مجلس السلام في غزة.. شرعية أممية على المحك بين التزامات الاحتلال وتطلعات الفلسطينيين

إقليمية
مجلس السلام في غزة.. شرعية أممية على المحك بين التزامات الاحتلال وتطلعات الفلسطينيين
٢٠ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ١٥ مارس ٢٠٢٦

يُطِلُّ مجلس السلام في غزة من التهدئة إلى الإعمار، بقيادة واشنطن كأحد أهمِّ الاختبارات السياسية في الشرق الأوسط؛ فالتفويض الدولي الذي حصل عليه المجلس يمنحه شرعية واسعة، لكنه في الوقت ذاته يضعه أمام مسؤولية ثقيلة، حيث يتحول وقف إطلاق النار إلى مسار عمليٍّ لإعادة البناء، وسط شكوك عميقة حول التزام الكيان المحتل.

وبينما يترقب الفلسطينيون والعالم العربي فرصة حقيقية لإطلاق مشروعات إعمار تعيد الحياة إلى غزة، يخشى كثيرون أن يتحول المجلس إلى أداة سياسية لإعادة إنتاج الأزمة. في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات، نسلط الضوء على "مجلس السلام" في غزة، الذي من المفترض أن يعمل على التهدئة والإعمار، بقيادة ترامب؛ كأحد أهمِّ الاختبارات السياسية الشائكة والحساسة في الشرق الأوسط، وهي:

  • واشنطن في موقع القيادة.. بين الوساطة والهيمنة.
  • التزام الاحتلال.. اختبار حاسم لمصداقية الاتفاق.
  • إعادة الإعمار.. هل يُعَدُّ مدخلًا لإعادة بناء الثقة الدولية؟
  • تفاصيل عن ميثاق وأعضاء "مجلس السلام" في غزة.
  • الموقف العربي والأوروبي.. دعم مشروط أم تحفظ إستراتيجي؟
  • ماذا عن الشرعية الدولية الكاملة ومستقبل سلاح حماس؟
  • هل تبدأ مرحلة جديدة في غزة دون عوائق صهيونية وإعادة الإعمار؟
  • غزة بين وعود التنمية وأخطار إعادة إنتاج الأزمة.

دعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قادة "مجلس السلام" للاجتماع في واشنطن في 19 فبراير الماضي 2026م لمناقشة إعادة إعمار غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ويضم المجلس 27 عضوًا ويرأسه ترامب، وقد فوّضه مجلس الأمن الدولي بالإشراف على وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، كما التقى ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18 فبراير الماضي؛ نعم إنها لحظة فارقة، حيث يقف المجتمع الدولي أمام خيارين، فإما أن ينجح في فتح باب مرحلة جديدة من الاستقرار والإعمار، أو أن يترك غزة رهينة لدوامة الصراع والوعود المؤجلة وعربدة صهيونية لا تنتهي بقيادة الدموي نتنياهو.

تفاصيل عن ميثاق وأعضاء "مجلس السلام" في غزة:

في أواخر يناير الماضي، وقَّع ترامب ميثاق مجلس السلام في دافوس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، بحضور عدد من قادة العالم، وأعلن البيت الأبيض آنذاك، تحول المجلس إلى "منظمة دولية نشطة"، ودخول الميثاق حيز التطبيق؛ وقال ترامب آنذاك: "المجلس سيقوم بعمل عظيم في غزة وربما في ملفات أخرى". وتابع: "سننجح في غزة، وسنفعل أمورًا أخرى بعد أن يكتمل بناء المجلس، وسنفعل ذلك بالتعاون مع الأمم المتحدة". وينص الميثاق: على أنَّ الرئيس الأمريكي سيرأس المجلس، على أن يعمل المجلس على تعزيز السلام، والعمل على حل النزاعات في جميع أنحاء العالم. وبحسب الميثاق، فإنَّ عضوية المجلس ستكون لمدة 3 سنوات فقط، لكن في حال دفع كل دولة مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس ستحصل حينها على عضوية دائمة. وسيتم تعيين وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، ومبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، وجاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره، أعضاءً في المجلس التنفيذي التأسيسي للمجلس. لقد أعاد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الميثاق التأسيسي لـ "مجلس السلام"، في منتدى دافوس فتح نقاش واسع بشأن طبيعة المجلس وحدود دوره، واحتمالات نجاحه.

وقَّع على وثيقة "مجلس السلام"، كل من وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، ورئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن، والشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة، وزير ديوان رئيس مجلس الوزراء البحريني، ووزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ورئيس جهاز الشؤون التنفيذية في إمارة أبو ظبي، خلدون خليفة المبارك، ووزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، ووزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي.

كما وقع أيضًا على الوثيقة، بعد إعلان مشاركتهم في المجلس، الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، ورئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، والرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، ورئيس الوزراء البلغاري، كيريل بيتكوف، والرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، والرئيس المجري، فيكتور أوربان، ورئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، ورئيس باراغواي، سانتياغو بينا، والرئيس الأوزبكي، شوكت ميرزوييف، ورئيس وزراء منغوليا، غومبوجاف زاندانشاتار، ورئيسة كوسوفو، فيوسا عثماني، ورئيس وزراء باكستان، شهباز شريف (الشرق بلومبرغ).

واشنطن في موقع القيادة.. بين الوساطة والهيمنة:

إنَّ انعقاد مجلس السلام في غزة بقيادة واشنطن يضع الولايات المتحدة في موقع مركزي لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وهذا الدور يمنحها صورة الوسيط الدولي، لكنه في الوقت ذاته يثير مخاوف من نزعة الهيمنة على القرار، كما أنَّ التفويض الأممي يعزز شرعية واشنطن، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى استقلالية المجلس عن المصالح الأمريكية (الشرق بلومبرغ).

اللقاء المسبق بين ترامب ونتنياهو يعكس تنسيقًا قد يُضعف ثقة الأطراف الأخرى في حيادية الوساطة، فواشنطن تسعى لربط الإعمار بمسار سياسي يخدم إستراتيجيتها الإقليمية. وفي المقابل: نجد الأطراف العربية والأوروبية تراقب بحذر خشية أن يتحول المجلس إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة؛ وبذلك يبقى الدور الأمريكي معلقًا بين صورة الوسيط الدولي وأخطار الهيمنة على مستقبل غزة.

ونقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول أمريكي ودبلوماسيين من أربع دول أعضاء في المجلس، الذي أعلن الرئيس الأمريكي تأسيسه خلال فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي في يناير الماضي، أنَّ البيت الأبيض يسعى إلى استثمار الاجتماع لدفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وجمع الأموال اللازمة لإعادة إعمار القطاع الفلسطيني الذي دمرته الحرب الإسرائيلية.

وبحسب الموقع الأمريكي: "سيكون هذا أول اجتماع لمجلس السلام، كما سيكون مؤتمرًا لجمع التبرعات لإعادة إعمار غزة". ولا تزال خطط القمة في مراحلها الأولى وقد تطرأ عليها تغييرات. ولم تنضم بعض الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة، إذ يمنح ميثاق المجلس صلاحيات واسعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حسبما أشار موقع "أكسيوس".

ويرى بعض حلفاء واشنطن، أنَّ ترامب يسعى إلى إنشاء بديل لمجلس الأمن الدولي، ولكن في وقت سابق قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إنَّ "مجلس السلام" أُنشئ بقرار أممي، ولا يشكل بديلًا عن الأمم المتحدة، ذلك أنَّ مهمته الحالية تتركز حصرًا على إدارة المرحلتين الثانية والثالثة من الخطة الخاصة بقطاع غزة (الشرق بلومبرغ).

دور "مجلس السلام" في غزة:

ذكرت تقارير إخبارية، أنَّ كواليس اللقاء المغلق الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، كشفت عن تباين حاد في الرؤى تجاه ملفي إيران وغزة، مشيرة إلى أنَّ ترامب قرر تفعيل خطة "مجلس السلام" لإدارة قطاع غزة، ومن المفترض أنَّ نزع سلاح حماس سيبدأ في شهر مارس المقبل، وذلك بالتزامن مع ما ذكره مصدر فلسطيني من أنَّ هناك مباحثات مرتقبة لوفد من حماس في العاصمة المصرية القاهرة حول مصير السلاح وترتيبات أمن غزة (موقع الخليج).

وأشارت التقارير إلى أنَّ قوة الاستقرار بقيادة أمريكية ومشاركة مصرية وإيطالية وإندونيسية يتم تجهيزها حيث -آلاف الجنود بدأوا التدريب فعليًّا-. وأوضحت أنه وفق قواعد الاشتباك، لن تقاتل هذه القوات حماس، بل ستتولى استلام الأسلحة التي تُسلم طواعية، وأضافت أنه طُرح مفهوم لـ"عفو" عن عناصر الحركة الذين يوافقون على إلقاء السلاح وتوفير فرص عمل لهم. ولفتت التقارير إلى أنَّ نتنياهو لم يحصل على "صورة الانتصار" التي كان ينشدها، حيث تجنب ترامب الظهور التلفزيوني المشترك معه. كما يواجه رئيس الوزراء ضغوطًا للانضمام رسميًّا لفعاليات "مجلس السلام" لجمع التبرعات لإعادة إعمار غزة، وهو ما يضعه في مأزق أمام قاعدته اليمينية التي ترفض أي دور تنموي في القطاع قبل التفكيك الكامل للفصائل المسلحة.

ومن خلال هذه التطورات نقول: إنَّ إسرائيل تظهر في هذه المرحلة كطرف "معرقل" كالعادة لأيِّ اتفاق وحتى في نظر القوى الإقليمية، بينما يتحرك ترامب وفق مبدأ "الصفقة الكبرى" التي توازن بين الردع العسكري والحلول السياسية الإقليمية. ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن المسؤول قوله، إنَّ الجهات المعنية تضع حاليًّا اللمسات الأخيرة على التفاصيل الفنية لتفكيك الترسانة العسكرية للحركة، مؤكدًا أنَّ هذه الخطوة تُعَدُّ جزءًا من عملية جارية بالفعل.

ومن المرتقب خلال الفترة المقبلة، سيتوجه وفد حركة حماس خلال مباحثاته في القاهرة لمناقشة ملف سلاح الحركة، ومن بين المقترحات المطروحة البحث في آلية لتجميد استخدام السلاح إلى حين تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة. وكشفت حركة حماس أنَّ الوفد سيطرح على الوسيط المصري تصورًا يقضي بالاحتفاظ بالسلاح الخفيف، مقابل تسليم الأسلحة الثقيلة وما تبقى من الصواريخ إضافة إلى خرائط الأنفاق، وذلك ضمن ترتيبات أوسع تشمل دمج موظفي الحركة وعناصر أجهزتها الأمنية السابقة في إدارة القطاع مستقبلاً.

وفي سياق متصل، خطا مجموعة من الحقوقيين والمحامين السويسريين خطوة قانونية غير مسبوقة بتقديم شكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد حكومتهم ووزير الخارجية إغنازيو كاسيس؛ ويأتي ذلك على خلفية اتهامات بالتقاعس عن أداء الواجبات الدولية المتعلقة باتفاقيات منع الإبادة الجماعية، خاصة في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة (موقع الخليج).

التزام الاحتلال.. اختبار حاسم لمصداقية الاتفاق:

لا شكَّ أنَّ نجاح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يتوقف على مدى التزام الاحتلال ببنوده، لاسيما أنَّ نقض أيِّ تعهد أمريكي خلال الفترة المالية، خصوصًا أنَّ أي إخلال بالاتفاق سيُقوِّضُ الثقة الدولية ويضعف شرعية مجلس السلام بقيادة واشنطن. الالتزام يشمل ليس فقط وقف العمليات العسكرية، بل أيضًا تسهيل وصول المساعدات ومشروعات الإعمار، والمجتمع الدولي يراقب عن كثب، إذ إنَّ مصداقية الاتفاق ستحدد مستقبل الدور الأممي في إدارة الأزمة. وفي المقابل: الفلسطينيون يرون في التنفيذ الجاد فرصة لإعادة بناء حياتهم، بينما يخشون من تكرار سيناريوهات التعطيل السابقة. وبالتالي: واشنطن تجد نفسها أمام مسؤولية مزدوجة، حيث ضمان التزام الاحتلال، وإقناع الأطراف الأخرى بجدية المسار الجديد؛ وبذلك، يصبح التزام الاحتلال حجر الأساس الذي سيحكم على الاتفاق بالنجاح أو الفشل. كما تؤكد واشنطن أنَّ مجلس السلام ليس بديلًا عن الأمم المتحدة، وذلك على لسان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أنَّ مجلس السلام أُنشئ بقرار أممي، ولا يشكل بديلًا عن الأمم المتحدة، وأنَّ مهمته الحالية تتركز حصرًا على غزة. يضم المجلس حاليًّا 27 عضوًا ويرأسه ترامب، وقد فوّضه مجلس الأمن الدولي بالإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، والعمل على ملفات الحوكمة وإعادة الإعمار. وبدأت إدارة ترامب، التواصل مع عشرات الدول لدعوة قادتها للاجتماع، ومناقشة الترتيبات اللوجستية، كما تعتزم عقد الاجتماع في "معهد السلام" الذي أعاد ترامب تسميته مؤخرًا.

وقد اقترح ترامب لأول مرة إنشاء "مجلس السلام" في سبتمبر الماضي، عندما أعلن خطته لإنهاء حرب غزة، ثم أوضح لاحقًا أنَّ صلاحيات المجلس ستتوسع لتشمل حل نزاعات أخرى في جميع أنحاء العالم إلى جانب غزة (الشرق بلومبرغ).

إعادة الإعمار.. هل يُعَدُّ مدخلًا لإعادة بناء الثقة الدولية؟

تعتمد رؤية واشنطن على أرقام لافتة تلك التي تتحدث عن نمو في الناتج المحلي، وارتفاع في متوسط الدخل، وخلق مئات آلاف فرص العمل خلال عقد زمني؛ وهي مؤشرات، في أيِّ اقتصاد طبيعي، تُشكِّلُ أساسًا معقولًا للتفاؤل. لكن التحدي الجوهري يكمن في أنَّ هذه الأرقام تُطرح دون معالجة الشروط البنيوية اللازمة لتحقيقها، وفي مقدمتها غياب السيادة على المعابر والموارد، والقيود الصارمة على الحركة والتجارة، وهي عوامل تجعل من تحقيق نمو مستدام أمرًا بالغ التعقيد، إن لم يكن مستحيلاً، دون تغيير جذري في الواقع السياسي القائم. لذا نقول: إنَّ الرؤية الأمريكية تنطلق من افتراض إمكانية بناء اقتصاد فعّال، لكنها في بيئة تفتقر إلى مقومات الاستقلال الاقتصادي، فهي تتعامل مع غزة كما لو كانت كيانًا قادرًا على جذب الاستثمار بحرية، في حين أنَّ التجربة أثبتت أنَّ التنمية الحقيقية تحتاج إلى استقرار سياسي، وضمانات قانونية، وحرية حركة، وسيطرة وطنية على الموارد. إنَّ تجاهل هذه الشروط لا يقلل من أهمية الطموحات الاقتصادية بحد ذاتها، لكنه يطرح تساؤلات جدية حول قابليتها للتطبيق، ويعيد إلى الواجهة نماذج تنموية سابقة لم تنجح لأنها عالجت النتائج دون الأسباب. لاسيما أنَّ مشروعات إعادة إعمار غزة يجب أن تكون أكثر من مجرد عملية إنسانية، فهي تُعَدُّ اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على تحويل التهدئة إلى استقرار دائم، ونجاح هذه المشروعات سيعزز الثقة بين الأطراف المتنازعة ويمنح الفلسطينيين شعورًا بجدية الالتزامات الدولية بعد معاناة وظلم وقهر على مدار عقود مضت جراء جرائم الاحتلال؛ كما أنَّ الإعمار يفتح الباب أمام مشاركة واسعة من الدول المانحة، ما يعكس إرادة جماعية لإعادة بناء الثقة المفقودة. إنَّ التركيز على التنمية والبنية التحتية يضع أساسًا لإعادة دمج غزة في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وأي تعطيل أو تسييس لملف الإعمار سيُقوِّضُ مصداقية المجلس ويفاقم حالة الإحباط الشعبي؛ وبالتالي: واشنطن عليها دور كبير في التزام حكومة الاحتلال الصهيوني، كما أنَّ إدارة ترامب أمام فرصة لإثبات أنَّ دورها يتجاوز الوساطة الأمنية إلى قيادة مسار تنموي شامل، حتى يصبح الإعمار ليس فقط إعادة بناء الحجر، بل إعادة بناء الثقة في النظام الدولي وقدرته على تحقيق العدالة (الشرق بلومبرغ).

الموقف العربي والأوروبي.. دعم مشروط أم تحفظ إستراتيجي؟

الموقف العربي من مجلس السلام يتسم بالحذر، إذ يرى في الإعمار فرصة إنسانية لكنه يخشى أن يتحول إلى غطاء سياسي لتكريس الاحتلال، فالدول الأوروبية تميل إلى دعم المبادرة، لكنها تربط مشاركتها بمدى التزام إسرائيل بالقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين (شهاب نيوز).

وفي المقابل: نجد العرب يسعون لضمان أن تكون مشروعات الإعمار جزءًا من مسار سياسي أوسع يفضي إلى حل عادل، لا مجرد تحسين ظروف تحت الاحتلال، حيث إنَّ الأوروبيين يوازنون بين رغبتهم في الاستقرار الإقليمي وبين مخاوفهم من الانجرار وراء أجندة أمريكية إسرائيلية أحادية. إنَّ هذا التباين يعكس اختلاف أولويات الطرفين، فالعرب يركزون على البعد السياسي، والأوروبيون على الاستقرار والأمن؛ ومن جهة أخرى، واشنطن تحاول استثمار الدعم الأوروبي لتغطية تحفظات العرب، ما يخلق معادلة معقدة داخل المجلس، لذا من الواضح أنَّ الموقف العربي والأوروبي يبقى بين دعم مشروط وتحفظ إستراتيجي، يحدد في النهاية مدى نجاح أو فشل. ورغم عدم الالتزام الصهيوني بوقف إطلاق النار حتى مع بدء مناقشات المرحلة الثانية، ومع ذلك فقد عاد ملف المرحلة التي تلي الحرب على قطاع غزة إلى الواجهة مجددًا.

ويأتي الحديث عن مجلس السلام في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن مدى التزام الاحتلال الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار، في ظل استمرار الخروقات الميدانية، إلى جانب الغموض الذي يكتنف مستقبل لجنة التكنوقراط والعراقيل التي تعيق مباشرتها مهام إدارة القطاع. لاسيما أنَّ صحيفة "هآرتس" العبرية، قد اعترفت بأنَّ "إسرائيل" تعرقل بدء عمل لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة، وتمنع أعضاء اللجنة من دخول القطاع عبر مصر، رغم أنَّ معبر رفح فتح مطلع فبراير الماضي، موضحة أنَّ تأخر بدء عمل اللجنة يعود بالدرجة الأولى إلى الرفض أو التعنت الإسرائيلي السماح بدخول أعضائها إلى قطاع غزة. ولكن ووفق مسؤولين أمريكيين فإنَّ ترامب يعتزم بجدية الإعلان خلال الاجتماع الرسمي الأول لـ "مجلس السلام" في واشنطن عن خطة لإعادة إعمار قطاع غزة بقيمة مليارات الأموال، إضافة إلى كشف تفاصيل نشر قوة استقرار دولية في القطاع، في إطار ترتيبات أُقرت بالتنسيق مع أطراف دولية. وبالفعل قد ركزت النقاشات على إنشاء صندوق دولي لتمويل إعادة إعمار غزة، مع تقديم مساهمات مالية من الدول المشاركة، كما أنَّ عددًا من الدول أبدى استعدادًا لتقديم دعم مالي دون طلب أمريكي مباشر.

وتندرج هذه التحركات ضمن خطة أمريكية أوسع لإعادة تشكيل الواقع في غزة بعد الحرب، عبر الجمع بين إعادة الإعمار، وترتيبات أمنية جديدة، وإعادة تنظيم الإدارة المدنية في القطاع، بما يضمن -وفق الرؤية الأمريكية- استقرار الأوضاع ومنع تجدد المواجهات. ويُعَدُّ نشر ما يُعرف بـ"قوة الاستقرار الدولية" أحد أبرز محاور الخطة المطروحة؛ إذ تُشيرُ التقديرات إلى أنَّ هذه القوة ستضم آلاف الجنود من عدة دول، مع توقعات بانتشارها في قطاع غزة خلال الأشهر المقبلة. وتتمثل مهام هذه القوة، وفق ما جرى تداوله، في توفير مظلة أمنية للقطاع، والإشراف على ترتيبات تتعلق بسلاح الفصائل، والمساهمة في تثبيت الاستقرار ضمن مرحلة انتقالية قد تسبق ترتيبات سياسية أوسع (شهاب نيوز).

ماذا عن الشرعية الدولية الكاملة ومستقبل سلاح حماس؟

وفي المقابل: يثير الحديث عن نشر قوة دولية جدلاً سياسيًّا وقانونيًّا واسعًا، وشدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على ضرورة أن تحظى أيُّ قوة دولية يُعتزم نشرها في غزة بشرعية دولية كاملة، لضمان قبولها من قِبَل السكان المحليين والأطراف المعنية، ومنع تحولها إلى عامل توتر إضافيٍّ يضغط على السكان وأحوالهم المعيشية (بوابة الأهرام).

حيث يظل سلاح حماس أحد أكثر الملفات حساسية في أيِّ مسار نحو التهدئة أو الإعمار، فالمجتمع الدولي يُعِدُّه عقبة أمام تثبيت وقف إطلاق النار، بينما ترى الحركة أنه ضمانة لردع الاحتلال. واشنطن تحاول إدراج ملف السلاح ضمن أجندة مجلس السلام، لكن ذلك يثير مخاوف من تعطيل مسار الإعمار.

وفي المقابل: إسرائيل تضع نزع السلاح كشرط أساسيٍّ لأيِّ التزام طويل الأمد، ما يعكس أولوية أمنية على حساب الحل السياسي. من جهته، أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أسامة حمدان، أنَّ الحركة لم تَتَلَقَّ من الوسطاء أيَّ مسودة أو مقترحات رسمية تتعلق بسلاح المقاومة، مشددًا على أنَّ الحركة لم تعتمد رسميًّا أيَّ قرار يخص تجميد سلاح المقاومة، ومن ثَمَّ فالمفترض أنَّ موقف الحركة أو المقاومة عمومًا يظل ثابتًا باعتبار المقاومة حقًّا مشروعًا للشعب الفلسطيني ما دام الاحتلال قائمًا. ويقول حمدان: "شعبنا يرفض الوصاية ولا يمكن القبول بقوات دولية تحل محل جيش الاحتلال، وأنَّ الحركة تواصلت مع الحكومة الإندونيسية، وأكدت لها أنَّ دور القوات الدولية يجب أن يقتصر على حدود قطاع غزة للفصل عن الاحتلال، حيث ينبغي أن تمنع قوة الاستقرار الدولية العدوان على شعبنا وفقًا لما جاء بخطة ترامب".

وكانت وسائل إعلام عن المتحدث باسم الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، إنَّ قوة حفظ السلام متعددة الجنسيات المقترحة لغزة قد يبلغ قوامها نحو 20 ألف جندي، وإنَّ تقديرات إندونيسيا تُشيرُ لإمكانية أن تساهم بما يصل إلى 8000 جندي في هذه القوة؛ لكن المتحدث قال إنه "لم يتم الاتفاق على شروط الانتشار أو مناطق العمليات" (بوابة الأهرام).

وحول سلاح المقاومة، أكد القيادي في حركة حماس، محمود مرداوي، أنَّ مسألة سلاح المقاومة الفلسطينية مرتبطة بشكل مباشر بأهداف الشعب الفلسطيني السياسية، وأنه لا يمكن تسليم هذا السلاح في ظل استمرار الاحتلال في ممارسات الاغتيال والعدوان. وشدد مرداوي على أنَّ سلاح المقاومة سيصبح بيد الدولة الفلسطينية عند قيامها، في إشارة إلى أنَّ أيَّ تسليم للسلاح قبل تحقيق الدولة يُعَدُّ سابقًا لأوانه، لاسيما وأنَّ خروقات إسرائيلية تحصد ولا تزال مئات الشهداء دون رادع؛ وتطرق القيادي إلى الالتزام الحالي بوقف إطلاق النار، قائلاً إنَّ حركته ملتزمة به، بينما يَتَصَرَّفُ العدو وكأنه غير ملزم بأيِّ شيء، مؤكدًا أنَّ المقاومة لن تتخلى عن سلاحها ما لم يلتزم الاحتلال بتنفيذ الاتفاقات المبرمة. إذن نقول: إنه من الواضح ووفق قيادات حركة حماس، فإنَّ انسحاب الاحتلال والتزامه بتنفيذ الاتفاقات يشكلان الطريق للوصول إلى مسار سياسي حقيقي، وأنَّ أيَّ تخلٍّ عن السلاح في ظل دعم الاحتلال للمليشيات المحلية التابعة للكيان الصهيوني سيكون خطوة غير ممكنة ولا مسؤولة تجاه الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية. خصوصًا إنه منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025م، تواصل دولة الاحتلال الصهيوني، ارتكاب مئات الخروقات بالقصف وإطلاق النيران، ما أدى إلى استشهاد وإصابة مئات المدنيين الفلسطينيين. وأفادت أحد معطيات وزارة الصحة في غزة، بأنَّ إجمالي حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر الأول 2025م بلغت شهيدًا و1578 مصابًا، بينهم أطفال ونساء.

حصار وأخطار الاحتلال في غزة.. متى تتوقف؟

على الصعيد الإنساني، فقد أفاد المكتب الإعلامي الحكومي بأنَّ الاحتلال الإسرائيلي يواصل التنصل من التزاماته ضمن البروتوكول الإنساني، حيث بلغ إجمالي ما دخل إلى قطاع غزة 31,178 شاحنة من المساعدات والتجارية والوقود، من أصل 72,000 شاحنة كان يفترض إدخالها، بنسبة التزام لم تتجاوز 43% (بوابة الأهرام). وبيّن المكتب الحكومي في غزة، في حصيلة حديثة بعد مرور 4 أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، أنَّ الشاحنات التي سُمح بدخولها توزعت بواقع 17,945 شاحنة مساعدات إنسانية، و12,402 شاحنة تجارية، إضافة إلى 861 شاحنة وقود فقط، من أصل 6,000 شاحنة وقود كان من المفترض إدخالها، بنسبة التزام لم تتجاوز 14%، فيما بلغ المتوسط اليومي لدخول الشاحنات نحو 260 شاحنة فقط، موضحًا أنَّ البروتوكول الإنساني ينص على إدخال 600 شاحنة يوميًّا إلى قطاع غزة تشمل المساعدات والمواد التجارية والوقود، إضافة إلى إدخال 50 شاحنة وقود يوميًّا تتضمن السولار والبنزين وغاز الطهي، وهو ما لم يلتزم به الاحتلال منذ بدء تنفيذ الاتفاق.

ويرى المكتب الحكومي في غزة، أنَّ الاحتلال لم يلتزم بإدخال الأعداد المتفق عليها من الشاحنات، كما لم يلتزم بخطوط الانسحاب المحددة من قطاع غزة، في استمرار واضح لسياسة فرض الوقائع الميدانية، كما لفت إلى أنَّ الاحتلال لم يسمح بإدخال المواد اللازمة لإعادة تأهيل وصيانة البنية التحتية التي تعرضت لدمار واسع، ولم يلتزم بإدخال المعدات الثقيلة الخاصة بالدفاع المدني، اللازمة لإزالة الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء.

وفي الجانب الصحي، أكد المكتب أنَّ الاحتلال لم يلتزم بإدخال المعدات والمستلزمات الطبية والأدوية الضرورية، ما يزيد من تعقيد الأوضاع الصحية في القطاع، في ظل الانهيار الكبير الذي أصاب المنظومة الصحية. وفيما يتعلق بحركة العبور، أوضح المكتب أنَّ الاحتلال لم يلتزم بإعادة فتح معبر رفح وفق ما تم الاتفاق عليه، بل جرى تشغيله بشكل جزئي وتحت قيود مشددة، ما أعاق حركة السفر والعلاج. وقد أنهى اتفاق وقف النار، رغم عدم التزام الكيان المحتل، حرب إبادة جماعية إسرائيلية استمرت عامين منذ 3 أكتوبر 2023م، خلفت 72 ألفًا و45 شهيدًا و171 ألفًا و686 مصابًا، ودمارًا هائلاً طال 90% من البنى التحتية المدنية بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

هل تبدأ مرحلة جديدة في غزة دون عوائق صهيونية وإعادة الإعمار؟

في هذا الصدد، قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إنَّ سكان قطاع غزة باتت لديهم فرصة حقيقية لرسم مستقبلهم، في تطور وصفه بـ "الاستثنائي"، وذلك في ظل تغيّرات سياسية وأمنية غير مسبوقة تشهدها الساحة الفلسطينية (بوابة الأهرام).

وأوضح والتز -في كلمته أمام جلسة مجلس الأمن الدولي عن تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط وخطة السلام في غزة- أنه جرى تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مؤكدًا أنه -لأول مرة منذ عام 2007- تتاح لسكان القطاع فرصة حقيقية لتحديد مستقبل سلمي لأنفسهم. ولفت إلى أنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن رسميًّا إطلاق مجلس السلام، بالتزامن مع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الشاملة ذات النقاط العشرين، المعتمدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803 (2025)، والتي تهدف إلى الدفع نحو نزع السلاح الكامل من غزة وإعادة إعمارها. ووصف "والتز"، النهج المتبع في هذه المرحلة بأنه "غير تقليدي"، لكنه شدد على أنَّ العالم لا يمكنه الاستمرار في إهدار الوقت والموارد وفرص السلام، وأنَّ على حماس والجماعات المسلحة أن تلقي سلاحها وأن تُعاد تنمية غزة من أجل سكانها؛ ولكن في الحقيقة، نَسِيَ مندوب أمريكا في مجلس الأمن أنها جماعات مقاومة أمام محتل غاشم وليست جماعات مسلحة بالشكل التقليدي كما يزعم هذا المدعو. من جهته، قال نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، رامز الأكباروف، إنَّ الاجتماع الذي عُقد اليوم في مجلس الأمن، يأتي في ظل فرصة "عميقة" وأخطار "كبيرة" في آنٍ واحد، كما أنَّ الوضع الراهن قد يشكل نقطة تحول حاسمة في مسار الأوضاع بالمنطقة ويمثل فرصة حقيقية لتحقيق السلام (بوابة الأهرام).

غزة بين وعود التنمية وأخطار إعادة إنتاج الأزمة:

بالطبع؛ إنَّ إعادة إعمار غزة يُطرح اليوم كأمل كبير لإطلاق مشروعات تنموية تعيد الحياة إلى المدينة المنهكة، لكن هذه الوعود تصطدم بواقع سياسي وأمني معقد قد يحولها إلى مجرد شعارات مؤجلة، فالتركيز على التنمية دون معالجة جذور الصراع يهدد بتحويل الإعمار إلى حل مؤقت لا يصمد أمام الأزمات المقبلة (موقع الخليج).

إنَّ المجتمع الدولي يرى في الإعمار فرصة لإعادة بناء الثقة، بينما يخشى الفلسطينيون أن يُستغل الملف لتكريس الوضع القائم، لاسيما أنَّ الاحتلال قد يستخدم مشروعات الإعمار كأداة ضغط، ما يضعف جدية الالتزامات الدولية، وبالرغم من أنَّ واشنطن تحاول تقديم الإعمار كمدخل للاستقرار، لكن نجاحها مرهون بمدى شمولية الحل السياسي. ومن ثَمَّ هناك من يخشى أن تبقى غزة معلقة بين وعود التنمية وأخطار إعادة إنتاج الأزمة في صورة جديدة، في ظل دولة مارقة لا تعرف حقوق إنسان ولا أطفال ولا أبرياء عُزَّل. حيث تُطرح ما يُعرف بـ"رؤية إدارة ترامب لغزة" تلك بوصفها مبادرة اقتصادية طموحة، تعد بإطلاق مسار جديد من النمو والاستثمار، وتحسين الظروف المعيشية عبر خلق فرص عمل واسعة وتطوير البنية التحتية. ومن حيث الشكل، تحمل هذه الرؤية لغة جذابة تعتمد على مؤشرات اقتصادية واعدة، وتقدّم نفسها كمدخل للاستقرار وإعادة الإعمار؛ غير أنَّ أيَّ مقاربة جادة لمستقبل غزة تستدعي قراءة هذه الرؤية ضمن سياقها السياسي والقانوني الأوسع، فالتنمية الاقتصادية، مهما بدت مغرية، لا يمكن فصلها عن البيئة التي يُفترض أن تنمو فيها، ولا عن واقع الاحتلال والحصار الذي يقيّد كل مفاصل الحياة في القطاع، ويمنع الطعام والشراب والدواء عن المدنيين دون وجه حق.

أبرز التحديات والسيناريوهات المحتملة:

  • إنَّ من شأن تطبيق رؤية اقتصادية منزوعة السياق السياسي أن يحمل أخطارًا مركبة، أبرزها تعميق التبعية الاقتصادية بدل تفكيكها، وإعادة إنتاج أنماط تنمية هشة، إضافة إلى تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين غزة وبقية الأرض الفلسطينية.
  • كما أنَّ التعامل مع الحصار والاحتلال كوقائع دائمة، بدل كونها أوضاعًا استثنائية مخالفة للقانون الدولي، قد يسهم في تطبيع حالة عدم الاستقرار بدل معالجتها جذريًّا.
  • إنَّ أيَّ رؤية اقتصادية لمستقبل غزة يمكن أن تشكّل فرصة حقيقية فقط إذا انطلقت من معالجة الأسباب السياسية للأزمة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وضمان السيادة وحرية الحركة؛ فغزة لا تحتاج إلى أرقام جذابة فحسب، بل إلى إطار عادل يتيح تحويل هذه الأرقام إلى واقع ملموس.
  • إذن نقول: تبقى التنمية أداة مهمة، لكنها لا تكون مستدامة إلا عندما تُبنى على أساس العدالة والحقوق، لا حين تُستخدم كبديل عنها، فغزة ليست مجرد مشروع اقتصادي واعد، بل جزء حيّ من قضية تحرر وطني، لا تكتمل معادلتها إلا باكتمال شروط الحرية وعودة جيش الاحتلال إلى ثكناته إذا اعتبرنا أنه له أرض في الأساس.

الخلاصة:

  • دخلت أزمة غزة مرحلة جديدة مع انعقاد مجلس السلام بقيادة واشنطن، حيث يتجاوز النقاش حدود التهدئة إلى ملف الإعمار وإعادة البناء؛ والمجلس، بتفويضه الأممي، يمثل اختبارًا جديًّا لمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل وقف النار -بغض النظر عن عدم التزام دولة الاحتلال- إلى مسار عمليٍّ ومستدام.
  • اللقاء المسبق بين ترامب ونتنياهو قد كشف عن تنسيق أمريكي إسرائيلي وهو ما يثير شكوكًا حول حيادية الدور الأمريكي، فالتزام الاحتلال ببنود الاتفاق يظل حجر الزاوية، إذ إنَّ أيَّ إخلال سيُقوِّضُ مصداقية المجلس ويعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
  • ملف الإعمار يُطرح الآن كمدخل لإعادة بناء الثقة الدولية، لكنه يواجه خطر التسييس أو التعطيل إذا لم يُربط بحل سياسي شامل وعادل لضمان حقوق المواطن الفلسطيني.
  • الموقف العربي يتسم بالحذر، بينما الأوروبيون يدعمون بشروط، وهو ما يعكس تباينًا في أولويات الأطراف الدولية، لكن يبدو أنَّ سلاح حركة المقاومة "حماس" يظل معضلة مفتوحة، إذ يربط الاحتلال أيَّ تقدم بنزع السلاح، بينما تعتبره الحركة ضمانة لردع العدوان الذي يسرق الأرض ويقتل الأبرياء.
  • غزة باتت معلقة بين وعود التنمية وأخطار إعادة إنتاج الأزمة، ما يجعل الإعمار رهينة للتوازنات الأمنية والسياسية، ومن ثَمَّ فإنَّ مجلس السلام في غزة ليس مجرد مبادرة دبلوماسية، بل هو اختبار حقيقي وشامل لمستقبل النظام الدولي بين جدية الالتزام وأخطار إعادة إنتاج الصراع، وبالتالي استمرار معاناة الفلسطينيين المظلومين والمنكّل بهم على أرضهم.

المصادر:

- الشرق بلومبرج

- شهاب نيوز

- الأهرام

- موقع الخليج

الكلمات المفتاحية

من التهدئة إلى الإعمارمجلس السلامغزةالالتزام الإسرائيليالشراكة الدوليةسلاح المقاومة