قراءة في التصعيد الأمريكي الصهيوني الإيراني وتداعياته على المنطقة والاقتصاد العالمي

دولية (اقتصادية)
قراءة في التصعيد الأمريكي الصهيوني الإيراني وتداعياته على المنطقة والاقتصاد العالمي
١٩ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ١٣ أبريل ٢٠٢٦

في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، يقف العالم على حافة أزمة جديدة؛ فالتوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران في ظل صراع النفوذ لم يعد مجرد خلاف سياسي أو نزاع حول الملف النووي، بل تحوّل إلى معركة مفتوحة على مستقبل الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي، ومن ثمّ فإنَّ أي شرارة في الخليج باتت تشعل الأسواق الدولية، وتضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ بين الحاجة إلى الاستقرار والواقع المليء بالاضطراب.

يسلط مركز "رواق" للأبحاث والدراسات السياسية، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على عدة محاور حول التصعيد الأمريكي الإسرائيلي على إيران وتداعياته في أمن المنطقة والاقتصاد العالمي في هذه السطور الآتية:

  • الشرق الأوسط على صفيح ساخن وتداعيات المواجهة المباشرة.
  • أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
  • غلق مضيق هرمز وأخطاره في شريان الطاقة العالمي.
  • التحالفات الإقليمية: بين الانخراط والحذر.
  • الأسواق المالية في مواجهة العاصفة الجيوسياسية.
  • الدبلوماسية الغائبة.. لماذا بقي الحل العسكري هو الخيار الوحيد؟

تداعيات التصعيد الأمريكي الإيراني في الاقتصاد العالمي:

لقد وضع التصعيد الأمريكي الإيراني الشرق الأوسط أمام مرحلة خطيرة من الحذر الإستراتيجي، مع تهديدات عسكرية مباشرة وتأثيرات بدت خطيرة منذ البداية في أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي ينذر بارتفاع أسعار النفط وتراجع الاستقرار الاقتصادي الدولي؛ فالحرب لها أبعاد خطيرة وليست مجرد حرب بين دولتين أو أكثر، وأي تعطيل لإمدادات الخليج أو مضيق هرمز سيُؤدِّيُ إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، مما يضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة؛ حيث حالة عدم اليقين في الأسواق المالية التي تُؤدِّيُ إلى هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، وزيادة تقلبات البورصات العالمية، لا سيما أنَّ الحرب أثرت وستؤثر في النقل البحري والتجارة الدولية، خاصة في ظل العولمة التي جعلت العالم "في سلة واحدة"، كما وصفها اقتصاديون.

الشرق الأوسط على صفيح ساخن وتداعيات المواجهة المباشرة:

تقف المنطقة أمام لحظة فارقة، حيث يهدد التصعيد الأمريكي الإيراني بتحويل التوترات المزمنة إلى مواجهة مفتوحة، فأي صدام مباشر سيضع دول الخليج في قلب المعركة، مع أخطار في البنية التحتية النفطية والممرات البحرية (الأخبار المسائي). ومضيق هرمز يبقى النقطة الأكثر حساسية، ولقد أدى تعطيله إلى شلل في إمدادات الطاقة العالمية، حيث إنَّ التحالفات الإقليمية ستتعرض لاختبار قاسٍ بين الانحياز لواشنطن أو محاولة تجنب الانجرار إلى الحرب، كما أنَّ الأسواق العالمية ستتأثر أكثر فأكثر في حال استمرار الوضع، حيث ترتفع أسعار النفط ويزداد الطلب على الملاذات الآمنة كالذهب والدولار؛ وبالتالي نرى أثر التداعيات السياسية التي انعكست في الداخل العربي، مع تصاعد الضغوط الشعبية والخوف من فقدان الاستقرار، لا سيما في ظل غياب مسار دبلوماسي جاد، يظل خطر الانزلاق إلى مواجهة شاملة قائمًا، بما يحمله من تداعيات كارثية في المنطقة والعالم؛ هذا، ولم تتوقف وتيرة الحرب في وقت تُقاس فيه الكلفة الأكثر إلحاحًا في الأرواح التي تُفقد، غير أنَّ الاقتصاد يفرض بعدًا آخر للنظر إلى الصراع يتمثل في تداعياته الاقتصادية، هذه التداعيات قد تكون كبيرة، لكنها لن تتوزع بالتساوي على الاقتصاد العالمي، إذ ستتحمل بعض الدول تكاليف مرتفعة بينما قد يكون الأثر محدودًا نسبيًّا في دول أخرى.

حيث سيكون العبء الأكبر على منطقة الشرق الأوسط نفسها، وهو ما تُشيرُ إليه التجارب التاريخية؛ فخلال الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025م انكمش اقتصاد إسرائيل بنحو 1% في الربع الثاني؛ وإذا ظل الصراع قصير الأمد، فمن المرجح أن تواجه كل من إسرائيل واقتصادات دول الخليج تراجعًا في الناتج بمقدار مماثل تقريبًا؛ أما إذا طال أمد الحرب فمن المرجح أن تكون الأضرار الاقتصادية أشد؛ إذ قد تتعطل مستويات الإنتاج وتتأجل الاستثمارات وتتراجع السياحة بشكل واضح، وسيكون الاقتصاد الإيراني الأكثر تضررًا، إذ تُشيرُ التجارب في حروب أخرى إلى احتمال تراجع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 10%، رغم أنَّ إيران لم تنشر بيانات رسمية للناتج المحلي منذ عام 2024م.

وعلى صعيد الاقتصاد العالمي، ووفق تقارير دولية فإنَّ حجم اقتصادات دول الخليج لا يُمثِّلُ سوى نحو 2%–3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يعني أنَّ أي ركود إقليمي حاد سيظل تأثيره المباشر في الإنتاج العالمي محدودًا نسبيًّا، ولكن الأخطار الرئيسة ترتبط بتعطل إمدادات السلع التي تصدرها المنطقة إلى بقية العالم؛ فكثيرًا ما تكشفه الأزمات عن نقاط اختناق كانت غير مرئية سابقًا، فعلى سبيل المثال، تُنتِجُ قطر نحو 40% من الهيليوم في العالم، وهو عنصر أساسي في صناعة أشباه الموصلات، كما تُعَدُّ منطقة الخليج منتجًا مهمًّا للأمونيا والنيتروجين المستخدمين في الأسمدة الصناعية، إلا أنَّ قناة التأثير الاقتصادية الأهم تظل الطاقة؛ كما أنَّ نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا يمر عبر مضيق هرمز، إضافة إلى نحو خمس شحنات الغاز الطبيعي المسال في العالم؛ وأي تعطّل في هذا الممر البحري الضيق ينعكس فورًا في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يفسر ارتفاع أسعار النفط والغاز خلال الأسبوع الماضي مع تراجع حركة الشحن عبر المضيق.

اقتصاديًّا، يعمل هذا النوع من الصدمات عبر آلية واضحة تتمثل في تغير ما يُعرف بشروط التبادل التجاري، أي العلاقة بين أسعار الصادرات والواردات؛ فمع ارتفاع أسعار الطاقة، ينتقل جزء من الدخل العالمي من الدول المستوردة للطاقة إلى الدول المصدرة لها، حيث تعتمد النتائج الاقتصادية لهذا التحول على ثلاثة عوامل رئيسة: ما إذا كانت الدولة مستوردًا أو مصدرًا صافيًا للطاقة، وحجم الارتفاع في الأسعار ومدى استمراره، إضافة إلى كيفية استجابة الحكومات والأسر والشركات لهذا التحول في توزيع الدخل.

وفي المقابل: نجد أنَّ الدول الكبرى المصدرة للطاقة خارج الخليج تستفيد بشكل واضح من ارتفاع الأسعار، ولا سيما الدول القادرة على زيادة صادراتها دون عوائق، وتشمل هذه الدول النرويج وروسيا وكندا، التي يُتوقع أن تحقق أكبر المكاسب من ارتفاع أسعار الطاقة؛ وفي العديد من الأسواق الناشئة تُخفف الإعانات الحكومية من أثر ارتفاع أسعار الطاقة، وفي هذه الحالات تتحمل الدولة، لا الأسر والشركات، الزيادة الأولية في التكاليف، وهذا من شأنه أن يخفف من أثر ذلك في النمو على المدى القصير، ولكنه يأتي على حساب ضعف المالية العامة (الأخبار المسائي).

أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران:

أعلنت كلٌ من تل أبيب وواشنطن أنَّ الهدف الأول في الحرب يتمثل في تحجيم القدرات النووية الإيرانية ومنعها من الوصول إلى مرحلة تهدد ميزان القوى الإقليمي، واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى إضعاف النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، عبر ضرب أدواته العسكرية والسياسية؛ لكن بالطبع هناك أهداف أخرى خفيّة، وهي إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية وإطلاق اليد العليا لدولة الاحتلال في المنطقة، والدفع ببعض الدول العربية إلى الانخراط في محور أمريكي إسرائيلي ضد طهران، كذلك السيطرة على خطوط الطاقة والممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز، لضمان استمرار تدفق النفط وفق مصالح الغرب؛ بجانب أهداف أخرى تضع أو تخلق واقعًا جديدًا يضع إسرائيل في موقع القوة المركزية بالمنطقة، مع تقليص دور إيران كقوة موازنة، مع استثمار الحرب في إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي بما يخدم مصالح واشنطن، ويعزز حضورها العسكري والسياسي طويل الأمد؛ فالغاية الأعمق هي إعادة هندسة الشرق الأوسط بما يتوافق مع رؤية أمريكية إسرائيلية، تقوم على تفكيك مراكز القوة المنافسة وإعادة توزيع النفوذ ولا ننسى تخوفات أمريكا غير المعلنة من النفوذ المصري والتركي في المنطقة ومحاولات حصارهما ليتسع المجال أمام الكيان المحتل.

نذكّر أنَّ الحرب على إيران تضيف المزيد من الأضرار الواسعة للاقتصاد العالمي، حيث يدفع الصراع أسعار الطاقة والأسمدة إلى الارتفاع، ويهدد بحدوث نقص في الغذاء بالدول الفقيرة (روسيا اليوم).

ففي الهند، بدأت مطاعم بالفعل تُحذِّرُ من احتمال الإغلاق مع إعطاء الحكومة الأولوية لإمدادات الغاز للأسر، وفي تايلاند، جرى تعليق السفر الخارجي لموظفي الدولة وحثهم على استخدام السلالم بدلًا من المصاعد؛ كما اعتمدت الفلبين أسبوع عمل مؤقتًا من أربعة أيام لبعض الهيئات الحكومية، في حين تشجع فيتنام الموظفين على العمل من المنزل.

ومن جانبه حذر صندوق النقد الدولي بالقول: إنَّ كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط -إذا استمرت معظم العام- سترفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية، وتخفض الناتج الاقتصادي العالمي بما يصل إلى 0.2%؛ وبالرغم من أنَّ الاقتصاد العالمي قد أظهر قدرته على الصمود أمام الصدمات، بعد أن استوعب تداعيات النزاع الأوكراني قبل أربع سنوات، وكذلك الرسوم الجمركية الواسعة، وغير المتوقعة، التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2025م، لكن الحرب على إيران سيكون لها تداعيات أخطر، لا سيما إذا تعلق الأمر بمضيق هرمز وكون طهران دولة منتجة للنفط؛ يزداد الغموض بشأن ما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه من تعقيد فرص إنهاء الأزمة.

الرابحون والخاسرون في الاقتصاد:

في الوقت الحالي، من المرجح أن تسفر الحرب عن رابحين وخاسرين في الاقتصاد، فالدول المستوردة للطاقة -مثل معظم دول أوروبا وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان والهند والصين- سوف تتضرر بشدة من ارتفاع الأسعار، وذلك بحسب معهد "تشاتام هاوس" في لندن؛ وتجد باكستان نفسها في وضع صعب بشكل خاص، فتلك البلاد التي تقع جنوبي آسيا تستورد نحو 40% من احتياجاتها من الطاقة وتعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال من قطر، وقد تأثرت هذه الإمدادات بسبب الصراع؛ ويعود ذلك جزئيًّا إلى أنَّ التضخم لا يزال عند مستويات مرتفعة ومثيرة للقلق في باكستان، كما أنَّ ارتفاع أسعار الطاقة يهدد بتفاقم الوضع؛ وفي المقابل: سوف تستفيد الدول المنتجة للنفط من خارج منطقة الحرب -مثل النرويج وروسيا وكندا- من ارتفاع الأسعار دون أن تواجه أخطار الهجمات الصاروخية أو المُسيرات.

لقد أدى اضطراب الملاحة في المضيق بالفعل إلى تعطيل شحنات الأسمدة، مما رفع تكاليفها على المزارعين ومن المرجح أن يدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع، ومن ثم فإنَّ أي دولة لديها قطاع زراعي كبير، بما في ذلك أمريكا، سوف تكون عرضة للتأثر، ولكن التأثيرات ستكون أكثر تدميرًا في الدول ذات الدخل المنخفض، حيث تواجه الإنتاجية الزراعية في الأساس تحديات، ومع إضافة هذه التكاليف قد نشهد نقصًا كبيرًا في الغذاء؛ وفي المقابل: تضع أزمة إيران البنوك المركزية في موقف صعب، حيث إنَّ ارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم، لكنه في الوقت نفسه يضعف النشاط الاقتصادي، وبالتالي يواجه صناع السياسة النقدية معضلة كبيرة في سوق المال (روسيا اليوم).

غلق مضيق هرمز وأخطاره في شريان الطاقة العالمي:

كما ذكرنا سالفًا يُعَدُّ مضيق هرمز أهم ممر بحري لنقل النفط والغاز، حيث يمر عبره نحو ثلث تجارة الطاقة العالمية، واستمرار إغلاقه سيُؤدِّيُ إلى شلل في حركة ناقلات النفط، ما يرفع الأسعار بشكل غير مسبوق ويهدد استقرار الأسواق؛ الدول المستوردة للطاقة مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي ستكون الأكثر تضررًا من أي تعطيل، فالبدائل اللوجستية محدودة، إذ لا توجد ممرات بحرية قادرة على تعويض حجم التدفق عبر المضيق، كما أنَّ دول الخليج ستواجه أزمة مزدوجة، حيث فقدان عائدات النفط وتعرض بنيتها التحتية لأخطار أمنية؛ على ما يبدو أنَّ الأسواق المالية ستدخل في حالة ذعر، مع اندفاع المستثمرين نحو الذهب والدولار كملاذات آمنة، لذا فغلق المضيق لا يُمثِّلُ مجرد أزمة إقليمية، بل تهديدًا مباشرًا للنظام الاقتصادي العالمي بأسره.

حيث دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مرحلة بالغة الحساسية، مع اتساع رقعة المواجهة، وتوجهها إلى صراع إقليمي مفتوح يهدد الشرق الأوسط والنظام الدولي بأسره، وفي وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية المتبادلة، يبدو أنَّ المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، تقف عاجزة عن وقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع؛ ولا شك أنَّ هذه التطورات المتسارعة لتلك الحرب تنذر بعواقب كارثية وخيمة، إذ لا يتوقف تأثيرها في العواصم التي شهدت ضربات صاروخية فحسب، لكن يبدو واضحًا أنَّ تبعاتها والتأثير الأخطر يخص أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي من جهة وأمن واستقرار المنطقة من جهة أخرى.

التحالفات الإقليمية بين الانخراط والحذر:

التحالفات في الشرق الأوسط تواجه اختبارًا صعبًا مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، حيث تضطر الدول إلى إعادة حساباتها الإستراتيجية، حيث إنَّ بعض الدول الخليجية تميل إلى الانخراط في محور واشنطن لضمان الحماية العسكرية والتي ظهرت هشاشتها وردع النفوذ الإيراني؛ في المقابل: هناك دول أخرى تتبنى سياسة الحذر، خشية أن يُؤدِّيُ الانجرار إلى مواجهة مباشرة إلى تهديد استقرارها الداخلي، فإسرائيل تسعى لتكريس دورها كحليف رئيسي للولايات المتحدة، ما يعزز من احتمالات التصعيد العسكري ضد إيران؛ من جهة أخرى، تركيا وقطر تحاولان الموازنة بين مصالحهما الإقليمية وعلاقاتهما مع القوى الكبرى، ما يضعهما في موقع معقد، حيث إنَّ الانقسام بين الانخراط والحذر يعكس هشاشة النظام الإقليمي، ويزيد من صعوبة بناء موقف موحد تجاه الأزمة، لكن هذه التحالفات المتباينة قد تحدد شكل الصراع المقبل، إما بتوسيع نطاق المواجهة أو بفتح نافذة للحلول الدبلوماسية (الجزيرة).

الدبلوماسية الغائبة.. لماذا بقي الحل العسكري هو الخيار الوحيد؟

غياب الثقة بين واشنطن وطهران جعل أي مسار تفاوضي هشًّا وغير قادر على إنتاج حلول مستدامة، فالضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية تدفعها نحو إظهار القوة بدلًا من الانخراط في مسار دبلوماسي طويل ومعقد؛ إيران بدورها ترى أنَّ التنازل في الملف النووي أو النفوذ الإقليمي سيُفسَّر كضعف، ما يعزز تصلب المواقف، وفي المقابل: يبدو أنَّ القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، تضغط باتجاه الخيار العسكري باعتباره الضمان الوحيد لتحجيم إيران؛ وفي ظل هذا وذاك نجد أنَّ المجتمع الدولي يقف عاجزًا عن فرض وساطة فعالة، بسبب الانقسامات بين القوى الكبرى وتضارب مصالحها، حيث إنَّ استمرار العقوبات الاقتصادية دون نتائج ملموسة جعل التصعيد العسكري يبدو وكأنه البديل العملي الوحيد.

يبدو وفي ظل هذه المعادلة، هناك غياب واضح للحل الدبلوماسي حتى كتابة هذه السطور على الأقل وتبقى المنطقة رهينة خيار القوة، بما يحمله من أخطار في الأمن والاستقرار العالمي؛ وبالرغم من أنَّ إسرائيل كونها ليست دولة نفطية، إلا أنَّ اقتصادها شديد الارتباط بالاستثمارات الأجنبية وقطاع التكنولوجيا المتقدمة، وبالتالي فإنَّ أي توسع في دائرة المواجهة سيُؤدِّيُ إلى هروب جزئي لرؤوس الأموال، وتراجع في مؤشرات البورصة وارتفاع تكلفة التأمين على الاستثمارات، كما أنَّ استمرار حالة الطوارئ الأمنية سيؤثر في قطاعات السياحة والخدمات ويزيد من عجز الموازنة نتيجة ارتفاع الإنفاق العسكري.

بالنسبة لإيران، فإنها ستواجه ضغوطًا مضاعفة، سواء عبر تشديد العقوبات الأمريكية أو عبر استهداف منشآتها الإستراتيجية، وهو ما سيُؤدِّيُ إلى مزيد من تراجع العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة لا سيما أنَّ الاقتصاد الإيراني الذي يعاني بالفعل من قيود مصرفية وتجارية، قد يدخل مرحلة أكثر حرجًا إذا تم استهداف صادراته النفطية بشكل أوسع أو تعطيل خطوط الإمداد؛ أما الولايات المتحدة ورغم متانة اقتصادها النسبي لكنها لن تكون بمنأى عن التداعيات وأنَّ ارتفاع أسعار الطاقة عالميًّا سينعكس في الداخل الأمريكي في صورة تضخم إضافي، خاصة في عام انتخابي حساس، كما أنَّ استمرار التورط العسكري بإيعاز أو ضغط من نتنياهو الذي ورط ترامب، سيزيد من أعباء الإنفاق الدفاعي ويعمق عجز الموازنة في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى تحقيق توازن بين متطلبات الأمن القومي واستقرار الاقتصاد.

تداعيات التصعيد الأمريكي الإيراني في الاقتصاد العالمي:

أوضاع خطيرة يشهدها العالم إقليميًّا ودوليًّا جراء الحرب على إيران، حيث إنَّ إغلاق أو تهديد مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 20% خلال أيام قليلة، مما يضغط على الدول المستوردة للطاقة مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي؛ ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة في التضخم العالمي حيث تكاليف النقل والإنتاج، ما يزيد من معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى، ومن ثم تعرض الأسواق المالية لأزمة طاحنة وموجات صدمة عنيفة تلك التي ضربت البورصات العالمية، حيث تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة تفوق 1%، فيما ارتفع الذهب والدولار كملاذات آمنة؛ أضف إلى ذلك، تعطيل سلاسل الإمداد في قطاع الطاقة والبتروكيماويات يهدد استقرار التجارة العالمية، خصوصًا مع اعتماد أوروبا وآسيا على واردات الخليج (الهيئة الوطنية للإعلام).

لقد دخل الشرق الأوسط فعليًّا مرحلة من التصعيد غير المسبوق إثر مهاجمة إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة، منشآت نووية، ومواقع عسكرية وأمنية وبنى تحتية حيوية وأخرى مدنية وسكنية في إيران وما لبثت أن ردت الأخيرة بضرب العمق الإسرائيلي بصواريخ وطائرات مسيرة بشكل مكثف وغير مسبوق اخترق بعضها الدفاعات الإسرائيلية المتعددة، وأصابت منشآت إستراتيجية وبنى تحتية حيوية وأخرى مدنية وسكنية ومنشآت للطاقة؛ إنَّ حرب الـ12 يومًا الأولى في يونيو كان الهدف منها منع إيران من الحصول على السلاح النووي، أما حرب هذه المرة فإسرائيل وضعت هدفها، وهو إسقاط النظام وهو السبب المعلن كما ذكرنا، ومع ذلك بات صعب تحقيقه، لأنه بالطبع ليس هناك ضربات جوية وصاروخية تُسقِطُ نظامًا، حيث إنَّ النظام يسقط من الداخل بفعل الشعب أو أنَّ القوات المهاجمة تدخل البلد وتحتلها، ومن ثم هذا الهدف لن يتحقق، وبالتالي فالحربان مختلفتان وإيران بضربها خمس دول عربية في الخليج، فالحرب أصبحت حربًا إقليمية، ومع ذلك فهي على وشك الانتهاء بعد تلميحات ترامب لأكثر من مرة بأنَّ الحرب انتهت إلى حد كبير لكن يبقى أثرها العنيف في الاقتصاد العالمي.

لأنها أثرت في اقتصاد العالم كله، كما أنَّ شركات النقل البحري غيرت طريقها من باب المندب إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ومن ثم العالم كله سيُبتلى بمشاكل اقتصادية والسبب أمريكا، ومن ثم فهذه الحرب لن تستمر لمدة زمنية طويلة، وسيبدأ ترامب في دعوات وقف الحرب، ثم الجلوس لطاولة المفاوضات وإيران تعلمت من حربها السابقة وتم تجديد سلاحها؛ لقد كانت لها بعض التداعيات التي تمثلت في اضطراب أسواق الطاقة، لأنَّ منطقة الخليج تُمثِّلُ شريانًا رئيسيًّا لإمدادات النفط والغاز عالميًّا، وأنَّ غلق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية ترتب عليه قفزات حادة في أسعار الخام ومن ثم فإنَّ أسعار النفط ستُترجم سريعًا إلى موجة تضخم عالمية جديدة تضغط على الاقتصادات الناشئة وتربك خطط التعافي في أوروبا وآسيا.

الأسواق المالية في مواجهة العاصفة الجيوسياسية:

يبدو واضحًا أنَّ الأسواق المالية العالمية كانت أول المتأثرين، حيث شهدت البورصات تقلبات حادة مع توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات الأمريكية، بجانب أنَّ عملات الدول الناشئة تعرضت لضغوط بيعية قوية، خاصة تلك التي تعتمد على استيراد الطاقة أو ترتبط تجاريًّا بمنطقة الشرق الأوسط، مع تعرض سلاسل الإمداد الدولية لاضطرابات جديدة، وفي حال توسعت المواجهة لتشمل هجمات سيبرانية أو استهداف موانئ وممرات بحرية إستراتيجية، فإنه بذلك سيُؤدِّيُ إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس بدوره في أسعار السلع الأساسية والغذائية عالميًّا.

التصعيد الأمريكي الإيراني يضع الأسواق المالية أمام حالة من عدم اليقين، حيث تتأرجح المؤشرات بين الهبوط الحاد والارتداد المؤقت، المستثمرون يتجهون سريعًا نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار، ما يعكس فقدان الثقة في استقرار الأصول عالية المخاطر؛ أسواق الأسهم العالمية تشهد تقلبات واسعة، مع تراجع في القطاعات المرتبطة بالطاقة والنقل وارتفاع في شركات الدفاع، فالبنوك المركزية تواجه ضغوطًا إضافية، إذ يفرض ارتفاع أسعار النفط تحديات على سياسات مكافحة التضخم، أما الأسواق الناشئة فهي الأكثر هشاشة، حيث تتعرض عملاتها لضغوط قوية نتيجة خروج رؤوس الأموال؛ حالة الذعر في الأسواق تزيد من كلفة الاقتراض العالمي، ما يهدد ببطء النمو الاقتصادي في المدى المتوسط، ومن ثم فالعاصفة الجيوسياسية تجعل الأسواق المالية مرآة للاضطراب السياسي، وتؤكد أنَّ الاستقرار الاقتصادي بات رهينة الحلول الدبلوماسية الغائبة؛ ذلك أنَّ الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل صدمات جيوسياسية كبرى جديدة، وأنَّ أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة سيعيد تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية، ويعزز الاتجاه نحو التكتلات الإقليمية وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الطويلة، ومع ذلك فإنَّ الدبلوماسية، رغم تعقيداتها تظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بفاتورة حرب إقليمية قد تمتد آثارها لسنوات طويلة في الاستقرار المالي والنقدي العالمي.

توسيع دائرة الحرب والردع الإيراني:

ومع توسيع دائرة الحرب إلى حد ما، نرى أنَّ إيران لا تسعى إلى حرب شاملة لكنها تريد تثبيت معادلة ردع جديدة وإثبات أنَّ أي استهداف لعمقها الإستراتيجي سيقابله رد مباشر وهذه الخطوة تعكس محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك ورفع سقف التفاوض عبر الميدان؛ وفي المقابل: تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجمع بين الردع والتبرير غير المقنع، فهو يؤكد أنَّ الوجود الأمريكي في المنطقة ضرورة لحماية المصالح القومية ومنع امتلاك إيران سلاحًا نوويًّا، لكنه في الوقت ذاته يبعث برسائل تفيد بعدم الرغبة في حرب مفتوحة.

وهذا التوازن المفتعل يخاطب الداخل الأمريكي، ويطمئن الحلفاء، ويرسل رسالة قوة لطهران لكنه أيضًا لم يخف أهدافه بتغيير النظام الإيراني بعد إسقاطه ووجه حتى رسائل إلى الحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني بضرورة الانسحاب من مواجهة الضربات الأمريكية؛ إنَّ المشهد بصفة عامة لا يُشيرُ إلى حرب تقليدية طويلة الأمد بل إلى صراع ممتد منخفض الحدة، فإيران لا تتحمل اقتصاديًّا حربًا واسعة والولايات المتحدة لا ترغب في مستنقع عسكري جديد في الشرق الأوسط، لكن ذلك لا يمنع استمرار الضربات المحدودة والردود المتبادلة ربما لأشهر قادمة؛ لكن الأخطر في المشهد هو ما يمكن تسميته بـ "التفاوض بالنار"، فالضربات العسكرية باتت جزءًا من لعبة الضغط السياسي، حيث يسعى كل طرف لتحسين موقعه على طاولة التفاوض عبر أدوات الميدان، لذا فإنَّ ما يجري ليس انفجارًا عسكريًّا شاملاً بل اختبار إرادات تحت سقف محسوب وأن تظل لعبة الضربات تحت ستار التفاوض منهجًا أمريكيًّا متوقعًا ومكشوفًا دائمًا، ونمط العمليات العسكرية الحالي هو "حرب العمليات الجراحية العسكرية" لا غزو شامل.

لأنَّ النمط العسكري القائم حاليًّا بين إيران وأمريكا لا يشبه الحروب الكلاسيكية، بل يعتمد على ضربات جوية وصاروخية دقيقة واستهداف بنى عسكرية ونووية محددة عمليات سيبرانية وتشويش استخباري مع تجنب الاشتباك البري المباشر، وهذا النموذج أقرب إلى "الاحتواء بالقوة" منه إلى حرب إسقاط نظام، فالولايات المتحدة تدرك أنَّ أي تدخل بري في إيران ذات المساحة الشاسعة والتركيبة المعقدة سيكون مكلفًا عسكريًّا وسياسيًّا بدرجة تفوق تجربة العراق بأضعاف، حتى اللحظة، ولا ننسى أنَّ إيران هي من ساعدت الولايات المتحدة في احتلال العراق بجانب الخيانة الداخلية وإلا كانت النتيجة أو الحسم العسكري صعبًا، بالنظر إلى قوة نظام صدام حسين آنذاك.

الأهداف العملياتية لواشنطن وتل أبيب:

تتمثل الأهداف في تدمير البنية التحتية لتصنيع وتخزين الصواريخ الباليستية تحييد شبكات الدفاع الجوي وما بعدها، وضرب منشآت نووية حساسة مثل جبل الفأس في نطنز وفوردو، كما أنَّ الأهداف الإستراتيجية تتمثل في تجاوز الهجمة فكرة الردع، إلى محاولة فرض الاستسلام الإستراتيجي أو التمهيد لتغيير النظام عبر إضعاف القبضة الأمنية أمام موجات الاحتجاج الداخلي؛ لا سيما أنَّ الاستهداف الأخير تميز بالتركيز على مراكز النقل المتمثل في القيادة والسيطرة واستهداف مكاتب سيادية ومنشآت تابعة للحرس الثوري في طهران ومدن كبرى؛ مثل: قم وتبريز وكرج، كما خططت أمريكا وإسرائيل لضرب المطارات والقواعد البحرية في مضيق هرمز لقطع الطريق على أي محاولة إيرانية لإغلاق الممر الملاحي العالمي (الهيئة الوطنية للإعلام).

سيناريوهات متوقعة في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران:

الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية/إسرائيل من جهة أخرى، تبدو متجهة نحو وقف إطلاق نار سواء قريبًا جدًّا أو حتى بعد فترة ليست طويلة بفعل الضغوط الدولية والعربية، لكن السيناريوهات التي كانت متوقعة تتراوح بين تغيير النظام، انتقال سياسي هش، استمرار الفوضى، أو العودة إلى المواجهات غير المباشرة؛ ولكن ليس متوقعًا أن يكون وقف إطلاق النار نهاية دائمة للصراع في ظل تحكم اللوبي الصهيوني في السياسة الأمريكية، بل سيكون محطة مؤقتة فقط قبل إعادة رسم قواعد الاشتباك من جديد، في ظل أصابع الشر الصهيونية التي تعبث بأمن المنطقة تحت حلم أو مزاعم "إسرائيل الكبرى"، أو في ظل مزاعم نتنياهو لنهاية العالم في معركة "هرمجدون" المزعومة التي ينتصر فيها اليهود تحت قيادته.

الخلاصة:

  • التصعيد الأمريكي الإيراني تجاوز حدود الخلاف النووي ليصبح معركة على النفوذ الإقليمي، فالمنطقة تقف أمام احتمالات مواجهة مباشرة وباتت تهدد أمن الخليج وممراته البحرية.
  • لقد وضعت الحرب الأمريكية على إيران الشرق الأوسط أمام مرحلة خطيرة من عدم الاستقرار والوضع مرشح للصعود للأسوأ في حال لم تتوقف هذه الحرب، مع استمرار التصعيد والتهديدات العسكرية باتت الأوضاع خطيرة في أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي ينذر بارتفاع أسعار النفط والتضخم ومن ثمّ تراجع الاستقرار الاقتصادي الدولي.
  • مضيق هرمز يظل الورقة الأخطر، إذ يُمثِّلُ شريان الطاقة العالمي الذي لا يحتمل الانقطاع في ظل استهداف السفن التي تحاول المرور به، وفي ظل التحالفات الإقليمية التي تتأرجح بين الانخراط في الصراع ومحاولة تجنبه.
  • الأسواق المالية العالمية تعيش حالة ترقب وقلق مع كل خطوة عسكرية أو سياسية، مما أدى إلى زيادة أسعار النفط بل ومرشحة للارتفاع الحاد، ما يضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، لذا فغياب الحلول الدبلوماسية يعمّق حالة الضبابية ويزيد من هشاشة الوضع الدولي.
  • وبالتالي فأي حرب مفتوحة ستنعكس مباشرة في الاستقرار السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط، حيث القوى الكبرى تجد نفسها أمام اختبار صعب بين حماية مصالحها وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
  • في النهاية، يبقى الخيار الدبلوماسي هو المخرج الوحيد لتفادي أزمة عالمية جديدة تهدد الأمن والاقتصاد معًا، كما يحتاج الأمر إلى مراجعة النظام الإيراني نفسه في سياساته الهدامة في المنطقة ووقف أي تمدد يُؤجِّجُ الفتن ويضرب استقرار الدول العربية، حيث يجب أن يبقى الاختلاف الفكري والعقائدي دون أن يتمدد إلى دول عربية وإسلامية مجاورة، فهذا هو السبيل لاستقرار الداخل الإيراني وهو ما بدا واضحًا في موقف الدول العربية التي رفضت بشدة العدوان على طهران.

المصادر:

- الأخبار المسائي

- روسيا اليوم

- الجزيرة

- الهيئة الوطنية للإعلام

الكلمات المفتاحية

التصعيد الأمريكي الإيرانيشرارة الحربأمن المنطقةالاقتصاد العالميصراع النفوذالحرب على إيران