قمة شرم الشيخ ومشهد الدبلوماسية المصرية.. قراءة في تحركات تل أبيب لإفشال السلام وإعادة الصراع والتحركات المصرية المضادة

ملفات خارجية
قمة شرم الشيخ ومشهد الدبلوماسية المصرية.. قراءة في تحركات تل أبيب لإفشال السلام وإعادة الصراع والتحركات المصرية المضادة
١٣ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٨ ديسمبر ٢٠٢٥

في مشهد تتقاطع فيه الدبلوماسية المصرية مع تعقيدات الصراع، برزت قمة شرم الشيخ كمنصة لإعادة إحياء الأمل في وقف إطلاق النار وترسيخ مسار السلام؛ غير أنَّ التحركات العسكرية الإسرائيلية في غزة، التي جاءت مخالفة لما تم الاتفاق عليه، كشفت عن نوايا لإفشال الجهود الدولية وإعادة إنتاج دوامة العنف. فهذه الخروقات لم تكن مجرد عمليات ميدانية، بل رسائل سياسية تهدف إلى تقويض الثقة في المسار التفاوضي. وفي المقابل، تحركت القاهرة بخطوات دبلوماسية مضادة، مؤكِّدة أنَّ التزامها بالسلام لا يعني التغاضي عن الانتهاكات. فالمشهد بات اختبارًا حقيقيًّا لقدرة مصر والأطراف الموقعة على اتفاق شرم الشيخ على حماية الاتفاقات وصون الاستقرار الإقليمي، وهكذا تتشكل ملامح مواجهة جديدة بين إرادة السلام المصرية ومحاولات تل أبيب لإعادة إشعال الصراع.

فما تفاصيل الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار؟ وما أبعاد ودوافع تلك الانتهاكات رغم فشل الحسم العسكري الإسرائيلي طيلة عامين؟ ماذا عن التحركات المصرية للضغط على الكيان الإسرائيلي والدفع باتجاه الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار؟ وكيف يمكن قراءة مواقف الضامنين والوسطاء في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية؟ ماذا عن السيناريوهات المختلفة لمستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية؟

يسلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة، الضوء على اتفاق وقف إطلاق النار بشرم الشيخ بين الكيان الإسرائيلي وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ومحاولات تل أبيب إفشال الاتفاق في هذه السطور الآتية.

تفاصيل الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار:

في أعقاب التفاهمات التي جرى التوصل إليها، برزت سلسلة من التحركات العسكرية الإسرائيلية التي أعادت المشهد إلى حالة من التوتر الميداني. فقد شهدت مناطق متفرقة في قطاع غزة عمليات قصف جوي ومدفعي استهدفت مواقع مدنية وبنى تحتية، وهو ما اعتبره المراقبون تجاوزًا صريحًا للالتزامات المعلنة. فهذه الأفعال لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل حملت دلالات سياسية واضحة تسعى إلى تقويض أي مسار تفاوضي يحد من حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن هذه الانتهاكات وضعت المجتمع الدولي أمام اختبار صعب يتعلق بمدى قدرته على فرض احترام الاتفاقات المبرمة.

كما تجلَّت الانتهاكات أيضًا في استمرار عمليات التوغل البري على أطراف القطاع، حيث نفذت القوات الإسرائيلية مداهمات محدودة في مناطق زراعية وسكنية. وهذه التحركات الميدانية أرسلت إشارات بأن المؤسسة العسكرية لا تنوي الالتزام الكامل بالتهدئة، بل تسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض. وقد رافق ذلك حملة اعتقالات واسعة في صفوف المدنيين، ما أثار مخاوف من أن الهدف يتجاوز الأمن إلى إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والسياسية داخل غزة. وهذا السلوك يعكس رغبة في إبقاء القطاع تحت ضغط دائم، بما يضعف أي إمكانية لبناء الثقة بين الأطراف. (الجزيرة).

ومن جانب آخر: استمرت الطائرات الإسرائيلية في تنفيذ طلعات استطلاعية مكثفة فوق أجواء القطاع، وهو ما اعتبره المراقبون خرقًا للهدنة المُعلنة. وهذه التحركات الجوية لم تكن مجرد مراقبة، بل تخللتها عمليات استهداف لمواقع محددة، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإلحاق أضرار بالمنشآت الحيوية. فمثل هذه الأفعال تحمل رسالة مزدوجة، الأولى: عسكرية تتعلق بإبقاء السيطرة الجوية. والثانية: سياسية تهدف إلى إظهار أن الاتفاقات لا تحد من قدرة الكيان الإسرائيلي على فرض إرادته ميدانيًّا. وهذا النهج يعكس إستراتيجية تقوم على اختبار حدود الصبر الفلسطيني والمصري في آن واحد.

كما برزت الانتهاكات في استمرار سياسة الحصار وتشديد القيود على المعابر، وهو ما يتناقض مع روح التفاهمات التي نصت على تسهيل حركة الأفراد والبضائع. فقد تم منع دخول شحنات أساسية، بما في ذلك المواد الطبية والغذائية؛ مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية داخل القطاع. وهذه الإجراءات الاقتصادية تُعَدُّ شكلًا من أشكال الضغط غير المباشر؛ إذ تسعى حكومة الاحتلال إلى استخدام المعاناة اليومية كأداة تفاوضية، وبذلك يصبح وقف إطلاق النار مجرد غطاء شكلي يخفي وراءه استمرار أدوات السيطرة والإخضاع.

وإلى جانب ذلك: شهدت الحدود البحرية عمليات اعتراض متكررة لقوارب الصيادين، وهو ما يمثل خرقًا إضافيًّا للاتفاقات. فهذه الممارسات لم تقتصر على التضييق الاقتصادي، بل امتدت إلى تهديد حياة المدنيين الذين يعتمدون على البحر كمصدر رزق رئيس. فاستمرار هذه الانتهاكات البحرية يعكس رغبة في إبقاء القطاع محاصَرًا من جميع الاتجاهات، بما يحد من أي إمكانية لتخفيف الضغط على السكان. وهذا السلوك يوضح أن الالتزام بالتهدئة لم يكن سوى خطوة تكتيكية، سرعان ما تم تجاوزها لتحقيق أهداف إستراتيجية أوسع. (الشرق الأوسط).

كما يمكن رصد أن هذه الانتهاكات المتعددة الأوجه تُشكِّل منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة إنتاج حالة الصراع، فهي ليست مجرد تجاوزات ميدانية، بل جزء من سياسة ممنهجة تسعى إلى إضعاف أي مسار تفاوضي وإبقاء الوضع في حالة عدم استقرار دائم. وهذا النهج يضع مصر أمام تحديات كبيرة، إذ يتطلب منها تكثيف جهودها الدبلوماسية للحفاظ على ما تحقق من تفاهمات، كما ويفرض على الأطراف الدولية إعادة النظر في آليات الرقابة والضغط لضمان احترام الاتفاقات. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية في صياغة مستقبل المنطقة.

أبعاد ودوافع تلك الانتهاكات رغم فشل الحسم العسكري الإسرائيلي طيلة عامين:

لتتضح بذلك أبعاد الانتهاكات الإسرائيلية في غزة من خلال محاولة فرض واقع جديد رغم تعثر الحسم العسكري على مدار عامين. فالمؤسسة الأمنية تسعى إلى تعويض إخفاقها الميداني عبر تكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية، بما يخلق بيئة خانقة للسكان ويضعف أي قدرة على المقاومة المنظمة. وهذا التوجه يعكس إدراكًا بأن العمليات العسكرية المباشرة لم تحقق أهدافها، وأن البديل يكمن في استخدام أدوات غير تقليدية لإبقاء القطاع في حالة إنهاك دائم. ومن هنا يصبح الانتهاك جزءًا من إستراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية.

فالدوافع الكامنة وراء هذه التحركات ترتبط برغبة حكومة الاحتلال في إعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي. فبعد فشلها في تحقيق انتصار حاسم، باتت تلجأ إلى سياسة الاستنزاف الطويلة التي تهدف إلى إضعاف البنية المجتمعية والسياسية داخل غزة. وهذه السياسة تقوم على مبدأ أن السيطرة لا تتحقق فقط عبر القوة المسلحة، بل من خلال إضعاف قدرة المجتمع على الصمود. لذلك، فإن الانتهاكات المتكررة تحمل رسالة بأن التهدئة ليست سوى أداة مؤقتة يمكن تجاوزها متى اقتضت الحاجة.

ومن زاوية أخرى: يمكن النظر إلى هذه الانتهاكات باعتبارها محاولة لإعادة بناء صورة الردع التي تآكلت بفعل طول أمد المواجهة. فالمؤسسة العسكرية تسعى إلى إظهار قدرتها على فرض إرادتها رغم فشل العمليات الكبرى، وذلك عبر ضربات محدودة، لكنها متكررة. وهذه الضربات تهدف إلى ترسيخ فكرة أن حكومة الاحتلال ما زالت قادرة على التحكم في مسار الأحداث، حتى وإن لم تحقق نصرًا كاملًا. وهكذا يصبح الانتهاك وسيلة لإعادة إنتاج صورة القوة أمام الداخل والخارج.

كما أن البعد السياسي لهذه الانتهاكات لا يقل أهمية عن بعدها العسكري؛ إذ تسعى حكومة الاحتلال إلى استخدام الخروقات كأداة تفاوضية، فهي تدرك أن استمرار الضغط على غزة يضع الأطراف الإقليمية والدولية أمام معادلة صعبة، ويجبرهم على تقديم تنازلات في ملفات أخرى. وبهذا المعنى، فإن الانتهاك ليس مجرد تجاوز ميداني، بل جزء من لعبة سياسية تهدف إلى توسيع هامش المناورة. ومن خلال هذه السياسة، تحاول حكومة الاحتلال تحويل إخفاقها العسكري إلى مكاسب سياسية غير مباشرة. (الوطن).

وعلى صعيد الدوافع الداخلية: فإنها تلعب دورًا محوريًّا، حيث تسعى القيادة الإسرائيلية إلى امتصاص الضغوط الشعبية والإعلامية الناتجة عن فشل الحسم العسكري. فالانتهاكات تقدم للجمهور صورة عن استمرار الفعل العسكري، بما يخفف من حدة الانتقادات الداخلية؛ كما أنها تمنح المؤسسة العسكرية فرصة لتبرير ميزانياتها الضخمة عبر الإيحاء بأن المواجهة ما زالت قائمة. وهذا الاستخدام الداخلي للانتهاكات يعكس تداخل البعد الأمني مع الحسابات السياسية الداخلية.

ويمكن القول: إن هذه الانتهاكات تمثل انعكاسًا لإستراتيجية طويلة الأمد تقوم على إبقاء الصراع مفتوحًا دون الوصول إلى تسوية نهائية. فالفشل في تحقيق الحسم العسكري دفع حكومة الاحتلال إلى البحث عن بدائل تقوم على الضغط المستمر وإعادة إنتاج الأزمات. وهذه السياسة تجعل من الانتهاك أداة لإدامة حالة عدم الاستقرار، بما يضمن استمرار السيطرة على مسار الأحداث. وهكذا تتضح الأبعاد والدوافع التي تجعل من الخروقات جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى إدارة الصراع بدلًا من إنهائه.

التحركات المصرية للضغط على الكيان الإسرائيلي والدفع باتجاه الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار:

وفي ظل ذلك المشهد، تسعى القاهرة إلى تكثيف أدواتها الدبلوماسية عبر قنوات متعددة، حيث تعمل على التواصل المباشر مع الأطراف الدولية المؤثرة لتأكيد ضرورة الالتزام بالتهدئة. وهذا التحرك يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي تصعيد جديد سيؤدي إلى تقويض الاستقرار الإقليمي، وهو ما تحاول مصر تجنبه عبر الضغط السياسي المستمر؛ كما أن هذه الجهود تأتي في إطار دورها التاريخي كوسيط رئيسي في النزاع الفلسطيني، ما يمنحها شرعية إضافية في قيادة المساعي نحو الحفاظ على التفاهمات. ومن خلال هذه التحركات، تسعى القاهرة إلى ترسيخ صورة الدولة الضامنة للسلام في المنطقة.

وإلى جانب المسار السياسي، اعتمدت مصر على أدوات أمنية غير مباشرة، حيث كثفت التنسيق مع الأجهزة المعنية لضبط الحدود ومنع أي محاولات لتهريب الأسلحة. وهذه الخطوات تهدف إلى تقليص فرص التصعيد الميداني، وإظهار جدية القاهرة في حماية الاتفاقات؛ كما أن هذا التنسيق يعكس رغبة مصر في أن تكون طرفًا فاعلًا لا يكتفي بالضغط الدبلوماسي، بل يترجم التزامه إلى إجراءات عملية على الأرض. وهذا المزج بين السياسة والأمن يعزز من قدرة مصر على فرض رؤيتها في إدارة الأزمة.

فالتحركات المصرية شملت أيضًا تفعيل دور الإعلام الرسمي والخاص في إبراز خطورة الانتهاكات الإسرائيلية، وذلك بهدف خلق رأي عام إقليمي ودولي داعم لموقفها. وهذا الاستخدام للخطاب الإعلامي يعكس إدراكًا بأن المعركة ليست فقط في الميدان أو غرف التفاوض، بل أيضًا في تشكيل الوعي العام. ومن خلال هذه الاستراتيجية، تسعى القاهرة إلى حشد التأييد الشعبي والسياسي الذي يمنحها قوة إضافية في مواجهة الضغوط، وهكذا يصبح الإعلام جزءًا من منظومة الضغط المتكاملة التي تعتمدها مصر. (إندبندنت عربية).

كما عملت القاهرة على استثمار علاقاتها مع القوى الكبرى، حيث كثفت اتصالاتها مع العواصم المؤثرة لتأكيد ضرورة إلزام حكومة الاحتلال بالاتفاقات. وهذا التحرك يعكس وعيًا بأن الضغط الدولي يشكل عاملًا أساسيًّا في ضبط السلوك الإسرائيلي، خاصة في ظل تراجع قدرة العمليات العسكرية على تحقيق نتائج حاسمة. ومن خلال هذه الاتصالات، تحاول مصر بناء شبكة دعم دولية تعزز من موقفها التفاوضي وتمنحها القدرة على مواجهة أي محاولات لإفشال التفاهمات. وهذا البعد الدولي يضيف وزنًا إضافيًّا للتحركات المصرية.

والجانب الاقتصادي لم يكن بعيدًا عن هذه التحركات؛ إذ استخدمت القاهرة أدواتها التجارية واللوجستية للضغط على حكومة الاحتلال بشكل غير مباشر، فقد لوَّحت بإعادة النظر في بعض الترتيبات الاقتصادية إذا استمرت الانتهاكات، وهو ما يشكل رسالة بأن الالتزام بالاتفاقات ليس خيارًا بل ضرورة. وهذا الاستخدام للأدوات الاقتصادية يعكس إدراكًا بأن الضغط لا يقتصر على السياسة والأمن، بل يمكن أن يمتد إلى مجالات أخرى تُؤَثِّرُ في حسابات الطرف الآخر. ومن خلال هذه السياسة، تسعى مصر إلى توسيع دائرة الضغط بما يضمن الحفاظ على التهدئة.

كما يمكن رصد أن التحركات المصرية اتسمت بالمرونة والتعدد، حيث جمعت بين الدبلوماسية والسياسة والإعلام والأمن والاقتصاد في إطار واحد. وهذا النهج يعكس إدراكًا بأن الحفاظ على التفاهمات يتطلب أدوات متنوعة قادرة على مواجهة الانتهاكات المتكررة، كما أن هذه الإستراتيجية تمنح القاهرة القدرة على التكيف مع تطورات المشهد، وتؤكد أنها لن تسمح بانهيار ما تحقق من جهود. ومن خلال هذا المسار المتكامل، تسعى مصر إلى ترسيخ دورها بصفة ضامن رئيسي للاستقرار في المنطقة.

مواقف الضامنين والوسطاء لاتفاق شرم الشيخ في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية:

وفيما يتعلق بالوسطاء والضامنين فقد تباينت مواقف الأطراف الضامنة للاتفاق في ظل استمرار الخروقات، حيث حاولت بعض القوى الدولية التأكيد على ضرورة الالتزام بالتهدئة، بينما اكتفت أخرى ببيانات عامة لا تحمل آليات ضغط واضحة. وهذا التباين يعكس اختلاف الحسابات السياسية لكل طرف؛ إذ يرى البعض أن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي أولوية قصوى، فيما يضع آخرون مصالحهم الاستراتيجية فوق أي اعتبار. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذه الأطراف في المشهد يمنح الاتفاق قدرًا من الشرعية، حتى وإن كان الالتزام به هشًّا. فهذا الوضع يضع الضامنين أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتهم على فرض احترام التفاهمات.

فالوسطاء الإقليميون بدورهم حاولوا تكثيف جهودهم عبر التواصل المباشر مع الأطراف المتنازعة، لكن استمرار الانتهاكات جعل مهمتهم أكثر تعقيدًا، إذ وجدوا أنفسهم أمام معادلة صعبة تجمع بين ضرورة الحفاظ على دورهم كوسطاء وبين محدودية أدوات الضغط المتاحة لديهم. وهذا التحدي دفعهم إلى البحث عن حلول مبتكرة، مثل تفعيل قنوات اتصال غير رسمية أو استخدام نفوذهم الاقتصادي والسياسي بشكل غير مباشر. ومع ذلك، فإن هذه الجهود لم تمنع استمرار الخروقات، ما يعكس حجم التعقيد الذي يواجهه الوسطاء في إدارة الأزمة.

ومن ناحية أخرى: برزت بعض القوى الكبرى في المشهد عبر تصريحات تؤكد دعمها للاتفاق، لكنها لم تتجاوز حدود الخطاب السياسي. فهذا الموقف يعكس رغبة في الحفاظ على صورة داعمة للسلام دون الدخول في مواجهة مباشرة مع حكومة الاحتلال. ومثل هذا السلوك يثير تساؤلات حول جدية هذه القوى في لعب دور فعَّال، خاصة أن استمرار الانتهاكات يضعف مصداقية أي اتفاق. وهكذا يصبح الموقف الدولي أقرب إلى إدارة الأزمة بدلًا من حلها، وهو ما يترك المجال مفتوحًا أمام المزيد من التوترات.

والمنظمات الدولية حاولت بدورها التدخل عبر إصدار تقارير توثق الانتهاكات وتدعو إلى احترام التفاهمات، لكنها واجهت تحديات تتعلق بضعف آليات التنفيذ. فغياب القدرة على فرض عقوبات أو إجراءات ملزمة جعل هذه المواقف أقرب إلى التحذيرات الأخلاقية منها إلى أدوات ضغط عملية. ومع ذلك، فإن هذه المواقف تظل مهمة في تشكيل الرأي العام العالمي وإبراز حجم الخروقات، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن محدودية الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الدولية في ظل غياب توافق سياسي بين القوى الكبرى. (بي بي سي عربي).

ويمكن القول: إن استمرار الانتهاكات جعل مواقف الضامنين والوسطاء تتراوح بين الضغط المحدود والتصريحات الرمزية، وهو ما يعكس حجم التحدي في الحفاظ على الاتفاق. فبينما تسعى بعض الأطراف إلى تعزيز التهدئة عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية، يكتفي آخرون بمواقف شكلية لا تغير من الواقع الميداني. وهذا التباين يوضح أن الاتفاق يواجه أزمة ثقة عميقة، وأن قدرة الضامنين والوسطاء على إنقاذه مرهونة بمدى استعدادهم لتحويل أقوالهم إلى أفعال.

السيناريوهات المختلفة لمستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية:

وفي ظل ذلك المشهد تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل اتفاق وقف إطلاق النار. أولها يتمثل في استمرار الوضع الراهن، حيث تبقى الانتهاكات قائمة دون أن تؤدي إلى انهيار كامل للاتفاق. وهذا المسار يعكس حالة من التوازن الهش، إذ يظل وقف إطلاق النار قائمًا شكليًا بينما تتواصل الخروقات بشكل متقطع. وفي هذا السياق، يصبح الاتفاق مجرد إطار رمزي يفتقر إلى آليات تنفيذ صارمة. ومع ذلك، فإن بقاءه ولو بصورة شكلية يمنح الأطراف الإقليمية والدولية فرصة لمواصلة جهود الوساطة. وهذا السيناريو يعكس حالة من الجمود السياسي التي قد تستمر لفترة طويلة.

وسيناريو آخر يتمثل في انهيار الاتفاق بشكل كامل نتيجة تصاعد الانتهاكات وتحولها إلى مواجهات واسعة. وهذا الاحتمال يفتح الباب أمام عودة العمليات العسكرية المكثفة، بما يُعيد المشهد إلى نقطة الصفر. وفي هذه الحالة، تفقد التفاهمات قيمتها، وتصبح المنطقة أمام دورة جديدة من العنف. ومثل هذا التطور سيضع الأطراف الضامنة في موقف صعب، إذ ستواجه انتقادات لفشلها في حماية الاتفاق. كما وأن انهيار التفاهمات سيؤدي إلى تداعيات إنسانية وأمنية واسعة داخل غزة وخارجها.

وهناك أيضًا احتمال أن يتم تعديل الاتفاق عبر إدخال بنود جديدة أو آليات رقابية أكثر صرامة. وهذا السيناريو يعكس إدراكًا بأن استمرار الخروقات يتطلب إعادة صياغة التفاهمات بما يضمن تطبيقها بشكل أفضل. وقد يشمل ذلك مشاركة أطراف دولية إضافية أو تفعيل أدوات اقتصادية وسياسية للضغط على حكومة الاحتلال. ومثل هذا التعديل يمكن أن يمنح الاتفاق فرصة جديدة للبقاء، لكنه يتطلب توافقًا إقليميًا ودوليًا واسعًا. وهذا المسار يعكس محاولة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة.

وسيناريو رابع يتمثل في تحويل الاتفاق إلى أداة تفاوضية تستخدمها الأطراف لتحقيق مكاسب سياسية. وفي هذا السياق، يصبح وقف إطلاق النار مجرد ورقة ضغط يتم التلاعب بها وفقًا للظروف. قد تستغل إسرائيل الاتفاق للحصول على تنازلات في ملفات أخرى، بينما تسعى الأطراف الفلسطينية إلى استخدامه كوسيلة لتخفيف الحصار. وهذا الاستخدام السياسي للاتفاق يعكس طبيعة الصراع المعقدة، حيث تتحول التفاهمات إلى أدوات ضمن لعبة أوسع. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يضعف من جدية الالتزام بالاتفاق.

ويمكن تصور سيناريو يقوم على تعزيز الدور الإقليمي والدولي في حماية الاتفاق عبر آليات مراقبة ميدانية. وهذا المسار يتطلب مشاركة فعلية من منظمات دولية أو قوى إقليمية لضمان التزام الأطراف. ومثل هذه الخطوة قد تمنح الاتفاق قوة إضافية وتحد من فرص الانتهاك، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات تتعلق بمدى استعداد الأطراف لقبول رقابة خارجية. وهذا السيناريو يعكس محاولة لتحويل الاتفاق من مجرد تفاهم سياسي إلى إطار عملي قابل للتنفيذ.

الخلاصة:

تتضح صورة المشهد بأن اتفاق وقف إطلاق النار يواجه تحديات متصاعدة بفعل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، ما يجعله في حالة هشاشة دائمة. والتحركات المصرية والجهود الإقليمية والدولية تسعى إلى تثبيت التفاهمات، لكنها تصطدم بواقع ميداني يفتقر إلى الالتزام الجاد. فاستمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية يعكس رغبة حكومة الاحتلال في فرض معادلات جديدة تتجاوز روح الاتفاق. وفي المقابل، تحاول القاهرة عبر أدواتها السياسية والأمنية والإعلامية الحفاظ على التوازن ومنع الانهيار الكامل. وهذا التداخل بين الضغوط والانتهاكات والوساطات يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين الجمود والتصعيد وإعادة صياغة التفاهمات. وهكذا يبقى مستقبل الاتفاق رهنًا بمدى قدرة الأطراف على تحويل الالتزامات النظرية إلى واقع عملي.

المصادر:

بي بي سي عربي

الجزيرة

الشرق الأوسط

إندبندنت عربية

الوطن

الكلمات المفتاحية

قمة السلام في شرم الشيخاتفاق وقف إطلاق النار في غزةالخروقات الإسرائيلية لاتفاق شرم الشيخالتحركات المصرية للدفع باتجاه إنجاح وقف إطلاق النار