من الاقتصاد إلى التصنيع العسكري المشترك.. كيف تعيد مصر وتركيا رسم خريطة إفريقيا والشرق الأوسط؟

لم تكن العلاقة بين مصر وتركيا على مدار العقد الماضي مجرد علاقة دبلوماسية باردة، بل كانت نموذجًا حَيًّا للتنافس الإقليمي الحاد الذي امتد من شرق المتوسط إلى ليبيا، ومن البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، حيث تصارعت القوتان على النفوذ، واختلفتا حول الرؤى، وتواجهتا بالوكالة في أكثر من ساحة، حتى بدا أن أي تقارب بينهما قد يكون مستحيلًا، لكن أعاد التاريخ نفسه في تحول لافت وغير مسبوق، انتقلت القاهرة وأنقرة بعد أعوام من مرحلة القطيعة والتجاذب إلى مرحلة تأسيس "شراكة إستراتيجية" رسمية، تُوِّجَت بإنشاء مجلس تعاون إستراتيجي، وعقد اجتماعي قمة خلال أشهر، كما وَقَّعَا عشرات الاتفاقيات التي تغطي الاقتصاد، والطاقة، والصناعات الدفاعية والأمنية، وصولًا إلى الرؤى السياسية الموحدة حول الأزمات الإقليمية.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء استجابة لحقائق إقليمية متغيرة، ومصالح متقاطعة، وإدراك عميق من الطرفين أن استمرار الصراع لم يَعُد يحقق مكاسب لأي منهما، بل يخدم أطرافًا خارجية ويهدر فرصًا تنموية هائلة، فمصر التي تسعى لأن تصبح مركزًا إقليميًّا للطاقة والتصنيع، وتركيا التي تبحث عن اختراق عزلتها الإقليمية والوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية، وجدتا في بعضهما البعض شريكًا إستراتيجيًّا لا يمكن تعويضه، لكن السؤال المحوري الذي يطرحه هذا التقرير: كيف تكون هذه الشراكة قابلة للاستدامة؟ وما هي المجالات التي تجمع القاهرة وأنقرة؟ ولماذا هذه الشراكة مهمة لكل طرف وللمنطقة بأسرها؟ وأين تكمن التحديات الحقيقية التي قد تعترض طريقها؟ وما هي المكاسب المتوقعة إذا نجحت في تجاوز هذه التحديات؟
هذا التقرير يجيب عن هذه الأسئلة من خلال أربعة محاور متكاملة.
أولًا: مجالات التعاون الأساسية التي تُشَكِّل الركائز المادية والسياسية والعسكرية للشراكة.
ثانيًا: الدوافع والمكاسب على المستويات المصرية والتركية والإقليمية.
ثالثًا: أبرز التحديات التي تواجه هذه الشراكة، والتي لا يمكن إغفالها في أي تحليل نقدي.
ورابعًا: قراءة للنتائج المتوقعة، مع تأكيد أَنَّ المكاسب تفوق التحديات بكثير على المدى المتوسط، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والحكمة في إدارة الملفات الحساسة، في ظل قصة تحول نادر في عالم العلاقات الدولية، وكيف يمكن لدولتين كانتا على حافة المواجهة أن تتحولا إلى شريكين في إعادة رسم خريطة الأمن والتعاون في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالًا.
أولًا: أهم ما يجمع القاهرة وأنقرة:
يمكن تقسيم مجالات التقارب والشراكة بين مصر وتركيا إلى ثلاثة بنود كبرى، تُمَثِّل دعائم إستراتيجية متكاملة يعتمد بعضها على بعض.
- الاقتصاد والاستثمار:
وضعت مصر وتركيا أهدافًا طموحة تعكس الإرادة الحقيقية لبناء مستقبل اقتصادي مشترك، حيث اتفقا على رفع حجم التجارة البينية من 9 مليارات دولار تقريبًا حاليًّا إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، كما أَنَّهُ من المتوقع أن تتجاوز الاستثمارات التركية الجديدة في مصر 500 مليون دولار خلال عام 2026، ليرتفع إجمالي الاستثمارات من 3-4 مليارات دولار إلى 5 مليارات دولار، مع التركيز على الصناعات المغذية للتصدير التي تُوَفِّر قيمة مضافة حقيقية، ولم يقف التعاون عند هذا الحد، بل تعداه إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، حيث تَمَّ الاتفاق على إنشاء مناطق صناعية مشتركة ومشاريع تخدم الأسواق الإقليمية والدولية، خاصة في صناعات السيارات والآلات والأجهزة المنزلية والمنسوجات (بحسب وكالة الأناضول).
وتقدم مصر في هذا الإطار مزايا تنافسية فريدة، تتمثل في طاقة أرخص بنسبة 25%، وعمالة أقل تكلفة بنسبة 70%، وشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع 57 دولة، وفي مجال الطاقة، يتعاون البلدان في مجالات الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، مما يربط منتجي الطاقة بمستهلكيها.
- السياسة والأمن والتوافق الإقليمي:
يُمَثِّل هذا البند جوهر الانتقال النوعي في العلاقة، حيث تحول من مجرد تفاهمات آنية إلى رؤية متقاطعة لإدارة الأزمات الإقليمية، بل وإعادة تشكيل ملامح الأمن الجماعي في شرق المتوسط والبحر الأحمر وحوض النيل.
لم تعد القاهرة وأنقرة طرفين متنافسين، بقدر ما باتا شريكين في رسم خريطة الاستقرار، تحديدًا فيما يخص الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، هناك موقف موحد ومعلن برفض التهجير القسري، والإصرار على إعادة الإعمار دون المساس بالقضية الفلسطينية، وتثبيت حل الدولتين كخيار إستراتيجي لا يقبل التفاوض، وفي ليبيا، تَمَّ تجاوز كامل لمرحلة "الوكالة"، وتحول واضح إلى رعاية مشتركة لعملية سياسية ليبية خالصة تحت مظلة الأمم المتحدة، مع تأكيد لا لبس فيه على وحدة التراب الليبي وسلامة مؤسساته.
أَمَّا في سوريا، فثمة رؤية متطابقة حول ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومكافحة الإرهاب بلا هوادة، ودعم عملية سياسية تحفظ حقوق جميع أبناء الشعب السوري، وتهيئة بيئة آمنة لعودة اللاجئين وإعادة الإعمار، وفي السودان والقرن الإفريقي، يتم التأكيد على ضرورة وقف فوري لإطلاق النار في السودان، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية من الانهيار، مع تنسيق مستمر بشأن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وضمان حرية الملاحة، والتأكيد على سيادة الدول المُشَاطِئَة للبحر الأحمر، والتصدي للأطماع الاستعمارية هناك، وهو ما يخدم المصالح الحيوية للطرفين مباشرة.
- التعاون العسكري والإنتاج المشترك:
لم يَعُد الحديث عن تهدئة سياسية، بل عن تأسيس تحالف صناعي عسكري وتكنولوجي، فقد دخل الطرفان في مرحلة متقدمة لإنشاء مشاريع مشتركة في مجال التصنيع العسكري، تشمل نقل التكنولوجيا والخبرات التركية في صناعة المُسَيَّرَات والطائرات المقاتلة والأنظمة البحرية والإلكترونيات الدفاعية، بالاستفادة من القاعدة الصناعية واللوجستية المصرية، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي المشترك، ثم التصدير إلى الأسواق الإفريقية والعربية، كما تَمَّ الاتفاق على رفع مستوى التنسيق بين المؤسستين العسكريتين، بما يشمل خططًا لتنظيم تدريبات برية وبحرية مشتركة، وتبادل زيارات كبار القادة والخبراء في مجالات الأمن السيبراني وحرب المعلومات (بحسب "الشرق الأوسط").
وفي مجال الأمن البحري، يُشَكِّل التعاون بين القوات البحرية المصرية والتركية ركيزة أساسية لتأمين خطوط الملاحة في شرق المتوسط والبحر الأحمر، ومواجهة أي تحديات أمنية غير تقليدية، لِيُوَفِّر هذا التنسيق منطقة نفوذ مشتركة تحقق الاستقرار لشمال وجنوب البحر المتوسط، وتعمل أجهزة الاستخبارات في البلدين بتعاون لافت في ملفات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات، ومتابعة تحركات الجماعات المسلحة في ليبيا والساحل الإفريقي.
- مجالات الطاقة:
تعمل مصر وتركيا على تطوير إطار للتعاون في مجال الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، يضمن لمصر استخدام بنيتها التحتية (محطات الإسالة) لنقل الغاز الشرقي المتوسطي إلى الأسواق الأوروبية عبر تركيا، مما يُوَفِّر تحالفًا للطاقة يربط المنتجين بالمستهلكين بأمان، كما تُوجَد خطط طموحة لإقامة مشاريع مشتركة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر، بفضل وفرة الطاقة الشمسية والرياح، ونقله إلى أوروبا عبر تركيا، وهو ما يجعل من البلدين لاعبين رئيسيين في اقتصاد المستقبل النظيف (بحسب "سكاي نيوز").
ثانيًا: لماذا الشراكة مهمة "الدوافع":
يمكن حصر هذه الدوافع والمكاسب في ثلاثة مستويات متكاملة: المستوى المصري، والمستوى التركي، والمستوى الإقليمي.
- المستوى المصري "تأمين المصالح":
تحقق الشراكة الإستراتيجية مع تركيا لمصر مكاسب نوعية لا يمكن تجاهلها، تتركز في أربع نقاط رئيسية:
1. تعزيز جاذبية الاستثمار ونقل التكنولوجيا: تُمَثِّل الاستثمارات التركية الجديدة، والتي من المتوقع أن تتجاوز 500 مليون دولار خلال عام 2026، إضافة حقيقية للاقتصاد المصري، لكن الأهم من حجم الاستثمار هو نوعيته، إذ تركز تركيا على الصناعات المغذية للتصدير ونقل التكنولوجيا الصناعية في مجالات السيارات والآلات والأجهزة المنزلية، وهو ما يساعد مصر على الانتقال من دولة مستوردة للمنتجات المُصَنَّعَة إلى دولة مُصَنِّعَة ومنتجة، بل ومصدرة للأسواق الإقليمية والدولية.
2. تثبيت دور مصر كمركز إقليمي للطاقة والتصنيع: عبر التعاون مع تركيا في مجالات الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين الأخضر، تستفيد مصر من بنيتها التحتية المتطورة (محطات الإسالة) لتصبح بوابة عبور للطاقة من شرق المتوسط إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.
3. تفادي صراع إقليمي مع قوة كبرى: لا يقل هذا البعد أهمية عن البعد الاقتصادي. فبدلًا من استنزاف الموارد في صراعات إقليمية جانبية مع أنقرة، تنتقل مصر إلى مرحلة التنسيق والتعاون مع قوة إقليمية عسكرية واقتصادية فاعلة، وهو ما يحول طاقة الصراع السابقة إلى طاقة بناء وتكامل، ويُوَفِّر على مصر عناء المواجهات المباشرة أو غير المباشرة.
4. الاستفادة من النفوذ التركي في المناطق الحيوية: تمتلك تركيا نفوذًا حقيقيًّا في مناطق حساسة لمصر، وعلى رأسها ليبيا والقرن الإفريقي، بدلًا من أن يكون هذا النفوذ مصدر تهديد، أصبح أداة تنسيق وتضامن؛ ففي ليبيا لم تعد القاهرة تواجه طرفًا مناوئًا، بل شريكًا يسعى للحل السياسي والحفاظ على وحدة التراب الليبي، وفي الصومال والبحر الأحمر، هناك تنسيق مستمر لضمان أمن الملاحة ومكافحة أي تهديدات إقليمية.
وبالتالي يصب هذا التوظيف للنفوذ التركي في صالح الاستقرار الذي تريده مصر.
- المستوى التركي:
أَمَّا بالنسبة لتركيا، فالمكاسب لا تقل أهمية ووضوحًا، وتتركز في أربع نقاط رئيسية أيضًا:
- الخروج من العزلة الإقليمية: المصالحة والشراكة مع القاهرة فتحت لأنقرة باب العودة إلى محيطها العربي والإقليمي الطبيعي، فمصر هي بوابة تركيا إلى العالم العربي وإفريقيا، وثقلها السياسي يمنح أي تحالف معها شرعية ووزنًا إقليميًّا لا يمكن تجاهله.
- الوصول إلى السوق الإفريقي والعربي عبر بوابة مصر: تُمَثِّل اتفاقيات مصر التجارية مع 57 دولة (بما فيها دول إفريقية وعربية كثيرة) ميزة تنافسية هائلة، فالصناعة التركية التي تُنْتَج داخل مصر (بشكل مشترك أو منفرد) تستطيع دخول هذه الأسواق بسهولة وبتعريفة جمركية مخفضة أو معدومة.
- تأمين احتياجات تركيا من الطاقة: تركيا دولة مستوردة للطاقة، وغاز شرق المتوسط يُشَكِّل مصدرًا حيويًّا يمكن أن يقلل من اعتمادها على مصادر بعيدة ومكلفة (عبر الاستفادة من البنية التحتية المصرية لتسييل ونقل الغاز إلى تركيا)، مما يؤمن لأنقرة إمدادات طاقة مستقرة وقريبة، ويعزز أمن الطاقة الذي يُمَثِّل أولوية قصوى لاقتصادها وأمنها القومي.
- تعزيز الصادرات الدفاعية والصناعية التركية: تمتلك تركيا صناعة دفاعية متطورة، خاصة في المُسَيَّرَات والأنظمة البحرية والإلكترونيات، كما أَنَّ الشراكة مع مصر تسمح لها بدخول أسواق إفريقية وعربية كانت مغلقة أو صعبة المنال، عبر التصنيع المشترك داخل مصر، إضافة إلى أَنَّ التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل الخبرات تفتح آفاقًا جديدة للتعاون الدفاعي، وتجعل من مصر مِنَصَّة انطلاق للصناعات الدفاعية التركية إلى عمق القارة الإفريقية.
- المستوى الإقليمي "إدارة الأزمات":
تُشَكِّل الشراكة المصرية - التركية قيمة مضافة حقيقية للمنطقة بأسرها:
- ثقلًا إستراتيجيًّا يوازن التحديات الإقليمية: يُشَكِّل التحالف المصري-التركي ثقلًا إقليميًّا محليًّا قادرًا على موازنة هذه التدخلات، والدفاع عن المصالح العربية والإسلامية والمتوسطية من موقع قوة وتنسيق.
- حل الأزمات بدلًا من تعقيدها: فبدلًا من أن تكون ساحة لتنافس إقليمي يعقد المشكلة ويزيدها اشتعالًا، أصبحت ساحة لتنسيق مشترك مثل الأوضاع في ليبيا وسوريا والسودان والقرن الإفريقي.
- نموذج إقليمي جديد للتعاون بدلًا من الصراع والتحول من الخصومة إلى الشراكة: تجاوزت مصر وتركيا خلافاتهما وتَبْنِيَانِ مستقبلًا مشتركًا قائمًا على المصالح المتبادلة والرؤى المتقاطعة (بحسب معهد دراسات الدفاع والتحليلات).
ثالثًا: التحديات التي تواجه الشراكة:
ثمة تحديات حقيقية تواجه الطريق نحو شراكة إستراتيجية كاملة ومستدامة، ومنها ما يعود إلى خلافات الماضي، وبعضها ناشئ عن تقاطع المصالح في الحاضر، وبعضها يتعلق باختلافات قانونية وسياسية لم تُحْسَم بعد، وبالتالي فإن الاعتراف بهذه التحديات شرط أساسي لنجاحها، لأن إدارة التحديات بوعي خير من تجاهلها حتى تتفاقم، ولذلك نرصد أربعة تحديات كبرى، من التحدي الأيديولوجي إلى التحدي الجيوسياسي والقانوني.
1- الإرث الأيديولوجي:
على الرغم من أن القيادة السياسية في البلدين تجاوزت مرحلة العداء الأيديولوجي، وأَنَّ التصريحات الرسمية تؤكد على "طي صفحة الماضي"، إلا أَنَّ ملف تنظيم الإخوان المسلمين يظل حاضرًا كإرث يمكن إعادة توظيفه في أي تصعيد مستقبلي، فمصر تتعامل مع هذا التنظيم كجماعة محظورة، ولا تزال تضم قوائم من المعتقلين والمحكومين، وفي المقابل، لا ننسى وجود تقارب فكري وتاريخي بين حزب العدالة والتنمية وجماعة الإخوان، كما تُوجَد على الأراضي التركية شخصيات قيادية وإعلامية بارزة من هذا التيار، وتدير من هناك أنشطة إعلامية وسياسية موجهة ضد القاهرة، وهذا التناقض لم يُحَل بعد بشكل جذري، في حين أنه ليس المطلوب أن تُغَيِّر تركيا سياستها الداخلية أو توجهاتها، لكن بقاء هذا الملف قابلًا للاشتعال في أي أزمة سياسية أو إقليمية مستقبلية يعني أَنَّ الثقة بين الطرفين لا تزال هشة في جذورها، وأَنَّ أي رياح معاكسة قد تعيد فتح هذا الملف وتضعه على الطاولة كورقة ضغط، وهو ما يهدد استدامة الشراكة على المدى الطويل.
2- التوافق السياسي في ليبيا:
على المستوى السياسي، أعلنت القاهرة وأنقرة بوضوح دعمهما لعملية سياسية ليبية-ليبية خالصة تحت مظلة الأمم المتحدة، والحفاظ على وحدة التراب الليبي، وهذا توافق مهم يقطع الطريق على مرحلة التنافس السابقة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الترجمة الميدانية لهذا التوافق، فليبيا لا تزال تعاني من تعدد الميليشيات المسلحة، وانقسام المؤسسات العسكرية والسياسية بين الشرق والغرب، كما أَنَّ الأطراف الداخلية الليبية نفسها (مثل قوات الشرق التي تحظى بدعم مصري سابق، وقوات الغرب التي تحظى بدعم تركي سابق) قد لا تستجيب بسرعة للتوجيهات الخارجية، وقد يكون لها حساباتها المستقلة.
وبالتالي فإن السؤال المحوري: إذا نشب نزاع مسلح جديد بين هذه الأطراف، كيف سيتصرف الطرفان؟ هل سيمارسان الضغط على "حلفائهما" السابقين لتهدئة الأمور؟ أم أَنَّ أي طرف قد يجد نفسه منجذبًا مجددًا إلى لعبة الوكلاء؟ هذا هو التحدي الأكبر: تحويل التوافق السياسي العلني إلى سلوك موحد ومنسق في الأزمات الميدانية المفاجئة.
3- القرن الإفريقي (إثيوبيا والصومال):
القرن الإفريقي هو أحد أكثر المناطق تعقيدًا، وفيه تتقاطع المصالح المصرية والتركية بشكل حساس. بالنسبة لمصر، يُشَكِّل سد النهضة الإثيوبي قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، فهي تتابع بدقة أي تحركات إثيوبية قد تمس حصتها المائية. وتركيا، من جهتها، تمتلك علاقات إستراتيجية واقتصادية وعسكرية متنامية مع إثيوبيا، بما في ذلك استثمارات كبيرة واتفاقيات دفاعية، وترى في أديس أبابا بوابة لها إلى عمق إفريقيا.
في الوقت نفسه، تُعَزِّز تركيا علاقاتها مع الصومال -شريك تقليدي لمصر-، وتدعم سيادتها ووحدتها. وهنا يكمن التحدي: كيف يمكن للبلدين أن يتعاونا في الصومال -وهو أمر ممكن وإيجابي- وفي نفس الوقت يُدِيرَا الخلاف الخفي بينهما حول إثيوبيا؟ الموازنة بين العلاقة مع إثيوبيا (الحليف التركي) والحفاظ على عدم إغضاب مصر، تتطلب من أنقرة ذكاءً دبلوماسيًّا فائقًا، ومن القاهرة تفهمًا لطبيعة الوجود التركي في أديس أبابا، بل ومن الممكن الاستفادة من ذلك، إلا أَنَّ الخطأ في هذا التوازن، أو أي تقارب تركي-إثيوبي يُقرأ في القاهرة على أنه يتجاوز "الخط الأحمر"، قد يعيد فتح هوة من التوتر في منطقة تُعَدُّ شديدة الحساسية للطرفين.
4- ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط:
ربما يكون هذا التحدي الأكثر وضوحًا والأقل تعقيدًا من حيث الحل، لكنه الأكثر حضورًا كلما تعلق الأمر بالطاقة والغاز، فتركيا غير موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (اليونكلوس) التي تَعُدُّها مصر وقبرص واليونان والاحتلال الصهيوني الإطار القانوني المرجعي لترسيم الحدود البحرية، كما وَقَّعَت مصر اتفاقيتين لترسيم الحدود البحرية مع اليونان (2020) ومع قبرص (2013)، في حين تَعُدُّ تركيا أَنَّ هذه الاتفاقيات تتجاوز حقوقها ولا تعترف بها، حيث ترى تركيا أَنَّ الجزر اليونانية القريبة من سواحلها لا يمكن أن تتمتع بمنطقة اقتصادية خالصة كاملة تمنع وصولها إلى البحر، وتتمسك بموقف قانوني مختلف.
هذا الاختلاف القانوني لم يُحَل بعد، بل تَمَّ تجميده أو العمل على تجاوزه عبر تعاون عملي في ملفات أخرى (مثل مبيعات الغاز)، لكنه يظل حقيقة قانونية قائمة: منطقتان اقتصاديتان خالصتان متنازع عليهما، ووجود غاز واكتشافات جديدة في شرق المتوسط قد يجعلهما محور نزاع مستقبلي، وبالتالي فإن غياب حل قانوني أو "اتفاق تراضي" واضح حول هذه المنطقة يضع أي تعاون مستقبلي تحت سقف الغموض.
رابعًا: مكاسب الشراكة:
بعد أن استعرضنا أهم ما يجمع البلدين والمبررات العميقة لهذه الشراكة، والتحديات الحقيقية التي تواجهها، يمكننا الآن أن نقدم قراءة لأهم المكاسب المتوقعة، والتي من الطبيعي أن تفوق حجم التحديات بكثير على المدى المتوسط، وذلك للأسباب التالية التي تتوزع على ثلاثة مستويات: مستوى القادة، ومستوى الاقتصاد، ومستوى الاستقرار الإقليمي.
- مستوى القادة:
تُمَثِّل الشراكة المصرية-التركية ورقة ضغط سياسي قوية بيد رئيسي البلدين على الساحتين الإقليمية والدولية، فبدلًا من أن يكون كل منهما مشغولًا بمواجهة الآخر أو مراقبة تحركاته، يستطيع كل قائد الآن أن يستثمر هذه العلاقة في ملفات أخرى أكثر أهمية، فبالنسبة لمصر، وجود شريك إستراتيجي بحجم تركيا يعزز موقفها في مفاوضات سد النهضة وملف ليبيا وشرق المتوسط، وبالطبع القضية الفلسطينية وقطاع غزة، وبالنسبة لتركيا، وجود شريك إستراتيجي بحجم مصر يعزز موقفها في الاتحاد الأوروبي وفي الملف السوري والطاقة، كما أَنَّ الإنجازات الاقتصادية الملموسة (زيادة التجارة، الاستثمارات الجديدة، فرص العمل) تُتَرْجَم مباشرة إلى شعبية وتعزيز للشرعية الداخلية. فالقائد الذي ينجح في جذب استثمارات بنصف مليار دولار وفتح أسواق جديدة بـ15 مليار دولار هو قائد يقدم نموذجًا عمليًّا للإدارة الناجحة، بعيدًا عن الخطاب الأيديولوجي الشعبوي الذي كان سائدًا في مرحلة الخلافات، وباختصار، فالشراكة تمنح القادة قوة خارجية وشعبية داخلية في آن واحد، وهذا استثمار سياسي ثمين لا يمكن التخلي عنه بسهولة.
- الاقتصاد:
المكاسب الاقتصادية ليست مجرد أرقام على ورق، بل هي نتائج ملموسة تمس حياة المواطنين مباشرة، وتتفوق بوضوح على أي تكاليف سياسية محتملة:
· تحقيق أهداف التصدير المشترك: بدلًا من أن تتنافس الصناعة المصرية والتركية في الأسواق الإفريقية والعربية، يسود اليوم تعاون أكبر، حيث يصبح المنتج المُصَنَّع في مصر (بتكنولوجيا تركية وخامات مصرية وعمالة مشتركة) أكثر تنافسية، ويدخل أسواق 57 دولة بموجب اتفاقيات مصر التجارية، وأسواق أخرى بموجب الاتفاقيات التركية، مما يضاعف حجم الصادرات لكلا البلدين دون حاجة إلى حروب تجارية مكلفة. · إضافة إلى توفير فرص عمل جديدة: كل مصنع جديد يتم إنشاؤه، كل منطقة صناعية مشتركة يتم تدشينها، كل مشروع للهيدروجين الأخضر أو الغاز المسال يتم تنفيذه، يعني آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، في بلدين يعانيان من بطالة الشباب وضغط سوق العمل، ولذلك تُمَثِّل هذه الشراكة متنفسًا اقتصاديًّا حقيقيًّا لا يمكن الاستغناء عنه. · انخفاض تكلفة الإنتاج: الاستفادة من الطاقة الأرخص بنسبة 25% والعمالة الأقل تكلفة بنسبة 70% في مصر، مع الخبرة التكنولوجية والإدارية التركية، ينتج عنه انخفاض كبير في تكلفة الإنتاج النهائي (بحسب "الجزيرة نت").
- الاستقرار الإقليمي:
ربما تكون هذه هي أعلى مكاسب الشراكة وأكثرها تأثيرًا على المدى الطويل. تشير المؤشرات إلى أَنَّ العلاقة المصرية-التركية ليست علاقة ثنائية مغلقة، بل هي جزء من حلف إقليمي ديناميكي أوسع يضم السعودية (الحليف الإستراتيجي لكلا البلدين) إضافة إلى قطر، وبالتالي يُمَثِّل هذا الحلف ثقلًا إقليميًّا هائلًا إذا اجتمع على رؤية موحدة كالتالي:
· في شرق المتوسط: تحالف كهذا يمكنه موازنة التدخلات الأوروبية والروسية والأمريكية في ملفات الغاز والحدود البحرية والسيادة الوطنية، ويُوَفِّر إطارًا إقليميًّا لحل النزاعات (مثل النزاع القبرصي-التركي) بدلًا من تركها للمحكمة الدولية أو للقوى الكبرى. · في ليبيا: بدلًا من أن تكون ليبيا ساحة حرب بالوكالة بين مصر وتركيا من جهة وبين قوى أخرى من جهة ثانية، يمكن لهذا التحالف الرباعي أن يضغط بشكل منسق على جميع الأطراف الليبية للجلوس إلى طاولة حوار واحدة، ويُوَفِّر ضمانات لتنفيذ أي اتفاق سياسي، ويقدم دعمًا اقتصاديًّا وأمنيًّا للحكومة الليبية الموحدة عندما تتشكل. · في السودان والقرن الإفريقي: القدرة على تقديم مبادرة إنقاذ سودانية مشتركة توقف الحرب وتعيد بناء الدولة السودانية، وفي الوقت نفسه تنسق المواقف بشأن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وكل ذلك يصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي الذي ينعكس إيجابًا على الأمن المائي لمصر والسعودية والتجارة البحرية لتركيا.
- التعاون العسكري:
يُمَثِّل التعاون العسكري والتقني العمود الفقري لمكاسب الشراكة المصرية التركية، حيث دخل الطرفان مرحلة متقدمة لإنشاء مشاريع مشتركة في مجال التصنيع العسكري، تشمل نقل التقنية التركية المتطورة في صناعة المُسَيَّرَات (الدرون) بجميع فئاتها (هجومية واستطلاعية)، والأنظمة البحرية (سفن ودوريات)، والإلكترونيات الدفاعية وأنظمة القيادة والتحكم، علاوة على التعاون في صناعة المقاتلات الهجومية ومحركاتها؛ فهذا النقل ليس مجرد تجميع، بل هو نقل حقيقي للخبرات والهندسة العكسية، مما يمكن مصر من بناء قاعدة صناعية دفاعية قوية، ويُوَفِّر لتركيا شريكًا صناعيًّا يضاعف طاقتها الإنتاجية ويخفض تكاليفها، ويصل بالبلدين إلى اكتفاء ذاتي مشترك من الأسلحة والمعدات العسكرية للقوات المسلحة في البلدين، والابتعاد عن التحكمات الأمريكية في تصدير السلاح علاوة على الشروط المجحفة والأسعار الباهظة، ثم التوجه معًا إلى أسواق إفريقيا والعالم العربي والإسلامي ككتلة صناعية موحدة تقدم منتجًا عسكريًّا عالي الجودة ومنخفض التكلفة نسبيًّا، ويحولهما من مستوردين صافين إلى مصدرين فاعلين.
فضلًا عن التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل الخبرات القتالية، والتعاون في مجالات الأمن السيبراني، وحرب المعلومات، والعمليات الخاصة، كما أَنَّ التعاون العسكري البحري، يُوَفِّر منطقة نفوذ بحرية مشتركة تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وباب المندب، ما يؤمن خطوط الملاحة الحيوية، ويواجه التهديدات غير التقليدية، ويحافظ على الأمن القومي لكل منهما.
الخلاصة:
ما كان في الماضي ملفًا للخلافات، أصبح اليوم مجالًا للتعاون تمهيدًا للتكامل؛ وما كان سببًا للتنافس، تحول إلى فرصة لصناعة قوة إقليمية مشتركة. فالقاهرة وأنقرة لم تعودا تبحثان عن "علاقة دافئة" فقط، بل تبنيان شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد، تمتد من أعماق البحر المتوسط إلى قلب إفريقيا، ومن السياسة إلى الصناعات العسكرية، وهذه العلاقة لم تعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لعصر جديد من التوازنات الإقليمية، فما كان قبل أعوام قليلة يُقرأ بلغة "حروب الوكالة" و"التنافس الأيديولوجي" و"مناطق النفوذ المتصادمة"، أصبح اليوم يُكْتَب بلغة "مجلس التعاون الإستراتيجي"، و"التصنيع العسكري المشترك"، و"التنسيق الأمني"، و"الرؤى الموحدة حول غزة وليبيا وسوريا"، حيث تجاوزت العلاقة بين القاهرة وأنقرة مرحلة "التهدئة الدبلوماسية" إلى مرحلة الشراكة الواسعة.
فالشراكة المصرية التركية تعود على مصر بتعزيز الاستثمار، وتثبيت دورها كمركز إقليمي للطاقة، وتفادي صراع مرهق مع قوة إقليمية كبرى، إضافة إلى مكاسب سياسية وعسكرية وإستراتيجية ضخمة. وتركيا كَسَبَتْ منها بالفعل الخروج من عزلتها الإقليمية، والوصول إلى أسواق إفريقية وعربية عبر بوابة مصر، وتأمين احتياجاتها من الطاقة، وتعزيز صناعتها الدفاعية بالتعاون مع بلد يمتلك ترسانة من البنية التحتية للتصنيع العسكري، ومن ثم التصدير. أَمَّا المنطقة بأسرها، فتكسب منها ثقلًا إستراتيجيًّا محليًّا يوازن التدخلات الخارجية، ويحول الأزمات من صفرية إلى إيجابية، ويقدم نموذجًا إقليميًّا جديدًا للتعاون بدلًا من الصراع، حتى ولو كان الطريق وعرًا بالتحديات، فإن المكاسب هائلة على المدى المتوسط والبعيد، في ظل مشروع إقليمي طويل الأمد، قائم على مصالح متبادلة عميقة، ومرهون بقدرة الطرفين على إدارة التحديات بحكمة، وتحويل التوافق السياسي إلى سلوك منسق على الأرض، وبناء ثقة متدرجة.
المصادر:
سكاي نيوز عربية - "مصر وتركيا تؤكدان الشراكة الإستراتيجية ورفع التبادل التجاري"- 4 فبراير 2026.
الجزيرة نت - "مصر تقترب من الانضمام لمشروع تطوير المقاتلة الشبحية التركية 'قآن'"- 10 أغسطس 2025.
الشرق الأوسط - "مصر وتركيا تعززان تعاونهما الدفاعي بالإنتاج المشترك لمسيَّرة حربية"- 27 أغسطس 2025.
Middle East Council- مصر وتركيا: تقارب براغماتي ومصالح متشابكة"- 16 أبريل 2025.
العربية- مصر وتركيا تعززان التعاون الاقتصادي.. استثمارات تركية تتجاوز 4 مليارات دولار- 4 فبراير 2026.
ميدل إيست ميلتري ME Military))- مصر وتركيا تعززان تحالفهما الجديد عبر صفقات الأسلحة- 22 فبراير 2026.
مصر إندبندنت -مصر وتركيا تدخلان عصرًا جديدًا من التعاون العسكري مع الإنتاج المشترك لطائرات "حمزة" المسيرة- 6 فبراير 2026.