدريب الكوادر الوطنية في مجالات الفيزياء والهندسة النووية.
حيث لا يقف الأثر عند الحدود الوطنية، بل يمتد لتعزيز التنافسية الاستثمارية للمملكة السعودية بوصفها مركزًا إقليميًّا للطاقة النظيفة من جهة وخفض الانبعاثات الكربونية وفق التزامات الاستدامة البيئية من جهة أخرى، هذا التحول الهيكلي يُحَوِّل التقنية النووية من مشروع طاقة تقليدي إلى شريان تنموي يُنَوِّع مصادر الدخل القومي ويضمن الأمن الطاقي للمملكة لعقود قادمة. (الشرق الأوسط السعودية).
البرنامج النووي السعودي.. ماذا قال عنه الرؤساء الأمريكيون؟
هناك كثير مما يمكن قوله عن الاتفاق النووي السعودي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفيما يخص حديث الرؤساء الأمريكيين، سواء من حيث قيمته الإستراتيجية المُهِمَّة للمملكة، أو تداعياته السياسية، أو أخطاره المحتملة، أو تكلفته، أو أهميته الاقتصادية والعلمية، وكذلك الاستخدام العسكري. (الشرق الأوسط السعودية).
من الانتقادات الموجهة للرئيس ترامب في الداخل أنه يحابي السعودية على حساب المصالح العليا للولايات المتحدة، غير أَنَّ الوقائع تشير إلى عكس ذلك، فالصفقة نفسها تُعَدُّ، في نظر مؤسسات الدولة الأمريكية، جزءًا من تلك المصالح العليا، وقد تفاوض عليها ثلاثة رؤساء وأربع إدارات أمريكية متعاقبة.
إدارة ترامب الأولى، عام 2017م، فَعَّلَت الاتصالات، ومنحت الشركات الأمريكية التراخيص اللازمة للتفاوض مع الجانب السعودي، إلا أنه تعثَّر نتيجة فشل توقعات الطرفين، ثم جاءت إدارةُ الرئيس السابق بايدن ووافقت على استكمال المفاوضات، ورفعتها إلى مستوى سياسي أعلى، قبل أن تُؤَدِّي هجمات السابع من أكتوبر إلى تجميدها، وفي العام الماضي أُعِيد إحياء المفاوضات خلال زيارة ولي العهد السعودي التاريخية إلى واشنطن.
عشرُ سنوات من المفاوضات التقنية والقانونية والسياسية مثّلت تاريخًا طويلًا لا يترك مجالًا للقول إن الاتفاق جاء على عجل بسبب الحرب مع إيران، أو أَنَّ إدارة ترامب تجاهلت المصالح الأمريكية العليا، ومع ذلك تبقى في واشنطن أصوات معارضة لاعتبارات سياسية أو أيديولوجية أو انتخابية.
تدرك واشنطن أَنَّ الرياض ماضية في تنفيذ مشروعها النووي، وأَنَّ رفضها التعاون سيدفع الرياض للبحث عن شريك بديل، سواء في أوروبا أو الصين أو روسيا، وسيُؤَدِّي ذلك إلى إضعاف النفوذ الأمريكي، وربما خسارة شريك إستراتيجي تحرص الولايات المتحدة على الحفاظ عليه خلال العقدين المقبلين، ومن هذا المنظور، يُشَكِّل الاتفاق أحد مرتكزات العلاقة الإستراتيجية بين البلدين، وليس مجرد صفقة تجارية.
وينطبق المنطق نفسه على الجانب السعودي، ذلك أَنَّ مصلحة الرياض أيضًا الحفاظ على شراكتها مع القوة الدولية الكبرى، ويمكن أن نتفهم تشكك البعض في قيمة هذه العلاقة، على عَدّ أَنَّ الولايات المتحدة لم تحقق وَقْفَ الهجمات الإيرانية في الحرب الحالية، ومهما اختلفنا في التقييم، فإن هذه الحرب أثبتت استعداد واشنطن لتفعيل مفهوم الدفاع عن مصالحها العليا، لا الانكفاء عنها.
الحرب لم تنتهِ بعد، وهي تُمَثِّل اختبارًا مُهِمًّا للإرادة الأمريكية، وقد صادق الكونغرس، قبل يومين، على مخصصات مالية إضافية لدعم العمليات العسكرية بنحو مئة مليار دولار، بما يعكس استمرار الالتزام الأمريكي. وفي المقابل، كشفت الحرب أيضًا حدود الدور الصيني، رغم كون الصين الشريك التجاري الأكبر للسعودية، وأظهرت الفارق بين النفوذ الاقتصادي والاستعداد لتَحَمُّل الأعباء الأمنية. (الشرق الأوسط السعودية).
لذا يبقى المشروع النووي السعودي مُهِمًّا في حد ذاته، حتى لو أخطأت القراءات السياسية في تقدير نتائج العلاقة، فمنذ أكثر من عشر سنوات، اتَّخذت المملكة قرارًا بتنويع مصادر الطاقة، والبرنامج النووي أحد مرتكزات "رؤية السعودية 2030"، لدعم قطاعات الطب والصناعة وإنتاج الكهرباء والبحث العلمي.
أَمَّا من حيث التكلفة، فيقدر مركز "كارنيغي" أَنَّ إيران دفعت ما يقارب نصف تريليون دولار لمحاولة بناء مشروعها النووي منذ تسعينيات القرن الماضي، وتأخذ التقديرات في الحسبان العقوبات الاقتصادية، وارتفاع تكلفة التوريد والبناء السري، هذا رقمٌ خرافيّ، ومع ذلك لم يُبْنَ المشروع حتى الآن.
ولم تكن هذه الخسائر في تكلفة البناء في حد ذاتها، بل بسبب قرارات سياسية اتخذتها طهران، برنامجها النووي، مثل برامجها العسكرية، ليس هدفه إنتاج الكهرباء، بل أداة للنفوذ والهيمنة الإقليمية، ولهذا أقيمت منشآتها في السِّرّ، ودُفِنَت أجزاء كبيرة منها تحت الجبال، بحسب التقارير الأمريكية.
ومن العوامل التي عَزَّزَت التوجه السعودي نحو الطاقة النووية، اكتشافاتها المتزايدة لخام اليورانيوم في عمليات التنقيب الأخيرة ضمن مشروع الرؤية الاقتصادي، حيث تشير النتائج الأولية إلى احتياطيات يورانيوم في باطن الأرض بالمملكة تكفي لتغطية احتياجات المفاعلين المزمع إنشاؤهما طوال عمرهما التشغيلي. (الشرق الأوسط السعودية).
شروط واشنطن والمقايضة بأوراق أبراهام لتمرير البرنامج:
وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شرطًا جديدًا للمضي في تنفيذ الاتفاق النووي الموقع مع السعودية، وذلك بعد يوم واحد من إقراره رسميًّا، إذ قال إن المملكة يجب أن تنضم إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية"، وهو ما أغضب نشطاء وسياسيين بالمملكة. (الجزيرة).
المنشور الذي كتبه ترامب، على وسائل التواصل الاجتماعي، أثار جدلًا خصوصًا بعدما قال إن الاتفاق الموقع سيحظى بالموافقة، لكنه أضاف أنه يبقى مرهونًا بالكامل بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، التي تحظى باحترام واسع وحققت نجاحًا كبيرًا.
وكان وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، ونظيره السعودي قد وَقَّعَا، الاتفاق الذي يتيح للمملكة تطوير برنامج نووي مدني، وأثار الاتفاق بالفعل انتقادات من مسؤولين إسرائيليين، ومن المتوقع أن يخضع لتدقيق في الكونغرس الأمريكي.
الاتفاق قد يتيح للسعودية تخصيب الوقود اللازم لتشغيل مفاعلاتها النووية المدنية، كما يتضمن الاتفاق قيودًا على نطاق عمليات التفتيش التي يمكن إجراؤها على البرنامج النووي السعودي.
وكانت السعودية قد أبدت في السابق تَحَفُّظًا على الانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية" وهي المبادرة التي أُطْلِقَت خلال الولاية الأولى لترامب، ثم تَوَسَّعَت خلال ولايته الثانية بهدف إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وجيرانها في الشرق الأوسط.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بوصفه داعمًا لدولة الاحتلال في قتل الأبرياء، تَحَدَّث صراحةً أَنَّ المضي قُدُمًا في تنفيذ البرنامج النووي السعودي، يبقى مربوطًا بانضمام المملكة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية.
شَدَّد ترامب أَنَّ البرنامج النووي سيحظى بالموافقة لكن "دون وجود تخصيب لليورانيوم"، وسيكون للاستخدامات غير العسكرية. وأوضح أَنَّ واشنطن لا تعارض إقامة منشآت نووية مدنية غير مخصبة. (الجزيرة).
تُمَثِّل الدورة النووية المغلقة والتمسّك بتخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية الخط الأحمر الإستراتيجي في المفاوضات مع واشنطن، حيث تنظر الرياض إلى التخصيب ليس فقط بوصفه حَقًّا سياديًّا كفلته المعاهدات الدولية (NPT)، بل بوصفه ضمانةً جيو-اقتصادية لاستغلال احتياطياتها المحلية الضخمة من اليورانيوم المقدرة بـ 6% من الاحتياطي العالمي. (سكاي نيوز).
من الواضح أَنَّ المؤشرات أو المعطيات الحالية تُؤَكِّد أَنَّ الرياض لن تفرط في طموحها المتعلق بدورة الوقود النووي أو تخصيب اليورانيوم، ذلك أَنَّ الاتفاقية النووية المدنية المبرمة بين السعودية والولايات المتحدة من شأنها أن تُوَفِّر مسارًا قانونيًّا تقنيًّا يتناول دورة الوقود، مع إبقاء الباب مفتوحًا لاحتمال بناء منشأة تخصيب محلية مستقبَلًا بناءً على دراسات مشتركة، لا استسلامًا كاملًا لشروط الإلغاء مع الإدارة الأمريكية.
ترتكز العقدة الأمريكية في الإصرار على توقيع "اتفاقية 123" بشروطها القاسية (Zero Enrichment) لمنع أي إمكانية مستقبلية للتحول نحو الاستخدام العسكري، خشية إطلاق سباق تسلح نووي إقليمي.
وفي المقابل: تدرك السعودية أَنَّ التنازل عن الاستخلاص والتصنيع المحلي يجعل استثماراتها النووية رهينة للضغوط والمشروطيات السياسية للخارج متى ما تغيرت مراكز القرار في البيت الأبيض. لذلك، ترفض القيادة السعودية صيغ الالتفاف مثل بنوك الوقود المستورد أو الإدارة الخارجية للمفاعلات، وتطرح صيغًا متقدمة للرقابة المشتركة والتفتيش الصارم بوصفها بديلًا عن التنازل عن التخصيب.
إن صلابة الموقف السعودي في هذا الملف يعكس إدراكًا حاسمًا بأَنَّ التنازل عن الدورة المغلقة يُفَرِّغ الاستقلالية التكنولوجية من مضمونها، ويجعل التنمية النووية مُكَبَّلَة بشرطية سياسية دائمة. (سكاي نيوز).
اتفاقية 123 النووي.. هل تتيح تخصيب اليورانيوم في السعودية؟
تستند الاتفاقية إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية لعام 1954م، والمعروفة باتفاقية 123، إلى جانب اتفاقية ضمانات ثنائية مصاحبة.
جاء حديث ترامب عقب الإعلان، في وقت سابق، عن التَّوَصُّل لاتفاق بين واشنطن والرياض، لإقامة برنامج نووي سلمي في السعودية، حيث ينص الاتفاق على التعاون النووي مع المملكة العربية السعودية، والتأسيس لشراكة تمتد لعقود في مجال الطاقة النووية السلمية، وبمليارات الدولارات.
أمريكا ترى أَنَّ الشراكة النووية مع السعودية سوف تُعَزِّز الأمن القومي وأمن الطاقة، وتُرَسِّخ المعايير العالمية لمنع الانتشار النووي، وتُعَمِّق العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن والرياض. (الشرق بلومبرج).
لقد مثّلت خطوة التوقيع بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية اتفاق التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، خطوة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لكن يظل الاتفاق النووي مع السعودية مشروطًا بانضمامها لاتفاقيات أبراهام.
ويأتي الاتفاق في إطار الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، واستكمالًا لما تم إعلانه خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لواشنطن في نوفمبر الماضي.
إن الاتفاقية ستُعَزِّز التعاون بين البلدين في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، بما يُسْهِم في تطوير التعاون المشترك وفق أعلى المعايير الدولية ذات العلاقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار النووي؛ كما تُمَثِّل الاتفاقية امتدادًا للتعاون القائم بين البلدين في قطاع الطاقة، ودعمًا للجهود الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة وتطوير التقنيات المتقدمة، وتعزيز فرص التعاون والاستثمار بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين، ولكن يجب ألا تكون بهدف الضغط على الرياض أو ربطها بورقة أبراهام.
ومن الواضح أَنَّ الاتفاقية النووية إن صَحَّت سوف تعكس التزامًا مشتركًا بتعزيز العلاقات التجارية الأمريكية السعودية، وتحقيق الازدهار في الداخل والأمن لحلفائنا في الخارج، خصوصًا أنها تلتزم بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار النووي، مع الاعتماد على أفضل التقنيات والعلماء النوويين في العالم، والمصممين هنا في الولايات المتحدة.
ومن المتوقع أن تمتد الاتفاقية ثلاثين عامًا، وأن تُشْرَك شركات أمريكية في تطوير البرنامج، بحسب ما أكده مسؤولون أمريكيون، وقد تُتيح الاتفاقية بناء منشأة لتخصيب اليورانيوم في السعودية بعد دراسة أمريكية سعودية مشتركة.
وقد أعلنت السعودية والولايات المتحدة رسميًّا، توقيع اتفاقية تعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وذلك تعزيزًا للتعاون الثنائي في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة بين البلدين.
تَهْدِف الاتفاقية التي وَقَّعَهَا وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، مع وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، بما يُسْهِم في تطوير التعاون المشترك وفق أعلى المعايير الدولية ذات العلاقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار النووي، ويعكس الرؤية المشتركة للبلدين نحو توسيع التعاون في مجالات الطاقة والتقنيات المستقبلية ودعم التنمية المستدامة.
الاتفاقية ستضع الأساس القانوني لشراكة تمتد إلى عقود، وتُقَدَّر بمليارات الدولارات، بما يدعم عددًا من الأولويات الاقتصادية والإستراتيجية، من بينها منع الانتشار النووي، كما أَنَّ ما يُعْرَف باتفاقية 123 سوف تمنح الشركات الأمريكية فرصًا واسعة للمشاركة في برنامج الطاقة النووية السعودي، بما يعود بالنفع على الصناعة، والعمال، وسلاسل الإمداد في الولايات المتحدة، وتساعد في تلبية احتياجات السعودية من الطاقة، لكن من المقرر إحالة الاتفاقية إلى الكونجرس لمراجعتها. (الشرق بلومبرج).
الطموح النووي السعودي سوف يعيد صياغة هندسة الأمن الإقليمي عبر فَرْض خيارات ردع جديدة تتجاوز مفهوم الحماية التقليدية المستندة إلى المظلات الأجنبية، لا سيما بعدما كشفت الحرب الإيرانية مع واشنطن وإسرائيل بعض الحقائق أمام المملكة خصوصًا والخليج والعالم العربي عمومًا. (سي إن إن).
يبدو أَنَّ الطموح النووي السعودي سوف يعيد صياغة موازين الردع الإستراتيجي في الشرق الأوسط، حيث يُمَثِّل سعي الرياض لتوطين تقنية تخصيب اليورانيوم ودورة الوقود ضمن المشروع الوطني للطاقة الذرية في السعودية تحولًا نوعيًّا على الأرض من مجرد الاعتماد على المظلات الأمنية التقليدية إلى بناء ردع تقني وسيادي متكامل.
كما أَنَّ بناء بنية تحتية نووية متقدمة -حتى وإن كانت سلمية- يُوَفِّر للمملكة الخطوة المُهِمَّة أو العتبة التكنولوجية الكفيلة بتحقيق التوازن الجيوسياسي وتعديل موازين القوى في مواجهة البرامج الإقليمية المجاورة، حيث يبعث هذا المسار برسائل صريحة للفاعلين الإقليميين والدوليين بأَنَّ الرياض لن تقبل بوجود نفوذ نووي أحادي يهدد أمن الخليج العربي أو يُخِلُّ بقواعد اللعبة.
وفي حين تخشى القوى الغربية من أن تُحَفِّز الخطوة السعودية سباق تسلح نووي إقليمي يدفع أطرافًا أخرى لتطوير قدراتها، تُصِرّ السعودية على أَنَّ امتلاك المعرفة والتقنية الذاتية هو السبيل الوحيد لفَرْض ردع استباقي يضمن عدم الاستفراد بالمكاسب الجيوسياسية.
وبالتالي، لا يُعَدُّ البرنامج النووي مجرد مشروع للحد من الأخطار، بل أداة تحول إستراتيجي تُجبر المجتمع الدولي على إعادة تقييم التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، وتفرض معادلة أمنية جديدة تكون فيها الرياض لاعبًا أساسيًّا في رسم حدود الردع والاستقرار. (سي إن إن).
هل تُقايض واشنطن التكنولوجيا السلمية بصفقة التطبيع الكبرى؟
لطالما تدعم واشنطن حليفها الإسرائيلي بشتى الطرق في القتل والتهجير والعربدة في المنطقة، فليس بغريب أن تجبر دولة مُهِمَّة في المنطقة على التطبيع أو هكذا تحاول بشكل حثيث، كما تحاول واشنطن توظيف التفوق التكنولوجي والنووي بوصفه أداةَ هندسة جيوسياسية لإنجاز إحدى أكبر الصفقات الإقليمية.
وكما ذكرنا فإن إدارة واشنطن تربط نقل التكنولوجيا النووية المدنية والذكاء الاصطناعي إلى السعودية بمسار التطبيع الإقليمي عبر "اتفاقيات أبراهام"؛ ورغم توقيع اتفاقيات تعاون إستراتيجي ونووي سلمي، تُصِرّ الدوائر الأمريكية على أَنَّ الدخول الفعلي لتلك الصفقات الكبرى حيز التنفيذ مشروط سياسيًّا بتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال. (سي إن إن).
حيث تنظر الإدارة الأمريكية إلى الدعم النووي السلمي بوصفه "المقابل التكتيكي" الثمين الذي يمكن تقديمُه لاستقطاب الرياض نحو اتفاقيات "أبراهام" وتوسيع نطاق التطبيع، كما تدرك واشنطن أَنَّ الرغبة السعودية في بناء اقتصاد المعرفة وتأمين أمن الطاقة هي احتياج تنموي مُلِحّ؛ ولذا تسعى لربط هذا المكسب التقني بشرطية سياسية تشمل الانخراط في الترتيبات الإقليمية الجديدة والتزام المعايير الأمريكية لمنع الانتشار النووي ظاهريًّا واتفاقية أبراهام باطنًا، لكن يبدو أَنَّ الرياض باتت ترفض منطق المقايضة المشروطة التي تمس سيادتها الوطنية أو تنزع عنها حق تخصيب اليورانيوم كما ألمحت بعض التصريحات بالمملكة السعودية، لذا فهي تصرّ على أَنَّ أي خطوة سياسية نحو التطبيع لن تكون مجرد ثمن مجاني للتكنولوجيا، بل تتطلب معالجة جوهرية للقضية الفلسطينية وضمانات أمنية وإستراتيجية ملزمة.
إن هذا التدافع يعكس صراعًا بين إستراتيجية أمريكية تسعى لاستثمار نفوذها التقني لتحقيق اختراق دبلوماسي كبير مع المملكة، ورؤية سعودية متماسكة تُصِرّ على فَصْل حقوقها التنموية عن الابتزاز السيادي من جهة، وأن تكون محتفظةً ببدائل إستراتيجية تجعل التكنولوجيا النووية حَقًّا مكتسبًا لا جائزة مقايضة من جهةٍ أخرى. (سي إن إن).
الخيارات السعودية البديلة وأوراق الضغط مع الصين وفرنسا وسيول:
تُمَثِّل إستراتيجية "تنويع الشركاء" ورقة الضغط الأقوى التي تمتلكها الرياض لكسر الاحتكار والمشروطيات الأمريكية في ملفها النووي؛ إذ تمنحها برلين وباريس وسيول خيارات تكنولوجية وجيوسياسية مرنة ومنافسة. (الجزيرة).
وبالتالي، تستطيع السعودية استخدام خيار التعاون النووي المدني وتنويع مصادر توريد المفاعلات بين بكين وباريس وسيول عبر شركات مثل كوريا للطاقة الكهربائية KEPCO ومجموعة إي دي إف الفرنسية والصين بوصفه ورقة تفاوض ومناورة، للضغط على واشنطن للحصول على مكاسب أمنية وتقنية وتخصيب اليورانيوم، وليس بوصفه أوراقَ ضغط هجومية ضد هذه الدول الثلاث ذاتها.
كما تُوَفِّر بكين عبر شركة "CNNC" بدائل متكاملة دون كوابح سياسية أو شروط إضافية تخص التخصيب المحلي أو اتفاقيات التطبيع، بينما تمتلك فرنسا خبرة عميقة في المفاعلات والوقود النووي تُوَفِّر مظلة أوروبية متوازنة.
وفي الوقت نفسه، تقدم كوريا الجنوبية عبر شركة "KEPCO" نموذجًا عمليًّا ومُجَرَّبًا في المنطقة، كما في تجربة مفاعلات "بركة" في الإمارات، مما يُتيح للسعودية الحصول على المفاعلات وتوطين التقنية بأسعار تنافسية وجداول زمنية منضبطة، وهذا الانفتاح الإستراتيجي يضعف الهيمنة التفاوضية لواشنطن، ويضع الإدارة الأمريكية أمام أخطار فقدان سوق نووي ضخم وسيطرة جيوسياسية على واحدة من أهم البنى التحتية المتقدمة في الشرق الأوسط لصالح منافسيها الدوليين.
وبالتالي، يمكن للسعودية أن تحول هذه البدائل من مجرد خيارات تقنية إلى أداة مناورة سياسية حاسمة تُجبر واشنطن على إما تقديم تنازلات جوهرية أو المخاطرة بخروجها الكامل من المعادلة النووية السعودية.
ولِمَ لا والسعودية لديها أوراق ضغط، حيث ذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية منذ أيام قليلة إن المملكة والصين يعتزمان التعاون في مشروعات للطاقة النووية عقب مناقشات دارت بين البلدين بشأن سبل دعم برنامج الرياض للطاقة النووية.
خصوصًا وتسعى السعودية منذ سنوات لتنويع مزيج الطاقة كي يتسنى لها تصدير المزيد من النفط بَدَلًا من حرقه في محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، حيث أطلقت المملكة برنامجًا للطاقة المتجددة هذا العام، وتخوض الرياض المراحل الأولى من دراسات الجدوى والتصميم لأول مفاعلين نوويين تجاريين بطاقة إجمالية تبلغ 2.8 جيجاوات. (الجزيرة).
وهو ما بدا واضحًا بعدما قامت المؤسسة الوطنية الصينية للصناعة النووية (سي.إن.إن.سي)، فِعْلِيًّا بالاتفاق مع شركة تطوير المشروعات النووية الحكومية الرائدة في الصين، وَقَّعَت مذكرة تفاهم مع هيئة المساحة الجيولوجية السعودية لتوثيق التعاون القائم بين الجانبين في مجال استكشاف وتقييم مصادر اليورانيوم والثوريوم.
أبرز السيناريوهات المتوقعة حول اتفاقية النووي السعودي:
السيناريو الأول وهو الأقرب إذ من الممكن أن يُؤَدِّي إلى نجاح واشنطن في إبرام حزمة ثلاثية كبرى تمكن السعودية من الحصول على مفاعلات وتقنيات نووية لكن مع قيود مشددة على التخصيب، مقابل انضمامها لاتفاقيات أبراهام، بشرط تحقيق تقدم ملموس وملزم نحو مسار الدولة الفلسطينية يمنح الرياض الغطاء السياسي الكافي.
السيناريو الثاني وهو المسار النووي المعزول وهو انتزاع السعودية موافقة أمريكية للتعاون النووي والتدريب دون ربطه المباشر بالتطبيع، من خلال تقديم الرياض لالتزامات صارمة بمنع الانتشار وتحويل ملف التطبيع إلى مرحلة مستقبلية مرهونة بمتغيرات الميدان.
السيناريو الثالث في حال رفضت واشنطن والذي يتمثل في الاستعانة بالشركاء البدلاء، بمعنى أن تتجه السعودية إلى توقيع عقود وبناء مفاعلات مدنية مع الصين أو كوريا الجنوبية أو فرنسا في حال إصرار واشنطن وتل أبيب على شروط قاسية تخص تخصيب اليورانيوم، مما يتسبب في إضعاف ورقة الضغط الأمريكية ونفوذها التكنولوجي في الخليج. (الشرق بلومبرج).
السيناريو الرابع يتمثل في التجميد التفاوضي، وذلك إذا تعثرت المفاوضات ودخل الملف في حالة جمود نتيجة رفض الرياض التنازل عن حق تخصيب اليورانيوم محليًّا أو اتفاقية أبراهام دون حل جذري للقضية الفلسطينية، بالتزامن مع الانسداد السياسي في إسرائيل وعدم القدرة على تقديم التزامات ذات قيمة للقضية الفلسطينية.
الخلاصة:
- يُمَثِّل البرنامج النووي السعودي حجر الزاوية في مشروع التحول الاقتصادي والإستراتيجي للمملكة، حيث يتجاوز أبعاده التنموية المتمثلة في تأمين الطاقة وتحلية المياه وحفظ الثروة النفطية للتصدير، ليصبح ورقة ثقل جيوسياسي تصيغ موازين القوى في الشرق الأوسط.
- تسعى الرياض لبناء بنيتها التحتية وتوطين تقنية التخصيب المحلي لحفظ سيادتها وتأمين ردع إستراتيجي متوازن، لكن تحاول واشنطن استغلال هذا الاحتياج التكنولوجي عبر توظيفه في صفقات المقايضة السياسية وربطه بمظلة أمنية حصرية ومسار اتفاقيات "أبراهام" المشبوهة.
- هذا التقاطع المعقد يضع الطموح السعودي أمام اختبار دقيق بين تحقيق الاستقلالية التنموية الكاملة وتفادي القيود السياسية الأمريكية، خاصة مع تنوع الخيارات البديلة أمام المملكة بين الشرق والغرب.
- بالأخير.. يبقى الملف النووي معيارًا لمدى قدرة القيادة السعودية على فرض شروطها الوطنية وتحويل المبادرات الإقليمية إلى مكاسب إستراتيجية شاملة تخدم الرؤية المستقبليّة للبلاد دون التنازل عن مقومات سيادتها أو ثوابتها التاريخية أو التطبيع والدخول في اتفاقية أبراهام المزعومة دون حل جذري للقضية الفلسطينية.
المصادر: