بربرة (الصومال).. موطئ قدم صهيوأمريكي يعيد رسم خريطة النفوذ ويفتح باب الصراعات في البحر الأحمر

في قلب القرن الإفريقي، وعلى ضفاف خليج عدن، تتشكَّل معادلة جديدة تحمل في طياتها ملامح إعادة رسم خريطة النفوذ الدولي. مدينة بربرة، التي كانت يومًا مجرد ميناء هادئ على الساحل، تتحوَّل اليوم إلى مسرح لتقاطع المصالح الأمريكية والإسرائيلية لبناء قاعدة عسكرية عليها، في خطوة تعكس انتقال الصراع من الشرق الأوسط إلى خاصرة البحر الأحمر، وبينما يُسوَّق المشروع تحت شعار "حماية الملاحة الدولية"، تتصاعد المخاوف من أن يكون هذا التمركز العسكري بوابةً لصراعات أوسع، تُهدِّد أمن المنطقة وتضع الدول المستضيفة أمام تحديات وجودية تتعلَّق بالسيادة والاستقرار.
في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات، نسلِّط الضوء على عدة محاور حول بناء قاعدة صهيوأمريكية في "إقليم أرض الصومال الانفصالي"، وتداعياتها على الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي، وهي:
- موقع جيوإستراتيجي.. بربرة بوابة القرن الإفريقي نحو البحر الأحمر.
- الأهداف المعلنة.. حماية الملاحة أم فرض الهيمنة؟
- التداعيات الأمنية في بناء القواعد الأجنبية على الدول المستضيفة.
- انعكاسات إقليمية واستقطاب دولي وصراعات محتملة.
- خيارات بديلة نحو تحالفات إقليمية لحماية السيادة والاستقرار.
- أرض الخليج نموذج لعدم الاستقرار في ظل وجود القواعد الأجنبية.
تتسارع وتيرة الأعمال الإنشائية في منطقة بربرة الواقعة في "إقليم أرض الصومال الانفصالي" المُعلَنة من جانب واحد، لتحويل مطارها ومساحات شاسعة من ضواحيها إلى قاعدة عسكرية متكاملة، في خطوة تعكس إعادة تموضُع إستراتيجي للقوى الغربية وحلفائها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وبينما تنشغل الأنظار بملفات المنطقة كالإبادة في غزة والحرب الإيرانية، تُبنى قاعدة عسكرية جديدة في مدينة بربرة، لتكون موطئ قدم إستراتيجي للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وذلك في أعقاب اعتراف إسرائيل باستقلال ما يسمى: "صوماليلاند" في ديسمبر 2025، بهدف إقامة موقع متقدِّم في خليج عدن قبالة السواحل اليمنية، بزعم تأمين الملاحة في مضيق باب المندب ضد تهديدات جماعة الحوثي، وفقًا لما كشفه تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية.
يُثير هذا الوجود العسكري المكثَّف تساؤلات جوهرية حول تداعياته على الأمن القومي لدول المنطقة، لا سيما مع تزايد مخاطر الاستقطاب الدولي وتحوُّل المنطقة إلى ساحة للصراعات المباشرة، حيث حذَّر مراقبون من أن هذه القواعد قد تتحوَّل إلى عبء أمني وعسكري على الدول المستضيفة مثلما حدث تمامًا في القواعد الأمريكية بالخليج، مما يفتح الباب أمام نقاشات واسعة حول ضرورة بناء تحالفات إقليمية بديلة قادرة على حماية السيادة الوطنية وضمان استقرار الملاحة الدولية بعيدًا عن التدخُّلات الأجنبية (العقارية).
موقع جيوإستراتيجي.. بربرة بوابة القرن الإفريقي نحو البحر الأحمر:
تقع بربرة على ساحل خليج عدن، في نقطة تماس مباشرة مع أهم طرق التجارة البحرية العالمية، موقعها يمنحها قدرة على مراقبة وتأمين الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أعقد الممرَّات الإستراتيجية؛ ذلك أن قربها من البحر الأحمر يجعلها حلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس.
هذا الموقع يُتيح لمن يسيطر عليه نفوذًا واسعًا على حركة النفط والغاز والبضائع المتجهة إلى أوروبا وآسيا، حيث إن "إقليم أرض الصومال الانفصالي" يمثِّل بديلًا إستراتيجيًّا عن القواعد العسكرية في الخليج، خاصة مع تصاعد التوترات هناك.
كما أن وجودها في القرن الإفريقي يضعها في قلب التنافس الدولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. لذلك، فإن السيطرة على بربرة ليست مجرد مسألة محلية، بل ورقة ضغط إقليمية ودولية تُعيد تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر.
خبراء عسكريون -ومنهم اللواء نصر سالم رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق- يرون أن إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية إسرائيلية في منطقة بربرة المعروفة بـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي" يمثِّل خطورة بالغة، حيث أكَّد سالم أن التجارب السابقة -لا سيما في دول الخليج- أثبتت أن القواعد الأجنبية تمثِّل عبئًا على الدول المستضيفة لها ولا توفِّر الحماية الحقيقية المطلوبة (العقارية).
أكَّد اللواء نصر سالم أن المفهوم الذي تروِّج له القوى الاستعمارية بأن هذه القواعد تحمي الدول من الاعتداءات الخارجية هو فكر مغلوط، مُشيرًا إلى أن ما حدث في حرب الخليج والاعتداءات الإيرانية الأخيرة أثبت عجز هذه القواعد عن حماية نفسها أو حماية الدول التي تقع على أراضيها، بل تسبَّبت في خسائر اقتصادية وبشرية لتلك الدول.
وشدَّد رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق على مبدأ "ما حكَّ جلدك مثل ظفرك"، داعيًا إلى ضرورة العودة لفكرة إنشاء قوة عربية مشتركة كما اقترحت مصر منذ سنوات، لمواجهة التحديات والاعتداءات، مؤكِّدًا أنها ستكون البديل الصحيح والوحيد القادر على تأمين المنطقة بعيدًا عن القواعد الأجنبية.
وحول إمكانية وجود تحرُّك بقيادة مصر ودول المنطقة للتصدِّي لهذه القاعدة في القرن الإفريقي، يرى عسكريون أن الدول يجب أن تُدرِك مصالحها جيِّدًا ولا تُغلِّب مصالح شخصية ضيِّقة على مصلحة الدولة، مُشيرين إلى أن السياسة المصرية والدستور المصري يرفضان وجود أي قواعد أجنبية على أراضي الدولة، معتمدين في ذلك على قوات مسلحة مُدرَّبة تُحقِّق الردع لأي معتدٍ.
إن وجود هذه القواعد على أراضي دول أخرى هو شأن يتعلَّق بسيادة تلك الدول وتوافقها، لكن على سبيل المثال نجد أن الدولة المصرية تظلُّ دائمًا متحسِّبة ومراقِبة لضمان ألَّا تتحوَّل هذه القواعد إلى مصدر إزعاج أو تهديد للأمن القومي المصري (الشروق).
صور الأقمار الصناعية كشفت عن قيام الولايات المتحدة الأمريكية حاليًّا ببناء قاعدة عسكرية في منطقة "إقليم أرض الصومال الانفصالي"، لا سيما أن مطار بربرة يشهد توسُّعًا ملحوظًا منذ أكتوبر 2025.
إن هذا التوسُّع يُعدُّ مؤشِّرًا واضحًا على تطوير القدرات اللوجستية والعسكرية للمطار، ليتحوَّل إلى قاعدة عسكرية مخصَّصة لاستخدام كل من الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب شركاء دوليين آخرين تربطهم علاقات صداقة مع "إقليم أرض الصومال الانفصالي".
لا شك أن هذه التحرُّكات تعكس إعادة تموضُع إستراتيجي للقوى الغربية وحلفائها في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وذلك في ظل التنافس الدولي المحتدم بين الدول العظمى على الممرَّات البحرية الدولية، وهو ما يكرِّس تواجدًا أمريكيًّا إسرائيليًّا في واحدة من أهم المناطق الإستراتيجية في العالم.
وكان تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية قد كشف عن تسارُع وتيرة الأعمال الإنشائية لبناء قاعدة عسكرية بصمت في مدينة بربرة فيما يُسمَّى بـ"أرض الصومال"، مؤكِّدًا أن هذه الخطوة تمنح الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي موطئ قدم إستراتيجيًّا في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بالتزامن مع إعادة تموضُع القوى الغربية في المنطقة.
وأوضحت الصحيفة أن صور الأقمار الصناعية رصدت توسُّعات ملحوظة في مطار "إقليم أرض الصومال الانفصالي" منذ أكتوبر 2025، بهدف تطوير قدراته اللوجستية ليصبح قاعدة مخصَّصة لاستخدام القوات الأمريكية والإسرائيلية وشركاء دوليين آخرين.
الأهداف المعلنة.. حماية الملاحة أم فرض الهيمنة؟
تُسوَّق القاعدة في بربرة باعتبارها وسيلة لحماية الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن. هذا الخطاب يركِّز على مواجهة تهديدات الحوثيين وضمان أمن السفن التجارية (الشروق).
لكن خلف هذه المبرِّرات، يبرز هدف السيطرة على أهم الممرَّات البحرية العالمية، حيث إن وجود أمريكي إسرائيلي في بربرة يمنح نفوذًا مباشرًا على طرق النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا وآسيا.
الهيمنة العسكرية هنا ليست فقط لحماية الملاحة، بل لإعادة توزيع موازين القوى في البحر الأحمر، وهذه الخطوة تعكس انتقال الصراع من الخليج إلى القرن الإفريقي، حيث المنافسة على النفوذ أشدُّ تعقيدًا، ومن ثَمَّ فالنتيجة هي أن الأهداف المعلنة تبدو غطاءً لمشروع أوسع يسعى لترسيخ الهيمنة الدولية على حساب السيادة الإقليمية.
إن مدينة "بربرة" في "إقليم أرض الصومال الانفصالي" تجذب الأنظار بسبب موقعها الإستراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، كما أن صور الأقمار الصناعية قد أظهرت أن مطار بربرة يشهد توسُّعًا ملحوظًا منذ أكتوبر 2025، في مؤشِّر واضح على تطوير قدراته اللوجستية والعسكرية.
حيث تتواصل أعمال البناء بوتيرة متسارعة في ضواحي المدينة، موضِّحةً أن هذه المدينة الساحلية التابعة لـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي" المُعلَنة من جانب واحد تُعدُّ من أبرز مراكز النشاط الاقتصادي في الإقليم بفضل مينائها الحديث.
"إقليم أرض الصومال الانفصالي" المعروف بمينائه الحديث الذي يمثِّل شريانه الاقتصادي الرئيسي يحتضن أيضًا بنية تحتية إستراتيجية أخرى تقع على بُعد 7 كيلومترات غرب وسط المدينة: مطاره الذي يجري تطويره حاليًّا ليصبح قاعدة عسكرية مخصَّصة لاستخدام كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وشركاء دوليين آخرين، وهي دول حليفة لأرض الصومال.
هذه الأشغال تتزامن مع خطوة سياسية لافتة تمثَّلت في اعتراف إسرائيل باستقلال إقليم أرض الصومال الانفصالي في 26 ديسمبر 2025، وهو مخطط صهيوني خبيث لضرب استقرار المنطقة والتجسُّس على هذه الدول بمساعدة جماعة متمردة ولمساعدة دول إقليمية -للأسف-.
هذه المبادرة الدبلوماسية المفاجئة، أو المخطط الصهيوأمريكي، والتي تُعدُّ حتى الآن سابقة فريدة عالميًّا، قد جاءت بدفع من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتهدف في نهاية المطاف إلى إقامة موقع إستراتيجي متقدِّم لإسرائيل في خليج عدن، بالقرب من السواحل اليمنية التي تنشط قبالتها جماعة الحوثيين.
دولة الكيان المحتل تتذرَّع بأن الحوثيين قد دخلوا في مواجهة عسكرية مع تل أبيب في 28 مارس، مهدِّدين بإغلاق الملاحة في مضيق باب المندب، وهو ما يمثِّل خطًّا أحمر لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، لذا فهذا المشروع يعكس إعادة تموضُع إستراتيجي للقوى الغربية وحلفائها في منطقة القرن الإفريقي، في ظل تصاعد التهديدات للممرَّات البحرية الدولية، بزعم أن تطوير منشآت عسكرية في بربرة يمنح هذه القوى قدرة أكبر على مراقبة وتأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، لا سيما في ظل تزايد الهجمات على السفن التجارية.
لقد برز هذا التوجُّه في أهمية أرض الصومال كلاعب ناشئ في المعادلات الجيوسياسية، رغم عدم اعتراف المجتمع الدولي بها رسميًّا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تغييرات دبلوماسية وأمنية أوسع خلال المرحلة المقبلة (الشروق).
قاعدة بربرة.. تحالف أمريكي إسرائيلي على بوابة البحر الأحمر:
إن بناء قاعدة عسكرية في مدينة "بربرة" في إقليم أرض الصومال الانفصالي لتعزيز الوجود الإسرائيلي والأمريكي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن، بعد ما أظهرت الأقمار الصناعية توسُّعًا ملحوظًا في مطار بربرة منذ أكتوبر 2025 بهدف تحويله إلى موقع إستراتيجي متقدِّم لمراقبة الملاحة الدولية (الدولة 24).
تطوير القاعدة العسكرية يتزامن كما ذكرنا سالفًا مع اعتراف إسرائيل باستقلال "صوماليلاند" في ديسمبر الماضي بدفع من بنيامين نتنياهو، ويهدف هذا التموضُع الإستراتيجي لإيجاد موطئ قدم دائم بالقرب من السواحل اليمنية لمواجهة تحرُّكات جماعة الحوثيين التي هدَّدت بإغلاق مضيق باب المندب.
هذا المخطط يهدف إلى شقِّ الصف الإفريقي وتوسيع النفوذ في الشرق الأوسط، كما يمنح القوى الغربية وحلفاءها قدرة أكبر على السيطرة الأوسع تحت مزاعم الردع العسكري وحماية الخطوط الملاحية الحمراء التي تمثِّل شريانًا حيويًّا للاقتصاد الإسرائيلي والأمريكي على حدٍّ سواء.
وهو ما يوضح أهمية أرض الصومال الانفصالي كلاعب ناشئ في المعادلات الجيوسياسية بالقرن الإفريقي رغم عدم الاعتراف الدولي الرسمي بها حتى الآن؛ الأمر الذي يعكس إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة لمواجهة نفوذ الجماعات المسلحة وتأمين خليج عدن من الهجمات البحرية المتكررة.
ومن المتوقَّع أن تفتح هذه القاعدة الباب أمام تغييرات أمنية ودبلوماسية واسعة في المنطقة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار المواجهات العسكرية المباشرة بين تل أبيب والحوثيين التي اندلعت في مارس الماضي.
يشهد القرن الإفريقي لحظة تحوُّل فارقة تُعيد صياغة توازناته الإستراتيجية، حيث تتداخل النزاعات الداخلية مع تنافسات إقليمية ودولية محتدمة، بما يدفع المنطقة نحو حافة تصعيد قد يتجاوز حدودها الجغرافية. فالتوترات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، وتجدُّد الاشتباكات في إقليم تيجراي، واعتراف إسرائيل بـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي" والتعاون الإستراتيجي بين إثيوبيا وأرض الصومال في ضوء مذكِّرة التفاهم الموقَّعة بين الطرفين في يناير 2024، لا تمثِّل تلك مجرد وقائع متفرِّقة، بل تعكس مسارًا متسارعًا يهدف إلى إعادة رسم خرائط القوة على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر.
وفي منطقة تُشكِّل إحدى أهم العُقَد الجيوسياسية للتجارة العالمية وأمن الملاحة الدولية، يكتسب الحراك الدبلوماسي المتسارع -بما في ذلك زيارة رجب طيب أردوغان إلى أديس أبابا، والزيارة المرتقَبة للرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ لإثيوبيا- دلالات واضحة على الاهتمام المتزايد بالمنطقة بوصفها محورًا جيوسياسيًّا مؤثِّرًا في توازنات البحر الأحمر وأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وترتبط هذه التحوُّلات مباشرة بالأهمية الجغرافية الاستثنائية للقرن الإفريقي، المُشرِف على مضيق باب المندب الرابطِ الحيوي بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، والذي يمنح المنطقة ثقلًا إستراتيجيًّا كبيرًا، حيث إن استقرار الملاحة في المنطقة يمثِّل ضمانة لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يُفسِّر الحضور الدولي المتزايد والسعي المستمر لتعزيز النفوذ وحماية المصالح الإستراتيجية.
تكتسب الطموحات الإثيوبية للحصول على منفذ على البحر الأحمر بُعدًا أمنيًّا حيويًّا، فإثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، تنظر إلى الوصول إلى البحر باعتباره ضرورة إستراتيجية لضمان الاستقلالية التجارية وتعزيز المرونة الجيوسياسية، غير أن السعي إلى تحقيق هذا الهدف ينطوي على تعقيدات سياسية وأمنية عميقة، ويُثير حساسيات جيوسياسية متعددة المستويات، خصوصًا في ظل تمسُّك إريتريا بسيادتها على موانئها ورفض أي ترتيبات قد تمسُّ الحدود أو تفتح الباب لإعادة رسم الخرائط.
اعتراف دولة الاحتلال مخالفة صريحة للقانون الدولي:
يمثِّل اعتراف دولة الاحتلال المارقة بأرض الصومال الانفصالي بُعدًا إضافيًّا من التعقيد الإستراتيجي، إذ يمتدُّ تأثيره إلى إعادة توزيع النفوذ على الموانئ والمسارات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس سعيًا لتعزيز الحضور في البيئة الإقليمية وربط التحالفات بمشروع أوسع لتأمين السيطرة على الممرَّات الحيوية، مع الأخذ في الاعتبار تجربة إغلاق مضيق باب المندب خلال حرب أكتوبر 1973 وكذلك مقتضيات الحرب ضد الحوثيين.
يُعدُّ اعتراف إسرائيل المنفرد بـ"أرض الصومال الانفصالي" كدولة مستقلة (ديسمبر 2025) انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كونه يقوِّض سلامة أراضي ووحدة الصومال، ويتجاوز الإجماع الدولي الذي لم يعترف بالإقليم منذ 1991؛ ويُنظَر لهذا الإجراء كتدخُّل في الشؤون الداخلية للصومال وتهديد للسلم والأمن في القرن الإفريقي؛ لأن هذا الاعتراف يشجِّع بعض الحركات الانفصالية على تصعيد مطالبها، ما يُضاعِف هشاشة الدولة ويزيد المخاطر الإستراتيجية على الممرَّات البحرية والموانئ الحيوية، محوِّلًا القضية من مسألة داخلية إلى محور تأثير إقليمي ودولي مباشر على أمن الطاقة والتجارة العالمية.
جدير بالذكر: أن القانون الدولي يؤكِّد صراحةً على حُرمة حدود الدول، واعتراف إسرائيل بأرض الصومال المنفصلة يُعزِّز تقسيم دولة ذات سيادة معترف بها (الصومال)، وهو ما ترفضه الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والعالم العربي والإسلامي بل والدول الأوروبية.
التداعيات الأمنية في بناء القواعد:
كما أن وجود القواعد الأجنبية يجعل أراضي الدولة المستضيفة لها هدفًا مباشرًا في أي صراع إقليمي أو دولي، كما أن هذه القواعد غالبًا ما تُستخدَم كمنصَّات انطلاق لعمليات عسكرية لا تخدم مصالح الدولة المضيفة بل نفسها، وهو ما حدث بالفعل في الحرب بين إيران وواشنطن وتداعياتها على دول الخليج العربي (الدولة 24).
إن الاعتماد عليها يُضعِف قدرة الدولة على تطوير منظومة دفاعية مستقلة ويكرِّس التبعية الأمنية، لأن القواعد الأجنبية قد تُثير حساسيات داخلية وتُغذِّي مشاعر رفض شعبي ضد التدخُّل الخارجي، حيث إن استضافة قواعد عسكرية يفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية من القوى الكبرى.
خصوصًا أن وجودها يُفاقِم حالة الاستقطاب الدولي ويزيد احتمالات تحوُّل الدولة المضيفة إلى ساحة مواجهة، والنتيجة أن هذه القواعد لا تُحقِّق الاستقرار، بل تُضيف طبقات جديدة من المخاطر الأمنية والتهديدات الإستراتيجية.
يجب أن نُذكِّر بأن النفوذ الأمريكي في القرن الإفريقي قد تزايد بشكل ملحوظ عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، ليتحوَّل إلى ركيزة أمنية وعسكرية إستراتيجية تحت زعم مكافحة الإرهاب، ولكن هناك أهداف معلنة مثل تأمين الممرَّات الملاحية "مثل باب المندب"، ومواجهة النفوذ الصيني والروسي المتنامي، لكن تظلُّ هناك أهداف خفية معلومة للكثيرين.
حيث تعتمد واشنطن على قاعدة "ليمونيه" في جيبوتي والقيادة العسكرية الإفريقية "أفريكوم"، لتعزيز تحالفاتها الأمنية، حيث تشمل إستراتيجيتها الحالية التوسُّع في الشراكات العسكرية، وتدريب جيوش المنطقة: إثيوبيا وكينيا والصومال، وتزويدها بالسلاح والعتاد.
وبعد القاعدة الأمريكية التي تُبنى حاليًّا على أرض بربرة، هناك تقارير تتحدَّث عن احتمالية كبيرة في إقامة قاعدة إسرائيلية، ولِما لها من تداعيات أمنية كبيرة على الإقليم الذي كان في وقت ما يُعدُّ نسبيًّا أكثر استقرارًا من بقية الصومال، خصوصًا بعدما أثار الاعتراف الإسرائيلي تهديدات من الحوثيين ومن حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تخوض تمرُّدًا في الصومال منذ نحو عقدين.
لماذا يعرض "إقليم أرض الصومال الانفصالي" أرضه ومعادنه على ترامب؟
للبحث عن السلطة والاستقلال وتقليد المناصب ولو على حساب الأوطان، أبدت قيادات أرض الصومال استعدادها لمنح الولايات المتحدة امتيازات في استغلال المعادن وإقامة قواعد عسكرية، في مسعى لكسب اعتراف دولي بعد اعتراف إسرائيل بها، وتؤكِّد أن أراضيها تحتوي على معادن إستراتيجية وتسعى لاتفاق مع واشنطن.
يبدو أن الثروات مقابل الاعتراف؛ حيث عرض إقليم أرض الصومال الانفصالي معادنه وقواعده العسكرية على واشنطن، وأكَّد عبدي أن الإقليم مستعد لمنح الولايات المتحدة حقوقًا حصرية في قطاع المناجم، وأن سلطاته منفتحة كذلك على فكرة تقديم قواعد عسكرية للولايات المتحدة.
حيث يريد إقليم أرض الصومال الانفصالي انتزاع الاعتراف الدولي المُعلَن من طرف واحد عام 1991 إلى كسب اعتراف أمريكي رسمي، خاصة بعد اعتراف إسرائيل بها مؤخَّرًا، كما يسعى إلى التعاون الأمني والعسكري مع أمريكا، عبر استخدام موقعه الإستراتيجي، خاصة قربه من مضيق باب المندب، لتعزيز الأمن البحري الأمريكي ومواجهة التهديدات الإقليمية.
لذلك فقد أقدمت أرض الصومال على منح الولايات المتحدة امتيازًا في استغلال معادنها وإقامة قواعد عسكرية فيها، وفق ما أعلن عنه وزير شؤون الرئاسة في الجمهورية المُعلَنة من طرف واحد خضر حسين عبدي في مقابلة صحفية، حيث قال: "إننا مستعدون لمنح الولايات المتحدة حقوقًا حصرية في مجال المناجم، كما أننا منفتحون على فكرة تقديم قواعد عسكرية للولايات المتحدة".
إقليم أرض الصومال الانفصالي يرغب في الاعتراف به ولو على حساب أي شيء وكل شيء، بعدما كانت إسرائيل أول من اعترف بها كدولة مستقلة ذات سيادة في أواخر ديسمبر، وبحسب وزير الطاقة والمناجم، فإن أرض الصومال تحتوي على معادن إستراتيجية، وإن كانت كمياتها غير معروفة في غياب دراسات بشأنها إلى الآن.
وسبق أن طرح رئيس "إقليم أرض الصومال الانفصالي" عبد الرحمن محمد عبد الله، صراحةً في الأسابيع الماضية إمكانية منح دولة الاحتلال امتيازًا في استغلال ثروات الجمهورية المعدنية، وقال خضر حسين عبدي في المقابلة التي أُجريت معه في مكتبه في القصر الرئاسي: "نعتقد أننا سنتوصَّل إلى اتفاق ما مع الولايات المتحدة".
وتمتلك واشنطن قاعدة بحرية في جيبوتي المجاورة لأرض الصومال، وتقع جيبوتي وأرض الصومال عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، وهي من الطرق التجارية التي تشهد أكبر حركة في العالم، وتربط بين المحيط الهندي وقناة السويس.
وعن احتمال منح إسرائيل أيضًا قاعدة عسكرية على أراضي الجمهورية، أجاب بأن "لا شيء مستبعَد" في إطار "شراكة إستراتيجية بين البلدين" سيتمُّ توقيعها "قريبًا" في إسرائيل، ويعتبر مراقبون أن هذا التقارب ناتج عن موقع الجمهورية الانفصالية قبالة اليمن حيث شنَّ الحوثيون المدعومون من إيران هجمات على إسرائيل بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة (الدولة 24).
يكتسب الإقليم أهمية إضافية بسبب موقعه الجغرافي بمحاذاة مدخل مضيق باب المندب، أحد أهم الممرَّات البحرية في العالم، الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويُشكِّل شريانًا حيويًّا لحركة التجارة العالمية بين المحيط الهندي وقناة السويس.
التقارب بين الإقليم الانفصالي وإسرائيل مرتبط بموقعه المقابل للسواحل اليمنية، في ظل التوترات التي أعقبت الحرب في قطاع غزة والهجمات التي تبنَّاها الحوثيون ضد إسرائيل في البحر الأحمر.
ومن جانبها، فقد أعلنت منظمة التعاون الإسلامي إلى جانب أكثر من 20 دولة رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم، معتبرةً الخطوةَ سابقة خطيرة وتهديدًا للسلم والأمن الدوليين.
وجاء ذلك في بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الأردنية، ووقَّعه وزراء خارجية كل من مصر وتركيا والأردن والجزائر وجزر القمر وجيبوتي وغامبيا وإيران والعراق والكويت وليبيا والمالديف ونيجيريا وسلطنة عُمان وباكستان وفلسطين وقطر والسعودية والصومال والسودان واليمن.
وقد أكَّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الاعتراف الإسرائيلي لا يخدم استقرار الإقليم ولا منطقة القرن الإفريقي، فيما دعا الاتحاد الأوروبي إلى احترام وحدة أراضي الصومال، معتبِرًا ذلك عنصرًا أساسيًّا لاستقرار المنطقة.
انعكاسات إقليمية واستقطاب دولي وصراعات محتملة:
دخول قوى كبرى إلى بربرة بـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي" يُعزِّز التنافس الدولي في القرن الإفريقي ويزيد من حساسية المنطقة، هذا التواجد العسكري يضع دول البحر الأحمر أمام معادلة جديدة بين النفوذ الأمريكي والإسرائيلي من جهة، والصيني والروسي من جهة أخرى (دويتش فيله).
اليمن وإثيوبيا قد ينظران إلى القاعدة كتهديد مباشر لأمنهما القومي، ما يفتح بابًا لتوترات إضافية، ودول الخليج ستتأثَّر أيضًا، إذ قد تتحوَّل طرق الملاحة إلى أوراق ضغط في الصراع الإقليمي، لأن الاستقطاب الدولي قد يدفع بعض القوى الإقليمية إلى بناء تحالفات مضادَّة، مما يُعمِّق الانقسام.
كذلك فإن احتمالية اندلاع صراعات بالوكالة في المنطقة باتت ترتفع مع تزايد الوجود العسكري الأجنبي، لذا فقد تصبح منطقة بربرة بؤرة صراع إقليمي ودولي واسع النطاق، بدلًا من أن تكون عامل استقرار للملاحة العالمية.
ويتزامن هذا المشهد المخزي مع تصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر باعتباره ممرًّا حيويًّا للطاقة والتجارة العالمية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى حماية طرق التجارة ومنع توسُّع النفوذ الصيني، وتعمل الصين على تأمين خطوط مبادرة الحزام والطريق. وفي المقابل تطمح روسيا إلى موطئ قدم بحري، بينما تُعزِّز تركيا حضورها، حيث تُدير قاعدة "تركسوم" في مقديشو، وهي الأكبر لها في الخارج وتمثِّل بوابة للنفوذ التركي في القرن الإفريقي، وهذا التشابك يحوِّل القرن الإفريقي إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإستراتيجي.
لقد بدا واضحًا أن منطقة القرن الإفريقي تقف اليوم عند مفترق طرق، حيث تتقاطع طموحات الدول الإقليمية مع مصالح القوى الكبرى، وتتداخل اعتبارات السيادة مع متطلبات الأمن البحري العالمي، وبينما تبدو احتمالات الحرب الشاملة محدودة، فإن استمرار التوترات دون معالجة جذورها قد يدفع المنطقة نحو صراع بارد طويل الأمد يُعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات.
وبالتالي يظلُّ استقرار القرن الإفريقي رهينًا بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على تحويل التنافس إلى توازن، والصراع إلى ترتيبات تعاون، قبل أن تتفاقم التوترات المتناثرة وتتحوَّل إلى أزمة إستراتيجية تهدد استقرار المنطقة بأسرها.
أرض الخليج نموذج لعدم الاستقرار في ظل وجود القواعد الأجنبية:
انتشار القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج لم يمنع التهديدات الأمنية، بل زاد من تعقيد المشهد الإقليمي، هذه القواعد غالبًا ما تُستخدَم لخدمة مصالح القوى الكبرى أكثر من حماية الدول المستضيفة، وهو ما حدث في الحرب الأخيرة بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب المتحالفتَين في ضرب استقرار المنطقة.
كما أن التجارب أثبتت أن وجودها لم يردع الهجمات، بل إن الاعتماد على الحماية الخارجية أضعف مفهوم السيادة الوطنية وأدخل المنطقة في دائرة التبعية، ومن ثَمَّ تكبَّدت هذه الدول التكاليف الاقتصادية والسياسية لاستضافة هذه القواعد التي شكَّلت عبئًا ثقيلًا على الحكومات والشعوب (دويتش فيله).
أضف إلى ذلك: أن وجود هذه القواعد قد أسهم في استقطاب دولي حاد، جعل الخليج ساحة صراع بين القوى الكبرى، والمحصلة هي: أن القواعد الأجنبية لم تُحقِّق الاستقرار، بل كرَّست حالة عدم اليقين وأضعفت قدرة المنطقة على بناء منظومة أمنية ذاتية.
من الواضح أن هذا المشروع بات يهدد بتعقيد العلاقات مع الصومال، التي تعتبر أرض الصومال جزءًا لا يتجزَّأ من أراضيها وهي الحقيقة الدامغة، حيث إن إقامة قواعد عسكرية أجنبية في الإقليم دون موافقة الحكومة المركزية في مقديشو قد تؤدِّي إلى تصعيد سياسي وربما أمني، ما يُضيف بُعدًا جديدًا للأزمة في القرن الإفريقي.
لا سيما أن قاعدة بربرة ليست مجرد منشأة عسكرية، بل مؤشِّر على إعادة تشكيل موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، غير أن الطريقة التي يتمُّ بها هذا التحوُّل، عبر تحالفات غامضة وتحت مظلة التطبيع، تُثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستقرار في البحر الأحمر وباب المندب، كما تضع علامات استفهام كبيرة حول الدور الذي تقوم به بعض الدول في الإقليم والذي بات يُنظَر إليه بشكل متزايد كعامل توتر لا تهدئة.
الخلاصة:
- تتحوَّل مدينة بربرة في "إقليم أرض الصومال الانفصالي" إلى نقطة ارتكاز عسكرية جديدة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، فالقاعدة الأمريكية الإسرائيلية باتت تمثِّل إعادة تموضُع إستراتيجي في القرن الإفريقي وهو أمر يُنذِر بقلق بالغ في هذه المنطقة.
- الهدف الصهيوأمريكي المُعلَن هو تأمين الملاحة في باب المندب وخليج عدن ضد تهديدات الحوثيين، في حين أن الأهداف الخفية ترتبط بالتجسُّس والهيمنة على طرق التجارة العالمية وموازنة النفوذ الإيراني والصيني.
- وجود الكيان المحتل في المنطقة يعكس انتقال الصراع من الشرق الأوسط إلى خاصرة إفريقيا، لأن القواعد الأجنبية قد أثبتت تاريخيًّا بالدليل القاطع أنها عبء على الدول المستضيفة أكثر من كونها حماية فعلية.
- المخاطر تشمل الاستقطاب الدولي وتحويل المنطقة إلى ساحة صراعات مباشرة، والتكاليف الاقتصادية والسياسية قد تُثقِل كاهل إقليم أرض الصومال الانفصالي وتُضعِف سيادتها، ومن ثَمَّ زيادة انتشار الجماعات المسلحة في إقليم مشتعل بالأساس.
- وفي الختام: هذا التمركز قد يفتح الباب أمام مواجهات إقليمية جديدة، لذا فالحل يكمن في بناء تحالفات عربية وإقليمية بديلة تضمن الأمن والسيادة بعيدًا عن التدخُّلات الأجنبية، وهو مقترح مهم عرضته الدولة المصرية منذ حوالي 10 سنوات على لسان الرئيس السيسي، ولكن مع كل أسف أجهضته بعض الدول العربية والآن تدفع الثمن باهظًا.. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
المصادر: