مضيقا هرمز وملقا في ظل التهديدات العسكرية والمصالح الاقتصادية العالمية.. قراءة في المخاطر الأمنية والأهمية الاقتصادية

يُشَكِّل أمن الممرات البحرية الدولية أحد أهم مرتكزات الاستقرار الاقتصادي والسياسي في النظام العالمي المعاصر؛ إذ تعتمد التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية على حرية الملاحة عبر المضائق والممرات الإستراتيجية التي تنقل الجزء الأكبر من تجارة الطاقة والبضائع بين القارات؛ ومع تصاعد الأزمات الجيوسياسية والتوترات العسكرية في عدد من المناطق الحيوية، برزت مضائق مثل هرمز وملقا بوصفها نقاطًا شديدة الحساسية يمكن لأي اضطراب فيها أن ينعكس مباشرة في أسعار النفط والغاز، وحركة التجارة العالمية، ومعدلات النمو الاقتصادي، وأمن الطاقة للدول المستوردة والمصدرة على حدٍّ سواء.
وفي ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى، وتحول هذه الممرات إلى ساحات لإبراز النفوذ العسكري والبحري، أصبح أمنها يتجاوز كونه قضية إقليمية ليغدو ملفًّا دوليًّا يرتبط بحماية المصالح الاقتصادية العالمية واستقرار الأسواق الدولية؛ ومن هذا المنطلق، تكتسب دراسة التحديات التي تواجه مضيقي هرمز وملقا أهمية خاصة لفهم طبيعة العلاقة بين الاعتبارات الأمنية والمصالح الاقتصادية، واستشراف مستقبل الملاحة البحرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
فما الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز ودوره في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية؟ وما الأخطار الأمنية التي يواجهها مضيق هرمز في ظل السياسة الأمريكية التصعيدية في الشرق الأوسط وانعكاسات تلك الأخطار في الاقتصاد العالمي؟ وماذا عن مضيق ملقا وكيف يمكن قراءة الأهمية الاقتصادية المتعاظمة للمضيق؟ ماذا عن إستراتيجية الولايات المتحدة في مضيق ملقا والممرات المائية المحيطة بالصين في ظل تفاقم التنافس الصيني الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ؟ وما أبرز الإستراتيجيات التي تعتمدها الصين لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز وتأمين مضيق ملقا وتطوير الممرات التجارية البديلة لمواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة في ملقا وهرمز؟ وإلى أي مدى يمكن أن يُؤَدِّي تصاعد السياسات الأمريكية ذات الطابع الردعي والعسكري في مضيقي هرمز وملقا إلى دفع الصين نحو تسريع بناء شبكة لوجستية وبحرية عالمية تُعَزِّز أمن إمداداتها من الطاقة وتحد من قدرتها على التأثر بالأزمات؟ وكيف سينعكس التنافس الأمريكي الصيني في محيط مضيق هرمز في توازنات الأمن البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وما تأثير ذلك في حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية؟ وهل يقود استمرار السياسة الأمريكية التصعيدية في مضيق هرمز إلى إعادة تشكيل خريطة الممرات التجارية العالمية، عبر تسريع الاستثمارات الصينية في الممرات والطرق البديلة، أم أَنَّ المضيق سيظل محورًا رئيسيًّا لا يمكن تجاوزه في معادلة أمن الطاقة والتنافس الجيوسياسي الدولي؟
يُسَلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على أخطار إستراتيجية الولايات المتحدة إزاء المضائق والممرات البحرية في ظل تحركات غير قانونية للسيطرة والتأثير في حركة الشحن البحري في سياق التنافس مع الصين في هذه السطور الآتية.
الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز ودوره في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية:
يُعَدُّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي، نظرًا لموقعه الجغرافي الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويجعله بوابة رئيسة لصادرات الطاقة القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأسواق الآسيوية؛ وتنبع أهميته الاقتصادية من كونه طريقًا بحريًّا حيويًّا لحركة ناقلات النفط والغاز، بحيث إن أي اضطراب في الملاحة عبره يمكن أن يُؤَثِّر سريعًا في تدفقات الطاقة العالمية، ويزيد من درجة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
وتتجاوز أهمية المضيق قطاع الطاقة إلى حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، إذ تعتمد عليه حركة واسعة من السفن التي تنقل النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية وغيرها من السلع بين الدول المنتجة والمستهلكة؛ كما أَنَّ موقعه يجعله جزءًا من شبكة بحرية مترابطة تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الهندي ثم إلى جنوب وشرق آسيا، وهو ما يمنح استقرار الملاحة فيه أهمية خاصة بالنسبة للدول الصناعية والاقتصادات الكبرى التي تعتمد على التجارة البحرية واستيراد المواد الخام ومصادر الطاقة.
وتظهر الأهمية الاقتصادية للمضيق بصورة أوضح في أوقات الأزمات الجيوسياسية، حيث يمكن أن يُؤَدِّي ارتفاع الأخطار الأمنية إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، ورفع علاوة الأخطار في أسعار النفط، ودفع شركات النقل إلى دراسة مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة؛ كما يمكن لأي اضطراب واسع في حركة الملاحة أن ينتقل تأثيره عبر الأسواق العالمية إلى تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع، بما يخلق ضغوطًا تضخمية ويُؤَثِّر في النمو الاقتصادي للدول المستوردة للطاقة، وهو ما يجعل أمن المضيق جزءًا من مفهوم أوسع يتعلق بالاستقرار الاقتصادي العالمي. (المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية).
ومن ثَمَّ، فإن مضيق هرمز لا يُمَثِّل مجرد ممر مائي بين منطقتين جغرافيتين، وإنما يُشَكِّل أحد المفاصل الأساسية في منظومة الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية، فاستمرار حرية الملاحة واستقرار حركة السفن عبره يخدم مصالح الدول المنتجة والمستهلكة على حدٍّ سواء، بينما يمكن أن يُؤَدِّي تصاعد التوترات أو تعطيل الملاحة إلى تداعيات تتجاوز منطقة الخليج لتطال أسواق الطاقة والشحن والتجارة وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم؛ ولذلك سيظل المضيق عنصرًا محوريًّا في الحسابات الاقتصادية والإستراتيجية للقوى الكبرى، رغم محاولات بعض الدول تنويع مصادر الطاقة وتطوير طرق وممرات بديلة.
الأخطار الأمنية التي يواجهها مضيق هرمز في ظل السياسة الأمريكية التصعيدية في الشرق الأوسط وانعكاسات تلك الأخطار في الاقتصاد العالمي:
خلال الأشهر الأخيرة، واجه مضيق هرمز مجموعة من الأخطار الأمنية المتزايدة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، ويأتي الوجود العسكري الأمريكي المكثف في الخليج ضمن العوامل التي تزيد حساسية البيئة الأمنية المحيطة بالمضيق، فتكثيف الدوريات البحرية، وانتشار القطع العسكرية، وعمليات الردع والضغوط السياسية والاقتصادية يمكن أن يرفع احتمالات الاحتكاك بين القوى المتنافسة، خصوصًا في ظل وجود أطراف إقليمية تمتلك قدرات صاروخية وبحرية وطائرات مُسَيَّرَة؛ ولا تقتصر الأخطار على اندلاع مواجهة واسعة، بل تشمل أيضًا الحوادث البحرية وسوء التقدير والتصعيد غير المقصود الذي قد يهدد حركة السفن التجارية.
وتزداد خطورة هذه التهديدات بسبب الطبيعة الجغرافية والإستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يُمَثِّل نقطة اختناق يصعب تجاوزها بسهولة بالنسبة لتدفقات الطاقة الخارجة من الخليج، ولذلك فإن أي استهداف للسفن أو منشآت الموانئ، أو عمليات احتجاز وعرقلة للملاحة، أو ارتفاع كبير في مستوى التهديدات العسكرية، يمكن أن يُؤَدِّي إلى اضطراب حركة الناقلات ورفع تكاليف التأمين والشحن؛ كما قد تضطر بعض الشركات إلى اتخاذ إجراءات احترازية أو إعادة تنظيم عملياتها، بما يزيد الوقت والتكلفة اللازمين لنقل الطاقة والبضائع إلى الأسواق العالمية. (مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية).
وتنتقل آثار هذه الأخطار سريعًا إلى الاقتصاد العالمي من خلال أسواق النفط والغاز، إذ إن ارتفاع المخاوف بشأن سلامة الإمدادات يُؤَدِّي عادةً إلى زيادة علاوة الأخطار وتقلب الأسعار؛ وقد ينعكس ارتفاع أسعار الطاقة في تكاليف النقل والصناعة والكهرباء والبتروكيماويات، ثم ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات، مما يزيد الضغوط التضخمية ويُؤَثِّر في القوة الشرائية والنمو الاقتصادي، خصوصًا في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة؛ كما يمكن أن يُؤَدِّي اضطراب الملاحة إلى زيادة تكاليف سلاسل الإمداد العالمية، حتى بالنسبة للدول البعيدة جغرافيًّا عن منطقة الخليج.
ومن ثَمَّ، فإن استمرار التصعيد العسكري والسياسي حول مضيق هرمز يحمل أخطارًا تتجاوز الحسابات الأمنية الإقليمية لتصل إلى استقرار الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى استخدام الردع العسكري لضمان حرية الملاحة وحماية مصالحها وحلفائها، فإن زيادة مستويات التوتر قد تنتج عنها أخطار عكسية تتمثل في ارتفاع احتمالات الحوادث والتصعيد واضطراب الأسواق؛ ولذلك فإن الحفاظ على أمن المضيق يتطلب، إلى جانب القدرات العسكرية الرادعة، وجود قنوات فعالة لإدارة الأزمات والاتصال بين الأطراف، وتطوير ترتيبات أمنية تضمن حرية الملاحة وتحد من احتمالات تحول التوترات الإقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
مضيق ملقا والأهمية الاقتصادية المتعاظمة للمضيق:
ولا تقتصر أخطار النقل التجاري البحري على مضيق هرمز فقط، ففي شرق آسيا يتصاعد التوتر حول مضيق ملقا الذي بات أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتنبع أهميته الاقتصادية المتعاظمة من موقعه الذي يربط المحيط الهندي ببحار جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، ويضعه في قلب شبكة التجارة التي تربط الاقتصادات الكبرى في آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا؛ وتزداد أهمية المضيق مع النمو المتواصل للاقتصادات الآسيوية، وفي مقدمتها الصين واليابان وكوريا الجنوبية، واعتمادها الكبير على التجارة البحرية ونقل الطاقة والمواد الخام والسلع المصنعة، الأمر الذي جعل استقرار الملاحة عبر ملقا عنصرًا أساسيًّا في استقرار الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
وتتجاوز أهمية ملقا كونه طريقًا لنقل البضائع، إذ يُمَثِّل أحد أهم المسارات البحرية لتدفق النفط والغاز والسلع التجارية نحو شرق آسيا، كما يُشَكِّل حلقة وصل بين مراكز الإنتاج والاستهلاك الكبرى في العالم؛ ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبره يمكن أن يُؤَدِّي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة زمن الرحلات، واضطراب جداول الشحن، بما ينعكس في سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الصناعات الآسيوية؛ كما أَنَّ قرب المضيق من مراكز اقتصادية وصناعية ضخمة يمنحه أهمية مضاعفة، لأن تأثير أي أزمة فيه يمكن أن ينتقل بسرعة إلى الأسواق العالمية.
وتزداد القيمة الإستراتيجية للمضيق مع تصاعد التنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ؛ فبالنسبة للصين، يُمَثِّل ملقا نقطة حساسة في أمن الطاقة والتجارة، نظرًا لاعتماد جزء كبير من وارداتها على المرور عبره، بينما تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الممرات البحرية في المنطقة بوصفها جزءًا من منظومة الأمن البحري وحرية الملاحة، ومن هنا أصبح المضيق مرتبطًا بصورة متزايدة بقضايا أوسع مثل أمن الطاقة، والتنافس على الموانئ والبنية التحتية، وانتشار القوات البحرية، وتأمين خطوط التجارة الدولية.
ومن ثَمَّ، يمكن قراءة الأهمية الاقتصادية المتعاظمة لمضيق ملقا بوصفها نتاجًا للتداخل بين الجغرافيا والتجارة والطاقة والجغرافيا السياسية، وليس مجرد نتيجة لحجم حركة السفن العابرة فيه؛ فكلما تَوَسَّعَت التجارة الآسيوية وتعاظم اعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل الإنتاج الممتدة عبر المحيطين الهندي والهادئ، ازدادت قيمة المضيق وارتفعت في الوقت ذاته حساسيته أمام الأزمات الأمنية والجيوسياسية، ولهذا تتجه الدول الكبرى، وفي مقدمتها الصين، إلى تطوير بدائل برية وبحرية وتنويع مصادر الطاقة ومسارات التجارة، ليس بهدف الاستغناء عن مضيق ملقا، وإنما لتقليل أخطار الاعتماد المفرط عليه والحفاظ على استمرارية حركة التجارة العالمية.
إستراتيجية الولايات المتحدة في مضيق ملقا والممرات المائية المحيطة بالصين:
ومع ذلك المشهد، فإن الإستراتيجية الأمريكية في ملقا تقوم على تعزيز شبكة التحالفات العسكرية مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين، إلى جانب توسيع التعاون الدفاعي مع الهند وسنغافورة ودول جنوب شرق آسيا، بما يضمن وجودًا عسكريًّا متقدمًا بالقرب من خطوط الملاحة الحيوية؛ كما تعتمد واشنطن على تكثيف الدوريات البحرية وعمليات حرية الملاحة، وتطوير قواعدها العسكرية ونقاطها اللوجستية في المنطقة، بهدف الحفاظ على قدرة القوات الأمريكية على التحرك السريع داخل الممرات البحرية، ومراقبة الأنشطة البحرية الصينية، ومنع أي محاولة لفرض واقع جديد في البحار المجاورة للصين.
وفي المقابل: تنظر بكين إلى هذه التحركات بوصفها جزءًا من سياسة احتواء إستراتيجية تَسْتَهْدِف الحد من صعودها الدولي، خصوصًا أَنَّ الاقتصاد الصيني يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر مضيق ملقا؛ ويُعْرَف هذا التحدي في الأدبيات الإستراتيجية الصينية بـ"معضلة ملقا"، أي إمكانية تعرض خطوط الإمداد الصينية للضغط أو التعطيل في حال اندلاع أزمة كبرى، ولذلك تعمل الصين على تطوير قدراتها البحرية، وتوسيع انتشار أسطولها في المحيط الهندي، وتعزيز شراكاتها مع عدد من الدول المُطِلَّة على الممرات البحرية، بالتوازي مع الاستثمار في موانئ ومراكز لوجستية خارج حدودها. (المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية).
كما تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على مضيق ملقا من خلال تنويع طرق التجارة والطاقة، عبر مبادرة الحزام والطريق، وإنشاء ممرات برية وخطوط أنابيب تربطها بآسيا الوسطى وروسيا وميانمار، إلى جانب تطوير الموانئ الواقعة على المحيط الهندي، بما يسمح بتوفير بدائل إستراتيجية في حال تعرض الملاحة عبر المضيق لأي اضطرابات. وتعكس هذه السياسات إدراكًا صينيًّا متزايدًا بأَنَّ المنافسة مع الولايات المتحدة لم تَعُد تقتصر على التفوق العسكري، وإنما تشمل أيضًا السيطرة على شبكات النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية التي تُمَثِّل العمود الفقري للاقتصاد الدولي.
إستراتيجية الصين لمواجهة السياسة الأمريكية في هرمز:
ولذا؛ تتعامل الصين مع مضيقي هرمز وملقا بوصفهما حلقتين أساسيتين في أمنها القومي والاقتصادي، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة والتجارة البحرية القادمة من الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، ومع تصاعد المنافسة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وازدياد الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج والإندو - باسيفيك، تَبَنَّت بكين إستراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى تقليل اعتمادها على هذين الممرين، وتعزيز قدرتها على مواجهة أي محاولات لعرقلة تدفق التجارة أو استخدام الممرات البحرية بوصفها أداةً للضغط الجيوسياسي. (مركز الإمارات للسياسات).
وتتمثل أولى ركائز هذه الإستراتيجية في تنويع مصادر الطاقة ومسارات الإمداد، حيث عَمِلَت الصين على زيادة وارداتها من روسيا وآسيا الوسطى عبر خطوط الأنابيب البرية، إلى جانب تعزيز استثماراتها في حقول النفط والغاز داخل إفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ كما تَوَسَّعَت في إنشاء خطوط أنابيب تربطها بميانمار، بما يسمح بنقل جزء من واردات النفط والغاز القادمة من الخليج مباشرة إلى الأراضي الصينية دون المرور الكامل عبر مضيق ملقا، الأمر الذي يحد من تعرضها لأي حصار بحري محتمل أو اضطرابات في الممرات التقليدية.
أَمَّا الركيزة الثانية فتتمثل في تطوير شبكة واسعة من الممرات التجارية البديلة ضمن مبادرة الحزام والطريق، إذ استثمرت الصين في إنشاء موانئ ومراكز لوجستية وسكك حديدية ومناطق صناعية تمتد من المحيط الهندي إلى آسيا الوسطى وأوروبا؛ وتهدف هذه الشبكة إلى توفير بدائل إستراتيجية تقلل الاعتماد على الطرق البحرية التقليدية، وتُعَزِّز مرونة سلاسل الإمداد الصينية في مواجهة الأزمات، بما يسمح باستمرار تدفق التجارة حتى في حال تعرض مضيق هرمز أو مضيق ملقا لاضطرابات أمنية أو توترات عسكرية.
وفي الوقت نفسه، واصلت بكين توسيع حضورها البحري بصورة متسارعة، عبر تحديث أسطولها البحري، وزيادة قدراته على العمل في المياه البعيدة، وتطوير قواعد ومرافق لوجستية خارج حدودها، فضلًا عن تكثيف مشاركتها في مهام حماية الملاحة ومكافحة القرصنة في المحيط الهندي وخليج عدن؛ كما عَزَّزَت تعاونها الأمني والاقتصادي مع عدد من الدول المُطِلَّة على الممرات البحرية الحيوية، بما يُوَفِّر لها شبكة أوسع من الشراكات التي تدعم أمن التجارة الصينية وتحافظ على استمرارية خطوط الإمداد في أوقات الأزمات.
خيارات بكين البديلة للشحن التجاري في ظل الاضطرابات الناتجة عن سياسة واشنطن إزاء الممرات المائية:
هذا، وأَدَّى تصاعد التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين إلى منح الممرات البحرية الدولية أهمية غير مسبوقة في حسابات الأمن القومي للطرفين، ولا سيما مضيقي هرمز وملقا اللذين يُمَثِّلان شريانين رئيسين لتدفق الطاقة والتجارة نحو الاقتصاد الصيني؛ وفي ظل تزايد الحضور العسكري الأمريكي في الخليج ومنطقة الإندو - باسيفيك، وتكثيف عمليات الانتشار البحري والتحالفات الأمنية، باتت بكين تنظر إلى هذه التطورات بوصفها تحديًّا إستراتيجيًّا طويل الأمد يستوجب إعادة هيكلة منظومتها اللوجستية والبحرية بما يقلل من تعرضها لأي ضغوط أو اضطرابات قد تؤثِّر في أمنها الاقتصادي.
وتتمثل إحدى أبرز الاستجابات الصينية في تسريع بناء شبكة لوجستية عالمية تمتد عبر القارات، مستندة إلى مبادرة الحزام والطريق التي تهدف إلى ربط الصين بشبكات متنوعة من الموانئ والطرق البرية والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب؛ وتسعى بكين من خلال هذه الإستراتيجية إلى تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية، عبر توفير بدائل متعددة لنقل البضائع والطاقة، بما يضمن استمرار حركة التجارة حتى في حال تعرض مضيق هرمز أو مضيق ملقا لأزمات أمنية أو مواجهات عسكرية تعيق الملاحة الدولية.
وفي المجال البحري، كَثَّفَت الصين جهودها لتطوير أسطولها البحري وقدراته على العمل في المياه البعيدة، مع تعزيز حضورها في المحيط الهندي وبحر العرب والمناطق القريبة من خطوط التجارة الدولية؛ كما عَمِلَت على توسيع شبكة الموانئ والمرافق اللوجستية التي ترتبط باستثماراتها الخارجية، بما يُوَفِّر نقاط دعم وإمداد للسفن التجارية والعسكرية، ويمنحها مرونة أكبر في حماية مصالحها الاقتصادية وتأمين طرق الملاحة البحرية الممتدة من الخليج العربي إلى شرق آسيا.
وبالتوازي مع ذلك، واصلت الصين تنويع مصادر الطاقة وطرق وصولها، من خلال زيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب القادمة من روسيا وآسيا الوسطى وميانمار، وتوسيع استثماراتها في حقول النفط والغاز خارج منطقة الخليج؛ ويهدف هذا التوجه إلى تقليل الأخطار الناجمة عن الاعتماد المفرط على النقل البحري عبر مضيقي هرمز وملقا، وتعزيز قدرة الاقتصاد الصيني على امتصاص الصدمات في حال وقوع أزمات إقليمية أو تصاعد الضغوط العسكرية الأمريكية على الممرات البحرية الحيوية. (مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية).
انعكاسات التنافس الصيني الأمريكي في حركة التجارة والشحن العالمية:
كما يُشَكِّل مضيق هرمز نقطة التقاء رئيسة بين منطقة الخليج العربي ومنظومة المحيطين الهندي والهادئ، الأمر الذي يجعل أي تصاعد في التنافس الأمريكي الصيني حول أمنه وتوازناته البحرية يمتد تأثيره إلى فضاء جيوسياسي أوسع يتجاوز حدود الشرق الأوسط؛ فمع تنامي الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وتوسيع شبكة التحالفات البحرية في منطقة الإندو - باسيفيك، أصبحت الممرات البحرية الممتدة من بحر العرب إلى بحر الصين الجنوبي جزءًا من مسرح إستراتيجي واحد، تتداخل فيه اعتبارات أمن الطاقة مع حسابات الردع العسكري والتنافس على النفوذ العالمي.
ومن المتوقع أن يُؤَدِّي هذا التنافس إلى إعادة تشكيل توازنات الأمن البحري في المحيطين الهندي والهادئ، عبر زيادة الوجود العسكري للقوى الكبرى وتكثيف المناورات البحرية وتطوير منظومات المراقبة والاستطلاع البحري؛ كما ستسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز التعاون الأمني مع حلفائها الإقليميين لضمان استمرار سيطرتها على الممرات البحرية الحيوية، في حين ستواصل الصين توسيع قدراتها البحرية وتعزيز حضورها في المحيط الهندي، بما يُكَرِّس بيئة أمنية أكثر تعقيدًا تقوم على الردع المتبادل والمنافسة المستمرة.
وفي المقابل: ستنعكس هذه التحولات بصورة مباشرة في حركة التجارة الدولية؛ إذ إن ارتفاع مستويات التوتر في الممرات البحرية الإستراتيجية يُؤَدِّي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين البحري، ويدفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها التجارية وإعداد خطط بديلة لمواجهة الأخطار المحتملة؛ كما أَنَّ أي اضطراب في مضيق هرمز قد يمتد أثره إلى بقية الممرات البحرية المرتبطة به، بما في ذلك مضيق ملقا، نتيجة الترابط الوثيق بين شبكات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد العابرة للقارات. (المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية).
أَمَّا على مستوى سلاسل الإمداد العالمية، فمن المرجح أن يدفع استمرار المنافسة بين واشنطن وبكين الشركات متعددة الجنسيات والدول الصناعية إلى تنويع مصادر التوريد وإنشاء مراكز إنتاج وتخزين جديدة خارج المسارات التقليدية، بهدف تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الأكثر عرضة للتوترات؛ وقد يُسْهِم ذلك في تسريع إنشاء ممرات اقتصادية وبرية بديلة، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية اللوجستية، بما يُعَزِّز مرونة الاقتصاد العالمي في مواجهة الأزمات، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكاليف التجارة ويُؤَدِّي إلى إعادة توزيع مراكز النشاط الاقتصادي.
مستقبل خريطة التجارة البحرية العالمية في ظل التنافس الجيوسياسي المحتدم بين الصين والولايات المتحدة:
ويمكن القول: أعاد تصاعد التنافس الأمريكي الصيني في السنوات الأخيرة تسليط الضوء على الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز بوصفه أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم؛ ومع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز حضورها العسكري في الخليج وتوسيع سياسات الردع البحري، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه السياسات ستدفع الصين إلى إعادة رسم خريطة الممرات التجارية العالمية عبر تسريع إنشاء طرق وممرات بديلة، أم أَنَّ الأهمية الجغرافية والاقتصادية لمضيق هرمز ستجعله محورًا لا غنى عنه في معادلات أمن الطاقة والتنافس الجيوسياسي الدولي.
وقد دَفَعَت البيئة الإستراتيجية المتغيرة الصين بالفعل إلى تسريع استثماراتها في مشروعات البنية التحتية العابرة للحدود، ضمن مبادرة الحزام والطريق، بهدف تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للتوترات؛ ويشمل ذلك تطوير الموانئ البحرية، وإنشاء شبكات السكك الحديدية والممرات البرية، والتوسع في خطوط أنابيب النفط والغاز القادمة من روسيا وآسيا الوسطى وميانمار، بما يمنح بكين خيارات إضافية لنقل الطاقة والبضائع بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية التي يمكن أن تتأثر بالأزمات أو الضغوط العسكرية.
ورغم هذه الجهود، فإن إعادة تشكيل خريطة الممرات التجارية العالمية تواجه قيودًا جغرافية واقتصادية كبيرة، إذ يصعب على أي ممر بديل أن يعوض بالكامل الدور الذي يؤديه مضيق هرمز في نقل كميات ضخمة من النفط والغاز الخليجي إلى الأسواق الآسيوية والعالمية؛ كما أَنَّ معظم البدائل البرية أو البحرية لا تزال أعلى تكلفة، وأقل قدرة استيعابية، وتحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل حتى تصبح قادرة على منافسة المسارات التقليدية، وهو ما يجعل المضيق يحتفظ بمكانته المحورية في منظومة التجارة والطاقة العالمية.
وفي المقابل: فإن استمرار الضغوط الأمريكية قد يدفع الصين إلى تبني مفهوم "المرونة الإستراتيجية" بَدَلًا من "الاستغناء الكامل" عن مضيقي هرمز وملقا، من خلال توزيع أخطار الإمدادات على أكثر من مسار وأكثر من مصدر للطاقة؛ ويعني ذلك أَنَّ بكين ستواصل الاستثمار في الممرات البديلة وتعزيز قدراتها البحرية واللوجستية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصالحها داخل الممرات التقليدية عبر توسيع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع دول الخليج والمحيط الهندي، بما يضمن استمرار تدفق التجارة في مختلف السيناريوهات.
الخلاصة:
- لا يبدو أَنَّ استمرار السياسة الأمريكية التصعيدية في مضيقي هرمز ومضيق ملقا سيُؤَدِّي إلى تراجع الأهمية الإستراتيجية للمضيقين، بقدر ما سيدفع الصين إلى تسريع بناء شبكة عالمية من الممرات التجارية واللوجستية والبحرية تقلل من مستوى اعتمادها عليهما وتُعَزِّز مرونة سلاسل إمدادها؛ فالجغرافيا الاقتصادية، وحجم صادرات الطاقة الخليجية، والبنية التحتية القائمة، تجعل من الصعب استبدال مضيق هرمز في المستقبل المنظور، إلا أَنَّ بكين ستواصل الاستثمار في الطرق البرية والبحرية البديلة، وتنويع مصادر الطاقة، وتوسيع حضورها البحري، بما يمنحها قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الأمريكية وتقليص أخطار أي اضطرابات محتملة؛ ومن ثَمَّ، فإن المرحلة المقبلة لن تشهد استبدالًا لمضيق هرمز أو مضيق ملقا، وإنما إعادة توزيع للأهمية النسبية للممرات التجارية العالمية، في إطار تنافس جيوسياسي متصاعد يعيد تشكيل معادلات أمن الطاقة والتجارة الدولية دون أن يلغي الدور المحوري الذي سيظل يؤديه المضيقان في الاقتصاد العالمي.
المصادر:
مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية