تقاطع المصالح.. لماذا رفعت روسيا حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية؟

دولية
تقاطع المصالح.. لماذا رفعت روسيا حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية؟
١٩ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٢١ يناير ٢٠٢٦

في تحول لافت يحمل أبعادًا تاريخية وإستراتيجية، بدأت العلاقة بين روسيا وحركة طالبان تتجه نحو الانفراج بعد عقود من القطيعة والعداء المتجذر.

فمنذ الغزو السوفييتي لأفغانستان في عام 1979، والذي أدى إلى واحدة من أطول الحروب وأكثرها كلفة لروسيا (الاتحاد السوفييتي آنذاك)، ظلت موسكو تنظر بعين الشك والعداء إلى الجماعات الإسلامية المسلحة وعلى رأسها طالبان، التي صعدت لاحقًا كقوة مسيطرة في البلاد، لكن هذا الإرث العدائي بدأ يتآكل تدريجيًّا في السنوات الأخيرة، لتصل العلاقة إلى نقطة مفصلية في أبريل 2025، حين قررت روسيا رفع اسم حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية، في خطوة تعكس تحولًا جذريًّا في مقاربتها للملف الأفغاني.

يأتي هذا التحول في سياق سعي موسكو لإعادة تموضعها إقليميًّا، في ظل انسحاب القوات الدولية من أفغانستان، وما تبعه من فراغ إستراتيجي عملت روسيا على ملئه من خلال توسيع قنوات التعاون مع كابول الجديدة، خصوصًا في ملفات مكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي.

كما يعكس هذا القرار الروسي رغبة أوسع في إعادة رسم خرائط التحالفات الدولية في ظل ديناميكيات جيوسياسية معقدة، تتداخل فيها مصالح أمنية واقتصادية، ورغبة روسية في الحد من النفوذ الغربي في آسيا الوسطى، والاستفادة من موقع أفغانستان في قلب هذه المنطقة الحيوية.

تأتي هذه التطورات في وقت حساس، حيث تسعى موسكو إلى إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية والدولية، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، كما أن توقيت هذا التحول يحمل دلالات كبيرة على إعادة تشكيل ملامح التحالفات الدولية، خاصة في ضوء الوضع الجيوسياسي الذي تشهده أفغانستان بعد انسحاب القوات الدولية منها، وتأثيره المباشر على الديناميكيات الإقليمية.

الواجهة الرسمية.. هل تكشف التصريحات الروسية كل شيء؟

جاءت التصريحات الرسمية الروسية بشأن رفع حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية تحت غطاء التغيرات الواقعية على الأرض.

فقد أكد المبعوث الروسي الخاص إلى أفغانستان، ضمير كابولوف، أن طالبان أصبحت "سلطة أمر واقع"، وأن تجاهلها لم يعد خيارًا واقعيًا لأي دولة تسعى إلى الحفاظ على مصالحها داخل أفغانستان أو في محيطها الجغرافي.

هذا الخطاب، رغم اتزانه الظاهري، يحمل في طياته الكثير من الغموض، فروسيا، التي كانت من أوائل الدول التي أبدت رفضًا قاطعًا لشرعنة طالبان عقب انسحاب القوات الأمريكية عام 2021، بدّلت لهجتها تدريجيًا، وبدأت في التعامل مع الحركة كسلطة قائمة، دون اعتراف دبلوماسي رسمي.

اللافت أن موسكو لم تبرر قرار الرفع بأسباب قانونية أو حقوقية، بل اعتمدت على مقاربة "الواقعية السياسية"، وهو ما يشير إلى أن القرار لم يكن محض تطور طبيعي في العلاقات، بل خطوة محسوبة بعناية، مبنية على توازنات دقيقة داخل الإقليم، وربما ضغوط داخلية روسية تتعلق بملفات الأمن والطاقة والتحالفات الإقليمية.

وهنا، يبدو أن التصريحات الرسمية لا تعكس سوى السطح، فيما تُخفي طبقات من الدوافع السياسية والإستراتيجية.

الجيوسياسية المتغيرة.. ملء الفراغ في قلب آسيا:

تُدرك موسكو جيدًا أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان شكّل فراغًا جيوسياسيًا كبيرًا، تحاول قوى إقليمية عدة ملأه، وعلى رأسها الصين، إيران، تركيا، وبالطبع روسيا نفسها.

فقرار رفع طالبان من قائمة الإرهاب لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه البيئة المعقدة:

فروسيا لا ترى في طالبان حليفًا بالمعنى التقليدي، لكنها ترى فيها أداة ضرورية لضبط إيقاع النفوذ الغربي المتراجع في المنطقة، خصوصًا في ظل التحول الجذري في أولويات واشنطن، التي باتت تركز على المحيطين الهندي والهادئ، وتحديات الصين.

تحاول موسكو أن تعيد ترسيخ نفوذها في جمهوريات آسيا الوسطى، التي تخشى من تسلل موجات التطرف عبر الحدود الأفغانية، وتحاول في الوقت ذاته إعادة تشكيل صورة روسيا كقوة إقليمية قادرة على التفاهم مع الجميع، بما في ذلك الحركات الإسلامية التي سبق ووصفتها بالإرهاب.

ويبدو أن التعامل مع طالبان هو جزء من إعادة تموضع روسي أوسع في قلب آسيا، بهدف التأثير في مجرى التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة تُعتبر بالغة الحساسية لمصالحها الإستراتيجية.(1)

المصالح الأمنية المباشرة.. درع استباقي لآسيا الوسطى:

لم يكن الملف الأمني بعيدًا عن خلفيات القرار الروسي، بل قد يكون هو المحرك الخفي الأقوى وراء هذه الخطوة.

وتُدرك روسيا أن طالبان، رغم ما يُثار حولها من تحفظات، تملك اليوم مفاتيح السيطرة على معظم الأراضي الأفغانية، وهي القوة الوحيدة القادرة - ولو بشكل غير منضبط - على ضبط الحدود الجنوبية للبلاد.

وفي ظل تزايد نشاط تنظيم "داعش خراسان"، الذي يُعد عدوًا مشتركًا لموسكو وطالبان، ترى روسيا في التنسيق مع الحركة وسيلة لاحتواء خطر التطرف السني المتشدد، الذي يهدد عمقها الأمني في طاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان، وكلها جمهوريات سابقة في الاتحاد السوفييتي تُعد مناطق نفوذ روسي تقليدي.

ولذلك فإن فتح قنوات اتصال مع طالبان، بل ورفعها من قوائم الإرهاب، يُمكن أن يُقرأ باعتباره جزءًا من سياسة "الوقاية الإستراتيجية"، عبر شراء حياد طالبان تجاه المصالح الروسية، وربما أيضًا الدفع بها لمواجهة داعش خراسان على الأرض، دون انخراط روسي مباشر في المستنقع الأفغاني، وهو ما تسعى موسكو إلى تفاديه منذ تدخلها العسكري في سوريا.(2)

الاقتصاد والفرص.. أفغانستان كمورد غير مستغل:

بعيدًا عن الأمن والسياسة، لا يمكن تجاهل البُعد الاقتصادي في قرار موسكو.

أفغانستان رغم الفقر المزمن، تملك ثروات باطنية هائلة من الليثيوم والنحاس والذهب، وتُعد سوقًا واعدة لمشروعات بنية تحتية قد تمولها الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق، أو تُشارك فيها روسيا كشريك تقني وتنفيذي.

ومع تراجع الاستثمارات الغربية بشكل حاد، تسعى روسيا إلى اغتنام هذه اللحظة التاريخية للدخول إلى السوق الأفغانية بشروط أقل منافسة وأكثر انفتاحًا.

تتقاطع هذه الرؤية مع رغبة موسكو في تنويع شركائها الاقتصاديين، والتقليل من الاعتماد على الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا.

وهنا، لا تبدو طالبان مجرد طرف سياسي، بل بوابة محتملة نحو فرص اقتصادية كبيرة، سواء في استخراج المعادن، أو في فتح طرق تجارية جديدة تمر عبر آسيا الوسطى، ما قد يمنح روسيا بُعدًا إضافيًا في مشروعها الأوراسي الكبير.

تحولات في خطاب وسلوك طالبان.. من الجهاد إلى "الشرعية الواقعية"؟

منذ عودتها إلى الحكم في أغسطس 2021، سعت حركة طالبان إلى إعادة تقديم نفسها كحركة مسؤولة قادرة على إدارة دولة، وليس فقط كتنظيم مسلح يقاتل ضد الاحتلال الأجنبي.

هذا التحول لم يكن فقط في الخطاب السياسي، بل انعكس - وإن بشكل محدود - على سلوك الحركة في إدارة الشأن العام.

فقد عمدت طالبان إلى تشكيل حكومة، وإعادة فتح المدارس - وإن كانت بنسب متفاوتة - ومحاولة ضبط الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الداخل، وتقديم نفسها كجهة قادرة على فرض النظام، مهما كانت انتقادات المجتمع الدولي لها، غير أن التغيير الأعمق كان في خطابها الموجّه للخارج، فبعد سنوات من العزلة والحرب، أصبحت الحركة تتحدث عن "علاقات متوازنة مع جميع الدول" و"احترام سيادة الدول الجارة"، بل وتقدّم نفسها كطرف قادر على مكافحة الإرهاب، خصوصًا ضد تنظيم داعش - خراسان، لكن هذه التحولات، رغم رمزيتها، لم تصل بعد إلى مستوى مراجعة جذرية لأيديولوجية الحركة أو بنيتها الداخلية.

فلا تزال طالبان تمنع تعليم الفتيات فوق سن معينة، ولا توجد مؤشرات على وجود مؤسسات ديمقراطية أو إشراك أطياف سياسية في الحكم.

لذا فإن ما تصفه بعض القوى الإقليمية، ومنها روسيا، بالتحول، لا يزال في نظر كثير من المحللين مجرد براغماتية ظرفية.(3)

براغماتية الحكم.. حين تجبرك السلطة على تعديل خطابك:

لا شك أن السيطرة على مقاليد الحكم فرضت على طالبان واقعًا مغايرًا تمامًا لما كانت عليه في فترة التمرد.

فالحركة التي كانت تعيش على تكتيكات الحرب والعصيان المسلح، وجدت نفسها اليوم مسؤولة عن الرواتب، وعن توفير الكهرباء، وعن تأمين القمح والوقود، وعن محاربة الفساد، وعن تقديم خدمات لملايين المواطنين.

هذه المسؤوليات دفعتها - وإن على مضض - إلى التواصل مع عدد من الدول الإقليمية، وفتح قنوات حوار حتى مع خصوم الأمس.

وقد سعت الحركة إلى توجيه رسائل تطمين إلى كل من روسيا والصين وإيران، مؤكدة أنها لن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية كنقطة انطلاق لتهديد أمن الدول المجاورة.

وهذا التوجه البراغماتي جذب اهتمام موسكو، التي تُدرك أن بقاء طالبان معزولة قد يفتح الباب لعودة التوتر الأمني في آسيا الوسطى.

من هذا المنطلق، بدأت روسيا تتعامل مع الحركة لا كتنظيم أيديولوجي جامد، بل كسلطة تسعى إلى البقاء، ويمكن التفاوض معها وفق ميزان المصالح، لكن هذه البراغماتية لا تخلو من تحديات، فهي تتوقف على قدرة طالبان على الحفاظ على السيطرة الكاملة، وعلى قبول قاعدتها الشعبية بتحولات قد تُفسَّر بأنها تنازلات عن "المبادئ الجهادية" التي تأسست عليها الحركة، مما يجعل مستقبل هذا المسار هشًا ومعتمدًا على موازين داخلية دقيقة.(4)

التحديات الداخلية والخارجية لطالبان.. بين الانعزال والإفلاس:

رغم استتباب الظاهر الأمني في كثير من المدن الأفغانية، تواجه طالبان مشكلات متفاقمة داخلية وخارجية قد تهدد تماسكها السياسي.

داخليًّا: يعاني الاقتصاد من ركود خانق، بفعل العقوبات الغربية وتجميد الأموال الأفغانية في الخارج، وتدهور البنية التحتية، وانعدام السيولة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، كما أن غياب الاعتراف الدولي يمنع وصول مساعدات تنموية حقيقية، ويضعف قدرة الحكومة على التفاعل مع المؤسسات المالية الدولية.

أما على المستوى السياسي: فلا تزال طالبان ترفض أي شكل من أشكال التعددية أو المشاركة، مما يعمق عزلة مكوناتها الإثنية عن باقي الفئات، ويفتح الباب أمام ظهور معارضة جديدة، بعضها مسلح، وبعضها سلمي يسعى إلى الضغط من الداخل أو الخارج.

أمنيًّا: يظل تنظيم "داعش-خراسان" يشكل تهديدًا مباشرًا للحركة، خاصة عبر هجمات نوعية تضرب في عمق المدن الكبرى، وتحرج طالبان أمام سكانها والعالم.

خارجيًّا: لا تزال أغلب العواصم الكبرى، بما فيها واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي، ترفض الاعتراف الرسمي بالحركة، لكن بعض القوى الإقليمية، كروسيا والصين وإيران وتركيا، تبنت مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على فتح قنوات تواصل دون اعتراف رسمي، وهو ما يُبقي طالبان في "منطقة رمادية" سياسية ودبلوماسية.

هذه التحديات رغم حدّتها قد تدفع طالبان إلى المزيد من الانفتاح، وقد تفرض عليها تقديم تنازلات سياسية، أو على الأقل تحسين صورتها، ما لم ترغب في دفع البلاد إلى مزيد من العزلة والانهيار.(5)

مستقبل العلاقة بين روسيا وطالبان.. من التنسيق إلى التحالف؟

يبدو أن قرار روسيا برفع طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل خطوة تمهيدية لإعادة صياغة العلاقة بين الجانبين على أسس جديدة.

فموسكو لا تسعى فقط إلى حماية أمن حدودها الجنوبية، بل تفتح الباب أمام علاقات أوثق قد تشمل التعاون الاقتصادي، وربما التنسيق الأمني المشترك في مواجهة داعش.

السيناريو الأول المحتمل هو تطوير العلاقة إلى مستوى الشراكة الاقتصادية، حيث تدخل شركات روسية إلى السوق الأفغانية - خاصة في قطاع الطاقة والمعادن - بموجب تفاهمات مع سلطات طالبان. وقد تلعب موسكو أيضًا دورًا في إعادة تأهيل البنية التحتية، كما حدث في مشاريع روسية سابقة في الثمانينيات والتسعينيات.

السيناريو الثاني هو تنسيق أمني، غير معلن ربما، لتبادل المعلومات حول الجماعات المتطرفة العابرة للحدود، ولتنسيق جهود احتواء داعش خراسان، الذي يُعد تهديدًا مشتركًا لكلا الطرفين.

أما السيناريو الثالث -والأقل احتمالًا- فهو أن تتطور العلاقة إلى تحالف سياسي إستراتيجي، تقف فيه روسيا مدافعة عن طالبان في المحافل الدولية، وتضغط باتجاه الاعتراف بها.

غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات كثيرة، أبرزها: عدم وجود إجماع دولي على شرعية طالبان، وخشية موسكو من خسارة توازنها في علاقاتها مع باقي القوى الإسلامية في آسيا الوسطى، لكن المؤكد أن رفع اسم طالبان من قائمة الإرهاب هو بداية تحول في مقاربة موسكو للحركة، تحول يعكس حسابات المصالح أكثر مما يعكس تطورًا حقيقيًّا في سلوك طالبان.

ردود الفعل الإقليمية.. قراءة متعددة لمصالح متشابكة:

القرار الروسي برفع حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية لم يُقرأ إقليميًّا بمعيار واحد، بل أثار تفاعلات متباينة، يعكس كل منها موقع الدولة وحساباتها الخاصة في المشهد الأفغاني.

فالصين، على سبيل المثال، التي تتبنى سياسة قائمة على الاستقرار والاقتصاد، رحبت ضمنيًا بالخطوة، معتبرة أن إدماج طالبان في النظام الإقليمي يعزز من فرص التصدي للفوضى على حدودها، خصوصًا في إقليم شينجيانغ الحساس.

كما ترى بكين في أفغانستان بوابة محتملة لمشروع الحزام والطريق، وهو ما يدفعها إلى تأييد كل ما من شأنه فرض استقرار - حتى لو هش - في كابول.

أما باكستان: فهي الدولة الأكثر تورطًا وتعقيدًا في علاقتها مع طالبان. فهي ترى في الخطوة الروسية تعزيزًا لموقف الحلفاء السابقين في الحركة، لكنها في الوقت ذاته تخشى من أن يؤدي مزيد من التمكين لطالبان إلى تقوية شوكة "طالبان باكستان" المناوئة لها.

وفي حين لم تصدر إسلام آباد موقفًا علنيًا صريحًا بشأن القرار، إلا أن دوائرها الأمنية تقرأ في الانفتاح الروسي خطرًا مزدوجًا، من جهة تهديد أمني محتمل، ومن جهة مزاحمة على التأثير داخل أفغانستان.

إيران من جانبها تتعامل مع الملف الأفغاني بحذر إستراتيجي، فهي وإن فتحت قنوات تواصل مع طالبان منذ سنوات، لا تزال ترى في الحركة خصمًا أيديولوجيًّا وعقائديًّا، خصوصًا بعد توترات حدودية وسوء معاملة الأقليات الشيعية.

القرار الروسي قد يُقرأ في طهران كخطوة مزعجة تؤثر على موازين النفوذ، لكنها في الوقت ذاته قد تستخدمه كورقة ضغط لتحسين شروطها مع الحركة.

أما دول آسيا الوسطى كأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان، فهي تضع الأمن القومي فوق كل اعتبار.

وتراقب هذه الدول بقلق كل تحرك يعيد طالبان إلى الواجهة، خصوصًا مع وجود مخاوف من تسلل عناصر متطرفة أو تصاعد نشاط التهريب والمخدرات.

ومع ذلك، فإن موقف روسيا، القوة المهيمنة أمنيًا في هذه المنطقة، قد يدفع هذه الدول إلى تبني مواقف أكثر مرونة مع كابول، على مضض.(6)

الموقف الغربي.. مزيد من الانقسام ومأزق السياسة تجاه أفغانستان:

الخطوة الروسية تمثل في جانب منها تحديًا سياسيًّا للغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي لا تزال تدرج طالبان على قائمة العقوبات، وتتعامل معها كحركة غير شرعية رغم انسحابها من أفغانستان.

واشنطن ترى في القرار الروسي تقويضًا للجهود الدولية الرامية لعزل طالبان حتى تستوفي شروطًا تتعلق بحقوق الإنسان وتشكيل حكومة شاملة:

الاتحاد الأوروبي كذلك لا يبدو مرتاحًا لهذا التحول، ففي الوقت الذي تحاول بروكسل الضغط على طالبان لتحسين أوضاع المرأة والتعليم والحريات، تأتي الخطوة الروسية لتمنح الحركة نوعًا من الاعتراف السياسي غير المباشر، دون أن تدفعها نحو أي تنازل فعلي.

وهذا من شأنه أن يكرّس الانقسام الدولي حول كيفية التعامل مع النظام القائم في كابول، ويضعف موقف الغرب في أي مفاوضات مستقبلية.

القرار يضع الغرب أيضًا في مأزق أخلاقي وسياسي: فبينما لا يعترف بطالبان، يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل معها لأسباب إنسانية، أمنية، وحتى لوجستية.

وبالتالي فإن الخطوة الروسية قد تدفع بعض العواصم الأوروبية إلى مراجعة سياساتها، أو على الأقل إلى انتهاج قنوات خلفية أكثر وضوحًا مع طالبان، خشية أن تسبقها قوى أخرى إلى عمق النفوذ في أفغانستان.(7)

تأثير القرار على الحركات المتطرفة الأخرى.. شرعية بالمفاوضات لا بالدم؟

يراقب عدد من الحركات المسلحة حول العالم خطوة موسكو بترقب شديد، لأنها تفتح بابًا غير مسبوق لفكرة التحول من "منظمة إرهابية" إلى "شريك دولي".

هذا التحول إذا ما تكرّس ونجح، قد يُستخدم كنموذج من قِبل جماعات أخرى تطمح إلى الخروج من عزلتها الدولية.

ففي إفريقيا مثلًا: قد ترى جماعات كـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" أو "بوكو حرام" أن الانخراط في تفاهمات محلية أو إقليمية مع قوى كبرى قد يمنحها لاحقًا مشروعية سياسية، على غرار طالبان.

وفي الشرق الأوسط، قد تحاول جماعات كالحوثيين أو بعض فصائل المقاومة الفلسطينية توظيف الخطوة الروسية كدليل على أن طريق "الشرعية" قد يمر عبر مسار مختلف عن الضغط الدولي أو العسكري المباشر، لكن في الوقت ذاته، تحمل هذه السابقة خطرًا مضاعفًا. فهي قد تعزز لدى تلك الجماعات الاعتقاد بأن الزمن وحده، وليس تغيير السلوك، كفيل بإعادة صياغة العلاقات الدولية.

وهذا ما قد يُضعف الجهود الأممية الرامية إلى محاسبة تلك التنظيمات على انتهاكاتها أو على طبيعتها العنيفة.

بمعنى آخر، فإن القرار الروسي، وإن كان تكتيكيًّا، قد يُقرأ إستراتيجيًّا بشكل خاطئ من قبل حركات تسعى إلى الشرعية بدون التزامات.(8)

تداعيات على جهود مكافحة الإرهاب.. التكيّف بدل المواجهة؟

رغم الانتقادات، هناك من يرى أن القرار الروسي قد يُعيد تعريف مقاربة مكافحة الإرهاب، فبدلًا من الحظر والعزلة المطلقة، يمكن - وفق هذا الطرح - إدماج بعض الحركات في النظام الدولي، ودفعها تدريجيًا نحو الالتزام بالحد الأدنى من القواعد.

بهذا المعنى، تكون روسيا قد تبنّت مقاربة واقعية تقوم على الاحتواء والترويض، وليس الإقصاء الكامل، لكن في المقابل: تخشى أجهزة الأمن الغربية أن يؤدي هذا النموذج إلى تآكل مصداقية الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، خصوصًا إذا لم يُرفق بأي تغيير فعلي في سلوك طالبان.

فالتجارب السابقة أثبتت أن الاعتراف السريع بدون شروط قد يُفسَّر كضوء أخضر للتمادي، لا كدعوة للإصلاح.

ومن هنا تأتي الخطورة الحقيقية: أن يتحول القرار الروسي إلى سابقة سياسية تزعزع أُسس التعامل مع الإرهاب، لا إلى مبادرة سياسية تفتح بابًا للتغيير.

في النهاية، يتوقف تأثير القرار على مدى قدرة طالبان على استثمار هذه "الهدية الدبلوماسية" في اتجاه إيجابي، وعلى مدى استعداد القوى الدولية الأخرى لتنسيق موقف موحد، يمنع تحول المصالح الآنية إلى تنازلات إستراتيجية على حساب الأمن الدولي.(9)

إعادة تموضع روسيا في النظام العالمي.. سياسة خارجية تعيد رسم الخرائط:

القرار الروسي برفع حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة التي طرأت على النظام العالمي خلال العقد الأخير.

فروسيا التي تخوض مواجهات مفتوحة مع الغرب في أكثر من ساحة، باتت تبحث عن مراكز ثقل بديلة تعزز بها حضورها الدولي وتكسر بها طوق العزلة الذي تحاول القوى الغربية فرضه عليها، خاصة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

هذا التحول في الموقف من طالبان يأتي في سياق إعادة صياغة الدور الروسي على الخريطة الجيوسياسية العالمية، فلم تعد موسكو تكتفي بالتموضع على هامش التفاعلات، بل تسعى لأن تكون فاعلًا مركزيًّا في تحديد قواعد اللعبة، ليس فقط في أوروبا الشرقية، بل في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا كذلك.

والتقارب مع كابول، بما له من رمزية ومعانٍ متعددة، يمثل محاولة لإثبات أن روسيا قادرة على صناعة النفوذ في أماكن تراجعت عنها قوى كبرى كأمريكا، وأنها تتحرك بمنطق الاستباق لا رد الفعل.

استغلال الفراغات والصراعات.. دبلوماسية النفوذ من بوابة الانسحاب الأمريكي:

منذ الانسحاب الأمريكي المفاجئ من أفغانستان في أغسطس 2021، تخلّق فراغ إستراتيجي عميق في قلب آسيا الوسطى. وبينما انشغل الغرب بمسائل مرتبطة بالإغاثة واللاجئين وحقوق الإنسان، التقطت موسكو الخيط من زاوية مغايرة تمامًا.

ورأت في هذا الفراغ فرصة لإعادة ترسيخ نفوذها التاريخي في منطقة لطالما كانت جزءًا من مجالها الحيوي في الحقبة السوفييتية، لكنها أيضًا تُعد منطقة حساسة أمنيًا بحكم قربها من حدودها الجنوبية ومن جمهوريات آسيا الوسطى الحليفة لها.

انفتاح روسيا على طالبان لا يُقرأ فقط في إطار براغماتية سياسية، بل أيضًا كإستراتيجية لاحتواء أي تهديد أمني قد يتسلل عبر الحدود، سواء من خلال تنظيم "داعش خراسان" أو من شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات.

كما أنه يشكل وسيلة ضغط غير مباشرة على دول المنطقة لتبني مقاربات أكثر توافقًا مع المصالح الروسية، بدلًا من الارتماء في أحضان الغرب أو الصين وحدهما؛ هذا الاستغلال الذكي لمرحلة ما بعد الانسحاب الغربي يعكس نهجًا روسيًا متصاعدًا في تحويل الأزمات إلى أدوات لتعزيز التموضع الجيوسياسي.(10)

رسالة إلى الغرب.. موسكو لا تُعزل بل تصوغ بدائلها:

في خلفية هذا القرار الروسي تقبع رسالة دبلوماسية ذات طابع رمزي وسياسي مزدوج إلى واشنطن وحلفائها: أن موسكو، رغم كل محاولات العزل والعقوبات، لا تزال قادرة على مدّ جسور النفوذ وصياغة تحالفات بديلة، حتى مع أطراف لا تجد القبول في الأجندة الغربية.

فرفع اسم طالبان من قائمة الإرهاب الروسية لا يعني فقط تقبل الحركة، بل يعني الاعتراف بها كفاعل شرعي في دولة جوار إقليمي مؤثر.

هذه الخطوة تتقاطع مع مواقف روسية أخرى مشابهة في مناطق مختلفة، مثل دعم نظام الأسد في سوريا، والانفتاح على قوى غير تقليدية في إفريقيا (فاغنر نموذجًا)، بل وحتى تعميق الشراكات مع إيران وكوريا الشمالية.

كلها مؤشرات على إستراتيجية تقوم على فكرة "التعددية السياسية خارج المدار الغربي"، وتطمح إلى بناء كتلة جيوسياسية جديدة لا تخضع لمنطق واشنطن أو بروكسل.

القرار إذًا هو أداة ضغط ورسالة مفادها: روسيا ليست بحاجة إلى اعتراف غربي لتحدد شركاءها، وهي قادرة على خلق توازنات جديدة في قلب مناطق النفوذ التقليدية للغرب.

مؤشرات اقتصادية إيجابية رغم التحديات المستمرة:

في عام 2024، أظهرت أفغانستان مؤشرات اقتصادية إيجابية رغم التحديات المستمرة، وفقًا لتقارير البنك الدولي والأمم المتحدة.

النمو الاقتصادي:

سجل الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان نموًّا بنسبة 2.7% في عام 2024، مقارنة بتراجع بنسبة 6.2% في العام السابق.

هذا التحسن الجزئي يُعزى إلى زيادة الاستهلاك الخاص وانخفاض أسعار الغذاء، مما ساعد في تحسين مستوى معيشة الأسر.

استقرار العملة والإيرادات الداخلية:

ارتفعت قيمة العملة الأفغانية (الأفغاني) بنسبة 15.7% مقابل الدولار الأمريكي في النصف الثاني من عام 2024، بفضل مزادات الصرف الأجنبي المنتظمة التي أجراها البنك المركزي الأفغاني.

كما شهدت الإيرادات الداخلية زيادة بنسبة 15% مقارنة بالعام السابق، حيث بلغت 90.6 مليار أفغاني (حوالي 1.3 مليار دولار) في الأشهر الخمسة الأولى من السنة المالية 2024-2025.

التجارة الخارجية:

على الرغم من استقرار صادرات أفغانستان، إلا أن الواردات ارتفعت بنسبة 28% في النصف الأول من عام 2024، مما أدى إلى اتساع العجز التجاري إلى 4.8 مليارات دولار.

هذا التوسع يُعزى إلى زيادة الواردات من الأغذية والمعادن، بالإضافة إلى توتر العلاقات التجارية مع باكستان، مما أثر على صادرات الفحم والمنتجات الزراعية.

الإصلاحات الاقتصادية:

نفذت حكومة طالبان إجراءات لتحسين بيئة الأعمال، مثل مكافحة الفساد في الجمارك، وتضييق الخناق على التهريب، وزيادة الإيرادات من خلال جمع الضرائب.

كما ساهمت التحويلات الشهرية للأفغان المغتربين بما يتجاوز المليار دولار سنويًا في دعم الاقتصاد المحلي.

التحديات المستمرة:

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يزال الاقتصاد الأفغاني هشًا، حيث يواجه تحديات مثل انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، وتغير المناخ، وعدم الاستقرار الاقتصادي، مما يستدعي الحاجة إلى المزيد من الإصلاحات والاستثمارات لضمان استدامة النمو.

بالمجمل، تُظهر أفغانستان بوادر تحسن اقتصادي، إلا أن الطريق نحو الاستقرار والنمو المستدام يتطلب جهودًا مستمرة لمواجهة التحديات القائمة.

المصالح الروسية العليا.. أمن، طاقة، ونفوذ:

تسعى روسيا من خلال تقاربها مع طالبان إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الإستراتيجية التي تتجاوز فكرة الاعتراف أو التطبيع الدبلوماسي، لتلامس مصالحها الحيوية في الأمن والطاقة والاقتصاد.

على المستوى الأمني، تريد موسكو منع أي ارتدادات سلبية للوضع الأفغاني على جمهوريات آسيا الوسطى، والتي تُعد حزامًا واقيًا لها.

طالبان، رغم كل تحفظات موسكو عليها، تبقى أقل خطرًا - بحسب الحسابات الروسية - من التنظيمات الأخرى ذات الطابع العابر للحدود.

أما على الصعيد الاقتصادي: فإن روسيا تطمح إلى تعزيز حضورها في مشاريع البنية التحتية الأفغانية، وتوفير منافذ جديدة للغاز والنفط عبر أفغانستان إلى أسواق جنوب آسيا.

كما أن هناك بعدًا غير مباشر مرتبطًا بتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة عبر شراكات اقتصادية بديلة.

وفي النهاية: فإن موسكو ترى في كابول موطئ قدم جديدًا في سياق تنافسها الواسع مع واشنطن، وورقة سياسية يمكن توظيفها في صراعات أوسع، سواء في مجلس الأمن أو في أروقة التحالفات الدولية، أو حتى كوسيلة للتأثير في ملفات أخرى كأوكرانيا وسوريا وليبيا(11).

الخلاصة:

في تحول يُقرأ بعناية في الأروقة السياسية، جاء قرار موسكو برفع حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية في أبريل 2025 ليعكس نقلة إستراتيجية مدروسة في السياسة الخارجية الروسية، تستند إلى منطق براغماتي يتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية، ويركز على النفوذ والمصالح الإقليمية.

لم يكن هذا القرار وليد لحظة، بل هو جزء من مسار أوسع تتبناه روسيا في السنوات الأخيرة لإعادة تموضعها في النظام العالمي، من خلال الدخول إلى المساحات التي تركها الغرب فارغة، لا سيما بعد انسحاب الولايات المتحدة وحلفائها من أفغانستان.

فبعد عقود من العداء، تبدو موسكو اليوم أكثر استعدادًا للتعامل مع الواقع الجديد في كابول، حيث أصبحت حركة طالبان اللاعب الرئيسي على الأرض.

تحمل هذه الخطوة رسائل سياسية واضحة، مفادها أن روسيا تمتلك خيارات وتحالفات بديلة عن الغرب، وهي قادرة على هندسة علاقاتها الخارجية بما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية، خصوصًا في منطقة آسيا الوسطى التي تراها موسكو عمقها الإستراتيجي الجنوبي.

فمن الناحية الأمنية: يشكل استقرار أفغانستان أولوية قصوى بالنسبة لروسيا، التي تخشى من تدفق التهديدات الإرهابية إلى حدودها الجنوبية، ومن الناحية الاقتصادية، ترى موسكو في أفغانستان فرصة للاستثمار في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية، فضلًا عن توسيع نفوذها في محيط جيوسياسي بالغ الأهمية، لكن الأهم من كل ذلك أن هذا الانفتاح لا يعني تقاربًا عقائديًا أو دعمًا سياسيًا مطلقًا لطالبان، بل هو تحالف ظرفي تحكمه معادلة المصالح، ويخضع لتقييمات مستمرة في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية.

في النهاية: يظهر القرار الروسي كمؤشر على سياسة خارجية أكثر مرونة وواقعية، تسعى للتموضع الذكي في عالم متعدد الأقطاب، حيث تلعب موسكو دورًا فاعلًا في مناطق كانت لفترة طويلة ضمن النفوذ الحصري للغرب.

المصادر:

1_ مركز المستقبل

2_ الجزيرة

3_ سكاي نيوز

4_ D.W

5_ الشرق الأوسط

6_ الوسيط

7_ إرم

8_ عربي 21

9_ الأندبندت

10_ مركز الإمارات للدراسات

11_ مركز الدراسات العربية الأوراسية

الكلمات المفتاحية

روسياطالبانباكستان