ثلاثة مسارات.. فرص وتحديات نجاح مبادرة أوجلان لإنهاء الصراع التركي الكردي

إقليمية
ثلاثة مسارات.. فرص وتحديات نجاح مبادرة أوجلان لإنهاء الصراع التركي الكردي
١٤ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٢٠ يناير ٢٠٢٦

في خضم صراع مستمر لأكثر من نصف قرن، حيث امتزجت آمال السلام بأهوال الحرب، تقف تركيا أمام فرصة جديدة قد تكون الأهم منذ عقود، فعبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي اعتُبر لعقود رمزًا للصراع الكردي التركي، يعود مرة أخرى إلى واجهة المشهد السياسي بمبادرة جديدة تسعى إلى تسوية شاملة للقضية الكردية.

دعوة أوجلان:

فمنذ أطلق زعيم حزب "الحركة القومية" التركي، دولت بهتشلي، في أكتوبر 2024، دعوته لحل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه مقابل الإفراج عن قائده المؤسس، عبد الله أوجلان؛ تدحرجت كرة الثلج على وقع تفاعل جميع الأطراف مع هذه الدعوة والتعامل معها بجدية تامة اعتمادًا على أن بهتشلي لم يكن له أن يبدأ في مسعاه هذا إلا بالتنسيق مع حليفه، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي دعمه علانية وبقوة أملاً في إحداث اختراق في هذه القضية.

بعد لقاءات ومباحثات ممثلي حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" "ديم" الكردي مع أوجلان الذي يقضي حكمًا بالسجن مدى الحياة في محبسه الخاضع لحراسة مشددة في جزيرة إمرالي ببحر مرمرة، تلا وفد من الحزب رسالة من أوجلان، في مؤتمر صحفي، يوم 27 فبراير 2025، يطالب فيها بعقد مؤتمر للاتفاق على حل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه والانخراط في العملية السياسية الديمقراطية.

وقد تابعت الجماهير الكردية، عبر شاشات ضخمة في الميادين العامة في جنوب شرقي تركيا وشمالي سوريا والعراق، رسالة القائد المغيب في السجون منذ عام 1999، وانتعشت الآمال بأن تُنهي هذه المبادرة صراعًا بدأ منذ نحو 40 عامًا وخلَّف عشرات الآلاف من القتلى، ونشر الدمار في مناطق واسعة(1).

ويبدو أن أوجلان يدرك أهمية الدعم الدولي كركيزة أساسية لأي حل دائم، مما يجعل فكرة المفاوضات الشاملة برعاية دولية هي الخيار الأكثر جدوى في الوقت الحالي، وهناك ثلاثة مسارات أساسية للمفاوضات وهي كالتالي.

المسار الأول: المفاوضات الشاملة برعاية دولية:

المفاوضات الشاملة برعاية دولية ليست مجرد فكرة جديدة؛ بل هي نموذج جرى اختباره بنجاح في العديد من النزاعات المعقدة حول العالم، مثل اتفاقيات "الجمعة العظيمة" في أيرلندا الشمالية أو اتفاقيات السلام في السودان.

وفي حالة تركيا، يمكن لهذه الرعاية الدولية أن تقدم مجموعة من الفرص التي قد تكون ضرورية لتجاوز العقبات التقليدية، ومن أهم الفرص في هذه المرة هي:

إطار رسمي وملزم:

إحدى أكبر مشكلات المبادرات السابقة كانت غياب الإطار الرسمي الملزم الذي يضمن تنفيذ الاتفاقيات، ومع وجود رعاية دولية، يمكن وضع آليات واضحة ومراقبة دقيقة لتنفيذ البنود المتفق عليها، مما يقلل من فرص الانسحاب أو التراجع عن الالتزامات.

ضمانات دولية:

الدول الراعية للمفاوضات ليست فقط وسيطًا، بل يمكن أن تلعب دور الضامن لتنفيذ الاتفاقات، هذا الدور يمنح الأطراف الثقة بأن أي خرق للاتفاق سيواجه ردود فعل دولية قوية، مما يعزز التزام الجميع بالحل السلمي.

تخفيف حدة الاستقطاب:

الصراع الكردي التركي ليس فقط صراعًا سياسيًّا، بل هو أيضًا صراع ثقافي واجتماعي، فالوساطة الدولية يمكن أن تساعد في تقليل الاحتقان بين الأطراف وتوفير بيئة أكثر إيجابية للحوار، خاصة إذا تمكنت الجهات الراعية من تعزيز قيم التعايش والتنوع الثقافي.

دعم لوجستي ومالي:

إنجاز عملية سلام يتطلب موارد هائلة، سواء من حيث إعادة الإعمار أو دمج المقاتلين السابقين في المجتمع المدني، الجهات الدولية يمكن أن تقدم الدعم اللوجستي والمالي اللازم لإنجاح هذه العملية، مما يرفع من فرص استدامة الحلول.

إضفاء شرعية دولية على الحل:

أي اتفاق يتم التوصل إليه برعاية دولية سيحظى بشرعية أوسع داخل المجتمع الدولي، مما يعزز استدامته ويقلل من احتمالية تعرضه للانتكاسات(2).

التحديات:

وعلى الرغم من الفرص الكبيرة التي توفرها المفاوضات الشاملة برعاية دولية، إلا أن الطريق نحو تحقيقها مليء بالعقبات التي قد تجعلها غير قابلة للتنفيذ إذا لم يتم التعامل معها بحذر.

معارضة داخلية في تركيا:

تركيا دولة ذات سيادة، ولطالما كان موضوع التدخل الأجنبي محل جدل كبير. القوى القومية المتشددة داخل البلاد تعتبر أي دور دولي في القضية الكردية تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية، هذه المعارضة قد تعرقل أي خطوة نحو المفاوضات الشاملة، خاصة إذا لم يتم تقديم تفسير واضح للأسباب التي تبرر التدخل الخارجي.

تعقيدات المصالح الدولية:

المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى والإقليمية غالبًا ما تكون متضاربة. الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، وحتى الدول المجاورة مثل إيران والعراق، لديها مواقف متباينة تجاه القضية الكردية، تحقيق توافق دولي على جهة راعية محايدة قد يكون مهمة شاقة تتطلب سنوات من المفاوضات.

شكوك الأطراف الكردية:

الأطراف الكردية نفسها ليست كيانًا واحدًا، بل تتوزع بين فصائل مختلفة لها أجنداتها وتطلعاتها، بعض هذه الفصائل قد تشعر بالتردد تجاه التدخل الخارجي، خشية أن يتم فرض حلول لا تلبي طموحاتهم بشكل كامل، خاصة إذا كانت الجهات الراعية غير محايدة تمامًا(3).

تحديد الجهة الراعية المقبولة:

اختيار الجهة الدولية الراعية هو إحدى أكبر التحديات، يجب أن تكون الجهة مقبولة من جميع الأطراف، وهو أمر صعب للغاية في ظل الاختلافات العميقة بين تركيا والفصائل الكردية.

احتمالية الفشل:

أخطر التحديات هي احتمالية فشل المفاوضات. إذا انهارت المفاوضات برعاية دولية، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة اليأس لدى الأطراف المتحاربة، مما قد يدفعهم إلى تصعيد العنف بدلاً من البحث عن حلول سلمية(4).

المسار الثاني: حوار داخلي تركي - كردي بتسهيل من المجتمع المدني:

حوار داخلي تركي - كردي، يتم تسهيله من قبل المجتمع المدني، يمثل خيارًا إستراتيجيًّا يعتمد على القوة الذاتية للطرفين في صياغة الحلول بعيدًا عن التدخلات الخارجية، هذا المسار يحمل في طياته مجموعة من الفرص التي قد تعزز فرص تحقيق سلام مستدام، ولعل فرص هذا المسار تكمن في:

ملكية الحل:

إحدى أبرز المزايا لهذا المسار هو تعزيز شعور كل من الأتراك والأكراد بأن الحل نابع من إرادتهم الذاتية وليس فرضًا من الخارج، عندما يشعر الطرفان بأنهما جزء أساسي من عملية صنع القرار، تزداد احتمالية التزامهما بالاتفاقات على المدى الطويل. هذه "الملكية" للحل تعتبر عاملاً حاسمًا في استدامة أي تسوية سياسية.

تجاوز الحساسيات الوطنية:

على عكس المفاوضات الدولية التي غالبًا ما تواجه معارضة قوية من القوى القومية داخل تركيا بسبب مخاوف تتعلق بالسيادة الوطنية، فإن الحوار الداخلي يبدو أقل حساسية تجاه الخطاب القومي المتشدد، يمكن أن يكون هذا النهج أكثر قبولًا لدى الرأي العام التركي، خاصة إذا تم تقديمه كمبادرة وطنية بحتة.

بناء الثقة الشعبية:

مشاركة منظمات المجتمع المدني والشخصيات المؤثرة من الجانبين يمكن أن تلعب دورًا محوريًّا في بناء الثقة على المستوى الشعبي، هذه الجهات، التي تتمتع بمصداقية عالية لدى الجماهير، يمكن أن تكون جسرًا بين الطرفين، مما يساهم في تخفيف الاحتقان وتعزيز الروابط الإنسانية المشتركة.

حلول مبتكرة:

الحوار الداخلي يتيح الفرصة لفهم أعمق للسياق المحلي والتحديات الفعلية التي يواجهها كل طرف، هذا الفهم العميق يمكن أن يؤدي إلى تبني حلول أكثر إبداعًا وواقعية، مثل تطوير نماذج جديدة للحكم الذاتي أو إدارة التنوع الثقافي دون اللجوء إلى صيغ تقليدية قد لا تناسب البيئة التركية.

استدامة الحل:   حلول تنشأ من الداخل تكون أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع التغيرات الداخلية. على عكس الحلول التي يتم فرضها من الخارج، والتي غالبًا ما تواجه مشكلات في التطبيق بسبب عدم ملاءمتها للسياق المحلي، فإن الحوار الداخلي يضمن أن الحلول تتناسب مع الواقع السياسي والاجتماعي في تركيا(5).

التحديات:

رغم الفرص الكبيرة التي يقدمها الحوار الداخلي؛ إلا أن هناك العديد من التحديات التي قد تعيق نجاح هذا المسار وتقلل من فرص تحقيق السلام.

غياب الضمانات الرسمية:

إحدى أكبر العقبات التي تواجه الحوار الداخلي هو غياب الضمانات الرسمية لتنفيذ الاتفاقيات، على عكس المفاوضات الدولية التي تتضمن آليات واضحة للمتابعة والتنفيذ، فإن الاتفاقيات التي يتم التوصل إليها عبر قنوات غير رسمية قد تفتقر إلى الإطار القانوني والتنفيذي اللازم، مما يجعلها عرضة للانتهاكات أو الانهيار.

تأثير الأجندات السياسية:

جهود المجتمع المدني ليست معزولة تمامًا عن الأجندات السياسية المختلفة للأطراف المتنازعة، قد تسعى بعض الجهات إلى استغلال الحوار لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأمد، مما قد يؤدي إلى تشويه العملية برمتها أو تحويلها إلى أداة للصراع بدلاً من أداة للسلام.

محدودية النفوذ:

رغم أهمية دور المجتمع المدني، إلا أنه غالبًا ما يفتقر إلى النفوذ السياسي الكافي لإلزام الأطراف الرئيسية بتنفيذ الاتفاقيات، الحكومة التركية والفصائل الكردية المسلحة قد لا ترى في المجتمع المدني شريكًا قويًا بما يكفي لفرض التزامات ملزمة، مما يقلل من فعالية هذا المسار.

الاستقطاب الحاد:

الاستقطاب السياسي والإعلامي الحاد في تركيا يشكل عقبة كبيرة أمام جهود الحوار الداخلي، الخطاب الإعلامي المتشدد والسياسات الاستقطابية قد تؤدي إلى تأجيج المشاعر السلبية بين الطرفين، مما يجعل من الصعب تحقيق توافق حقيقي أو بناء ثقة متبادلة.

غياب طرف كردي موحد:

واحدة من أكبر العقبات هي الانقسامات الداخلية بين الفصائل الكردية نفسها، وجود تيارات متعددة ومصالح متعارضة داخل الحركة الكردية يجعل من الصعب التوصل إلى موقف موحد يمكن أن يمثل جميع الأطراف في الحوار. هذا الانقسام قد يؤدي إلى تعقيد المفاوضات وتفاقم الخلافات بدلاً من حلها(6).

حقائق ووقائع:

تاريخيًّا، كانت هناك محاولات عديدة للحوار الداخلي في تركيا، لكنها غالبًا ما انتهت بالفشل بسبب هذه التحديات. على سبيل المثال، في عام 2013، تم إطلاق عملية "الحل" التي تضمنت حوارات مباشرة بين الحكومة التركية وبعض الفصائل الكردية، ومع ذلك، انهارت هذه العملية بعد عامين فقط بسبب تصاعد العنف واستمرار الخلافات حول القضايا الجوهرية.

منظمة "مؤسسة هينار" (Hinari Vakfı)، وهي واحدة من أبرز منظمات المجتمع المدني التركية التي تعمل على تعزيز الحوار بين الأتراك والأكراد، قامت بتنظيم العديد من اللقاءات غير الرسمية بين الشخصيات المؤثرة من الجانبين.

ومع ذلك، فإن هذه الجهود لم تتمكن من تحقيق اختراق كبير بسبب غياب الإرادة السياسية والدعم الرسمي.

وفي السياق الدولي، هناك أمثلة ناجحة لحوار داخلي بتسهيل من المجتمع المدني، مثل المفاوضات التي أدت إلى اتفاقية "الجمعة العظيمة" في أيرلندا الشمالية، ومع ذلك، فإن نجاح هذه التجربة كان مرهونًا بوجود ضمانات دولية ودعم رسمي، وهو ما ينقص الحوار الداخلي في تركيا.

وعند مقارنة الحوار الداخلي بالمفاوضات الدولية، يتضح أن الأول يوفر فرصًا أكبر لبناء الثقة الشعبية وتعزيز الملكية الوطنية للحل. ومع ذلك، فإن غياب الضمانات الرسمية والنفوذ الكافي يجعل هذا المسار أقل قدرة على التعامل مع التعقيدات السياسية والقانونية للصراع.

ولذلك، قد يكون الحل الأمثل هو الجمع بين المسارين، بحيث يتم استخدام الحوار الداخلي كوسيلة لبناء الثقة والمفاوضات الدولية كإطار رسمي لضمان التنفيذ(7).

المسار الثالث: خطوات تدريجية وبناء الثقة من القاعدة إلى القمة:

اعتماد مسار يعتمد على خطوات تدريجية لبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، بدءًا من القاعدة الشعبية وصولاً إلى المستويات الرسمية، يمثل إستراتيجية عملية يمكن أن تساهم في تخفيف التوترات وتهيئة الأرضية لمفاوضات أكثر جدية.

هذا النهج يحمل فرصًا متعددة قد تسهم في تحقيق تقدم حقيقي، وهي كالتالي:

تخفيف التوتر تدريجيًّا:

خطوات صغيرة وملموسة على الأرض، مثل وقف إطلاق النار المحلي أو إزالة الحواجز الأمنية التي تعيق حياة المدنيين، يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في تخفيف التوترات اليومية بين المجتمعات المحلية، هذه الخطوات، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل في طياتها قوة كبيرة لتغيير الديناميكيات السلبية القائمة على الأرض.

على سبيل المثال: في عام 2013، شهدت بعض المناطق الكردية في تركيا تخفيفًا ملحوظًا للقيود الأمنية خلال فترة "عملية السلام" التي أطلقتها الحكومة التركية آنذاك.

هذا التخفيف ساهم في تحسين العلاقات بين السكان المحليين وتقليل الاحتقان اليومي، مما خلق بيئة أكثر إيجابية للحوار.

تركيز على القضايا المشتركة:

يمكن للتركيز على القضايا ذات الاهتمام المشترك، مثل التنمية الاقتصادية والبيئية وحقوق الإنسان الأساسية، أن يخلق نقاط اتصال بين الطرفين، هذه القضايا ليست فقط ذات أهمية مشتركة، بل إنها تتجاوز الانقسامات السياسية والقومية، مما يجعلها نقطة انطلاق مثالية لبناء الثقة.

على سبيل المثال: التعاون بين المجتمعات التركية والكردية في مشاريع بيئية، مثل إعادة تشجير المناطق المتضررة من النزاع أو تطوير مشاريع زراعية مشتركة، يمكن أن يعزز الروابط بين السكان المحليين ويخلق مصالح مشتركة تدفع نحو السلام.

إشراك المجتمعات المحلية:

إشراك المجتمعات المحلية في بناء السلام يعزز الشعور بالملكية والاستدامة، عندما يتم إشراك السكان المحليين في تصميم وتنفيذ المشاريع التنموية والاجتماعية، فإن ذلك يخلق شعورًا بأن الحلول نابعة من الداخل وليس فرضًا من الأطراف الرسمية أو الدولية.

منظمة "مؤسسة السلام الكردي - التركي" (Kurdish-Turkish Peace Foundation)، وهي منظمة مجتمع مدني تعمل على تعزيز التعاون بين المجتمعات المحلية، نجحت في تنفيذ مشاريع تنموية صغيرة في مناطق كردية تركية مشتركة، مما ساعد في تقريب وجهات النظر بين السكان المحليين.

تغيير الخطاب العام:

نجاح خطوات بناء الثقة على المستوى الشعبي يمكن أن يؤثر تدريجيًّا على الخطاب السياسي والإعلامي، عندما يرى الجمهور نجاحًا ملموسًا على الأرض، فإن ذلك يمكن أن يضغط على السياسيين والإعلام لتبني خطاب أكثر إيجابية وإنتاجية.

وعلى سبيل المثال: في مناطق مثل ديار بكر وماردين، حيث تم تنفيذ مشاريع مشتركة بين السكان الأتراك والأكراد، لوحظ تحسن ملحوظ في الخطاب الإعلامي المحلي، حيث بدأت وسائل الإعلام المحلية في تسليط الضوء على النجاحات المشتركة بدلاً من التركيز على الانقسامات.

تهيئة الأرضية للمفاوضات الرسمية:

هذه الخطوات التدريجية يمكن أن تهيئ الأرضية لمفاوضات رسمية أكثر جدية، عندما يتم بناء الثقة على المستوى الشعبي، فإن ذلك يخلق ضغطًا على الأطراف الرسمية للتحرك نحو التسوية السياسية، هذا النهج يعكس التجربة الناجحة في جنوب إفريقيا، حيث أدت الجهود الشعبية لبناء الثقة إلى دفع الحكومة والنظام العنصري نحو التفاوض الرسمي(8).

التحديات:

رغم الفرص الكبيرة التي يقدمها هذا المسار، إلا أن هناك عددًا من التحديات التي قد تعيق نجاحه وتقلل من فعاليته.

بطء وتيرة التقدم:

إحدى أكبر التحديات هو بطء وتيرة التقدم. الخطوات التدريجية قد تكون غير كافية لتلبية التطلعات العاجلة لإنهاء الصراع، خاصة في ظل استمرار العنف والمعاناة اليومية. هذا البطء قد يؤدي إلى فقدان الأطراف الثقة في العملية برمتها.

على سبيل المثال: في فترة "عملية السلام" التي بدأت في عام 2013، كانت وتيرة التقدم بطيئة للغاية، مما أدى إلى تصاعد الإحباط لدى الجانبين، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية في بعض المناطق.

تأثير الأحداث السلبية:

أي حادث أمني أو تطور سياسي سلبي يمكن أن يقوض جهود بناء الثقة. على سبيل المثال، الهجمات المسلحة التي وقعت في عام 2015 بين حزب العمال الكردستاني والقوات التركية أدت إلى انهيار جميع الجهود السابقة لبناء الثقة، وأعادت الصراع إلى نقطة الصفر.

محدودية التأثير على القرارات السياسية العليا:

النجاحات على المستوى الشعبي لا تترجم دائمًا إلى تغييرات في السياسات الحكومية. الحكومات غالبًا ما تكون أقل استجابة للضغوط الشعبية، خاصة إذا كانت لديها أجندات سياسية مختلفة أو إذا كانت تخضع لتأثير القوى القومية داخل النظام.

صعوبة الحفاظ على الزخم:

قد يكون من الصعب الحفاظ على الزخم والاستمرار في تحقيق خطوات إيجابية على المدى الطويل. مع مرور الوقت، قد تفقد الأطراف المشاركة الحماسة أو الدعم اللازم لمواصلة العمل، مما يؤدي إلى توقف الجهود قبل تحقيق أي تقدم حقيقي.

تجاهل القضايا الجذرية:

التركيز على القضايا المشتركة قد يؤدي إلى تأجيل معالجة القضايا الجذرية للصراع، مثل الحكم الذاتي أو الحقوق الثقافية للأكراد. هذا التأجيل قد يخلق شعورًا بعدم الجدية لدى الأطراف الرئيسية، مما يعرقل التقدم نحو حل شامل(9).

حقائق ووقائع هذا المسار:

تجربة جنوب إفريقيا في إنهاء نظام الفصل العنصري تُعدُّ مثالاً ناجحًا لاستخدام خطوات تدريجية لبناء الثقة. في تلك الحالة، أدت الجهود الشعبية لتعزيز التعايش إلى الضغط على الحكومة والنظام العنصري لبدء مفاوضات رسمية.

ومع ذلك، فإن الاختلاف الأساسي بين الحالتين هو وجود ضمانات دولية قوية في جنوب إفريقيا، وهو ما ينقص الحالة التركية.

في تركيا، هناك أمثلة محلية على نجاح هذا النهج، مثل مشروع "المدارس المشتركة" الذي تم تنفيذه في بعض المناطق الكردية التركية المشتركة، هذا المشروع ساهم في تقريب وجهات النظر بين الطلاب الأتراك والأكراد، لكنه لم يتمكن من التغلب على التحديات السياسية الأوسع.

عند مقارنة هذا المسار بالمسارين السابقين، يتضح أنه أكثر ملاءمة لمعالجة الجوانب الاجتماعية والثقافية للصراع، ومع ذلك، فإن غياب إطار رسمي وضمانات دولية يجعله أقل قدرة على التعامل مع القضايا السياسية والقانونية المعقدة؛ لذلك، قد يكون الحل الأمثل هو الجمع بين هذا المسار والمسارين الآخرين، بحيث يتم استخدام الخطوات التدريجية لبناء الثقة والمفاوضات الرسمية لضمان التنفيذ.

تحديد العوامل الحاسمة للنجاح:

لضمان نجاح أي من هذه المسارات، يجب توفر عدة شروط أساسية:

إرادة سياسية قوية: التزام واضح من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني بوقف العنف وبدء الحوار.

ضمانات تنفيذية: آليات واضحة لمتابعة وتنفيذ الاتفاقات.

مشاركة المجتمع المدني: إشراك أوسع شريحة من المجتمعات المحلية لتعزيز الملكية والاستدامة.

دور دولي محايد: توفير دعم دولي دون فرض حلول خارجية.

معالجة الجذور: معالجة القضايا الجذرية مثل الحكم الذاتي والحقوق الثقافية للأكراد(11).

استشراف المستقبل والسيناريوهات المتوقعة:

السيناريوهات المحتملة لمستقبل مبادرة أوجلان والسلام التركي الكردي تتنوع بين:

التفاوض الرسمي: إذا تم توفير ضمانات دولية ودعم رسمي، قد يتم التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الصراع.

استمرار الوضع الراهن: في حال غياب الإرادة السياسية أو تعثر الجهود، قد يستمر الصراع مع تصاعد التوترات.

انفراجات محلية: قد تحقق الجهود الشعبية والمجتمع المدني بعض الانفراجات المحلية، لكنها لن تكون كافية لإنهاء الصراع بالكامل(12).

الملخص:

لتحقيق السلام، يجب الجمع بين المسارات الثلاثة: المفاوضات الدولية كإطار رسمي، الحوار الداخلي كوسيلة لبناء الثقة، والخطوات التدريجية كأساس لتهيئة الأرضية.

والحل النهائي يتطلب إرادة سياسية قوية، ضمانات دولية، ومشاركة مجتمعية واسعة.

إنهاء الصراع ليس فقط مسؤولية السياسيين، بل هو مسؤولية الجميع لبناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة.

المسار الأول: المفاوضات الشاملة برعاية دولية:

نقاط القوة: توفر إطارًا رسميًّا وضمانات دولية، وتخفيف الاستقطاب، ودعم مالي ولوجستي.

نقاط الضعف: المعارضة الداخلية في تركيا، تعقيدات المصالح الدولية، وعدم وجود جهة راعية مقبولة من جميع الأطراف.

المسار الثاني: حوار داخلي تركي - كردي بتسهيل من المجتمع المدني:

نقاط القوة: تعزيز الملكية الوطنية للحل، تجاوز الحساسيات الوطنية، وبناء الثقة الشعبية.

نقاط الضعف: غياب الضمانات الرسمية، تأثير الأجندات السياسية، ومحدودية نفوذ المجتمع المدني.

المسار الثالث: خطوات تدريجية وبناء الثقة من القاعدة إلى القمة:

نقاط القوة: تخفيف التوتر تدريجيًّا، إشراك المجتمعات المحلية، وتهيئة الأرضية للمفاوضات الرسمية.

نقاط الضعف: بطء وتيرة التقدم، تأثير الأحداث السلبية، وتجاهل القضايا الجذرية.

وتجدر الإشارة إلى هشاشة الثقة بين الطرفين بناءً على الخبرة التاريخية السلبية لكليهما، والاحتمالية الكبيرة للنكوص عن هذا التقدم الذي حدث مؤخرًا، وهو الأمر الذي تكرر سابقًا، في حال استمرت المواجهات العسكرية الحالية وتصاعدت وأتاحت لصوت المعارك أن يطغى على دعوات السلام والمصالحة.

وهنا تكمن الأهمية القصوى لإجراءات بناء الثقة والصيغ التي تضمن استفادة الجميع، وبهذا فقط يمكن إنجاح المبادرة والتغلب على من يحاولون عرقلتها.

المصادر:

1_ مركز المستقبل للدراسات

2_ مركز رع للدراسات

3_ مركز الأهرام للدراسات

4_ سكاي نيوز

5_ اليوم

6_ مركز الإمارات للدراسات

7_ رأي اليوم

8_ D.W

9_ أسباب

10_ الجزيرة

11_ الإندبندت

12_ ترك برس

الكلمات المفتاحية

الصراع التركي الكردي