ممر فكتوريا - البحر المتوسط وطموحات التكامل الاقتصادي الإفريقي... قراءة في دور الممر في تعزيز التجارة البينية الإفريقية وحماية المصالح المائية العربية

في قلب القارة الإفريقية يتبلور مشروع قد لا يقتصر تأثيره في إنشاء ممر للنقل والملاحة، بل قد يُعِيد رسم الخريطة الاقتصادية والجيوسياسية لإحدى أكثر المناطق أهمية في العالم؛ فممر "فكتوريا - البحر المتوسط" يُنْظَر إليه بوصفه رهانًا إستراتيجيًّا لربط الأسواق الإفريقية ببعضها البعض، وفتح آفاق جديدة أمام التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي، بما قد يُغَيِّر موازين التنمية داخل القارة ويمنح دولها فرصًا غير مسبوقة للنمو والاندماج في سلاسل التجارة الإقليمية والدولية، وفي المقابل، تبرز تساؤلات لا تقل أهمية حول انعكاسات هذا المشروع على توازنات حوض النيل، ومدى قدرته على التوفيق بين الطموحات الاقتصادية ومتطلبات الأمن المائي، ولا سِيَّما في ظل ارتباطه بمصالح عربية إستراتيجية تتصل بمستقبل الموارد المائية والاستقرار الإقليمي؛ ومن هذا المنطلق، تكتسب دراسة هذا المشروع أهمية استثنائية لفهم ما إذا كان سَيُمَثِّل نقطة تحول نحو مرحلة جديدة من الشراكة والتنمية المشتركة، أم أنه سَيُواجِه تحديات معقدة قد تُعِيد تشكيل خريطة التنافس في واحدة من أكثر المناطق حيوية في إفريقيا.
فما مشروع ممر "فكتوريا - البحر المتوسط"، وكيف نشأت فكرته، ومن الجهات التي تَبَنَّتْه أو دَعَمَت طَرْحَه على المستويات الإقليمية والدولية؟ وما التصور الفني للمشروع، وما أبرز مكوناته ومساراته المقترحة، وكيف يُفْتَرَض أن يتم تنفيذه من الناحية الهندسية واللوجستية؟ وماذا عن الدوافع الاقتصادية والإستراتيجية والسياسية التي تقف وراء طرح هذا المشروع، وما الأهداف التي تسعى الدول المَعْنِيَّة إلى تحقيقها من خلاله؟ وكيف يمكن أن يُسْهِم هذا الممر في تعزيز التجارة البينية بين دول حوض النيل وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية؟ وكيف يمكن أن ينعكس تنفيذ المشروع على معادلات الأمن المائي والتوازنات الجيوسياسية في حوض النيل، وما السيناريوهات المحتملة لتأثيره في المصالح العربية، ولا سِيَّما المصرية والسودانية؟
يُسَلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على مشروع ممر بحيرة فكتوريا البحر الأبيض المتوسط ودوره في تعزيز التجارة البينية والتكامل الإقليمي لدول حوض النيل ومدى احتمالات أن يخلق الممر تنافسًا جديدًا بين دول الحوض في هذه السطور الآتية.
تفاصيل مشروع ممر "بحيرة فكتوريا - البحر المتوسط":
يُعَدُّ مشروع ممر "فكتوريا - البحر المتوسط" مبادرة إقليمية تستهدف إنشاء محور متكامل للنقل والملاحة يربط بحيرة فكتوريا في شرق إفريقيا بالبحر المتوسط عبر مجرى نهر النيل، بما يسمح بإنشاء شبكة مترابطة لحركة البضائع والركاب والاستثمارات بين دول الحوض؛ ولا يقتصر التصور على تطوير الملاحة النهرية وحدها، بل يشمل أيضًا إنشاء موانئ نهرية حديثة، ومراكز لوجستية، ومناطق تخزين، وربط الممر بشبكات الطرق والسكك الحديدية، ليصبح جزءًا من منظومة نقل مُتَعَدِّدة الوسائط قادرة على خدمة التجارة الإقليمية وربطها بالموانئ البحرية، ومن هذا المنطلق، يُنْظَر إلى المشروع باعتباره أحد الأدوات التي يمكن أن تُسْهِم في تعزيز التكامل الاقتصادي داخل القارة الإفريقية وربط أسواقها بصورة أكثر كفاءة.
وتعود جذور الفكرة إلى مطلع الألفية الجديدة، عندما بدأت مصر في طرح رؤية تستهدف الاستفادة من الامتداد الطبيعي لنهر النيل بوصفه ممرًّا اقتصاديًّا يربط دول المنابع بدول المصب، مع التركيز على تحويل النهر من مجرد مورد مائي إلى محور للتنمية المشتركة؛ وفي السنوات اللاحقة شهد المشروع عددًا من الاجتماعات واللجان الفنية والدراسات التي تناولت إمكانات تطوير الملاحة النهرية وإزالة العوائق الطبيعية والهندسية التي تعترض حركة النقل، إلى جانب بحث آليات التعاون بين الدول الواقعة على امتداد المسار، إلا أن المشروع ظل يتقدم بوتيرة متباينة نتيجة اختلاف الأولويات والظروف السياسية والاقتصادية داخل الإقليم (بوابة الأهرام).
وكانت مصر صاحبة المبادرة الرئيسية في طرح المشروع والترويج له داخل الأطر الإقليمية، انطلاقًا من رؤيتها القائمة على توظيف التعاون الاقتصادي كوسيلة لتعزيز العلاقات مع دول حوض النيل؛ وقد حظيت الفكرة باهتمام من عدد من الدول الواقعة على مسار الممر، خاصة تلك التي يمكن أن تستفيد من تحسين وسائل النقل والوصول إلى الأسواق الخارجية، كما أبدت بعض المؤسسات الإفريقية اهتمامًا بالمشروع باعتباره يتوافق مع التوجهات الداعمة لرفع مستوى الترابط القاري وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، مع استمرار تفاوت مستويات الحماس والالتزام بين الدول المختلفة تبعًا لأولوياتها الوطنية.
وعلى المستوى الدولي، ارتبط المشروع باهتمام عدد من المؤسسات التنموية والتمويلية التي تنظر إلى مشاريع الربط الإقليمي باعتبارها أدوات لتعزيز النمو الاقتصادي وتقليص فجوات التنمية في القارة الإفريقية؛ إلا أن هذا الاهتمام ظل يتركز بصورة أكبر على الدراسات الفنية وإمكانات التمويل المستقبلية أكثر من انتقاله إلى تنفيذ شامل للمشروع؛ كما أن ارتباط الممر بقضايا الملاحة والموارد المائية والتعاون الإقليمي جعله يحظى بمتابعة من شركاء دوليين يَرَون في تطوير البنية التحتية وسيلة لدعم الاستقرار الاقتصادي، مع بقاء التنفيذ الفعلي رهنًا بتوافق الدول المشاركة وتوفير الموارد المالية اللازمة.
ورغم أن المشروع لم يصل حتى الآن إلى مرحلة التنفيذ الكامل، فإنه لا يزال يُمَثِّل إحدى أكثر المبادرات طموحًا في مجال الربط الإقليمي داخل إفريقيا، نظرًا لما يُوَفِّره من رؤية تتجاوز مفهوم النقل التقليدي نحو بناء فضاء اقتصادي مترابط يجمع بين التجارة والاستثمار والتنمية والبنية التحتية؛ كما تعكس مسيرة المشروع أن نجاحه لا يعتمد فقط على الإمكانات الهندسية أو التمويلية، بل يرتبط أيضًا بمدى قدرة الدول المَعْنِيَّة على بناء توافق سياسي طويل الأمد، وتحويل المصالح المشتركة إلى برامج تنفيذية قابلة للتطبيق، بما يضمن انتقال الفكرة من إطارها النظري إلى واقع اقتصادي ملموس.
مسارات المشروع وإمكانية تنفيذه:
هذا ويقوم التصور الفني للمشروع على إنشاء منظومة نقل متكاملة تستفيد من الامتداد الطبيعي لنهر النيل وروافده الصالحة للملاحة، بحيث يتحول المجرى المائي إلى محور رئيسي يربط دول شرق ووسط إفريقيا بسواحل البحر المتوسط؛ ولا يقتصر المشروع على تطوير الملاحة النهرية وحدها، بل يعتمد على مفهوم النقل مُتَعَدِّد الوسائط الذي يدمج النقل النهري مع شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ البحرية، بما يسمح بانتقال البضائع والركاب بين مختلف الوسائل بكفاءة عالية ويقلل من تكاليف النقل وزمن الشحن، ويهدف هذا التصور إلى إنشاء ممر اقتصادي متكامل لا مجرد خط ملاحي تقليدي (المصري اليوم).
ويتضمن المشروع مجموعة من المكونات الهندسية الأساسية، في مقدمتها أعمال تعميق وتطهير المجاري الملاحية في الأجزاء التي تسمح بذلك، وإنشاء أو تطوير الأهوسة والقناطر لتجاوز فروق المناسيب وضمان استمرار حركة السفن، إلى جانب تحديث الموانئ النهرية القائمة وإنشاء موانئ جديدة في مواقع إستراتيجية على امتداد المسار؛ كما يشمل إقامة محطات للشحن والتفريغ، ومناطق تخزين، ومراكز لوجستية، ومنظومات حديثة لإدارة الملاحة والاتصالات، بما يضمن انسيابية الحركة وتحقيق أعلى مستويات السلامة والكفاءة التشغيلية.
أما من حيث المسار المقترح، فينطلق الممر من منطقة بحيرة فكتوريا مرورًا بعدد من دول حوض النيل، مستفيدًا من المقاطع النهرية القابلة للملاحة، مع معالجة المناطق التي تعترضها الشلالات أو الانحدارات أو الاختناقات الطبيعية من خلال حلول هندسية متنوعة؛ وفي المواقع التي يتعذر فيها استمرار الملاحة النهرية بصورة مباشرة، يعتمد التصور على إنشاء وصلات برية وسككية تربط بين المقاطع المائية المختلفة، بحيث يظل الممر يعمل كوحدة نقل متكاملة دون انقطاع، وهو ما يمنحه مرونة أكبر في التعامل مع الطبيعة الجغرافية المتنوعة للإقليم.
وتفترض آلية التنفيذ أن يتم المشروع على مراحل متتابعة تبدأ بإجراء الدراسات الهيدرولوجية والبيئية والهندسية التفصيلية، يليها تطوير المقاطع الأكثر جاهزية من الناحية الفنية والاقتصادية، ثم استكمال الربط بين باقي الأجزاء تدريجيًّا وفق أولويات يتم الاتفاق عليها بين الدول المشاركة؛ كما يتطلب التنفيذ توحيد المواصفات الفنية الخاصة بالموانئ والسفن وأنظمة الملاحة، بالإضافة إلى تنسيق الإجراءات الجمركية والرقابية، حتى يعمل الممر باعتباره شبكة تشغيل موحدة تتجاوز الحدود السياسية للدول الواقعة على امتداده.
ويعتمد نجاح هذا التصور على تكامل البنية التحتية مع الإدارة التشغيلية الحديثة، حيث لا يكفي إنشاء المنشآت الهندسية وحدها لتحقيق الأهداف المرجوة، بل يجب أن تُصَاحِبها أنظمة رقمية لإدارة حركة السفن والبضائع، ومراكز معلومات لتبادل البيانات بين الدول، وآليات مشتركة للصيانة والاستجابة للطوارئ؛ وبهذا يتحول المشروع من مجرد تطوير لمجرى ملاحي إلى مِنَصَّة لوجستية إقليمية متكاملة، قادرة على دعم التجارة والاستثمار وربط الأسواق الإفريقية بشبكات النقل العالمية بكفاءة واستدامة.
دوافع المشروع وأهدافه:
ويقف وراء طرح مشروع ممر "فكتوريا - البحر المتوسط" مزيج من الدوافع الاقتصادية التي تنطلق من الحاجة إلى معالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات الإفريقية، والمتمثل في ضعف الترابط بين الأسواق وارتفاع تكاليف النقل والتجارة؛ فالكثير من دول حوض النيل، وخاصة الدول الحبيسة، تعاني من صعوبة الوصول إلى الموانئ البحرية، الأمر الذي ينعكس على تنافسية صادراتها وقدرتها على جذب الاستثمارات، ومن ثم، فإن إنشاء ممر يربط مناطق الإنتاج بمنافذ التصدير يُمَثِّل وسيلة لخفض تكاليف الخدمات اللوجستية، وزيادة حجم التبادل التجاري، وتشجيع قيام صناعات جديدة تعتمد على سهولة حركة المواد الخام والمنتجات النهائية.
وعلى الصعيد الإستراتيجي، يهدف المشروع إلى تعزيز الترابط الجغرافي بين دول الحوض وتحويله إلى قاعدة للتكامل الإقليمي، بحيث تصبح البنية التحتية المشتركة عاملًا يدعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي؛ كما يسعى إلى تقليل الفجوة التنموية بين دول المنابع ودول المصب من خلال توفير فرص متكافئة للاستفادة من شبكات النقل والاستثمار، وهو ما قد يُسْهِم في بناء مصالح متبادلة تجعل التعاون أكثر جدوى من التنافس، كذلك يمنح المشروع للدول الإفريقية منفذًا إضافيًّا للتواصل مع الأسواق العربية والمتوسطية، بما يعزز موقع القارة ضمن شبكات التجارة الدولية (روسيا اليوم).
أما من الناحية السياسية، فإن المشروع يعكس توجهًا نحو توظيف التنمية الاقتصادية كأداة لتعزيز العلاقات بين الدول المُشَاطِئَة، عبر الانتقال من التركيز على الملفات الخلافية إلى توسيع مجالات التعاون العملي؛ ويُنْظَر إلى إنشاء مشروعات مشتركة في البنية التحتية باعتباره وسيلة لبناء الثقة وتكريس الحوار المستمر، إذ إن تشابك المصالح الاقتصادية يخلق دوافع للحفاظ على الاستقرار وتجنب الأزمات التي قد تؤثر في حركة التجارة والاستثمارات، كما يمكن للمشروع أن يعزز دور المؤسسات الإقليمية في تنسيق السياسات ووضع أطر مشتركة لإدارة المشروعات العابرة للحدود.
وتسعى الدول المَعْنِيَّة أيضًا إلى تحقيق أهداف تنموية بعيدة المدى من خلال استثمار الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي بصورة أكثر كفاءة، إذ يُوَفِّر المشروع فرصة لإنشاء مناطق صناعية ولوجستية جديدة، وتطوير الموانئ النهرية، وتحفيز الاستثمارات في قطاعات النقل والخدمات والتخزين والتصنيع؛ كما يمكن أن يؤدي إلى تنشيط المدن الواقعة على امتداد المسار وتحويلها إلى مراكز اقتصادية إقليمية، بما يُسْهِم في خلق فرص عمل وتحسين مستويات التنمية المحلية وتقليل الفوارق الاقتصادية بين الأقاليم المختلفة.
وهنا، يعكس المشروع رؤية تتجاوز إنشاء ممر للنقل إلى بناء فضاء اقتصادي متكامل يقوم على الترابط بين البنية التحتية والتجارة والاستثمار والتنمية، وتتمثل الغاية النهائية في تحويل الموقع الجغرافي لدول حوض النيل من عامل يفرض تحديات لوجستية إلى ميزة تنافسية تدعم النمو الاقتصادي وتُوَسِّع الأسواق وتعزز مكانة القارة الإفريقية في الاقتصاد العالمي، مع ترسيخ نموذج للتعاون الإقليمي يقوم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة.
دور الممر في تعزيز التجارة البينية بين دول حوض النيل وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية:
هذا ويُمَثِّل تطوير ممر لوجستي يربط شرق إفريقيا بشمالها عبر شبكة تمتد من منطقة البحيرات الكبرى إلى السواحل الشمالية على البحر المتوسط فرصة لإعادة تشكيل أنماط التبادل التجاري داخل القارة، من خلال تحويل حركة السلع من مسارات خارجية طويلة إلى تدفقات داخلية أكثر مباشرة وكفاءة؛ فهذا التحول يُتِيح للدول غير الساحلية في حوض النيل منفذًا أكثر قربًا للأسواق الإقليمية، ويقلل من الاعتماد التقليدي على الموانئ البعيدة التي تفرض تكاليف إضافية على الصادرات والواردات، مما يرفع من تنافسية المنتجات المحلية ويعزز قدرتها على النفاذ إلى أسواق جديدة.
وعلى مستوى البنية الاقتصادية، يمكن لهذا الامتداد أن يعمل كحلقة وصل بين مناطق الإنتاج الزراعي والموارد الطبيعية في شرق ووسط القارة وبين مراكز التصنيع والاستهلاك في الشمال، بما يخلق شبكة توزيع أكثر توازنًا ويقلل من اختلالات سلاسل الإمداد؛ كما أن وجود مسار نقل متكامل يُسْهِم في تسريع حركة البضائع وتقليص زمن الشحن، وهو عامل حاسم في دعم التجارة البينية التي غالبًا ما تعاني من بطء الإجراءات وتعقيد المسافات الجغرافية.
وفي سياق التكامل الإقليمي، يُوَفِّر هذا المشروع بيئة مُحَفِّزَة لتوسيع نطاق الاتفاقات التجارية بين الدول المَعْنِيَّة، حيث تصبح البنية التحتية المشتركة دافعًا عمليًّا نحو تنسيق السياسات الجمركية وتوحيد الإجراءات التنظيمية؛ ومع تحسن سهولة التنقل التجاري، تزداد فرص قيام سلاسل قيمة إقليمية تشمل الإنتاج والتصنيع والتوزيع داخل فضاء جغرافي واحد بدلًا من الاعتماد على الخارج كمحطة وسيطة (اليوم السابع).
كما أن تقليل الاعتماد على المسارات البحرية التقليدية يمنح دول الحوض قدرًا أكبر من المرونة الإستراتيجية في مواجهة التقلبات المرتبطة بالممرات الدولية، سواء من حيث التكاليف أو الاضطرابات الجيوسياسية أو التغيرات في حركة التجارة العالمية؛ وهذا التنوع في المسارات يعزز الأمن الاقتصادي ويقلل من هشاشة الاعتماد على منفذ واحد، خاصة بالنسبة للدول التي لا تمتلك سواحل مباشرة أو تعاني من قيود لوجستية في الوصول إلى البحر.
وفي إطار أوسع، يمكن أن يُسْهِم هذا الامتداد في إعادة توجيه أنماط التنمية نحو الداخل الإفريقي، حيث تتحول المناطق الواقعة على طول المسار إلى نقاط جذب للاستثمار الصناعي والخدمي، ما يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة تقوم على الارتباط بين النقل والإنتاج؛ ومع تزايد الترابط بين الأسواق، يصبح حوض النيل أكثر قابلية للتحول إلى فضاء اقتصادي مترابط قادر على دعم التجارة الإقليمية وتقليل الفجوة بين الاقتصادات المحلية والاقتصاد العالمي.
أثر المشروع في المصالح العربية المصرية والسودانية وخريطة التوازنات الجيوسياسية في حوض النيل:
يرتبط مشروع ممر "فكتوريا - البحر المتوسط" بمنظومة معقدة من الاعتبارات الجيوسياسية تتجاوز أبعاده الاقتصادية واللوجستية، نظرًا لكونه يمتد داخل حوض نهر النيل الذي يُمَثِّل أحد أكثر الأحواض المائية حساسية على المستوى الدولي؛ ورغم أن المشروع، في صورته المتداولة، يركز على تطوير النقل والملاحة والبنية التحتية، فإنه قد يُؤَثِّر بصورة غير مباشرة في البيئة السياسية المحيطة بإدارة الموارد المائية، إذ إن تعميق التعاون الاقتصادي بين دول الحوض قد يخلق قنوات جديدة للحوار والتنسيق، كما قد يُعِيد تشكيل أولويات العلاقات الإقليمية وفقًا لمعادلات المصالح المشتركة.
وبالنسبة لمصر، فإن نجاح المشروع قد يُوَفِّر فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي في دول حوض النيل من خلال توسيع حركة التجارة والاستثمار والمشاركة في تطوير البنية التحتية الإقليمية، وهو ما قد يُسْهِم في بناء شبكة مصالح متبادلة تدعم العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف؛ ومن هذا المنظور، يمكن أن يُشَكِّل التعاون الاقتصادي رافدًا للدبلوماسية المصرية، بحيث تصبح مشروعات التنمية والربط اللوجستي جزءًا من إستراتيجية أوسع لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحوار بشأن القضايا المشتركة، بما فيها إدارة الموارد المائية، دون أن يحل ذلك محل الأطر القانونية أو التفاوضية الخاصة بهذه الملفات.
أما السودان، فيحتل موقعًا محوريًّا في أي تصور مستقبلي للمشروع، بحكم امتداد جزء كبير من مساره داخل أراضيه وارتباطه المباشر بشبكات النقل بين دول المنابع وشمال إفريقيا، ويمكن أن يمنحه ذلك فرصًا لتحويل موقعه الجغرافي إلى مركز لوجستي وتجاري يربط بين الأسواق الإفريقية والعربية، بما ينعكس على قطاعات النقل والخدمات والاستثمار؛ وفي الوقت نفسه، فإن استفادة السودان من هذه الفرص ستظل مرتبطة بمدى استقرار أوضاعه الداخلية، وقدرته على تطوير بنيته التحتية، والانخراط في ترتيبات إقليمية تضمن استمرارية المشروع وتشغيله بكفاءة.
ومن الناحية الجيوسياسية: يمكن تصور أكثر من مسار لتأثير المشروع في توازنات حوض النيل، ففي السيناريو الإيجابي، يؤدي توسع المصالح الاقتصادية المشتركة إلى تعزيز الثقة بين الدول، وتشجيع تبني مقاربات تقوم على التعاون في مجالات النقل والتجارة والاستثمار، بما ينعكس إيجابًا على المناخ السياسي العام؛ أما في السيناريو المقابل، فقد تنشأ تحديات إذا اختلفت الرؤى بشأن أولويات الاستثمار أو إدارة البنية التحتية أو توزيع العوائد الاقتصادية، أو إذا ارتبط المشروع بتنافس إقليمي ودولي على النفوذ داخل القارة، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي دون أن يكون ذلك ناتجًا عن المشروع نفسه بقدر ما يرتبط بطريقة إدارته.
وفيما يتعلق بالمصالح العربية، فإن المشروع قد يُمَثِّل فرصة لتعميق الروابط الاقتصادية بين شمال إفريقيا وعمقها الإفريقي، وتعزيز دور الموانئ والأسواق العربية في حركة التجارة العابرة للقارة، بما يفتح مجالات جديدة للاستثمار والتكامل الاقتصادي؛ كما يمكن أن يدعم بناء شراكات تنموية طويلة الأمد بين الدول العربية والإفريقية في مجالات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، وفي المقابل، فإن تحقيق هذه المكاسب يظل مرهونًا بتوافر توافق سياسي وإقليمي واسع، واحترام قواعد التعاون المشترك، وضمان أن يبقى تطوير البنية التحتية وسيلة لتعزيز التنمية والاستقرار، دون المساس بالالتزامات القانونية أو الحقوق المرتبطة بإدارة الموارد المائية المشتركة.
الخلاصة:
- يتضح أن مشروع ممر "فكتوريا - البحر المتوسط" يتجاوز كونه مشروعًا للنقل والربط اللوجستي لِيُشَكِّل مبادرة ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية واسعة قد تُؤَثِّر في مستقبل التعاون داخل حوض النيل؛ فنجاحه يمكن أن يعزز التكامل الاقتصادي، ويُوَسِّع نطاق المصالح المشتركة، ويدعم بناء شراكات تنموية تُسْهِم في تهيئة بيئة أكثر استقرارًا للحوار بين دول الحوض، بما ينعكس إيجابًا على المصالح العربية، ولا سِيَّما المصرية والسودانية، وفي المقابل، فإن حجم تأثيره سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الدول المشاركة على إدارة المشروع وفق رؤية جماعية تراعي التوازن بين متطلبات التنمية واعتبارات الأمن المائي، وتضمن احترام القواعد المنظمة للموارد المشتركة، بما يُحَوِّل الممر إلى أداة لتعزيز التعاون الإقليمي بدلًا من أن يصبح عاملًا يضيف تحديات جديدة إلى المشهد السياسي والإستراتيجي في المنطقة.
المصادر: