لقاء السيسي والبرهان في القاهرة.. قراءة في ملفات الصراع السوداني والتعاون الثنائي ومشهد العلاقات السودانية المصرية

ملفات خارجية
لقاء السيسي والبرهان في القاهرة.. قراءة في ملفات الصراع السوداني والتعاون الثنائي ومشهد العلاقات السودانية المصرية
١٢ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٩ ديسمبر ٢٠٢٥

يُشكِّل اللقاء الذي جَمَع الرئيس المصريَّ عبد الفتاح السيسي برئيس مجلس السيادة السودانيِّ عبد الفتاح البرهان في القاهرة مَحطَّة مفصلية تَعكس تداخُل الأبعاد السياسية والأمنية بين البلدين في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، إذ يأتي الاجتماع في ظلِّ تصاعُد الصراع الداخليِّ في السودان وما يَفرضه من تحدِّيات على الأمن القوميِّ المصريِّ وعلى توازُنات وادي النيل. كما ويَبرُز ملفُّ سَدِّ النهضة بوصفه أحد أهمَّ القضايا المشتركة التي تتطلَّب تنسيقًا إستراتيجيًّا بين القاهرة والخرطوم لمواجهة الضغوط الإثيوبية المُتصاعدة، ومن جانب آخر؛ يَحمل اللقاء أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية، لِيَعكس رؤية مصر لدَورها الإقليميِّ واستقرار جِوارها الجنوبيِّ، وفي هذا السياق؛ تبدو القضايا المطروحة على الطاولة مُؤشِّرًا على مرحلة جديدة من التفاهمات أو الاصطفافات المُحتمَلة بين البلدين.

فما تفاصيل زيارة رئيس مجلس السيادة السودانيِّ عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة؟ وكيف يمكن أن يُسهِم اللقاء بين السيسي والبرهان في إعادة صياغة مسار العلاقات بين القاهرة والخرطوم في ظلِّ الأوضاع المُتقلِّبة في السودان؟ وكيف يمكن قراءة أبعاد ودوافع اللقاء في ذلك التوقيت في ظلِّ الصراع الدائر في الفاشر؟ وماذا عن أثر اللقاء على تطوُّر العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين؟ وفي ظلِّ ذلك المشهد، كيف يمكن قراءة مستقبل العلاقات المصرية السودانية خلال السنوات القادمة؟

يُسلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة، الضوء على: زيارة رئيس مجلس السيادة السودانيِّ عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة ومشهد العلاقات المصرية السودانية في ظلِّ الصراع الدائر في السودان وأزمة سَدِّ النهضة، في هذه السطور الآتية.

تفاصيل زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة:

جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة السودانيِّ عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة في توقيت حَسَّاس يَشهد تصاعُدًا في الصراع الداخليِّ بالسودان، ما مَنَح اللقاء طابعًا سياسيًّا وأمنيًّا بالغ الأهمية، فقد حَرص الجانبان على بَحْث سُبُل دعم الاستقرار في السودان، واحتواء تداعيات الحرب الدائرة التي تُهدِّد وحدة الدولة ومُؤسَّساتها. كما وناقَش الطرفان آليات تفعيل التعاون الأمنيِّ وضَبْط الحدود المشتركة بما يَحُدُّ من تدفُّق السلاح واللاجئين، وتمَّ التأكيد على أهمية الحُلول السلمية كخيار وحيد لإنهاء الأزمة وتهيئة المُناخ لمرحلة انتقالية أكثر توازُنًا. [الشرق الأوسط].

وركَّزت المُباحثات بين القيادتين على القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك وفي مُقدِّمتها ملفُّ مياه النيل وسَدِّ النهضة، وأكَّدت القاهرة مَوقفها الداعي إلى اتفاق قانونيٍّ مُلزِم يَحفظ حقوق الدول الثلاث ويَمنع أيَّ إجراءات أحادية من الجانب الإثيوبيِّ. ومن جِهته، أَبدى البرهان تفهُّمًا للمخاوف المصرية، مُشيرًا إلى أنَّ موقف السودان يقوم على تحقيق العدالة المائية والتعاون المُتبادَل، واتفق الجانبان على استمرار التنسيق المشترك في المَحافِل الدولية لضمان حماية مصالحهما الإستراتيجية.

كما وتناوَلت الزيارة أبعاد العلاقات الاقتصادية ومجالات التكامُل بين البلدين، خاصةً في قِطاعات الزراعة والطاقة والنقل، وتمَّ التباحُث حول مشاريع الرَبْط البَرِّيِّ والكَهربيِّ لتعزيز التبادُل التجاريِّ وتسهيل حركة الأفراد والبضائع عبر الحدود، وأكَّد الطرفان أهمية تسريع تنفيذ الاتفاقات السابقة لتجاوز العقبات البيروقراطية. كما وأَبدت القاهرة استعدادها لدعم جُهود إعادة الإعمار في السودان بما يُسهِم في استعادة دورة التنمية بعد سنوات من الاضطرابات. [الجزيرة].

وعلى الصعيد السياسيِّ: شَدَّد السيسي والبرهان على ضرورة توحيد الموقف السودانيِّ الداخليِّ ووَقْف القتال كمَدخل أساسيٍّ لأيِّ تسوية وطنية، وتمَّ التوافُق على دَور مصريٍّ داعم للحوار بين القوى السودانية دون الانحياز لأيِّ طَرَف؛ كما ونُوقِشَت سُبُل تنشيط الدبلوماسية المشتركة لإعادة السودان إلى مُحيطه العربيِّ والأفريقيِّ، وأَظهر اللقاء رغبة واضحة في بناء شراكة إستراتيجية طويلة الأمد تقوم على الثقة والمصالح المُتبادَلة بين القاهرة والخرطوم.

مسار العلاقات بين القاهرة والخرطوم في ظل الأوضاع المُتقلِّبة في السودان:

ويُشكِّل اللقاء بين السيسي والبرهان فُرصةً لإعادة بناء الثقة السياسية بين البلدين بعد فترة من التوتُّرات الناجمة عن تعقيدات المشهد السودانيِّ، إذ تسعى القاهرة إلى ترسيخ حُضورها كوسيط موثوق قادر على الموازَنة بين أطراف الصراع في السودان بما يَحفظ وحدة أراضيه واستقراره؛ ومن جانب آخر، يُدرك البرهان أهمية الدعم المصريِّ في مواجهة التحدِّيات الداخلية وتعزيز مَوقعه في المشهد الإقليميِّ، ويأتي اللقاء كخُطوة عَمَلِيَّة نحو تجاوز الشكوك القديمة وتأسيس أرضية جديدة للتفاهم المُتبادَل.

كما يَفتح الحوار بين القيادتين المجال لتفعيل التعاون الأمنيِّ والعسكريِّ لمواجهة التهديدات العابرة للحدود والتي تفاقَمت بفِعل الحرب الدائرة في السودان، فمصر ترى أنَّ استقرار جارتها الجنوبية يُشكِّل جزءًا من أمنها القوميِّ، بينما يسعى السودان للاستفادة من الخبرات المصرية في إعادة بناء مُؤسَّساته الدفاعية؛ وتُعَدُّ مُراقَبة الحدود وضَبْط حركة الجماعات المُسلَّحة من أبرز الملفَّات التي طُرِحَت خلال اللقاء، ويُتوقَّع أن تُشكِّل التفاهمات الأمنية أساسًا مَتِينًا لعلاقة أكثر استقرارًا في المرحلة المُقبلة.

وفي الجانب الاقتصاديِّ: يمكن أن يُسهِم التنسيق بين القاهرة والخرطوم في إطلاق مشاريع مُشتركة تُعزِّز التكامُل بين البلدين وتَحُدُّ من الأزمات المعيشية، فالسودان يَمتلك موارد طبيعية واسعة، بينما تَمتلك مصر خِبرات فنية وإدارية يمكن توظيفها في مجالات الزراعة والطاقة والنقل؛ كما وأنَّ تحسين البنية التحتية المشتركة يُسهِم في تنشيط حركة التجارة وتسهيل انتقال السلع، وهذه الخُطوات من شأنها أن تُحوِّل التعاون الاقتصاديَّ إلى ركيزة داعمة للاستقرار السياسيِّ والاجتماعيِّ.

لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في القاهرة

أمَّا على الصعيد الدبلوماسيِّ: فإنَّ اللقاء يَمنح البلدين فُرصةً لتوحيد الرؤى تُجاه الملفَّات الإقليمية وعلى رَأسها قضية مياه النيل والتدخُّلات الخارجية في الشأن السودانيِّ، فالتنسيق المشترك في المَحافِل الدولية يُساهم في تعزيز الموقفين المصريِّ والسودانيِّ، ويُقلِّل من الضغوط المفروضة عليهما؛ كما أنَّ التفاهم بين القيادتين يمكن أن يُشكِّل نموذجًا للتقارب العربيِّ الأفريقيِّ في مواجهة التحدِّيات المشتركة، ومِن هنا، يَبدو أنَّ اللقاء يَحمل ملامح مرحلة جديدة من الشراكة السياسية القائمة على المصالح المُتبادَلة والاستقرار المشترك.

أبعاد ودوافع اللقاء في ذلك التوقيت في ظل الصراع الدائر في الفاشر:

ويُعَدُّ الاجتماع بين القيادة المصرية ورئيس مجلس السيادة السودانيِّ مَحطَّة مَفْصِلِيَّة في سياق التوتُّرات الإقليمية، حيث يتزامَن مع تصاعُد النزاعات المُسلَّحة في غرب السودان وما يُرافقها من تداعيات إنسانية وأمنية؛ وهذا التوقيت يُبرِز إدراك القاهرة لأهمية التحرُّك المُبكِّر لاحتواء الأزمة قبل أن تَتَّسع رُقعتها وتُؤثِّر على استقرار الحدود المشتركة، كما ويَعكس حِرص مصر على إبراز دَورها كفاعل إقليميٍّ قادر على التوسُّط بين الأطراف المُتصارِعة وتقديم رؤية مُتوازِنة تَحفظ مصالحها الإستراتيجية، فاختيار العاصمة المصرية كمَسْرَح لهذا اللقاء يُضيف بُعدًا رَمْزِيًّا يُؤكِّد مكانتها كحاضِنة للحوار العربيِّ الأفريقيِّ؛ ومن هنا يمكن قراءة اللقاء باعتباره مُحاولة لإعادة صياغة التوازُنات في المنطقة عبر بَوَّابة العلاقات الثنائية.

ومن زاوية أُخرى: تبدو دوافع القاهرة مُرتبطة بالخشية من انتقال تداعيات النزاع السودانيِّ إلى مُحيطها المباشر، خاصةً مع وُجود روابط اجتماعية واقتصادية عميقة بين الشعبين، فاستمرار القتال في المُدُن السودانية الكُبرى يُهدِّد بخَلْق موجات نُزوح جديدة قد تَصِل إلى الأراضي المصرية، وهو ما يَفرض على صانع القرار المصريِّ التفكير في حُلول استباقية؛ كما وأنَّ مصر تُدرك أنَّ تَرْك الساحة الإقليمية دون تدخُّل سيُتيح لقوى أُخرى مَلء الفراغ بما قد يتعارض مع مصالحها، لذلك فإنَّ اللقاء يَحمل في طيَّاته رسالة واضحة بأنَّ القاهرة لن تَقِف مَوقِف المُتفرِّج أمام ما يَجري في السودان، ويَعكس بذلك رغبة في تثبيت دَورها كضامِن للاستقرار في مُحيطها الحَيَوِيِّ. [روسيا اليوم].

أمَّا بالنسبة للجانب السودانيِّ، فإنَّ البرهان يَسعى من خلال هذا اللقاء إلى كَسْب دَعم سياسيٍّ ودبلوماسيٍّ يُعزِّز مَوقفه في مواجهة التحدِّيات الداخلية، فالصراع المُسلَّح في الغرب يَضَع المجلس السياديَّ أمام اختبار صعب يتعلَّق بقُدرته على فَرْض السيطرة وإعادة بناء الثقة بين المُكوِّنات الوطنية؛ ومن هنا فإنَّ التوجُّه نحو القاهرة يَعكس إدراكًا لأهمية الاستناد إلى قُوة إقليمية قادرة على توفير غِطاء سياسيٍّ ودعم لوجستيٍّ مُحتَمَل، كما وأنَّ البرهان يُدرك أنَّ مصر تُمثِّل شريكًا أساسيًّا في أيِّ مُعادلة تتعلَّق بمستقبل السودان، وبالتالي فإنَّ اللقاء يَكتسب بُعدًا عَمَلِيًّا يتجاوز المُجاملات الدبلوماسية لِيُعبِّر عن حاجة مُلِحَّة إلى دَعم خارجيٍّ.

وفي السياق الإقليميِّ الأوسع، يَتداخَل هذا اللقاء مع ملفَّات إستراتيجية أُخرى ترتبط بمصالح مصر في حوض النيل والعلاقات مع دُول الجِوار، فالقاهرة تَنظُر إلى استقرار السودان باعتباره شَرْطًا أساسيًّا لضمان أمنها المائيِّ، والحَدِّ من الضغوط المُرتبطة بالمشاريع الإقليمية الكُبرى؛ كما وأنَّ أيَّ اضطراب في السودان قد يَنعكس على موازين القوى في المنطقة، ويُؤثِّر على قُدرة مصر في إدارة علاقاتها مع الأطراف الأُخرى، لذلك فإنَّ اللقاء يَحمل أبعادًا تتجاوز الأزمة السودانية، لِيُشكِّل جزءًا من رؤية أَشْمَل لإعادة ترتيب البيت الإقليميِّ، ومِن هنا يمكن القول إنَّ القاهرة تسعى إلى رَبْط الملفَّات الداخلية السودانية بالمُعادلات الإقليمية الكُبرى.

ومن الناحية العَمَلِيَّة: يُتوقَّع أن تُركِّز القاهرة على تقديم مُبادرات سياسية تَهدف إلى وَقْف التصعيد وفَتْح قنوات للحوار بين القوى السودانية المُتنازِعة، فمصر تُدرك أنَّ الحَلَّ العسكريَّ وحده لن يُحقِّق الاستقرار المطلوب، وأنَّ أيَّ تسوية تَحتاج إلى دَعم إقليميٍّ يَضمن استمراريتها؛ كما وأنَّ الدَور المصريَّ قد يَتجسَّد في توفير مَنصَّات للتفاوض أو دَعم جُهود الوَساطة بالتنسيق مع شُركاء دوليين، وهذا التوجُّه يَعكس رغبة في الجَمْع بين أدوات القوة الناعمة والخبرة الدبلوماسية لتقريب وُجهات النظر، وفي الوقت ذاته، يُتيح لمصر تعزيز صورتها كدولة مسؤولة تَسعى إلى حماية الأمن الجماعيِّ.

وأخيرًا: يمكن النظر إلى اللقاء باعتباره جزءًا من إستراتيجية مصرية أوسع تَهدف إلى تثبيت نفوذها في مُحيطها المباشر عبر الانخراط الفاعل في الأزمات الإقليمية؛ فالقاهرة تُدرك أنَّ غيابها عن المشهد سيُضعِف قُدرتها على التأثير في مسارات الأحداث، ويَمنح أطرافًا أُخرى فُرصةً لفرض أجنداتها، ومِن هنا فإنَّ التحرُّك المصريَّ في هذا التوقيت يَعكس وَعْيًا بأهمية المُبادرة وعدم الانتظار حتى تتفاقَم الأزمات، كما وأنَّ هذا الدور يَنسجِم مع رؤية مصر لِنفسها كقوة إقليمية مركزية تتحمَّل مسؤولية الحفاظ على الاستقرار، وبذلك يُصبح اللقاء خُطوة عَمَلِيَّة نحو إعادة صياغة التوازُنات بما يَخدم مصالحها ويُعزِّز مكانتها في المنطقة.

أثر اللقاء على تطوُّر العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين:

كما ويُشكِّل اللقاء نقطة انطلاق جديدة في مسار العلاقات الاقتصادية، حيث يَفتح المجال أمام إعادة تقييم حَجم التبادُل التجاريِّ القائم وتطويره بما يتناسب مع التحدِّيات الراهنة؛ فالقاهرة تُدرك أنَّ استقرار السودان يُمثِّل شَرْطًا أساسيًّا لتوسيع نِطاق التعاون الاقتصاديِّ، بينما يرى السودان في مصر شريكًا قادرًا على توفير الدعم الفنِّيِّ واللوجستيِّ، وهذا اللقاء يَعكس رغبة مشتركة في تجاوز العقبات التقليدية التي حالت دون تحقيق التكامُل الاقتصاديِّ المنشود، كما وأنه يَضَع الأساس لمُناقشة مشاريع استثمارية يمكن أن تُعزِّز البنية التحتية وتَدعم التنمية المُستدامة، ومِن هنا يُصبح البُعد الاقتصاديُّ جزءًا لا يَتجزَّأ من الحوار السياسيِّ. [العربية].

ومِن منظور التجارة البينية، فإنَّ اللقاء يَفتح الباب أمام مُراجعة الاتفاقيات السابقة وتحديثها بما يتلاءَم مع المُتغيِّرات الإقليمية والدولية؛ فالتحدِّيات التي تُواجه الأسواق السودانية تتطلَّب حُلولًا عَمَلِيَّة يمكن أن تُوفِّرها الخبرة المصرية في مجالات الإنتاج والتوزيع، كما وأنَّ مصر تسعى إلى تعزيز صادراتها نحو السودان عبر توفير مُنتجات مُتنوِّعة تُلَبِّي احتياجات المُستهلِك المَحَلِّيِّ؛ وفي المُقابِل، يمكن للسودان أن يُوسِّع نِطاق صادراته الزراعية والحيوانية نحو السوق المصريِّ، ممَّا يَخلق حالة من التوازُن التجاريِّ، وهذا التوجُّه يَعكس إدراكًا مُتزايدًا لأهمية بناء شراكة اقتصادية قائمة على المصالح المُتبادَلة.

أمَّا على صعيد الاستثمار: فإنَّ اللقاء يُتيح فُرصةً لمُناقشة مشاريع مُشتركة في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة، فمصر تَمتلك خبرة واسعة في تطوير مَشروعات البنية التحتية يمكن أن يَستفيد منها السودان في إعادة بناء اقتصاده؛ كما وأنَّ السودان يُوفِّر فُرَصًا استثمارية واعِدة بفَضْل مَوارده الطبيعية الغنية ومساحاته الزراعية الشاسعة، وهذا التلاقي بين الإمكانات والاحتياجات يَخلق أرضية خِصبة لتأسيس شراكات طويلة الأمد، ومِن شأن هذه الشراكات أن تُعزِّز قُدرة البلدين على مواجهة التحدِّيات الاقتصادية العالمية، وبالتالي فإنَّ اللقاء يُشكِّل خُطوة عَمَلِيَّة نحو تحويل الإمكانات النظرية إلى مشاريع مَلموسة.

وفي جانب النقل واللوجستيات، يَبرُز اللقاء كفُرصة لإعادة النظر في آليات تسهيل حركة البضائع والأفراد بين البلدين، فوُجود حُدود مُشتركة طويلة يَفرض ضرورة تطوير مُمَرَّات تجارية آمنة وفعَّالة؛ كما وأنَّ تحسين البنية التحتية للنقل يمكن أن يُسهِم في خَفض تكاليف التجارة وزيادة حَجم التبادُل، ومِن هنا فإنَّ التعاون في هذا المجال يُمثِّل ركيزة أساسية لتعزيز التكامُل الاقتصاديِّ، كما وأنَّ تطوير الموانئ والطُرُق البَرِّيَّة والسكك الحديدية يمكن أن يَفتح آفاقًا جديدة للتجارة الإقليمية، وهذا التوجُّه يَعكس وَعْيًا مُتزايدًا بأهمية البنية التحتية كعامل حاسم في دَعم العلاقات الاقتصادية. [مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية].

ومِن زاوية التمويل والدعم المُؤسَّسيِّ، فإنَّ اللقاء يُوفِّر فُرصةً لمُناقشة آليات جديدة لتسهيل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات، فالتعاون بين البنوك والمُؤسَّسات المالية في البلدين يمكن أن يُسهِم في توفير التمويل اللازم للمشاريع المشتركة؛ كما وأنَّ إنشاء صناديق استثمارية مُشتركة قد يُعزِّز قُدرة الطرفين على مواجهة المخاطر الاقتصادية، وهذا التوجُّه يَعكس رغبة في بناء مَنظومة مالية مُتكاملة تَدعم التنمية الاقتصادية؛ ومِن شأن هذه المَنظومة أن تُوفِّر بيئة آمنة للمُستثمِرين وتُشجِّع على ضَخِّ المزيد من الاستثمارات، وبالتالي فإنَّ اللقاء يُشكِّل خُطوة نحو تعزيز الثقة المُؤسَّسِيَّة بين البلدين.

وأخيرًا: فإنَّ اللقاء يَفتح المجال أمام تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القُدرات البشرية، فمصر تَمتلك خبرة واسعة في مجالات التعليم والتأهيل يمكن أن يَستفيد منها السودان في تطوير مَوارده البشرية؛ كما وأنَّ تَبادُل الخبرات في مجالات الإدارة والتكنولوجيا يمكن أن يُسهِم في رَفْع مُستوى الكفاءة الاقتصادية، وهذا التعاون يَعكس إدراكًا لأهمية العنصر البشريِّ كعامل أساسيٍّ في تحقيق التنمية المُستدامة، ومِن هنا فإنَّ اللقاء لا يَقتصر على الجوانب الاقتصادية المباشرة، بل يَمتدُّ لِيَشمل بناء قاعدة مَعرِفية مُشتركة، وهذا التوجُّه يُعزِّز فُرص تحقيق تكامُل اقتصاديٍّ طويل الأمد يقوم على أُسُس مَتِينة.

مستقبل العلاقات المصرية السودانية خلال السنوات القادمة:

وتبدو العلاقات بين مصر والسودان مُرشَّحة لمزيد من التعمُّق خلال السنوات المُقبلة، إذ يَفرض المَوقع الجغرافيُّ المشترك والروابط التاريخية ضرورة استمرار التنسيق في مُختلف المجالات، فالتحدِّيات الأمنية والإقليمية تَجعل من التعاون بين البلدين خيارًا إستراتيجيًّا لا يمكن الاستغناء عنه؛ كما وأنَّ المصالح المشتركة في مجالات المياه والطاقة والزراعة تُضيف بُعدًا عَمَلِيًّا لهذا التعاون؛ ومِن المتوقَّع أن يَشهد المستقبل خُطوات أكثر تنظيمًا نحو بناء شراكة طويلة الأمد.

وعلى المستوى السياسيِّ، ستسعى القاهرة والخرطوم إلى تعزيز قنوات الحوار المباشر لمواجهة التحدِّيات الداخلية والخارجية، فالتقلُّبات الإقليمية تَفرض على الطرفين صياغة مواقف مُشتركة تَعكس مصالحهما وتَحُدُّ من الضغوط الخارجية؛ كما وأنَّ استمرار التنسيق في المَحافِل الدولية سيُعزِّز من قُدرة البلدين على الدفاع عن قضاياهم الحيوية، وهذا التوجُّه يَعكس إدراكًا مُتزايدًا لأهمية العَمَل المشترك في مواجهة الأزمات، ومِن المُرجَّح أن يَتطوَّر إلى آليات مُؤسَّسِيَّة أكثر وضوحًا.

وفي الجانب الاقتصاديِّ، يُتوقَّع أن يَشهد التعاون نُمُوًّا مَلحوظًا عبر مشاريع استثمارية مُشتركة في مجالات البنية التحتية والزراعة والصناعة، فالسودان يَمتلك موارد طبيعية واسعة يمكن أن تَستفيد منها الشركات المصرية، بينما تُوفِّر مصر خِبرة فنية وإدارية قادرة على دَعم التنمية، وهذا التلاقي بين الإمكانات والاحتياجات يَخلق فُرَصًا كبيرة لتوسيع نِطاق التبادُل التجاريِّ؛ كما وأنَّ تطوير المُمَرَّات اللوجستية سيُعزِّز من حركة السلع والخدمات بين البلدين، ومِن شأن ذلك أن يُرسِّخ التكامُل الاقتصاديَّ بشكل تدريجيٍّ.

أمَّا على الصعيد الاجتماعيِّ والثقافيِّ، فإنَّ العلاقات بين الشعبين ستظلُّ عاملًا أساسيًّا في دَعم التعاون الرسميِّ، فالتداخُل التاريخيُّ والروابط العائلية يُساهمان في خَلْق بيئة طبيعية للتقارُب المُستمرِّ؛ كما وأنَّ برامج التعليم والتبادُل الثقافيِّ يمكن أن تُعزِّز من مُستوى الفَهْم المُتبادَل وتَدعم بناء الثقة، وهذا البُعد الإنسانيُّ يُشكِّل قاعدة صُلبة لأيِّ شراكة سياسية أو اقتصادية مُستقبلية، ومِن المُرجَّح أن يَشهد توسُّعًا في السنوات القادمة عبر مُبادرات مُشتركة.

الخلاصة:

يمكن القول: إنَّ مسار العلاقات بين مصر والسودان يَتَّجه نحو مرحلة أكثر عُمقًا وتنسيقًا، حيث يَفرض الواقع الإقليميُّ والداخليُّ ضرورة تعزيز التعاون في مُختلف المجالات؛ فالتحدِّيات الأمنية والسياسية تَجعل من الشراكة بين البلدين خيارًا إستراتيجيًّا لا غِنى عنه لضمان الاستقرار، كما وأنَّ البُعد الاقتصاديَّ يَفتح آفاقًا واسعة للاستثمار والتبادُل التجاريِّ بما يَخدم مصالح الطرفين؛ وفي الوقت ذاته، يُشكِّل التعاون الثقافيُّ والاجتماعيُّ قاعدة صُلبة تَدعم التقارُب الرسميَّ وتَمنحه بُعدًا إنسانيًّا، ومِن المتوقَّع أن تسعى القاهرة والخرطوم إلى بناء آليات مُؤسَّسِيَّة أكثر وضوحًا لضمان استمرارية هذا التعاون، وهكذا يُصبح المستقبل مرهونًا بقُدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى خُطوات عَمَلِيَّة مَلموسة.

المصادر:

الشرق الأوسط

الجزيرة

روسيا اليوم

العربية

مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

الكلمات المفتاحية

الحرب في السودانأزمة سد النهضة الإثيوبيالعلاقات المصرية السودانيةلقاء السيسي والبرهان