قراءة في سياسة الاستقطابات الدولية في جنوب آسيا وتداعياتها الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة في ظل افتعال صراعات تاريخية قديمة في الإقليم (الهند وباكستان نموذجًا)

تُعَدُّ منطقةُ جنوب آسيا من بين المناطق الجغرافية المحورية للولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعَدُّ القُوَى العُظْمَى المهيمنة عالميًّا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. كما تُعَدُّ المنطقة هدفًا للقُوى الدولية الصاعدة؛ مثل: الصين وروسيا والهند؛ نظرًا لما تشهده المنطقة من نهضة اقتصادية تنمويَّة شاملة، نتيجةً لما شهدته آسيا ككل من قفزات صينية وهندية وروسية ويابانية لافتة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
ولذا فهناك اتفاق في دوائر صنع القرار الأمريكي على أهمية جَعْل منطقة آسيا وامتداداتها الجغرافية (الشرق والجنوب والوسط) محورًا للسياسة الخارجية الأمريكية؛ لتصطدم بذلك الولايات المتحدة بلاعبين مِحْوَرِيِّين في المنطقة، مثل: الصين والهند والتمدد الروسي الطَّاقِيِّ والتجاريِّ في آسيا. ومع تزايد التنافس الدَّوْلِيِّ على المنطقة، تصاعدت الأخطار من احتمال استغلال الصراعات التاريخية القديمة وإعادة إحيائها من جديد بهدف تشكيل المنطقة وفقًا لرؤية القُوَى الدولية ومشاريعها الإقليمية.
فما الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لمنطقة جنوب آسيا؟ وما طبيعة الإستراتيجيات الدولية في الإقليم؟ وكيف يمكن ملاحظة عودة الصراعات التاريخية القديمة في ظل تفاوت قُدُرات وإمكانات الدول الإقليمية؟ وماذا عن الخلافات الهندية الباكستانية في ظل سياسات الاستقطابات الحالية؟ وفي ظل ما تشهده المنطقة من استقطابات ومشاريع دولية، كيف يمكن قراءة مستقبل المنطقة؟
المقدمة ينبغي أن تشتمل على إشارة إلى الصراعات القديمة وطبيعتها وأثر ذلك في العلاقات الحالية والمستقبلية.
يُسلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة، الضوءَ على التدافع الدَّوْلِيِّ والإقليمي على منطقة جنوب آسيا في ظل ما شهدته المنطقة من قفزة تنمويَّة شاملة وموارد طبيعية لافتة وتزايد العلاقات التجارية الدولية والإقليمية والأخطار الإقليمية من سياسات دولية تُفَاقِم الانقسام والصراع في المنطقة، في هذه السطور الآتية.
الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لمنطقة جنوب آسيا:
تضم منطقة جنوب آسيا نحو ثماني دول، وهي: (أفغانستان وبنغلاديش وبوتان والهند وجزر المالديف ونيبال وباكستان وسريلانكا)، وتشهد عدة دول بالإقليم مُعدَّلَاتِ نُمُوٍّ اقتصاديٍّ سريعة وخططًا ومشاريعَ استثماريةً وشراكاتٍ لافتة مع القُوَى الدولية الكبرى، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والرقمنة والتصنيع والبنية التحتية والطاقة، وذلك انطلاقًا مما تتمتع به المنطقة من علاقات إيجابية مع كلٍّ من قُوَى الشرق والغرب، وحياد مُعظَم دول الإقليم إزاء الصراعات والقضايا الدولية.
فجميع دول المنطقة أعضاء في رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، وهي: منظمة التعاون الاقتصادي الإقليمية التي تأسست في عام 1985م. وتغطي جنوب آسيا مساحة قَدْرُهَا حوالي 5.2 مليون كيلومتر، وهو ما يُمَثِّل 11.71٪ من مُجْمَل مساحة القارة الآسيوية، ويبلغ عدد سكان جنوب آسيا حوالي مليار و900 مليون نسمة، وهي الرابعة من حيث عدد السكان، وتُمَثِّل حوالي 39.49٪ من سكان آسيا، وأكثر من 24٪ من سكان العالم، ما يَجْعَلُ المنطقة سوقًا واعدًا للمستثمرين والشركات العالمية (مجموعة البنك الدَّوْلِيِّ).

نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول جنوب آسيا (مجموعة البنك الدُّوَليّ)
وتُعَدُّ الهند الاقتصادَ الأكبر والأسرع نُمُوًّا في المنطقة بناتج محلي إجمالي بَلَغَ 3.942 تريليون دولار عام 2024م، وتُشكِّل حوالي 80٪ من اقتصاد جنوب آسيا، وهي خامس أكبر دولة في العالم من حيث القيمة الاسمية والثالثة من حيث القوة الشرائية المُعَدَّلة لأسعار الصرف. والهند العضو الإقليمي الوحيد في مجموعة العشرين ومجموعة البريكس، وحققت نُمُوًّا نسبته 6.8% خلال العام 2024م.
تليها بنغلاديش، التي يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لها نحو 437 مليار دولار ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2551 دولارًا، وتحتل المرتبة الرابعة في المنطقة ولديها أسرع مُعَدَّل نُمُوٍّ للناتج المحلي الإجمالي في آسيا، وهي واحدة من الاقتصادات الناشئة والرائدة في مُعدَّلَاتِ النُمُوِّ عالميًّا، وهي مُدْرَجة بين الدول الـ11 التالية لمجموعة العشرين الكبرى، كما أنها واحدة من أسرع البلدان متوسطة الدخل نُمُوًّا، وتحتل الترتيب الـ33 من حيث الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وتجاوز النمو الاقتصادي في بنغلاديش 5.8% في العام 2023م. (جريدة المال).
ويبلغ اقتصاد باكستان 337 مليار دولار وتحتل المرتبة الخامسة في الناتج المحلي الإجمالي للفرد في المنطقة، تليها سريلانكا التي تمتلك ثاني أعلى نصيب للفرد من الناتج المحلي الإجمالي ورابع أكبر اقتصاد في المنطقة، وفقًا لتقرير البنك الدَّوْلِيِّ في عام 2015م مدفوعًا بالتوسع القوي في الهند إلى جانب أسعار النفط المواتية.
وخلال العقد الماضي أصبحت جنوب آسيا المنطقة الأسرع نُمُوًّا في العالم، ويُعَدُّ الإقليم أحد أكبر المستفيدين من التحولات التي شهدتها الاقتصادات والتجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة، من حرب تجارية بين الصين والولايات المتحدة، والتداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، والعقوبات الغربية على الاتحاد الروسي؛ حيث باتت المنطقة جاذبة للاستثمار المباشر وغير المباشر بشكل لافت، ويُقَدَّر نُمُوُّ التجارة في المنطقة بنحو 1.2 تريليون دولار على مَدَى السنوات العشر المقبلة، بسبب بروز الإقليم وِجْهَةً رئيسية للشركات التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على الصين.
وانطلاقًا من مُعدَّلَاتِ النُمُوِّ الحالية؛ من المتوقع أن تُصْبِحَ منطقة جنوب آسيا أحد محاور الاقتصاد العالمي في النظام العالمي مُتَعَدِّد الأقطاب، في ظل مُعدَّلَاتِ النُمُوِّ الحالية؛ كما أن ما تشهده المنطقة من تطور صناعي وتكنولوجي يستوجب بالضرورة إمدادات مستمرة ومستقرة من الطاقة والمواد الخام، ما رأت فيه موسكو فرصة لفتح أسواق طَاقِيَّة جديدة تكون بديلة عن الأسواق الأوروبية. هذا إلى جانب أن الولايات المتحدة، وفي إطار إستراتيجيتها لتطويق الصين وروسيا، تسعى لتثبيت وجودها في المنطقة تارةً عبر القوة العسكرية من خلال احتلال أفغانستان لنحو 20 عامًا، وتارةً من خلال العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، ما يُؤَشِّر على تعقُّد مَشْهَد العلاقات الإقليمية والدولية في الإقليم.
الإستراتيجية الأمريكية في منطقة جنوب آسيا:
يُعَدُّ الاقتصاد المُحَرِّكَ الأساسيَّ في العلاقات الدولية، وبالتالي فقد وضعت القُوَى الدولية الهند وبنغلاديش وباكستان محورًا في إستراتيجياتها إزاء منطقة جنوب آسيا نظرًا لما تشهده تلك الدول من مُعدَّلَاتِ نُمُوٍّ اقتصاديٍّ. وتُشكِّل الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند أهمية بالغة للحفاظ على توازن القُوَى في منطقة المحيطين الهادي والهندي؛ حيث إن الولايات المتحدة هي ثاني أكبر شريك تجاري للهند، ويُعَدُّ تعميق العلاقات بين البلدين من بين السياسات الخارجية النادرة المتفَقِ عليها بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في واشنطن.
وتَكْمُن العديد من النِّقَاط الخلافية والقضايا العالقة والبارزة بشكل لافت بين واشنطن ونيودلهي، وتتمحور تلك الخلافات في المقام الأول حول طبيعة الإستراتيجية الأمريكية في منطقة المحيط الهندي، حيث النشاط العسكري الأمريكي والتسهيلات العسكرية التي تقدمها سريلانكا للولايات المتحدة في المحيط الهندي تُعَدُّ مُعضِلة شائكة بين واشنطن ونيودلهي، في ظل سَعْيِ الأخيرة لِجَعْل مياه المحيط الهندي منطقةَ سلامٍ بدافع أمنها القومي وإستراتيجيتها الهادفة إلى إبعاد القُوَى الكبرى عن المحيط الجيوسياسي للهند.
ورغم مَسَاعي الجانبين "واشنطن ونيودلهي" لتطوير علاقاتهما الثنائية على كافة الأصعدة والمجالات؛ إلَّا أن الشد والجذب يَشُوبُ مَشْهَدَ العلاقات بينهما نظرًا لما يَجْمَعُ الولايات المتحدة وباكستان "أحد الأعداء التاريخيين للهند" من علاقات وشراكات واسعة النطاق قد أَثَّرَتْ بشكل لافت في العلاقات الهندية الأمريكية؛ كما أن الحياد الهندي إزاء الصراع الروسي الأوكراني قد أَثَارَ استياء الولايات المتحدة والقُوى الأوروبية، مع استمرار الهند في شراء النفط بأسعار مُخَفَّضَة من روسيا، رافضةً عرض إدارة بايدن السابقة الذي يسمح لها بالاستعاضة عن النفط الروسي بإمدادات أمريكية، وبدلاً من ذلك، زادت الهند وارداتها من المواد الخام الروسية.
ورغم تلك الخلافات إلَّا أن الهند قد سَعَتْ دائمًا منذ استقلالها إلى تطوير علاقاتها بالولايات المتحدة على جميع المستويات، مُحَقِّقَةً بذلك استفادة اقتصادية وتجارية واضحة. فهناك العديد من الأسباب التي تدفع كلاً من الولايات المتحدة والهند إلى تعزيز علاقاتهما في الوقت الراهن، ولعل من أَهَمِّهَا القَلَق المشترك للبلدين بشأن تزايد نفوذ الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والقلق من التوسع البحري للقوات الصينية في المحيط الهندي، فضلًا عن وجود مشاكل حدودية بين الصين والهند.
أما الولايات المتحدة: فتتعاون مع حلفائها في آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ لإعادة توجيه سلاسل توريد التكنولوجيا العالمية بعيدًا عن الصين لتقليل الاعتماد عليها، علاوةً على تنامي تحركاتها الأمنية والعسكرية بالتعاون مع حلفائها الإقليميين في آسيا لتطويق واحتواء الصين. وأَبْدَتْ الهند اهتمامًا ملحوظًا بإبرام صفقات عسكرية مع الولايات المتحدة، وذلك في محاولة من الهند لتنويع مصادر الحصول على السلاح وتقليل الاعتماد الزائد على روسيا بهذا الصدد، كذلك؛ تسعى نيودلهي لامتلاك تكنولوجيات عسكرية أمريكية مُتَطَوِّرة لمساعدتها على ضَبْط حدودها البرية والبحرية مع الصين.
كما تسعى الولايات المتحدة إلى الاستفادة من اليد العاملة الهندية الماهرة، وخاصةً في مجال التكنولوجيا والرقمنة، حيث وقَّعَتْ وزيرة التجارة الأمريكية "جينا رايموندو" مع نظيرها الهندي "بيوش غويال" شراكةً في مجال سلسلة توريد أشباه الموصلات. كما عقدت الولايات المتحدة والهند الاجتماع الأول للحوار التجاري الإستراتيجي بين البلدين في واشنطن في أوائل يونيو 2023م، قبيل زيارة مودي لواشنطن، حيث ركَّز الحِوَار على مناقشة تسهيل تطوير وتجارة التقنيات في مجالات مثل أشباه الموصلات والفضاء والاتصالات والذكاء الاصطناعي والدفاع والتكنولوجيا الحيوية وغيرها (مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة).
ورغم أن الهند تُعَدُّ بلدًا ديمقراطيًّا؛ إلَّا أنها تختلف عن الديمقراطيات الغربية في انتهاج نظام يقوم على الاستقلالية وتوازن العلاقات الخارجية؛ فبالرغم من الخلافات التاريخية بين الهند وجيرانها "الصين وباكستان" إلَّا أن العلاقات الهندية الخارجية تتحرك من مُنْطَلَق بَرَاغْمَاتِيٍّ اقتصاديٍّ بَحْتٍ، لذا فيمكن ملاحظة بُلوغ حَجْم التبادل التجاري بين الهند وباكستان نحو 1.7 مليار دولار، إلى جانب بُلوغ التبادل التجاري بين الهند والصين 118 مليار دولار مع نهاية عام 2024م، ما يَعْكِس تركيز نيودلهي على العلاقات الاقتصادية والمصالح المشتركة، وهو ما اعتُبِر مدخلًا لتطبيق الإستراتيجية الأمريكية في جنوب آسيا من بوَّابة العلاقات الاقتصادية (إندبندنت عربية).
وفيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الباكستانية، والتي تعود إلى الأربعينيات مع استقلال باكستان؛ فقد شهدت مراحل مختلفة من التوترات طِوَالَ العقود الثلاثة الأخيرة، وبلغت ذروة التوتر أثناء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان؛ إذ وعلى الرغم من التعاون الباكستاني مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في مواجهة تنظيمَ القاعدة وطالبان؛ إلَّا أن الضغوطات الداخلية على إسلام أباد قد أَثَارَتْ امتعاض واشنطن وعرقلت تطوير التعاون إلى حَدٍّ ما بين الجانبين.
وفي ظل إستراتيجية إعادة التوازن الأمريكية في آسيا لمواجهة الصعود الصيني، عَمِلَتْ الولايات المتحدة على تقديم مجموعة واسعة من المساعدات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية لباكستان، هذا بالإضافة إلى تطوير العلاقات العسكرية الحيوية القائمة بين البلدين ومحاولات واشنطن الحَدَّ من العلاقات الصينية الباكستانية التي باتت تَأْخُذُ طابعًا تَحَالُفِيًّا، وما زالت باكستان تلعب دورًا إستراتيجيًّا في تَدْعِيم المصالح الأمريكية في منطقة وَسَط وجنوب آسيا.
كما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الثانية كأكبر مُوَرِّد للمُعَدَّات العسكرية لباكستان بعد الصين، وهي واحدة من أكبر المُسَاهِمِين المانحين للمساعدات الخارجية لباكستان، ويمكن ملاحظة تزايد الاهتمام الأمريكي بتعزيز الحضور العسكري لواشنطن في منطقة المحيط الهندي بشكل واضح خلال العقد الأخير. فإلى جانب العلاقات الأمريكية الباكستانية، يقوم التعاون بين الولايات المتحدة وبنغلاديش على الركيزة الأمنية والدفاعية.
حيث بدأت الحوارات الأمنية الرسمية بين الجانبين عام 2012م، كجزء من الجهود التي يبذلها الجانبان لتعزيز الشراكات في الجهود العسكرية ومكافحة الإرهاب وإنفاذ القانون. وركزت الجولات القليلة الأولى من المحادثات على تعزيز قُدُرات بنغلاديش في مجال حفظ السلام، ومكافحة التَّطَرُّف، ووَضْعِ الأساس لتعاون ثنائي أَوْثَق.
وأصبحت العلاقات الأمنية أكثر أهمية بعد الهجمات الإرهابية عام 2016م في دكا، وزادت الولايات المتحدة تعاونها في مجال مكافحة الإرهاب مع بنغلاديش من خلال تبادل المعلومات، وفي الفترة من 2014م إلى 2023م، قَدَّمَتْ الولايات المتحدة 78.45 مليون دولار أمريكي في شَكْلِ تمويل عسكري إلى بنغلاديش، بالإضافة إلى 14.5 مليون دولار أمريكي للتعليم والتدريب العسكري الدَّوْلِيِّ (مركز الدراسات العربية الأوراسية).
ويمكن القول: إن الإستراتيجية الأمريكية في منطقة جنوب آسيا تهدف بشكل واضح إلى إبعاد المحيط الجيوسياسي للصين عنها، في ظل التطور السريع لبكين ومساعي القيادة الصينية لتوسيع دائرة الشراكات الإقليمية عبر مشروع الحزام والطريق من جِهَةٍ، وما يُعرَف "بفَخِّ الديون" الصينية في شرق وجنوب آسيا من جِهَةٍ أخرى.
كما تسعى واشنطن في الوقت نفسه إلى الحَدِّ من تطوُّر منطقة جنوب آسيا، نظرًا لاختلاف طبيعة النظام السياسي والاجتماعي القائم في المنطقة عن النظام الأوروبي، الذي يُعَدُّ مُتوافِقًا مع الرؤية الأمريكية، حيث إن بروز كُتَلٍ اقتصادية عالمية، بخلاف أمريكا الشِّمَالية وأوروبا وحلفائهما في شرق آسيا، بات يُشَكِّل مُعضِلة للهيمنة الأمريكية العالمية، وهو ما يمكن ملاحظته في طبيعة التحركات الأمريكية في جنوب آسيا، التي تُبْنَى على أساس التبادلات التجارية بدلاً من الاستثمارات المباشرة والمشاريع المشتركة.
الإستراتيجية الصينية والروسية في جنوب آسيا:
عَقِبَ تَفَكُّك الاتحاد السوفيتي، سَعَتِ الصين إلى أن تُصْبِحَ لاعبًا إقليميًّا مُهِمًّا في مَلْءِ الفراغ الجيوإستراتيجي الذي تَرَكَهُ الاتحاد السوفيتي في منطقة وَسَط وجنوب آسيا، مُرْتَكِزَةً في ذلك على الجانب الاقتصادي؛ حيث ومع تطور قطاعات الاقتصاد الصيني خلال التسعينيات، وبروزها كقوة اقتصادية كبرى، أَخَذَتْ بكين في تحقيق طموحها عبر توسيع نفوذها في الجوار الجيوسياسي عن طريق المساعدات الاقتصادية التي قَدَّمَتْهَا للدول المختلفة والاستثمارات، وصولًا إلى مشروع الحزام والطريق.
وتتمتع الصين بإمكانات وقُدُرات اقتصادية (تصنيعية وإنتاجية وتكنولوجية) هائلة، تُمَكِّنُهَا من التأثير في تطور دول جنوب آسيا؛ حيث وضعت الصين باكستان محورًا في علاقاتها ببلدان منطقة جنوب آسيا، نظرًا للخلافات المُتَجَذِّرة بين الصين والهند، وبالرغم من العلاقات الباكستانية الأمريكية الجيدة؛ إلَّا أن باكستان اليوم تتمتع بعلاقات أَوْثَق مع بكين "المنافسة الأَشْرَس لواشنطن" وتُرَاهِن باكستان على أن انخراطها مع الصين تحت مَظَلَّة "مبادرة الحزام والطريق" سيُحَقِّقُ لها الرخاء والاستقرار، وسيُجَنِّبُهَا سيناريو اقتصاديًّا كارثيًّا مُشَابِهًا لما حَدَثَ في سريلانكا العام 2021م. فقد شهدت باكستان عدة أزمات اقتصادية خلال العقدين الأخيرين، وتُعَوِّل على الاستثمارات الصينية في ظل تصاعد الاهتمام الصيني بتحويل باكستان إلى مركز للاستثمارات الصينية في جنوب آسيا؛ حيث لَدَى بكين استثمارات تزيد قيمتها على 70 مليار دولار في مشروعات الطرق والبنية التحتية والتنمية في باكستان.
فضلًا عن مُذَكَّرَات التفاهم الصينية الباكستانية التي وُقِّعَتْ خلال زيارة الرئيس الباكستاني إلى الصين في أكتوبر 2023م؛ حيث تُغَطِّي التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق، ومجالات البنية التحتية والتعدين والصناعة والتنمية الخضراء والمُنخَفِضَة الكربون والصحة والتعاون الفضائي والاقتصاد الرقمي والتعاون الإنمائي وتصدير المنتجات الزراعية إلى الصين (الجزيرة).
وتُعَدُّ باكستان أكبر مُشْتَرٍ للأسلحة الصينية، وترى القيادة الصينية في علاقاتها بباكستان أداة للإحاطة بالهند والحَدِّ من تطورها في سياق مَسَاعي بكين للهيمنة على القارة الآسيوية. كما تتوسع التحركات الصينية في جنوب آسيا لتشمل استثمارات بَلَغَتْ 1.26 مليار دولار في بنغلاديش ومشروعات بنية تحتية وطَاقِيَّة في أفغانستان ووَسَط آسيا.
وترى روسيا في منطقة جنوب آسيا سوقًا اقتصاديًّا واعدًا لصادرات الطاقة والمنتجات الروسية، التي تزايد الطلب عليها في ظل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، مع بُلوغ حَجْم التبادل التجاري بين روسيا ودول جنوب آسيا نحو 70 مليار دولار، وتُعَدُّ الهند الشريك التجاري الأكبر بحصة فاقت 63 مليار دولار وفقًا لدائرة الجمارك الفيدرالية الروسية. ويبدو أن الاتحاد الروسي يسعى من خلال تطوير علاقاته بدول جنوب آسيا إلى إبعاد النفوذ الغربي قَدْرَ الإمكان عن مناطق نفوذ روسيا في آسيا الوسطى والجمهوريات السوفيتية السابقة.

تعكس التحركات الاقتصادية والعلاقات التجارية الحالية طموحات الكرملين بضم دول جنوب آسيا إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لإبعاد آسيا الوسطى عن النفوذ الغربي
حيث أَطْلَعَ نائب وزير الخارجية الروسي "أندريه رودينكو" في مارس 2023م، المشاركين في اجتماع لِكِبَارِ المسؤولين في دُوَلِ قمة شرق آسيا في جاكرتا، على التهديدات العسكرية والسياسية لحلف شمال الأطلسي "الناتو" في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حَسَبَمَا أَفَادَتْ وزارة الخارجية الروسية، وأضافت الوزارة في بيان نقلته وكالة تاس الروسية: "خلال تبادل وُجُوهِ النظر حول قضايا الساعة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تَمَّ إطْلاعُ المشاركين في الاجتماع على مُقَارَبَات روسيا تجاه المخاطر العسكرية والسياسية المُرتَبِطَة بظهور شبكة من المجموعات والمشاريع ذات النوع التَّكَتُّلي الذي يَنْطَوِي على احتمال صراع كبير في المنطقة".
وتُدْرِك القيادة الروسية جِدِّيَّة التحركات الغربية لإعادة تشكيل منطقة آسيا الوسطى وتفكيك العلاقات الإقليمية والاستقرار المُجْتَمَعِيِّ في المنطقة، وهو ما بَدَا واضحًا خلال أحداث العنف التي شهدتها كازاخستان في يناير 2022م؛ وبالتالي فمن الملاحظ توسيع دائرة التحركات الروسية من آسيا الوسطى إلى جنوب آسيا، وإقامة علاقات وشراكات إقليمية ودولية في المنطقة بما يُحَقِّق استقرارًا إقليميًّا ويُبْعِد النفوذ الغربي قَدْرَ الإمكان.
الصراعات التاريخية في منطقة جنوب آسيا والتحركات الخارجية:
مع تزايد اهتمام القُوَى الدولية بمنطقة جنوب آسيا، وانتهاج سياسات تقوم على الاستقطاب والتحالف في الإقليم؛ تصاعد القَلَق الإقليمي من احتمال استغلال الصراعات والنزاعات الحدودية الإقليمية لإعادة تشكيل المنطقة، في ظل مصالح مُتَعَارِضَة بين القُوَى الدولية وأبرز اللاعبين الإقليميين (الهند وبنغلاديش وباكستان).
فخلال العقود الماضية؛ كان للتجارب النووية التي أَجْرَتْهَا كلٌّ من الهند وباكستان في أَوَاخِرِ تِسْعِينِيَّاتِ القرن الماضي انعكاسات بالغة، ليس فقط على جنوب آسيا، وإنما على كامل منطقة آسيا والهندوباسفيك، وقد أَكَّدَتْ هذه التجارب في ظاهرها على وجود القُدُرات النووية الإستراتيجية عند الدولتين إضافةً إلى الصين، التي قد سَبَقَ وطَوَّرَتْ قُدُراتٍ نوويةً مُنْذُ مُنْتَصَفِ ستينات القرن الماضي، لكن الأثر الأعمق تَمَثَّل في رَفْعِ مُسْتَوَيَات التوتر بين الهند وباكستان، وتغيير توازن القُوَى الإستراتيجي في جنوب آسيا والتأثير العكسي في أنظمة الحَدِّ من التسلح الدولية.
ما أَثَارَ أخطارًا من أن تُقَوِّضَ القُدُرات النووية للصين والهند وباكستان الأمنَ الإقليميَّ والعالميَّ؛ إلَّا أن قاعدة "توازن الرعب"، التي تُسْتَخْدَم حاليًّا لوَصْف السلام الهَشِّ بين الهند وباكستان، قد جَنَّبَتْ الإقليم أيَّ مغامرات عسكرية. وفي ظل ما شهدته المنطقة من نَهْضَةٍ اقتصادية واتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول الإقليمية، تَجَدَّدَتِ الأخطار من إقدام أيِّ طَرَفٍ على إشعال الصراع العسكري من جديد، مدفوعًا بتحركات خارجية.
حيث تُعَدُّ الخلافات الحدودية بين الصين والهند واحدةً من أبرز القضايا الجيوسياسية الساخنة في آسيا، ورغم محاولات التسوية المُسْتَمِرَّة، لا تزال المواجهات المُسَلَّحَة وتضارُب المصالح السياسية يُعَقِّدَانِ الوصول إلى حَلٍّ نهائيٍّ، إذ تُشَكِّل الحدود المشتركة البالغة 3500 كيلومتر مصدرَ توتُّر دائم بين الطرفين يعود جُذُورُهُ إلى الانتداب البريطاني على الهند في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (مركز الإمارات للسياسات).
هذا إلى جانب تنافُس البلدين في منطقة خليج البنغال والمحيط الهندي، الذي يُعَدُّ بوَّابةً لِبَحْرِ الصين الجنوبي والشرقي، وبُرُوزِ ملامح تنافُس جديد لقيادة بلدان الجنوب العالمي تظهر ملامِحُهُ من خلال مشروعات البنية التحتية والطاقة وغيرها. ويُرَجَّح أن تكون إستراتيجية الصين في تقييد القوة والنفوذ الهِنْدِيَّيْنِ في المنطقة، قد تَعَقَّدَتْ بفعل الوَضْعِ النوويِّ المُعْلَن لنيودلهي.
كما أن القُدُرات النووية لباكستان لم تُغَيِّر الحقيقة الأساسية لِتَفَوُّق الهند في القُدُرات العسكرية التقليدية، الذي قد يَظَلُّ هو العامل الإستراتيجيَّ المُسَيْطِرَ على شِبْه القارة الهندية. وهناك رأي بأن أخطار الحرب قد زادت ولم تَقِلَّ بسبب الردع النووي المتبادل، وأن الوَضْع النووي المُعْلَن لكلٍّ من الهند وباكستان قد زاد بالتأكيد من احتمالات أيِّ صراع في المستقبل في شِبْه القارة الهندية، في ظل غياب الثقة بين القُوَى الإقليمية واتساع الفجوة التكنولوجية والاقتصادية بينهما من جِهَةٍ، ومَسَاعي القُوَى الخارجية لاستقطاب الدول الإقليمية وتوَسُّعِ دائرة النفوذ الخارجي في الإقليم من جِهَةٍ أخرى.
الصراع الهندي الباكستاني والأخطار الإقليمية من تَجَدُّد الصدام العسكري:
ورغم تركيز الدول الثلاث على مشاريع التنمية والريادة الإقليمية، وبُلوغِ التبادلات التجارية بينها مُعَدَّلاتٍ قياسيةً خلال السنوات العشر الأخيرة؛ إلَّا أن حادثة إسقاط الجيش الباكستاني لمقاتلتين هِنْدِيَّتَيْنِ فوق كشمير عام 2019م وأَسْرَ طَيَّار هِنْدِيٍّ، قد أَكْسَبَتْ تلك الأزمة أهميتها من تحولات جيوسياسية مُهِمَّة.
أهمها التقارب الاقتصادي الباكستاني الصيني، مقابل دِفْء العلاقات الهندية الإسرائيلية، ويَعْنِي ذلك بالضرورة فُتُورَ العلاقات الأمريكية الباكستانية. كما أن الصراع الهندي الباكستاني يَأْخُذُ أبعادًا مُتَعَدِّدَة لا تقتصر على قضية كشمير وحَسْبُ؛ فإلى جانب التكوين الديمغرافي الديني في إقليم كشمير، يُعَدُّ مُعَارَضَة الهند للمشروع الاقتصادي الصيني الباكستاني أحدَ جوانب الصراع بين البلدين؛ وهو مشروع اقتصادي صيني عملاق في باكستان باستثمارات نحو 70 مليار دولار، وتقف الهند ضِدَّهُ إلى الآن لكونه تهديدًا إستراتيجيًّا، لا سيما لنشاطها في المحيط الهندي.
تلك العلاقات المُتَشَابِكَة والتنافس المُحْتَدِم، قد دَفَعَ مُرَاقِبِينَ إلى القول: باحتمال استغلال القُوَى الغربية نزاعَ الهند وباكستان التاريخيَّ على إقليم كشمير، لإشعال الصراع مُجَدَّدًا في المنطقة، ما سَيُلْحِقُ ضَرَرًا مباشرًا بمشروع الصين العملاق "الحزام والطريق"، ويُعَرْقِلُ تطوُّر العلاقات الصينية الإقليمية.
وما يَدْعَمُ ذلك التوجه غيابُ حلفاء إستراتيجيين للولايات المتحدة والقُوى الغربية في المنطقة من جِهَةٍ، والتوسع السريع للنفوذ الروسي والصيني في الإقليم من جِهَةٍ أخرى. فَرغم أن باكستان اعتُبِرَتْ حليفًا للقُوَى الغربية خلال فترة الحرب الباردة؛ إلَّا أن الأزمة الاقتصادية المُتَفَاقِمَة في البلاد قد دَفَعَتْ إسلام أباد نحو تطوير علاقاتها بالصين إلى مُسْتَوًى جديد، مُسْتَفِيدَةً من مَسَاعي بكين الهادفة لاحتواء جوارها الإقليمي من بوَّابة العلاقات الاقتصادية.
الخلاصة:
- بَاتَ واضحًا تزايدُ الثِّقَل الاقتصادي لمنطقة جنوب آسيا في الاقتصاد العالمي، مدفوعًا بما شهدته القارة الآسيوية ككل من قفزات تنمويَّة خَلَقَتْ توازنًا على الصعيد الاقتصادي والتجاري العالمي.
- وفي ظل الإستراتيجيات والسياسات المختلفة والمُتَعَارِضَة للقُوَى الكبرى في إقليم جنوب آسيا ومَسَاعي الاحتواء وتوسيع النفوذ، عبر تزايد الحضور الأمريكي ولا سيما "العسكري" في منطقة الهندوباسفيك من جِهَةٍ، والتمدد الطَّاقِيِّ الروسي في منطقتي آسيا الوُسْطَى وجنوبها، فضلًا عن طموح الصين العملاق في احتواء جوارها الإقليمي من جِهَةٍ أخرى؛ تَجَدَّدَتِ الأخطار الإقليمية من احتمال استغلال الصراعات التاريخية القديمة وضَرْبِ السلام الهَشِّ بين دُوَلِ الإقليم، في إطار الصراع الجيوإستراتيجي بين القُوَى الدولية.
- فرغم نجاح دُوَلِ الإقليم في بناء تعاون اقتصادي وشراكات تجارية، فلا تزال النزاعات الجوهرية قائمة بين دُوَلِ الإقليم.
المصادر:
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة