مصر وحزام النار.. قراءة في إستراتيجية الدفاع الاستباقي وحماية الأمن القومي

ملفات خارجية
مصر وحزام النار.. قراءة في إستراتيجية الدفاع الاستباقي وحماية الأمن القومي
٢٢ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ١٨ أغسطس ٢٠٢٦

على حدود مصر الأربع، تشتعل اليوم جبهات لا تهدأ؛ ففي الشرق، يخطط الاحتلال لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وفي الغرب، تهدد الفوضى الليبية حدودًا تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، وفي الجنوب، يهدد سد النهضة الأمن المائي بينما تنهار الدولة السودانية تحت وطأة حرب الميليشيات، وفي الشمال، يتصاعد التنافس على ثروات الغاز في المتوسط، بينما تحاول قوى خارجية فرض ممرات بديلة تستبعد مصر من معادلة الطاقة. هذا المشهد المتشابك ليس مجرد أزمات عابرة، بل "حزام نار إستراتيجي"، هو في حقيقته عملية تطويق جيوسياسي مُمنهج، تَسْتَهْدِف خنق مصر من كل اتجاه، واستبدال جيشها الوطني بميليشيات مأجورة تخدم أجندات إقليمية ودولية.

لكن مصر لم تكن بمنأى عن قراءة هذا المشهد، فقد أدركت القاهرة مبكرًا أَنَّ إستراتيجية "رد الفعل" والاكتفاء بتأمين الحدود من الداخل، لم تَعُد كافية في مواجهة هذا الحزام المتكامل من التهديدات، فانتقلت إلى إستراتيجية "الدفاع الاستباقي"، القائمة على مبدأ "إجهاض المشاريع في مهدها"، وهو ما تجلى في التحركات المصرية في الصومال والسودان وغزة وشرق المتوسط، وبالتالي يتناول هذا التقرير بالتحليل حزام النار أولًا، مُفَصِّلًا تهديداته في كل محور، ثم يستعرض أدوات الدفاع الاستباقي التي اعتمدتها القاهرة، وما حققته من إنجازات، وما يواجهه من تحديات، في محاولة لتقديم قراءة واقعية ومتوازنة للأمن القومي المصري في عام 2026م.

حزام النار:

يُمَثِّل "حزام النار" الذي يحيط بمصر تقاطعًا خطيرًا بين أطماع قوى إقليمية وأجندات تمويل التفتيت، حيث لم تَعُد التهديدات تأتي من اتجاه واحد، بل تتوزع على كل الجبهات في آن واحد، فشرقًا، ترتكز التهديدات في مخططات الاحتلال الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين قسرًا إلى سيناء، إلى جانب الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي للحصول على موطئ قدم إستراتيجي في باب المندب، في شراكة أمنية واقتصادية مع الإمارات تهدف إلى تطويق مصر من الجنوب والشرق معًا، مما يهدد السيادة المصرية على سيناء ويخلخل أمن الملاحة في البحر الأحمر.

أَمَّا جنوبًا، فيتمثل الخطر الأبرز في سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد الأمن المائي المصري وجوديًّا، إلى جانب انهيار الدولة السودانية وتحولها إلى ساحة لتمدد ميليشيا "الدعم السريع" المدعومة إقليميًّا ودوليًّا، مما يفتح جبهة استنزاف جنوبية بطول حدود يتجاوز 1200 كيلومتر، ويهدد منابع النيل وموانئ البحر الأحمر، وفي المقابل، تُشَكِّل الفوضى الليبية غربًا واحتمال تحول شرق ليبيا إلى منصة انطلاق للإرهاب والميليشيات المأجورة المدعومة إقليميًّا تهديدًا مباشرًا للحدود الغربية الممتدة لنحو 1250 كيلومترًا، مما يفتح جبهة استنزاف مفتوحة يصعب احتواؤها.

وفي الشمال، يتصاعد التنافس المحتدم على ثروات الغاز في شرق المتوسط، مع محاولات فرض ممرات بديلة (مثل خط "إيست ميد") تستبعد مصر من معادلة الطاقة الإقليمية، وتهدد حقول الغاز المصرية والاقتصاد الوطني، ويضاف إلى ذلك تمدد النفوذ الإيراني عبر الميليشيات في اليمن والخليج، مما يهدد أمن الممرات المائية ومصادر الطاقة، ويرتبط بمشاريع إقليمية لتطويق مصر من بوابة البحر الأحمر.

هذه التهديدات المتزامنة ليست مجرد اضطرابات حدودية عابرة، بل عملية تطويق جيوسياسي مُمنهج تشترك فيها أطراف إقليمية ودولية (إسرائيل، الإمارات، إثيوبيا، وإيران بالوكالة) تَسْتَهْدِف خنق مصر من كل اتجاهاتها الأربعة، والمساس بمنابع قوتها المائية والاقتصادية والأمنية، واستبدال الجيوش النظامية بميليشيات مأجورة تخدم مصالحها.

الدفاع الاستباقي وإجهاض الأزمات:

أدركت القاهرة أَنَّ إستراتيجية "رد الفعل" والاكتفاء بتأمين الحدود من الداخل لم تَعُد كافية في مواجهة هذا الحزام المتكامل من التهديدات، فانتقلت إلى إستراتيجية الدفاع النشط والاستباقي القائمة على مبدأ "إجهاض المشاريع في مهدها"، وهو ما تجلى في تحركات ميدانية ودبلوماسية وقانونية متزامنة.

ففي الصومال والقرن الإفريقي، أرسلت مصر قوات ومعدات عسكرية لكسر الحصار الإثيوبي على باب المندب، ومنع إثيوبيا وإسرائيل والإمارات من فرض واقع بحري جديد، مع تنسيق عسكري ثلاثي مع الصومال وإريتريا لحماية البحر الأحمر، وتأكيد أَنَّ أمن المضيق هو مسؤولية الدول المشاطئة في المقام الأول، وفي السودان، دعمت القاهرة الجيش السوداني استخباراتيًّا ولوجستيًّا لتفكيك "قوس الميليشيات" المدعوم إماراتيًّا، ومنع تحول السودان إلى قاعدة خلفية لتهريب السلاح والإرهاب نحو الحدود الجنوبية.

وفي غزة، انتقلت مصر من التحذير إلى المنع الميداني لمخططات التهجير، عبر تحريك القوات الثقيلة وتمهيد البنية التحتية في سيناء، وإدارة ملف المساعدات عبر معبر رفح بوصفها "لاعبًا أمنيًّا" يرفض سيطرة الاحتلال على ممر فيلادلفيا، أَمَّا في شرق المتوسط، فَحَوَّلَت القاهرة منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة دولية مقرها القاهرة، وحصّنت اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان، مما أعاد صياغة قواعد اللعبة في ملف الطاقة الإقليمي.

ولم تقتصر أدوات الدفاع الاستباقي على الجبهات التقليدية، بل امتدت إلى القواعد العسكرية العملاقة (محمد نجيب، برنيس، و3 يوليو) التي جعلت من مصر قلعة إقليمية؛ فقاعدة برنيس أصبحت رأس حربة في مواجهة محاولات خنق باب المندب، وقاعدة 3 يوليو تؤمن المنطقة الاقتصادية في المتوسط، وتفرض الخطوط الحمراء في ليبيا عبر خط "سرت-الجفرة"، وفي البعد السيبراني، فَعَّلَت مصر منظومات دفاع سيبراني مدعومة بالذكاء الاصطناعي لحماية المنشآت الحيوية (محطة الضبعة، حقول غاز ظهر، وقناة السويس) من الهجمات الإلكترونية التي تقودها أطراف إقليمية.

وبالتالي لم تَعُد مصر تنتظر وصول الأزمة إلى حدودها، بل أصبحت تُفَكِّك الأزمة في منبعها، عبر مزج الردع العسكري (القواعد، التحديث العسكري، أنظمة المسيّرات) بالدبلوماسية الاستباقية والتحالفات التكتيكية (مع تركيا والسعودية)، لتحويل معادلة الصراع من "دفاع عن الحدود" إلى "إدارة الإيقاع الإقليمي" وفرض معادلات أمنية جديدة تخدم المصالح الوطنية.

القواعد العسكرية وقوة الردع:

لم يكن لهذا التحول أن ينجح دون امتلاك "مخالب" حقيقية؛ وهنا تبرز أهمية القواعد العسكرية العملاقة (محمد نجيب، برنيس، و3 يوليو)، إضافة إلى التسليح الكمي والنوعي في السنوات الأخيرة وزيادة وتيرة التصنيع والاعتماد على التقنية الحديثة، وهو ما حَوَّل مصر إلى "قلعة إقليمية"، يخشاها البعيد قبل القريب؛ فقاعدة برنيس جنوبًا أصبحت "رأس الحربة" في مواجهة محاولات خنق باب المندب، كذلك قاعدتا "محمد نجيب و3 يوليو" شمالًا، والتفوق المصري في القوة البرية والبحرية والجوية، أصبح أداة ردع صامتة تفرض الخطوط الحمراء، في مواجهة صراع غاز المتوسط وتهديدات الأزمة الليبية مثل خط سرت-الجفرة، وهو ما يؤكد أنه لا تنمية بدون أمن، وأَنَّ حماية حقول الغاز في الشمال وتأمين الملاحة في الجنوب هما حماية للاقتصاد الوطني، وأَنَّ حماية الحدود ووأد الأزمات في مهدها، تحديدًا المجاورة لمصر هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، أي أَنَّ أيَّ اضطراب في هذه المعادلة يهدد بشكل مباشر مصر ومواردها الاقتصادية، ويضر بشكل مباشر قدرتها على تمويل مشروعات التنمية.

المحور الشرقي:

تؤمن القاهرة إيمانًا راسخًا بحقيقة أَنَّ الكيان الصهيوني قوة احتلال معتدية على أرض ودولة فلسطين، وأَنَّ ذلك الاحتلال يقوم بحرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني، وهذا الاعتقاد يتجلى في إستراتيجية القاهرة في التعامل مع الاحتلال والتي تظهر ملامحها في التالي:

  • إجهاض التهجير: الانتقال من التحذير إلى المنع الميداني، حيث تَعُدُّ القاهرة أَنَّ أيَّ تهجير قسري هو إعلان حرب.
  • الوساطة الخشنة: إدارة ملف المساعدات عبر معبر رفح بوصفها "لاعبًا أمنيًّا" يرفض سيطرة الاحتلال على ممر فيلادلفيا.
  • التأكيد على أَنَّ استمرار المخططات الصهيونية لتهجير الفلسطينيين نحو سيناء سيدفع المنطقة إلى حرب شاملة، لا تملك إسرائيل تقدير عواقبها.
  • تحريك القاهرة قواتها العسكرية الثقيلة على الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتمهيد البنية التحتية في سيناء بالكامل يعكسان مدى جدية مصر في التعامل مع التهجير بوصفه أمنًا قوميًّا مصريًّا من الدرجة الأولى.

وبالتالي فإن أي تحرك صهيوني لدفع الفلسطينيين نحو سيناء يعني شَنَّ الجيش المصري حربًا شرسةً ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما بات الاحتلال يراه بعينيه في القوات والعتاد والصواريخ المصرية التي تنتظر الإشارة خلف السياج الفاصل بين الأراضي المصرية وأراضي فلسطين المحتلة وهو ما يعني الردع وإلَّا الحرب.

أمن البحر الأحمر:

شَكَّلَت هجمات البحر الأحمر تهديدًا مباشرًا للملاحة في باب المندب، انعكس سَلْبًا في الإيرادات الحيوية لقناة السويس؛ حيث تراجعت الإيرادات خلال العام المالي 2023/2024م إلى نحو 6.6 مليار دولار، قبل أن تهبط بشكل حاد في العام المالي 2024/2025م لتسجل حوالي 3.6 مليار دولار، بنسبة انخفاض بلغت 45.5%، كما انخفض عدد السفن العابرة بنسبة 38.5% إلى نحو 12,400 سفينة، وفي هذا السياق، قدرت الرئاسة المصرية الخسائر التراكمية لإيرادات القناة منذ بدء الأزمة وحتى نهاية العام المالي المذكور، بنحو 7 مليارات دولار، وهو رقم يوضح عُمْق التداعيات الاقتصادية للصراع الإقليمي في شريان التجارة العالمي، لذلك عَزَّزَت القاهرة وجودها العسكري في قاعدة برنيس بوصفها مركز قيادة للأسطول الجنوبي، مع حرصها على إدارة أمن الملاحة ضمن تنسيق إقليمي يرفض الهيمنة الخارجية، ويؤكد أَنَّ حماية الملاحة في البحر الأحمر هي مسؤولية الدول المشاطئة.

الشبكة الإسرائيلية وتطويق الممرات:

لا يمكن فهم المشهد في القرن الإفريقي بمعزل عن البعد الإسرائيلي، الذي تحول من مجرد مراقبة إلى تموضع ميداني خطير، حيث يُمَثِّل الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي في ديسمبر 2025م قمة هذا التحرك، حيث حصلت تل أبيب، مقابل اعترافها السياسي، على موطئ قدم إستراتيجي في ميناء بربرة ومطارها، ليكون هذا الإقليم "رأس حربة" متقدمًا لمراقبة مضيق باب المندب وتهديد أعماق البحر الأحمر، وهذه الخطوة ليست معزولة، بل تندرج ضمن مخطط أو ما يُسَمِّيه الاحتلال "عقيدة المحيط" الجديدة، التي تهدف لتطويق مصر والعالم العربي عبر التحالف مع "كيانات ما دون الدولة"، بالتوازي مع الدفع بمشاريع انفصالية في جنوب اليمن والتصعيد في السودان، في شراكة أمنية عميقة مع الإمارات، وتتقاطع هذه الشبكة مع التحالف الإسرائيلي - الإثيوبي التاريخي، حيث تنظر أديس أبابا للوجود الإسرائيلي في الصومال بوصفه دعمًا غير مباشر لطموحاتها البحرية على حساب وحدة الصومال، مما يحول القرن الإفريقي إلى ساحة لـ "محور مُعادٍ" يسعى لفرض واقع جديد يهدد الأمن القومي المصري من منبعه الجنوبي.

والتهديد هنا واضح، تحول أرض الصومال إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية -كما حدث بالفعل- يعني أَنَّ "التوغل الإسرائيلي" صار يمسك بمفاصل باب المندب، وأصبح قادرًا على تهديد خطوط الملاحة العالمية وقناة السويس بشكل مباشر، وبناء توتر دائم على حدود مصر الجنوبية عبر تحالف (إسرائيلي - إثيوبي - إماراتي) يهدف لخنق القاهرة في محبسها المائي والبحري معًا، وكانت مصر استبقت ذلك بالوجود العسكري في الصومال، وزيادة الوجود العسكري في موانئ مصر الجنوبية في البحر الأحمر، علاوة على مساعي اقتربت من نهايتها -بحسب الجزيرة- لتوقيع اتفاق عسكري ثلاثي بين مصر وأريتريا والصومال لحماية أمن البحر الأحمر والتصدي لأطماع الاحتلال التي يسعى لها عبر إثيوبيا والإمارات.

ويضاف إلى ذلك: تنسيق مصري سعودي مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر، ومثله مع تركيا التي تجمعها علاقات قوية مع إثيوبيا، فضلًا عن علاقات مصرية مع الإمارات، والدعم المصري للجيش السوداني ضد ميليشيا الدعم السريع، وأخيرًا التحركات المصرية للتوفيق بين مجلس السيادة السوداني وأمريكا لإقرار الهدنة وإرساء الاستقرار بالسودان، وبالتالي فإن أي محاولة لتحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ لقوى غير مشاطئة، أو إنشاء قواعد عسكرية في موانئه الإستراتيجية، ستواجه برَدٍّ مصري يمنع تغيير الشكل أو الوضع الراهن.

الخليج وإيران:

في ظل التصعيد الأمريكي - الإيراني المحموم، تتحرك مصر بموقف مُعَقَّد يقوم على إدارة التوترات من خلال ثلاث ركائز رئيسة:

  • الحياد الإيجابي عبر رفض الانحياز لأي محور مقابل الآخر، مع الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران وواشنطن على حد سواء.
  • وضوح الخط الأحمر حيث تَعُدُّ القاهرة أَنَّ أمن الخليج وأمن موانئه ومنشآته النفطية هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وذلك لأسباب اقتصادية مباشرة تتعلق بتحويلات المصريين والاستثمارات الخليجية في مصر؛ علاوة على علاقة الأخوة والروابط المتعددة.
  • وأخيرًا الردع المتدرج حيث تضع مصر سلسلة من الخيارات الاستباقية تبدأ بالدبلوماسية والوساطة، وصولًا إلى إجراءات أمنية مشتركة، دون التهديد المباشر بالتدخل العسكري الذي يبقى الخيار الأقصى في سيناريوهات الحفاظ على وجود الدولة.

في حين يُمَثِّل الملف الإماراتي أحد أكثر نقاط الغموض في معادلة الأمن الإقليمي؛ فبينما تعلن أبوظبي التزامها بأمن الخليج وتنسيقها الأمني مع الرياض والقاهرة، فإن علاقاتها التجارية واللوجستية المتنامية مع طهران تثير ارتيابًا مصريًّا، وهذا التعاون، الذي يظهر في استمرار التبادل التجاري وإعادة التصدير عبر دبي، وحتى التواصل الأمني المحدود، لا يُمَثِّل "تحالفًا بديلًا" بقدر ما هو نهج براجماتي لإدارة التنافس مع الجارة الإيرانية، في محاولة لتجنب التصعيد المباشر الذي قد يطال المصالح الإماراتية في الخليج والبحر الأحمر، ورغم ذلك، تبقى المخاوف المصرية قائمة من سيناريوهين محتملين:

1.  نجاح إيران في استغلال الثغرات الاقتصادية لتوسيع نفوذها المالي في الاقتصاد الإماراتي، مما قد يمنحها أدوات ضغط غير مباشرة.

2.  تحول التعاون الاقتصادي إلى غطاء لتمدد إيراني في بوابة البحر الأحمر عبر اليمن أو الصومال، وهو ما قد يعرقل العقيدة المصرية الدفاعية في الجنوب، ويعيد تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر ضد المصالح المشتركة لدول المنطقة.

وبالتالي تتعامل القاهرة مع الملف الإماراتي بحذر إستراتيجي، مع إدراكها أَنَّ أيَّ تصدع في الجبهة الخليجية، أو تغول إيراني عبر الممرات الخليجية، سيكون له تداعيات مباشرة في الأمن القومي المصري، وهو ما يفرض على القاهرة والحلفاء في الرياض وأنقرة موقفًا موحدًا تجاه حدود النفوذ الإيراني في المنطقة، مع استمرار القنوات المفتوحة للحوار الإقليمي الجامع.

سيناريو الحرب الشاملة:

أكبر مخاوف القاهرة هو اندلاع حرب شاملة في الخليج، هذا السيناريو لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل كارثة إستراتيجية كبرى تُؤَدِّي لتدويل الممرات الملاحية، ففي حال نشوب حرب، ستتحول القوات الأمريكية الموجودة في قواعدها بالخليج (قطر – قاعدة العديد، البحرين – الأسطول الخامس) إلى حالة استنفار قصوى، وستمتد العمليات العسكرية لتشمل مضيق هرمز وبحر العرب، والنتيجة المباشرة لمصر سيتحول البحر الأحمر من "منطقة نفوذ عربية" تديرها الدول المشاطئة، إلى "ساحة عمليات دولية" تديرها القوات الأمريكية والإسرائيلية تحت ذريعة حماية الملاحة، وهذا يعني خروج قرار أمن البحر الأحمر من يد مصر والسعودية، وتأثر قناة السويس.

وبالتالي فإن الخطر الأكبر على مصر لا يكمن في "انتصار" أي من الطرفين (أمريكا أو إيران)، بل في "استمرار حالة اللاحرب واللاسلم" مع تصعيد متقطع، ما يسمح بتمدد النفوذ الإيراني في الخليج عبر وكلائها، وتدفع الولايات المتحدة لزيادة وجودها العسكري، مما يحول المنطقة العربية إلى "ساحة صراع مفتوح" تستنزف فيه الاقتصادات العربية، وتسحب فيه السيادة الوطنية تدريجيًّا لصالح القوى الكبرى، وبالتالي تعمل القاهرة على "تجميد الصراع" عبر تفاهمات إقليمية تمنع الانفجار الكبير، وتحافظ على البحر الأحمر منطقة آمنة تديرها الدول المشاطئة وحدها.

المحور الجنوبي "السودان، الصومال، وإثيوبيا":

السودان والتمدد الإماراتي:

يُمَثِّل السودان بالنسبة لمصر أكثر من مجرد جار جنوبي؛ فإنه عُمْق الأمن القومي الإستراتيجي لمصر بَرِّيًّا ومائيًّا، وأي فوضى أو عدم استقرار فيه يهدد الأمن القومي المصري، ولذلك تتعامل القاهرة مع الأزمة السودانية ليس بوصفها صراعًا داخليًّا، بل بوصفها "حرب وجود بالوكالة" تخوضها قوى إقليمية ودولية على حدود مصر الجنوبية، ومنذ اندلاع الصراع في أبريل 2023م، تَبَنَّت مصر موقفًا مبدئيًّا وواضحًا، بدعم المؤسسات الوطنية السودانية مُمَثَّلَة في الجيش السوداني، وَعَدّ ميليشيا الدعم السريع "قوة متمردة"، دفاعًا عن مبدأ "الدولة الوطنية" في مواجهة مشروع "تمويل التفتيت" الذي تقوده الإمارات، وَأَسْهَم الدعم المصري –الاستخباراتي واللوجستي والسياسي– بالتنسيق مع تركيا، في تمكين الجيش السوداني من استعادة مناطق حيوية (أم درمان، الخرطوم، الجزيرة) وكسر حصار الميليشيات، كما يمتد دور مصر إلى إيواء مئات الآلاف من النازحين السودانيين.

وبينما لا يمكن فهم تعقيدات المشهد السوداني دون رصد الدور الإماراتي المُدَمِّر، فخلف الميليشيات المتمردة تقف أبوظبي بوصفها "راعي الحرب" الأول، عبر تزويد ميليشيا الدعم السريع بالسلاح المتطور والوقود والمرتزقة الأفارقة، انطلاقًا من قواعد خلفية في تشاد وإفريقيا الوسطى وليبيا، وهذا الدعم الإماراتي ليس مجرد تدخل في شؤون الغير، بل هو مشروع متكامل يهدف لـ:

  • السيطرة على الموارد: الذهب السوداني، والأراضي الزراعية الخصبة.
  • تأمين ممر لوجستي: يربط موانئ البحر الأحمر (بورتسودان) بالسوق الإفريقي عبر تشاد، تحت إدارة إماراتية.
  • تطويق مصر: عبر تحويل السودان إلى بؤرة تهديد دائمة، تمنع القاهرة من التركيز على جبهات أخرى (ليبيا، البحر الأحمر، سد النهضة).

كما تُمَثِّل تشاد أحد أخطر الأوراق في هذه المعركة، فاستمرار الدعم الإماراتي للميليشيات يتم عبر مطارات شرق تشاد (أم جرس، أنجمينا)، بغطاء فرنسي ضمني، مستغلة حالة الفوضى على الحدود التشادية-السودانية، وذلك بهدف إنشاء "إقليم مضطرب" يمتد من برقة الليبية إلى دارفور التشادية وصولًا إلى كردفان السودانية، ليصبح "حزام نار بديلًا" يضغط على مصر من الجنوب الغربي، ويكون قاعدة خلفية لتمركز مرتزقة جُدُد، وفي حال نجاح الإمارات في تثبيت ميليشيا الدعم السريع على حدود مصر مع السودان وتشاد، سيعني استبدال تهديد سيناء (الذي تم حسمه) بتهديد جنوبي-غربي مفتوح، يصعب السيطرة عليه بطول حدود يتجاوز 1200 كيلومتر، وبالتالي فإن سيناريو "انهيار الدولة السودانية" أو "سيطرة الميليشيات على ساحل البحر الأحمر" (من بورتسودان إلى حلايب) يُمَثِّل كارثة وجودية لمصر على ثلاثة مستويات:

  • أمنيًّا: تحول السودان إلى قاعدة خلفية لتهريب السلاح والمخدرات والإرهابيين إلى عُمْق الأراضي المصرية، وفتح جبهة استنزاف جنوبية مكلفة.
  • سيطرة الميليشيات على منابع النيل الأزرق والنيل الأبيض، بالتواطؤ مع إثيوبيا، لاستخدام المياه بوصفها ورقة ضغط وابتزاز ضد القاهرة.
  • تحول السودان من "عُمْق إستراتيجي" لمصر إلى "قاعدة خلفية" للمحور الإماراتي - الإسرائيلي - الإثيوبي، مما يمهد لتطويق مصر من الجنوب والشرق معًا، ويحول البحر الأحمر إلى بحيرة معادية.

لذلك، فإن المعركة في السودان ليست "رفاهية اختيار"، بل هي "معركة الدفاع الأخير" عن الأمن القومي المصري، وأي تراجع فيها يعني انهيار كل الجبهات الأخرى، ولذلك تهتم مصر بأزمة السودان في كافة الاتجاهات.

سد النهضة وإثيوبيا:

التطويق الجيوسياسي الذي قامت به مصر في الصومال، ووقف أطماع أديس أبابا في القرن الإفريقي، جاء لحماية أمن البحر الأحمر وباب المندب أولًا، ثم رَدًّا على "محبس المياه" الإثيوبي في سد النهضة، وكانت أدركت القاهرة أَنَّ المفاوضات التقنية مع أديس أبابا حول سد النهضة لم تكن سوى وسيلة لشراء الوقت، فانتقلت إلى إستراتيجية "تطويق المنبع"، عبر إبرام اتفاقيات دفاع مشترك وتعاون عسكري واستخباراتي مع دول حوض النيل (أوغندا، كينيا، رواندا، وجنوب السودان)، إضافة إلى الاتفاق العسكري الجاري تدشينه مع الصومال وإريتريا، وهذا الوجود العسكري المصري في دول الحوض حَوَّل ملف المياه من قضية فنية إلى "معادلة أمن إقليمي"؛ حيث أصبح أي مساس بحصة مصر المائية يهدد بإشعال جبهات متعددة حول إثيوبيا، مما جعل "محبس المياه" الإثيوبي يقابله "حصار جيو-عسكري" مصري شامل.

إلى جانب إستراتيجية التطويق الجيوسياسي، تخوض مصر معركة قانونية ودبلوماسية شرسة لحماية حقوقها المائية، في مواجهة اتفاقية "عنتيبي" الإطارية، التي تسعى إثيوبيا من خلالها لفرض واقع جديد يلغي الحقوق التاريخية لمصر والسودان، تعتمد القاهرة على عدة مسارات قانونية. أولًا، التمسك باتفاقية 1959 وقواعد القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود، والتي تشترط "الإخطار المسبق" و"عدم إحداث ضرر ذي شأن" و"التوافق" قبل إقامة أي مشروعات على المجاري المائية المشتركة، ثانيًا، استغلال منصة "مبادرة حوض النيل" لإعادة فتح النقاش حول الاتفاقية الإطارية، والدعوة لتعديل بنودها أو إضافة بروتوكولات تراعي ما يشغل دولتي المصب، وهو ما لَقِيَ قبولًا أَوَّلِيًّا من بعض دول الحوض، ثالثًا، لجأت مصر لتحويل ملف سد النهضة من نطاق التفاوض الثنائي إلى أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كما أَنَّ هذه التحركات القانونية، مدعومة بآلية التمويل المصري لمشروعات السدود في دول حوض النيل الجنوبي، وتوفير شرعية دولية للموقف المصري، وكشف التعنت الإثيوبي أمام الرأي العام العالمي.

الصومال وحضور مصر في القرن الإفريقي:

جاء وجود وحدات مصرية في مقديشو لمنع إثيوبيا من تفعيل اتفاقها مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي للوصول إلى ميناء بربرة، وفي سياق موازٍ، شهدت العلاقات المصرية-التركية نقلة نوعية منذ عام 2023م، تحولت معها أنقرة من طرف داعم سابق لجماعة الإخوان إلى شريك فاعل في إدارة ملفات إقليمية ساخنة، وعلى رأسها الملفان الليبي والصومالي وحتى السوداني، وهذا التقارب لم يصل بعد إلى مرتبة "التحالف الإستراتيجي" الشامل، بل هو أقرب إلى "محور تنسيق عملياتي" يقوم على تقاطع المصالح في مواجهة مشاريع التفتيت وتمويل الميليشيات؛ حيث تقدم تركيا خبراتها المتطورة في صناعة الطائرات المسيرة والتدريب العسكري، بينما تُوَفِّر مصر الثقل الجغرافي والسياسي والعربي، فضلًا عن القاعدة اللوجستية والاستخباراتية. وقد وَفَّر هذا التنسيق في الصومال والسودان حالة من التوازن الميداني، وَأَسْهَم في تجميد بعض أدوار الأطراف الإقليمية التي كانت تعبث بملفات المنطقة، إلا أَنَّ استمرارية وفاعلية هذا المحور تظل مرهونة بمدى قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات الأيديولوجية العميقة، وتحويل التقارب التكتيكي إلى رؤية إستراتيجية موحدة تجاه مستقبل المنطقة، وإلا فإن أي شرخ أو تباطؤ فيه سيعيد فتح الباب أمام الفوضى، ويسمح لقوى أخرى بملء الفراغ الإستراتيجي.

المحور الغربي- ليبيا وإستراتيجية الخطوط الحمراء:

خط "سرت – الجفرة":

يُعَدُّ خط "سرت – الجفرة" أحد أنجح نماذج الردع الاستباقي التي طبقتها مصر في محيطها الإقليمي؛ حيث تحول من مجرد خط وهمي على الخرائط إلى جدار صد إستراتيجي أعاد تعريف قواعد اللعبة في ليبيا. وتتجلى أهميته في ثلاثة أبعاد:

  • البعد العسكري: أي تجاوز أو محاولة لاختراق هذا الخط من قِبَل أي قوة معادية، يُعَدُّ تجاوزًا للخط الأحمر المصري، ويفتح الباب أمام تدخل عسكري مصري مباشر، وهو ما أَسْهَم فِعْلِيًّا في تجميد الصراع العسكري في ليبيا ومنع انزلاقها إلى حرب استنزاف مفتوحة على غرار النماذج الإقليمية الأخرى.
  • البعد الإستراتيجي: يُمَثِّل شرق ليبيا عُمْقًا حيويًّا لمصر، حيث تبلغ الحدود البرية المشتركة نحو 1250 كيلومترًا. أي انهيار لهذا الخط أو سيطرة قوى متطرفة أو ميليشيات مأجورة على المنطقة، يعني فتح جبهة غربية جديدة لا تقل خطورة عن جبهة سيناء، مع صعوبة احتوائها جغرافيًّا ولوجستيًّا.
  • البعد السياسي: يؤكد هذا الخط أَنَّ مصر تتعامل مع الأزمة الليبية من منطلق أمن قومي، وليس من منطلق دعم طرف ضد آخر، وهو ما يفسر موقف القاهرة الداعم للبرلمان والحكومة الليبية في الشرق، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف الغربية، في محاولة لاحتواء الأزمة بَدَلًا من تعميقها.

توازن دقيق:

تتبنى مصر في تعاملها مع الملف الليبي إستراتيجية "الاحتواء المتوازن"، التي تقوم على:

  • دعم شرعية الدولة الوطنية مُمَثَّلَة في الجيش الوطني الليبي والمؤسسات المنتخبة، مع رفض أي مشروع لتفتيت الدولة الليبية.
  • عدم العداء مع الغرب الليبي، بل العمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف، ومنع تحول ليبيا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو منصة انطلاق للإرهاب والتسلل نحو الحدود المصرية.
  • ثم مواجهة تمويل الميليشيات، سواء كان قادمًا من أطراف إقليمية أو دولية، حيث تتعامل القاهرة مع أي محاولة لإبقاء الجبهة الغربية مفتوحة ومستنزفة، بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، يستدعي تحركًا استباقيًّا على المستويات الدبلوماسية والأمنية.

وبالتالي نجحت مصر في تحويل ليبيا من ساحة صراع مفتوح إلى مساحة تفاوض منضبطة، لكن هذا النجاح يتطلب استمرار اليقظة الاستخباراتية، ومنع أي محاولة لإعادة إشعال الصراع بالوكالة على الحدود الغربية.

المحور الشمالي- شرق المتوسط ومعركة الطاقة:

لم تكتفِ مصر بموقفها الدفاعي في شرق المتوسط، بل انتقلت إلى مرحلة "الدفاع المؤسسي" عبر تحويل منتدى غاز شرق المتوسط من مجرد تجمع سياسي للدول الأعضاء إلى منظمة دولية إقليمية (IGO) مقرها القاهرة، تتمتع بشخصية قانونية دولية، وهذه الخطوة حققت لمصر مكاسب إستراتيجية واضحة كالتالي:

  • الشرعية القانونية: أصبح المنتدى إطارًا معترفًا به دوليًّا لإدارة ملف الطاقة في المنطقة، مما يجعل من الصعب على أي طرف (مثل إسرائيل أو اليونان أو الاتحاد الأوروبي) فرض ممرات بديلة (مثل خط "إيست ميد") أو استبعاد مصر من معادلة الطاقة، دون الرجوع إلى هذا الإطار المؤسسي.
  • الأداة السياسية: يمنح المنتدى مصر حق النقض العملي (ولو كان غير رسمي) على أي مشروع غازي إقليمي قد يمس مصالحها الأمنية أو الاقتصادية.
  • الغطاء الدولي: يجعل المنتدى من أي محاولة لتجويع مصر اقتصاديًّا أو عزلتها سياسيًّا في شرق المتوسط، أمرًا مكشوفًا ومرفوضًا قانونيًّا، مما يقلص هامش المناورة للأطراف المنافسة.

ترسيم الحدود البحرية:

في مواجهة التنافس المحتدم على ثروات شرق المتوسط، تستند الإستراتيجية المصرية إلى قانون البحار الدولي (UNCLOS) بوصفه مرجعية وحيدة لترسيم الحدود البحرية، وتحصين حقوقها في المنطقة الاقتصادية الخالصة من خلال:

  • الاتفاقيات الثنائية المحصنة: تمكنت مصر من تحصين اتفاقياتها مع قبرص (2003) واليونان.
  • الوجود العسكري: قاعدة "3 يوليو" البحرية ليست مجرد قاعدة عسكرية، بل هي أداة تؤمن المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية، وترسل رسالة ردع واضحة بأَنَّ أيَّ تحرش بحقول الغاز المصرية، أو محاولة للتنقيب في مناطق حدودية متنازع عليها دون الرجوع للقانون الدولي، سيقابل بردع عسكري فوري.

وهنا نجحت مصر في تحويل أزمة الطاقة في شرق المتوسط من صراع مفتوح حول الموارد إلى معركة قانونية ومؤسسية تضع القاهرة في موقع الضابط الإقليمي للإيقاع، لكن مع بقاء التحدي الأكبر في قدرتها على ترجمة هذه الشرعية القانونية إلى مكاسب اقتصادية فعلية، وعدم السماح لأي طرف بإعادة رسم خرائط الغاز في المنطقة دون الرجوع للإطار المصري.

أدوات "الدفاع الاستباقي":

لا يقوم الردع المصري على عنصر عسكري منفرد، بل على منظومة متكاملة من الأدوات التي تتداخل وتتكامل لتشكل درعًا واقيًا للأمن القومي، وهي كالتالي:

  • التحديث العسكري: تجلى التحول العسكري المصري في محورين: تنويع مصادر التسليح (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، تركيا، الصين، روسيا) لكسر احتكار أي قوة كبرى، وتوطين السيادة التكنولوجية عبر التصنيع المحلي للمسيرات والفرقاطات، مما منح الجيش قدرة على تأمين حدود شاسعة بتكلفة منخفضة، واستقلالية قرار بعيدًا عن الابتزاز الغربي.
  • الدبلوماسية الاستخباراتية: تحولت الاستخبارات من أداة جمع معلومات إلى ذراع للقراءة الاستباقية وصناعة الأحداث، من خلال قدرتها على الحوار مع جميع الأطراف المتناحرة، وبناء التوافقات الإقليمية، وقراءة التحركات الميدانية قبل وقوعها.
  • الاقتصاد والشركات الوطنية: تحولت شركات مصر الوطنية العملاقة (الهيئة العربية للتصنيع، المقاولون العرب، أوراسكوم) إلى أدوات نفوذ تنموي؛ حيث تعيد الإعمار في مناطق الصراع، وتُجَفِّف منابع الميليشيات عبر توفير فرص العمل، وتعمل بوصفها أجهزة استشعار مبكرة للنفوذ السياسي.
  • التوازن مع القوى الكبرى: تستثمر مصر في علاقاتها مع روسيا (الضبعة) والصين (البنية التحتية) والتسليح بوصفها ورقة ضبط توازن، لا بوصفها بديلًا عن الغرب، مما يمنحها هامشًا للمناورة، ويبعدها عن رهان أحادي الجانب.
  • القوة الناعمة: برز الأزهر الشريف بوصفه ذراعًا للأمن القومي في إفريقيا، حيث يواجه الفكر المتطرف، ويُوَفِّر غطاءً شعبيًّا للوجود المصري، ويحول القاهرة إلى مرجعية أمان تحمي الهوية الوطنية لدول الجوار من التفتيت.

وبالتالي تُشَكِّل هذه الأدوات منظومة متكاملة؛ لحماية الأمن القومي والمصالح المصرية في الداخل والخارج.

سيناريوهات المنطقة المتوقعة:

بناءً على تحليل التوجهات الحالية وتقييمات مراكز الأبحاث الدولية مثل: (IISS، ستراتفور)،  يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسة حتى عام 2027م:

1.  سيناريو التهدئة المُدارة "الترجيح الأقوى": استمرار سياسة "الردع النشط" المصرية، واحتواء الصراعات بالوكالة في السودان وليبيا ضمن حدودها الحالية، مع تعافٍ تدريجي للملاحة في البحر الأحمر، وبقاء ملفي سد النهضة وغزة تحت سقف التفاوض والمواجهة المحدودة.

2.  سيناريو حرب الاستنزاف الممتدة "الترجيح المعتدل": فشل المساعي الدبلوماسية في غزة والسودان، واستمرار هجمات الميليشيات، وتصعيد إثيوبي إسرائيلي في باب المندب.

3.  سيناريو المواجهة المباشرة "الترجيح المحدود": انهيار التهدئة في غزة أو الجنوب، أو اكتمال قواعد الاحتلال الإسرائيلية في إقليم صومالي لاند، مما قد يجر القاهرة إلى تدخل عسكري محدود أو شامل، مع تداعيات إقليمية كارثية.

4.  سيناريو التسوية الكبرى "الترجيح الضعيف": نجاح مفاوضات إقليمية شاملة لحل ملفات المياه والغاز والحدود، مقابل تنازلات متبادلة، لكنه الأقل ترجيحًا لتعقيد المسائل وتشابك الأزمات.

أَمَّا الترجيح العملي، فيظل المزج بين السيناريوهين الأول والثاني (التهدئة والاستنزاف)، مع مَيْل لاستمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، والتي تستنزف الجميع، لكن ميزان القوة فيها يميل لمصر، شرط نجاحها في إدارة أزماتها الداخلية وحماية تماسك جبهتها الداخلية.

الخلاصة:

على حدود مصر الأربع، تحولت معادلة الصراع من "دفاع عن الحدود" إلى "إدارة إيقاع إقليمي"، ففي الشرق، نجحت القاهرة في تحويل غزة من ساحة تهجير إلى معادلة ردع، وفرضت خطوطًا حمراء على أي مساس بسيناء وفيلادلفيا، وفي الجنوب، مَدَّت وجودها العسكري والاستخباراتي في الصومال والسودان، وكسرت شوكة الميليشيات المدعومة إقليميًّا، وحافظت على تماسك الدولة السودانية، وفي الغرب، جعلت من خط "سرت-الجفرة" جدار ردع، منع انزلاق ليبيا إلى حرب استنزاف مفتوحة على حدود مصر، وفي الشمال، حَوَّلَت منتدى غاز شرق المتوسط إلى مؤسسة قانونية دولية، ورَسَّخَت اتفاقيات ترسيم الحدود، مما أعاد صياغة قواعد اللعبة في ملف الطاقة الإقليمي.

لكن الواقعية تقتضي الإقرار بأن هذه المكاسب تظل هشة غير كافية، ما لم تسندها جبهة داخلية قادرة على تحمل تداعيات الأزمات الاقتصادية (مثل تراجع إيرادات قناة السويس وارتفاع التضخم)، والأمن المائي والغذائي، وهذه التحديات الداخلية قد تكون أكثر إلحاحًا من أي تهديد عسكري، وهو ما يدركه صُنَّاع القرار في القاهرة، ويعملون على احتوائه عبر تنويع مصادر الدخل، وترشيد الاستهلاك، وتعزيز الشراكات التنموية مع الأشقاء والحلفاء، وبالتالي لم تَعُد مصر تطلب الاستقرار من أحد، بل تفرض احترام دورها الإقليمي، لكنها تدرك أَنَّ الأمن القومي معركة لا تنتهي، وأَنَّ استدامة هذه المكانة تتطلب إدارة يومية للخطر.

المصادر:

الجزيرة - "الجيش المصري يستعرض قواته المشاركة بدعم الصومال"- 11 فبراير 2026.

إندبندنت عربية- "انخراط عسكري مصري متزايد بالسودان يغير من معادلات الحرب"       2026.

وكالة الأناضول "خبير: إحياء آلية التشاور الثلاثي يقرب حل الأزمة الليبية"        20 فبراير 2026.

وكالة أنباء شينخو- مصر ترسخ دورها كوسيط فاعل في أزمات الشرق الأوسط"-23 ديسمبر 2025.

الجزيرة نت-"كيف خسرت قناة السويس أكثر من نصف عائداتها؟"-10 أكتوبر 2025.

الجزيرة نت-"هدفها الردع الوقائي.. خطوط مصر الحمراء في السودان كما يراها الخبراء"-16 فبراير 2026.