هرمز بين الرسوم الإيرانية والاقتصاد العالمي.. شريان الطاقة على حافة الانفجار

يعيش العالم في حالة تتقاطع فيها الحرب مع السياسة والاقتصاد، حيث يطل مضيق هرمز كأحد أكثر الممرات المائية حساسية حول العالم، فبينما تعبر منه يوميًّا ملايين البراميل من النفط والغاز، تلوّح إيران بورقة فرض الرسوم على المرور بعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها، لتفتح بابًا جديدًا من التوترات التي قد تعصف بأسواق الطاقة العالمية وتعيد رسم موازين القوى الدولية.
في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات، نسلط الضوء على عدة محاور حول غلق مضيق هرمز نتيجة الحرب وتداعياته على الاقتصاد العالمي، وعزم إيران فرض رسوم عبور على شاحنات النفط، وهي:
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي تحت المجهر.
الرسوم الإيرانية.. ورقة ضغط تتجاوز الحدود البحرية.
ما فرص التفاوض بين واشنطن وطهران؟
انعكاسات مباشرة على أسعار النفط والغاز.
الدول الأكثر تضرُّرًا من غلق المضيق بين آسيا وأوروبا.
إيران في مواجهة العالم بسبب رسوم مضيق هرمز.
بدائل الخليج وردود القوى الكبرى.. ما هي سيناريوهات المواجهة؟
أدركت إيران أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط مهمة ولها تداعياتها على حركة الأسواق العالمية، في ظل احتدام مواجهتها العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، خاصة وأن المضيق يُعدّ من أهم ممر مائي يعبر منه ما بين 17 إلى 20 مليون برميل من النفط والمكثفات الخليجية والإيرانية يوميًّا، كما تمر منه 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا بجانب شحنات النفط التي تتجه إلى أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا وهم الهند واليابان وكوريا الجنوبية، إذا تم استثناء الصين، بصفتها الحليف الأبرز لإيران، والتي تستطيع تحريك شحنات النفط الخاصة بها بمجرد التنسيق مع إيران هاتفيًّا.
وقد ظهر عمق تأثير تلك الورقة بمجرد إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو الإجراء الذي فرض تكلفة باهظة على أسعار الطاقة في دول أوروبا ولدى حلفاء الولايات المتحدة المستهلكين، بجانب ضعف قدرة الموردين على إخراج ناقلاتهم النفطية من المضيق الذي باتت تسيطر عليه البحرية الإيرانية، وتهدد من وقت لآخر بتفخيخه بالألغام البحرية. (المنتدى العربي).
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي تحت المجهر:
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق، بل هو شريان الطاقة العالمي الذي يربط الخليج بالأسواق الدولية، يوميًّا، حيث تعبر منه ملايين البراميل من النفط والغاز، ما يجعله نقطة ارتكاز في معادلة العرض والطلب، وأي اضطراب في هذا الممر، سواء عبر فرض رسوم أو تهديدات أمنية، ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة العالمية.
بالنسبة للدول المستوردة، خصوصًا في آسيا وأوروبا، تجد نفسها رهينة لتقلبات هذا المضيق، كما أن شركات الشحن تواجه تحديات إضافية في تكاليف النقل والتأمين، حيث إيران تدرك أن سيطرتها على المضيق تمنحها ورقة ضغط إستراتيجية تتجاوز حدودها الجغرافية، وفي المقابل، القوى الكبرى تعتبر حرية الملاحة فيه خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه.
وبالتالي يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر بحري إلى ساحة صراع اقتصادي وجيوسياسي عالمي.
يبدو أن فرض إغلاق مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية والنفطية على وجه التحديد يُعدّ معادلة صعبة فيما يتعلق بمسألة حسم الصراع العسكري بين القوتين؛ إذ تحرص إيران على أن تذيق أمريكا وأوروبا ما ذاقته إيران من ضغوط اقتصادية داخلية نتيجة العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني الذي لم يكن قادرا على تصدير نفطه أو التعامل في الأسواق العالمية، خاصة وأن دول أوروبا تماهت موقفها السياسي ومن حيث العقوبات مع الموقف الأمريكي حيال إيران، وبالتالي وجدت إيران ضالتها في إغلاق المضيق ما يسهم في فرض تكلفة باهظة الثمن على واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالميًّا.
كما بات جناح السلطة الأبرز في إيران الآن وهو الحرس الثوري بأجهزته العسكرية والإعلامية والسياسية يفكر في تحقيق أكبر استفادة اقتصادية وسياسية من إغلاق مضيق هرمز، إذ نشرت صحيفة "جوان" المرتبطة بالحرس الثوري تقريرًا يقول: إن هناك ترتيبات؛ لأن يتم فرض رسوم على مرور بعض السفن التجارية والناقلات، بما يسمح لإيران تعويضها عن تدمير بنيتها التحتية بسبب الحرب الدائرة الآن، في ظل رفض الولايات المتحدة الأمريكية دفع تعويضات مالية لإيران نظير عمليتها العسكرية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران.
ولعل هذا ما دفع إيران لأن تفرض رسومًا قدرها مليوني دولار على الرحلة الواحدة عبر مضيق هرمز، حيث وافق بعض المستهلكين على دفع المبلغ نظير مرور سفنهم، بسبب الحاجة الملحة لشحنات الطاقة المارة عبر مضيق هرمز، ومن أبرزهم الهند وتايلاند، وإزاء ذلك ناقش مجلس الشورى الإسلامي الإيراني مقترحًا يلزم الدول بدفع رسوم لإيران مقابل استخدام مضيق هرمز كممر شحن آمن، كنوع من فرض سلطة الأمر الواقع. (المنتدى العربي).
الرسوم الإيرانية.. ورقة ضغط تتجاوز الحدود البحرية:
تعتبر الرسوم الإيرانية على مرور السفن في مضيق هرمز ليست مجرد إجراء مالي، بل هي ورقة ضغط سياسية تتجاوز الحدود البحرية التقليدية، فهي تمنح إيران قدرة على التحكم في شريان الطاقة العالمي، وتضع الدول المستوردة أمام معادلة معقدة بين حاجتها للطاقة ومخاطر الاعتماد على ممر يخضع لقرار سياسي متقلب.
هذه الرسوم ستزيد من تكاليف النقل والتأمين، ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز عالميًّا، كما أنها تفتح الباب أمام مواجهة قانونية مع المجتمع الدولي، نظرًا لأن المضيق يُعتبر ممرًّا دوليًّا وفق القوانين البحرية.
وفي الوقت نفسه، تمثل الرسوم رسالة سياسية موجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، بأن إيران قادرة على تحويل السيطرة الجغرافية إلى نفوذ اقتصادي.
وقد تكون الصين المستفيد الوحيد عبر استثناءات أو تفاهمات خاصة، بينما بقية الدول ستواجه ضغوطًا متزايدة، وهكذا تتحول الرسوم من مجرد أداة مالية إلى سلاح جيوسياسي يهدد استقرار التجارة العالمية. (المنتدى العربي)
ما فرص التفاوض بين واشنطن وطهران؟
إزاء كل تلك التطورات فإن الولايات المتحدة تدرس خيارات تصعيدية أكبر تتمثل في تنفيذ عملية برية بعد وصول قوات المارينز البحرية إلى الشرق الأوسط، فيما تبحث في الوقت نفسه عن شخص جدير بالتفاوض معه في ظل رفض الإدارة الأمريكية تمثيل إيران عبر وزير الخارجية عباس عراقجي الذي وصفه مستشارو الرئيس الأمريكي بأنه مثل "جهاز فاكس" يقتصر دوره على نقل الرسائل دون المشاركة في صنع القرار. (سكاي نيوز).
لكن أزمة الولايات المتحدة الأمريكية تكمن، في ظل إدارتها الحالية بقيادة دونالد ترامب، في أنها دخلت معتركًا عسكريًّا مع دولة كبيرة بحجم إيران، تمتلك خبرة تاريخية في خوض معارك قد تمتد لسنوات طويلة، تمامًا كما حدث في الحرب العراقية ــ الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1980 ــ 1988).
ولعل هذا يشير إلى قدرة إيران على تحمل ما قد لا تطيقه الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى العمليات العسكرية الممتدة لسنوات طويلة، في ظل قيادة أمريكية لا تحبذ خوض المعارك الممتدة، التي بات لتأثيرها الاقتصادي والشعبوي دورًا كبيرًا في رسم قواعد الصراع الانتخابي المستقبلي في الولايات المتحدة، أو حتى العواصم الأوروبية.
تظل ورقة مضيق هرمز هي الورقة الأوقع في الإعلان عن تحقيق النصر، فإذا استمرت إيران في خنق الاقتصاد العالمي على هذا النحو، ومن ثم فإن الواقع يفرض أمرين للتعامل الأمريكي مع المعضلة الإيرانية.
الأمر الأول: تشكيل قوة عسكرية تفتح مضيق هرمز بالقوة، ووقتها ستتحول المنطقة إلى كرة لهب مشتعلة بين إيران وكل القوى العالمية التي ستشارك في تلك العملية بما فيها دول الخليج حتى لو لم تشارك في تلك العملية، لأن مضيق هرمز هو الورقة الوحيدة التي يمكن لإيران من خلالها معاقبة العالم أجمع وفرض كلفة باهظة على الاستمرار في الحرب.
الأمر الثاني: انحسار الدور الأمريكي إلى الاعتراف بالانتصار في الحرب بدون اللجوء لفتح المضيق بالقوة، ووقتها ستعمل إيران على فرض السيطرة الكاملة على المضيق وفرض رسوم مقننة بتشريع يدرسه مجلس الشورى الإسلامي الآن، ويستهدف فرض الهيمنة الإيرانية الكاملة على المضيق. (سكاي نيوز).
انعكاسات مباشرة على أسعار النفط والغاز:
ثمة انعكاسات في فرض الرسوم الإيرانية على أسعار النفط والغاز، حيث ستكون مباشرة وسريعة، نظرًا لحساسية الأسواق تجاه أي اضطراب في مضيق هرمز، ذلك أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين سيُترجم فورًا إلى زيادة في أسعار البرميل عالميًّا، وقد يدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 100 دولار في وقت غير الحرب.
إن أسواق الغاز الطبيعي المسال ستتأثر أيضًا، إذ يمر عبر المضيق نحو 20% من التجارة العالمية، ما يعني ارتفاع أسعار الكهرباء والصناعة في أوروبا وآسيا، الدول المستوردة مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية ستكون الأكثر عرضة للضغط، بينما الصين قد تستفيد من استثناءات أو تفاهمات خاصة مع إيران.
لذا فشركات الطاقة ستضطر إلى إعادة حساباتها الاستثمارية، وقد تتجه بعض الدول إلى تعزيز خطوط أنابيب بديلة لتقليل الاعتماد على المضيق. وفي المقابل: إن أي اضطراب في الإمدادات سيزيد من تقلبات الأسواق المالية ويضغط على العملات المحلية للدول المستوردة، وهكذا تتحول الرسوم إلى عامل مضاعف للتضخم العالمي، يربط السياسة بالاقتصاد في معادلة معقدة. (سكاي نيوز).
الدول الأكثر تضرُّرًا من الحرب بين آسيا وأوروبا:
الدول الأكثر تضرُّرًا من فرض الرسوم الإيرانية على مرور السفن في مضيق هرمز ستكون تلك التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة عبر هذا الممر الحيوي، وهي كما ذكرنا وهي: اليابان والهند وكوريا الجنوبية تأتي في مقدمة الدول الآسيوية المتأثرة، نظرًا لاعتمادها شبه الكامل على النفط والغاز الخليجي. (اندبندنت).
أيضًا أوروبا ستواجه ضغوطًا كبيرة، خصوصًا في قطاع الغاز الطبيعي المسال الذي يمر منه نحو 20% عبر المضيق، ما يهدد أمنها الطاقوي ويزيد من أعباء التضخم.
في المقابل: دول الخليج نفسها ستتأثر بشكل غير مباشر، إذ ستجد صادراتها مهددة بارتفاع التكاليف وانخفاض القدرة التنافسية، ومن ثم شركات الطاقة العالمية ستضطر إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها لتأمين الإمدادات، بينما الأسواق المالية ستشهد تقلبات حادة، ثم بعد ذلك يصبح المشهد معقدًا، حيث تتوزع الأضرار بشكل متفاوت بين آسيا وأوروبا، مع استفادة محدودة لطرف واحد فقط.
إيران في مواجهة العالم بسبب رسوم مضيق هرمز:
تترقب الأسواق العالمية بحذر شديد تطورات التصعيد الجيوسياسي، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الممرات المائية الحيوية، لأن أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز سيقود إلى قفزات سعرية مفاجئة في أسواق الطاقة. (اندبندنت).
وعادت فرضية استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط من جانب إيران إلى الواجهة من جديد عبر طرح فكرة فرض رسوم على عبور الناقلات، وهي خطوة تبدو في ظاهرها مالية، لكنها تمس في جوهرها أحد أعمدة النظام التجاري الدولي، وهو حرية الملاحة في المضايق.
هذا التراجع لا يعني خروج السوق من دائرة القلق، بقدر ما يعكس إعادة تموضع مؤقتة، إذ تبقى الأسعار محكومة بما يُعرف بـ"علاوة الخطر"، وهي الزيادة المرتبطة بتوقعات الاضطراب لا بحدوثه فعليًّا، ما يجعل أي إشارة إلى هرمز قادرة على تحريك الأسعار بسرعة حتى في غياب نقص مباشر في الإمدادات.
وتستمد هذه الحساسية من ثقل المضيق نفسه، إذ تمر عبره يوميًّا تدفقات تتراوح بين 17 و20 مليون برميل، أي نحو 20 في المئة من الاستهلاك النفطي العالمي، إلى جانب حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يربط استقراره مباشرة بكلفة الطاقة والتأمين والشحن، وبالتالي بمعدلات التضخم وتوقعات النمو في الاقتصادات الكبرى، لا سيما في آسيا التي تعتمد عليه بصورة شبه كاملة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة فكرة فرض رسوم على العبور كإجراء سيادي تقليدي، بل كتحول محتمل في قواعد تشغيل أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وهو ما يضعها مباشرة في مواجهة الإطار القانوني الذي صُمم لمنع تحويل هذه المضايق إلى أدوات ضغط اقتصادي. (اندبندنت)
قيود صارمة وشرعية دولية:
اتفاقات الأمم المتحدة، وعلى رأسها قانون البحار، تضع قيودًا صارمة تمنع فرض أي رسوم مالية على عبور المضايق الدولية، ولأن هذا المنع يمثل أحد الأعمدة التي تقوم عليها استمرارية التجارة العالمية، لأنه يمنع الدول المشاطئة من توظيف موقعها الجغرافي لفرض أجندات سياسية أو مالية. (روسيا اليوم).
ومن ثم فأي محاولة لفرض رسوم ستنعكس فورًا على سلاسل الإمداد من خلال رفع كلفة النقل والتأمين، وهو ما يُعد انتهاكًا مباشرًا لمبدأ المرور العابر الذي يكفل للسفن التحرك بحرية وسرعة، كما أن استقرار الأسواق يعتمد بصورة مباشرة على بقاء هذه المضايق مفتوحة ومجانية.
ورغم أن واشنطن هي سبب الحرب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، إلا أن البعض يرى أن التلويح بفرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز يفتقر أساسًا إلى الشرعية الدولية، وأن المضايق المستخدمة للملاحة العالمية تخضع لاتفاقات قانونية لا تسمح للدول المطلة بتحصيل أي مقابل مالي على حق المرور، ذلك أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 وضعت أسسًا واضحة لا تقبل التأويل، إذ كفلت لجميع السفن، بما فيها ناقلات النفط والغاز، "حق المرور العابر"، وهو حق يمنع فرض أي ضرائب أو رسوم سيادية ما دامت السفن تلتزم بالمسارات المحددة ولا تشكل تهديدًا بيئيًّا أو أمنيًّا، ما قد يعني أن القضية لا تتعلق فحسب بالقانون، بل بطبيعة النظام الملاحي الدولي نفسه.
سياسة ترامب ونتنياهو تضع شريان الطاقة على حافة الانفجار العالمي:
ثمة بعد جغرافي مهم في حالة مضيق هرمز، وهو أن الممر الملاحي الآمن يقع في معظمه ضمن المياه الإقليمية العمانية، التي تديرها السلطنة لضمان انسيابية حركة التجارة العالمية، وهو ما يعزز من محدودية أي محاولة لفرض رسوم من طرف واحد، ويجعلها أقرب إلى طرح نظري منه إلى واقع قابل للتطبيق. (روسيا اليوم).
وقد لا يقف التأثير عند الجانب القانوني، لذلك فأي محاولة لفرض أعباء مالية غير قانونية ستنعكس مباشرة فورًا على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع كلفة التأمين والشحن، ما يقود إلى قفزات في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما لن يقبله المجتمع الدولي، نظرًا لتداعياته المباشرة على استقرار الأسواق.
لقد بات واضحًا أن استقرار سوق النفط يعتمد أساسًا على بقاء الممرات المائية بعيدة عن التجاذبات السياسية، وأن الاتجاه نحو فرض رسوم قد يدفع الدول المستهلكة والشركات الكبرى إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة، في خطوة قد تعيد رسم خريطة النقل البحري في المنطقة على المدى البعيد، وهو ما يعكس أن أي قرار من هذا النوع لا يبقى محصورًا في لحظته، بل يمتد تأثيره إلى هيكل السوق نفسه.
كما أن قانون البحار الذي دخل حيز التنفيذ عام 1994، يمنع بصورة قاطعة فرض أي رسوم على عبور المضايق الدولية، وأن "المرور العابر" يقوم على عبور متواصل وسريع من دون تعطيل أو فرض كلفة، وهو ما يسقط عمليًّا فكرة تحويل المضيق إلى مصدر جباية من وجهة نظر خبراء دوليين.
الممر الملاحي الفعّال في مضيق هرمز يقع ضمن المياه العمانية وليس الإيرانية، بعرض يقارب كيلومترين لكل اتجاه، ما يحدّ قانونيًّا وعمليًّا من قدرة طهران على فرض رسوم إلزامية، ويجعل أي محاولة من هذا النوع عرضة للطعن القانوني والرفض الدولي، وهذا التداخل بين القانون والجغرافيا قد يضع مسألة التنفيذ في قلب الإشكالية.
تترقب الأسواق العالمية بحذر شديد تطورات التصعيد الجيوسياسي نتيجة التصرفات غير المسؤولة من أمريكا وحليفتها تل أبيب، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الممرات المائية الحيوية، لأن أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز سيقود إلى قفزات سعرية مفاجئة في أسواق الطاقة.
حيث قد بدأت الأسواق بالفعل في تسعير هذه الأخطار، وهو ما يفسر تماسك أسعار النفط فوق مستويات دعم معينة على رغم إشارات التهدئة أو تباطؤ الطلب في بعض القطاعات، إذ إن "علاوة المخاطرة" لا تختفي بسهولة، بل تبقى حاضرة ما دام احتمال التعطيل قائمًا.
ولكن الاعتماد على البدائل الإستراتيجية قد يخفف من حدة الأزمة على المدى المتوسط، لكنه يحذر من أن الكلفة اللوجستية وتأمين السفن سترتفع بصورة ملحوظة، مما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمية، في امتداد طبيعي لتأثير أي توتر في المضيق. (روسيا اليوم).
تبقى التوقعات لعام 2026 رهينة بدرجة استقرار المنطقة؛ إذ إن كسر الثقة في سلامة المضايق الدولية قد يدفع أسعار خام برنت لتجاوز مستويات 80 دولارًا وفق خبراء، وذلك بعد الحروب في حال تفاقم أي انسداد ملاحي، وهو ما يعيد التأكيد أن السوق لا تسعّر الواقع فحسب، بل أيضًا احتمالاته.
وفي موازاة ذلك، تتسارع الجهود لإيجاد بدائل تقلل الاعتماد على المضيق؛ إلا أن هذه البدائل، على رغم أهميتها، لا تزال غير قادرة على تعويض دوره المركزي في المدى القريب، ما يبقيه في قلب معادلة الطاقة العالمية.
أما على المستوى السياسي، فإن الحديث عن تنسيق مع الولايات المتحدة في إدارة المضيق يبدو بعيدًا، خصوصًا في ظل مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تميل إلى منع استخدام الممرات الحيوية كورقة ضغط، وهو ما يعزز من احتمالات أن أي خطوة لفرض رسوم ستواجه برفض دولي واسع، وفي ظل رفض دول الاتحاد الأوروبي الدخول في الحرب معتبرة أن ترامب هو من بدأها دون استشارتهم.
ومع ذلك، لا تبدو فكرة فرض رسوم على مضيق هرمز سياسة قابلة للتنفيذ بقدر ما تعكس محاولة لإعادة توظيف الموقع الجغرافي كأداة ضغط، لكن في سوق شديدة الحساسية، يكفي طرح الفكرة لإعادة تسعير الأخطار، وهو ما يفسر أن النفط، حتى في لحظات التراجع، لا يتحرك وفق معادلة الإمدادات فحسب، بل وفق ميزان أكثر تعقيدًا تحكمه الجغرافيا والقانون والسياسة في آن واحد. (روسيا اليوم).
إيران تهدد.. انتهى زمن المرور المجاني:
أعلن أحمد نادري، عضو هيئة رئاسة مجلس الشورى الإسلامي في إيران، أن بلاده تعتزم فرض رسوم على السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز، في خطوة قال إنها تحوّل في إدارة أهم ممر بحري عالمي معني في المقام الأول بمرور الغاز والنفط. (الشرق بلومبرج).
وأوضح نادري أن مشروع قانون جديد قدم إلى البرلمان الإيراني يهدف إلى تنظيم المرور عبر المضيق، مشيرًا إلى أن زمن العبور بحرية تامة قد ولى، وأن القانون يسعى إلى الجمع بين الحماية العسكرية والإدارة الاقتصادية للممر الحيوي. (الشرق بلومبرج).
وأضاف: أن الرسوم لن تدفع بالدولار، بل بالريال الإيراني فقط، معتبرًا أن هذه الخطوة قد تشكل "ضربة للهيمنة العالمية للدولار"، في إشارة إلى مساعي طهران لتقليص الاعتماد على العملة الأمريكية في المعاملات الدولية.
وأشار المسؤول الإيراني إلى أن أي سفينة تخالف القوانين البيئية أو الأمنية ستتعرض للإيقاف من قبل القوات الإيرانية، وفقًا للإجراءات التي ينص عليها القانون المقترح، في وقت يتوقع أن يثير هذا التوجه ردود فعل دولية نظرًا لأهمية مضيق هرمز في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
من جهتها: قالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر في اجتماع مع نحو 40 دولة بشأن سبل إعادة فتح مضيق هرمز، إن المحادثات تظهر قوة تصميمنا الدولي، على إعادة فتح هذا الممر الحيوي للنفط.
وأضافت في افتتاح الاجتماع الافتراضي، أن العالم رأى إيران تستولي على ممر ملاحي دولي لاحتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، ولكن لم تشارك الولايات المتحدة في الاجتماع. (الشرق بلومبرج).
بدائل الخليج وردود القوى الكبرى.. ما هي سيناريوهات المواجهة؟
سيناريوهات المواجهة أمام فرض إيران رسوم مرور في مضيق هرمز قد تتوزع بين بدائل خليجية وردود القوى الكبرى، وكل منها يحمل تداعيات مختلفة، فدول الخليج قد تسعى إلى تعزيز خطوط أنابيب بديلة مثل خط أنابيب الإمارات عبر الفجيرة أو خط شرق - غرب السعودي لتقليل الاعتماد على المضيق.
كما يمكن أن تتجه إلى مشاريع جديدة تربط الموانئ مباشرة بالبحر الأحمر أو البحر العربي، وفي المقابل، القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة ستعتبر الخطوة تهديدًا لحرية الملاحة الدولية، وقد تلجأ إلى تصعيد عسكري أو فرض عقوبات إضافية على إيران.
أما أوروبا فقد تضغط عبر القنوات الدبلوماسية لتأمين إمدادات الغاز، بينما آسيا ستبحث عن تفاهمات مباشرة مع إيران لتجنب الاضطراب، لاسيما أن الصين تربطها علاقة إستراتيجية مع طهران ومن ثم ستكون لها استثناءات خاصة، ما يعزز نفوذها في سوق الطاقة. (الشرق بلومبرج).
بالنسبة لشركات الشحن العالمية ستعيد حساباتها، وربما ترفع أسعار التأمين بشكل كبير، لاسيما أن الأسواق المالية ستظل في حالة توتر دائم، مع تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز. والنتيجة فقد يبقى المضيق ساحة اختبار لإرادة القوى الكبرى وقدرة الخليج على إيجاد بدائل إستراتيجية، في مواجهة ورقة ضغط إيرانية تتجاوز حدود الجغرافيا البحرية، نتيجة قيام أمريكا وإسرائيل بتحويل المنطقة إلى حقل تجارب.
الخلاصة:
- مضيق هرمز يظل الشريان الأكثر حساسية في منظومة الطاقة العالمية، وأي خطوة إيرانية لفرض رسوم مرور ستقلب موازين الأسواق فورًا، حيث ستكون هذه الرسوم ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل ورقة ضغط جيوسياسية تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها في آسيا وأوروبا.
- ارتفاع تكاليف النقل والتأمين سيؤدي إلى قفزات في أسعار النفط والغاز، ما ينعكس على التضخم العالمي ويهدد استقرار التجارة الدولية، وبعض الدول ستكون الأكثر تضرُّرًا مثل: اليابان والهند وكوريا الجنوبية، بينما أوروبا ستواجه أزمة في أمن الطاقة، في حين قد تستفيد الصين من استثناءات خاصة.
- دول الخليج قد تسعى إلى بدائل عبر خطوط أنابيب وممرات جديدة، لكن هذه الحلول تحتاج وقتًا واستثمارات ضخمة، بينما القوى الكبرى لن تقف مكتوفة الأيدي، وقد تلجأ إلى التصعيد العسكري أو العقوبات الاقتصادية.
- شركات الطاقة والشحن ستعيد حساباتها، والأسواق المالية ستظل في حالة توتر دائم، ومن ثم يتحول المضيق من مجرد ممر بحري إلى ساحة اختبار لإرادة الدول الكبرى، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد في معادلة واحدة معقدة.
المصادر: