هندسة النفوذ وعالم التقنية والطاقة.. كيف صاغت واشنطن وموسكو عالم ما بعد أوكرانيا؟

بحوث ودراسات
هندسة النفوذ وعالم التقنية والطاقة.. كيف صاغت واشنطن وموسكو عالم ما بعد أوكرانيا؟
١٥ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٢٥ يناير ٢٠٢٦

لم تكن الحرب في أوكرانيا مجرد صراع إقليمي، بل كانت نقطة تحول جيوسياسية كشفت هشاشة النظام الدولي وطبيعته البراجماتية، فبعد سنوات من الدعم الأمريكي الغربي غير المسبوق، والتضحيات البشرية والمادية الأوكرانية الهائلة، تقف كييف على أعتاب فصل مؤلم، يثبت أن انصياعها الأعمى للولايات المتحدة لم يكن سوى ورقة ضغط في لعبة مصالح دولية، لتتخلى أمريكا عن أوكرانيا وتتركها وحيدة لقمة سائغة في فم روسيا، لتحقيق مصالح أمريكية داخلية وخارجية، ولذلك نناقش في هذا التقرير بنود "خطة السلام" الأمريكية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وكيف تمثل تخليًا إستراتيجيًا، واعترافًا بـ"بيع" أوكرانيا لروسيا، وإلزام كييف بتنازلات سيادية واقتصادية ودفاعية لصالح موسكو، مما يعيد تشكيل موازين القوى العالمية على حساب أوكرانيا وأمن أوروبا، وكيف تُخرج واشنطن روسيا من المشهد لتحول تركيزها بالكامل نحو الصراع الإستراتيجي مع الصين.

وفي هذا التقرير نستعرض مكاسب أمريكا وروسيا على حساب أراضي أوكرانيا ومستقبلها، وكذلك أمن أوروبا عسكريًّا واقتصاديًّا، وتحولات دور الاتحاد الأوروبي، أيضًا الدور الصيني المتصاعد وكيف استفادت بكين من الصراع لتعزيز محورها الجيوسياسي، مع الالتفات لأثر التكنولوجيا العسكرية ودور الذكاء الاصطناعي والمسيرات والحرب السيبرانية في تغيير وجه صراعات المستقبل.

بنود خطة ترامب وتنازلات أوكرانيا:

تستند خطة السلام التي يسعى دونالد ترامب لتمريرها إلى مبدأ "السلام مقابل الأرض"، وهي إستراتيجية تهدف إلى تجميد الصراع سريعًا بوقف المساعدات وإجبار كييف على القبول بحقائق الأمر الواقع، وتتلخص البنود في تسوية شاملة تعيد صياغة المشهد الإقليمي، لكنها تحمل تنازلات سيادية عن الأراضي الأوكرانية، وهذه أهم بنود الخطة:

  1.   التنازل بشكل رسمي عن الأراضي الأوكرانية المحتلة بالكامل إلى روسيا، ويشمل ذلك القرم، ودونيتسك، ولوجانسك – إقليم دونباس – وغيرها من الأراضي الجنوبية كأراضٍ روسية معترف بها بحكم الأمر الواقع من قبل الولايات المتحدة وأطراف أخرى، وتحديدًا مقاطعتي خيرسون وزاباروجيا.
  2.   "حظر انضمام أوكرانيا نهائيًا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) حاليًا أو مستقبلًا، وتغيير دستورها ليُقر بذلك، مع تعهّد الناتو في مسودته بعدم قبول انضمامها مستقبلًا.
  3.   تقليل حجم الجيش الأوكراني بحيث لا يتجاوز 600 ألف مجنّد، مع عدم نشر حلف الناتو أي قوات تابعة له بشكل دائم داخل الأراضي الأوكرانية.
  4.   عودة روسيا لمجموعة الثماني، وبالتالي انتهاء العزلة ورفع العقوبات، وإعادة الإعمار والتمويل، على أن يتم توجيه جزء من الأصول الروسية المجمّدة لإعمار أوكرانيا، إضافة إلى استثمار جزء كبير من أموال روسيا المجمّدة في صندوق أمريكي روسي.

وبالنظر إلى أهم بنود خطة ترامب، نجد أن التنازل بشكل رسمي عن الأراضي الأوكرانية أكبر طعنة في خطة ترامب للسيادة الأوكرانية، تظهر أن أمريكا لم تكن تهتم سوى بمصالحها وأهدافها، وليس أمن أوكرانيا، كما أن التنازل عن القرم وإقليم دونباس بأكمله، إضافة إلى خيرسون وزاباروجيا، يمثل مخالفة صريحة للدستور الأوكراني والقانون الدولي، حيث ينص الدستور الأوكراني بوضوح على أن وحدة أراضي الدولة غير قابلة للتجزئة، وأن تغيير الحدود يتطلب استفتاءً وطنيًا وموافقةً تشريعية، كما أن هذا البند يكلف أوكرانيا خسائر اقتصادية بالغة بعد الحرمان من ثروات إقليم دونباس وخيرسون الزراعية والصناعية والمعدنية، إضافة إلى اقتسام الطاقة من محطة زابوراجيا مما يحرم كييف مستقبلًا من نصف الطاقة المستخرجة سنويًا، وهو ما يضيف إلى موسكو ملايين المليارات ويضعف اقتصاد أوكرانيا لعقود قادمة.

ومقابل البنود التي تمنح لموسكو نصرًا كبيرًا، فإن تخصيص الأصول الروسية المجمّدة لإعادة إعمار أوكرانيا هو أمر معقد قانونيًا، وقد يكون محاولة لإضفاء شرعية أخلاقية على الخطة لتقديم "تعويض" لكييف، أمام التنازلات الضخمة، كما أن الضمانات الأمنية في بنود الخطة وهمية وغير موثوقة، حيث إن أي ضمانات دون المادة الخامسة من الناتو (الدفاع المشترك) تترك أوكرانيا تحت أنياب روسيا مستقبلًا، إضافة إلى أن تحديد حجم الجيش الأوكراني بـ600 ألف مجند يضمن عدم قدرة أوكرانيا على استعادة أراضيها بالقوة في المستقبل، ويعيق قدراتها الدفاعية طويلة المدى، كما أن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بهذه التنازلات والحدود الجديدة لأوكرانيا، وهذه العودة لروسيا إلى الاقتصاد العالمي، يعني التخلي بشكل كبير عن مستقبل أمن أوروبا، ووضع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تحت ضغوط هائلة.

لماذا قد توافق أوكرانيا؟

والغريب أن موقف أوكرانيا من بنود الخطة، رغم امتعاضه في البداية، إلّا أن زيلينسكي أعرب في برلين أن الخطة ليست مثالية ولكنها قابلة للتطبيق، مشترطًا للموافقة على هذه البنود -المهينة وغير الدستورية- وجود ضمانات أمنية قانونية، إضافة إلى تسليح متطور وضمانات دفاعية، وبالنظر إلى التقدم الروسي المستمر حتى في توقيت المفاوضات، نجد روسيا حققت مكاسب ميدانية استراتيجية واسعة على طول خط المواجهة في ديسمبر 2025، وهي كالتالي:

•  إسقاط مدينة كوبيانسك شمال شرق أوكرانيا وحصار أكثر من 3500 جندي أوكراني. •  سيطرة روسيا على مدينة بوكروفسك (كراسنوأرميسك): وهي بوابة التقدم من إقليم دونباس إلى وسط وغرب أوكرانيا، كما أنها ممر إمدادات للجيش الأوكراني.

•  سيطرة روسيا على نحو 77% من مدينة سيفيرسك، بجانب التقدم الكبير في زابورجيا، بمعنى أن روسيا قد تستطيع إذا طال أمد المفاوضات السيطرة على محطة زابوراجيا بالكامل. •  احتلال 4 بلدات إضافية خلال أسبوع واحد فقط في محور "الجنوب"، مما أدى لتوسيع نطاق السيطرة في إقليم دونباس.

•نجحت روسيا في استعادة أغلب المناطق المحتلة من الأوكرانيين في كورسك، والتي احتلتها أوكرانيا في أغسطس 2024.

•   تكثيف القصف الروسي على شبكات الكهرباء الأوكرانية، قسمها إلى نصفين، كما أن استهداف السكك الحديدية وخطوط الإمداد اللوجستي، قسم وحدة الطرق في أوكرانيا، ومنع وصول المساعدات العسكرية الغربية إلى الجبهات الأمامية. •  استطاعت روسيا في ديسمبر 2025 اكتساب مساحة في أراضي أوكرانيا قد تصل إلى 3%، ليكتمل احتلالها 20% من أرض أوكرانيا شرقًا. •  في هذه الأثناء يوجد 700 ألف جندي روسي داخل الأراضي الأوكرانية المحتلة بمعداتهم وآلياتهم العسكرية.

ومن هنا نفهم أن بوتين يضغط عسكريًّا؛ لأنه يدرك أن المفاوضات ستعتمد على "الأمر الواقع"، وكل مدينة تسقط حاليًا (مثل كوبيانسك أو بوكروفسك) تصبح خارج حسابات الاستعادة في أي اتفاق سلام، وبالتالي يكون في أيدي بوتين أكبر قدر ممكن من إقليم دونباس ليفرض "تجميد الصراع" عند الخطوط التي يختارها هو، وليس التي يختارها الغرب، ولذلك فإن التصعيد العسكري يضع زيلينسكي أمام خيارين: إما استمرار القتال، ومن ثم انهيار الجبهة بالكامل وفقدان المزيد من المدن الكبرى قبل الشتاء في ظل فقدان الدعم الأمريكي، أو الموافقة على بنود الخطة مع إنقاذ ما يمكن إنقاذه، كما يوجه بوتين رسالة إلى أوروبا أن دعمهم لأوكرانيا لاستمرار الحرب أو عدم قبول الخطة يعني مزيدًا من الخسائر لأوكرانيا.

مكاسب أمريكية روسية:

تحقق بنود خطة ترامب مكاسب استراتيجية كبيرة لكل من روسيا وأمريكا، بينما تدفع أوكرانيا ثمنًا باهظًا من أراضيها وسيادتها ومستقبلها الاقتصادي والأمني، وتتلخص المكاسب الروسية في كونها نصرًا جيوسياسيًا يفوق الانتصار العسكري كالتالي:

  •  شرعنة المكاسب: تحصل روسيا على اعتراف دولي بالسيطرة على أكثر من 20% من الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك القرم، ودونباس بالكامل، وأجزاء من خيرسون وزاباروجيا.
  • تضمن الأراضي لروسيا السيطرة على الموانئ الحيوية على البحر الأسود، وتأمين الممر المائي والبري للقرم، بالإضافة إلى الاستحواذ على احتياطيات هائلة من المعادن والطاقة في الشرق والجنوب، مما يعزز مواردها لتمويل الدولة، كذلك يفتح لروسيا وسفنها الحربية والتجارية والمدنية شريان حياة أكبر على الممرات المائية الدافئة، بعدما كانت تقتصر على سواحل القرم.
  • تحجيم أوكرانيا: البنود تلزم أوكرانيا بتحجيم جيشها وعدم الانضمام للناتو، وخسائر اقتصادها بعد حرمانها من ثروات إقليم دونباس، وكذلك خيرسون وزاباروجيا، وبالتالي تحجيم أوكرانيا عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا.
  • رفع العقوبات المفروضة منذ عام 2014، وعودة روسيا لدول الثمانية  G8، وإنهاء عزلتها الاقتصادية والسياسية، وبالتالي انفراجة اقتصادية هائلة لروسيا وزيادة الاستثمارات بعد ضغط اقتصادي لأربع سنوات بسبب الحرب، وبالتالي كسر "التبعية" للصين.
  •  صفقات الطاقة والمعادن الأمريكية في قطاع الطاقة الروسي ومشاريع تعدين مشتركة في القطب الشمالي، مما يعني تحول العلاقة من "عداء" إلى "تعاون استثماري"، كما يتيح فرصة للشركات الأمريكية بتوسيع سوق الاستثمار في المعادن النادرة التي تنقص أمريكا وتتميز بها الصين بشكل كبير.

أما عن المكاسب الأمريكية من بنود خطة ترامب لوقف الحرب فهي عديدة كالتالي:

•  وفاء ترامب بالوعد الانتخابي وإنهاء الحرب مما يُعزز شعبية ترامب. • تخفيف الضغوط الاقتصادية بوقف المساعدات العسكرية والمالية الضخمة لأوكرانيا، وبالتالي تخفيف الضغط على الميزانية. •  تقليص دور الناتو وتحميل العبء الأوروبي لدول أوروبا، حيث إن إنهاء الحرب بهذه الطريقة يجبر الأوروبيين على تحمل مسؤولية أمنهم بأنفسهم وزيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل كبير، مما يُقلل الاعتماد المالي الأمريكي على الحلف. •  المكسب الجيوسياسي الأكبر لواشنطن يكمن في تحويل مواردها العسكرية والمالية والدبلوماسية من أوروبا إلى آسيا لمواجهة الصين في بحر الصين الجنوبي وتايوان والمحيط الهادئ بعد تحييد روسيا، أو بمعنى أدق فصل روسيا عن الصين، وذلك وفق رؤية واستراتيجية واشنطن التي تستند إليها في عرض التعاون الاقتصادي على موسكو، ولهذا أيضًا نرى بنود الخطة جميعها في صالح روسيا. •  إنهاء الحرب الآن يتيح لواشنطن تطبيق الدروس المستفادة مباشرة في آسيا، وتحديدًا في سيناريو تايوان: بعد معرفة نتائج الغزو وتأثير العقوبات وغيرها من النتائج. •  البنود تعطي واشنطن الفرصة الكاملة للتحكم في أموال إعادة الإعمار ما بين إعادة بناء أوكرانيا والاستثمار الأمريكي الروسي بأموال روسية بالأساس.

مستقبل أوروبا:

يفرض الوضع الراهن على أوروبا تحديًا وجوديًا تاريخيًا، فسواء تمت بنود ترامب لوقف الحرب أم لا فإن وجود أوروبا الأمني والعسكري والاقتصادي بات على المحك، بعدما استيقظت أوروبا من غفلة التبعية والاعتماد على الأمريكان، وتركت جيوشها وعتادها العسكري دون تحديث لعقود، اعتمادًا على واشنطن أو حلف الناتو، ولذا فإن الحرب الروسية الأوكرانية منذ بدايتها وحتى الوصول لبنود خطة السلام الأمريكية أثبتت أن أوروبا عليها أن تستفيق لغفلتها في ظل الصراع الأمريكي الروسي الصيني، ونستطيع تلخيص أثر الحرب وبنود الخطة على أوروبا كالتالي:

  1.   الأمن والتسليح الأوروبي: كشفت الحرب بوضوح عن ضعف أوروبا عسكريًا، وعن حاجة ملحة لتحديث جيوشها وزيادة مخزوناتها من العتاد والذخيرة بأنواعها وزيادة الميزانيات، وهو ما فطنت له دول أوروبا منذ بداية الحرب في فبراير 2022، إلا أنها رغم ذلك لم تتحرك بعد، فرغم إعلان ألمانيا تخصيص 100 مليار يورو لتحديث جيشها، لم تتحرك برلين ولا يزال عدد قواتها وقدراتها العسكرية كما هو منذ بداية حرب أوكرانيا، والمفارقة أن دول أوروبا رغم كونها منتجة للسلاح بأنواعه وامتلاكها للقدرة المادية والتقنية لم تتحرك لإنشاء قدرات دفاعية أوروبية مشتركة ومستقلة عن القيادة الأمريكية.
  2.   حاجة أوروبا للتركيز على بناء المدفعية بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي، والمخزونات الكافية للحرب المستمرة من الذخيرة بأنواعها، والمسيرات والحرب السيبرانية الإلكترونية وحرب الفضاء لمجاراة روسيا.
  3.   أمن الطاقة والاقتصاد بعدما كشفت الحرب اعتماد أوروبا شبه الكامل على الغاز الروسي الرخيص (الذي يتجاوز 40% من احتياجات أوروبا)، والذي استبدلته أوروبا بإمدادات من الولايات المتحدة وقطر بأسعار أعلى بكثير، وبالتالي فإن تكلفة الطاقة تمثل تحديًا كبيرًا أمام الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والأسمدة والأسلحة، وضرورة توفير بدائل ذاتية إلى جانب التحول الأخضر المتسارع، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على أي قوى خارجية.
  4.   ضرورة وجود دور أكبر للاتحاد الأوروبي كلاعب موحد سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، ليس فقط لمواجهة ثلاثية أمريكا وروسيا والصين، لمواجهة أزمات القارة العسكرية والاقتصادية وأزمات أمن الطاقة ومستقبل الغذاء لضمان الاستقرار.
  5.   مواجهة الانقسام الداخلي في ظل انقسام دول القارة لفريقين: الأول بقيادة (ألمانيا، إيطاليا، المجر)، حيث يميلون لقبول خطة ترامب لإنهاء نزيف الميزانيات واستعادة تدفق الطاقة وتجنب الركود الاقتصادي، أما (بولندا، دول البلطيق، فرنسا جزئيًا) يرون أن الخطة "خيانة" وتأسيس لسابقة تسمح لروسيا بتهديدهم مستقبلًا.
  6.   أوروبا أيضًا تواجه أزمات استضافة اللاجئين والمهاجرين، وتحديدًا الأوكرانيين، كما تواجه القارة أزمة في القيادة في ظل ضعف الاتحاد الأوروبي.

وبالتالي فإن التحدي الذي يواجه أوروبا: كيف تحافظ على وحدتها، وكذلك كيف ستتعامل إذا قررت واشنطن المضي قدمًا في الصفقة دون الالتفات لدول أوروبا؟ أي إن أوروبا عليها الالتفات لمصالحها سريعًا كما تفعل واشنطن، والتحول من تابع لأمريكا إلى منافس.

صعود الصين:

كشفت حرب أوكرانيا عن تبلور واضح لمحور جديد بين بكين وموسكو، حيث استغلت الصين الأزمة الأوروبية لتحقيق مكاسب إستراتيجية متعددة الأوجه، وتأكيد دورها كقوة موازنة للضغوط الغربية على روسيا، وهنا تتعدد مكاسب الصين الاستراتيجية والاقتصادية كالتالي:

•  تبنت بكين موقفًا حياديًّا ظاهريًّا، لكنها قدمت لروسيا شريان حياة اقتصاديًّا بالغ الأهمية، سواء في شراء النفط أو إمدادها بالتكنولوجيا التي تحتاجها لإنتاج السلاح في ظل العقوبات، مما عزز من قوتها عالميًا، كما قوى من علاقتها مع روسيا. •  أصبحت الصين المستورد الأكبر للنفط والغاز الروسي الذي بيع بأسعار مخفضة بسبب العقوبات، ما وفر لبكين ميزة اقتصادية هائلة وقلل من اعتمادها على طرق الإمداد الأخرى، كما ارتفعت التجارة الثنائية بين البلدين وصلت إلى مستويات قياسية. • تعميق استخدام اليوان والروبل في المعاملات، مما قلل من الاعتماد على الدولار الأمريكي وأنظمة الدفع الغربية (مثل سويفت)، وهذا يخدم هدف الصين الأكبر في تدويل اليوان وتعزيز مقاومتها لأي عقوبات غربية مستقبلية. •  يعد الموقف الغربي من أوكرانيا اختبارًا إستراتيجيًّا بالغ الأهمية لبكين في حال قررت استهداف تايوان، بداية من فرض العقوبات أو الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي والغربي لتايوان مستقبلًا، وبالتالي تعلم الصين ماذا ستفعل في كل مرحلة، وتهيئ نفسها جيدًا لذلك. • حرب أوكرانيا كما استنزفت روسيا، فهي أيضًا استنزفت المعسكر الغربي، وهو ما عرقل تركيز واشنطن الكامل اقتصاديًا مع الصين، واستراتيجيًا في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. • الحرب ضاعفت التقارب الصيني الروسي وأكدت على شراكتهم في مواجهة واشنطن والغرب، وهو ما تسعى أمريكا لإضعافه اليوم عبر بنود خطة السلام بتحييد روسيا. • تستخدم الصين واقع حرب أوكرانيا للدعوة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا تهيمن عليه الولايات المتحدة، التي يراها العالم مصدرًا للتدخل والازدواجية في المعايير.

ثورة المسيرات والذكاء الاصطناعي:

حطمت الطائرات بدون طيار العقيدة العسكرية التقليدية؛ حيث مكنت "أسلحة رخيصة التكلفة" من تدمير مدرعات باهظة وتحويل ساحة المعركة إلى بيئة مكشوفة تمامًا، وفرض هذا الاستطلاع الدائم "شفافية مطلقة"، ألغت فاعلية الخنادق والتحصينات، وأجبرت الجيوش على اعتماد تكتيكات التشتت والتمويه المستمر لتجنب الرصد والتدمير الفوري، كما تحول الذكاء الاصطناعي إلى المحرك الفعلي للعمليات، حيث تعالج الخوارزميات بيانات الأقمار الصناعية والمسيرات لتحويلها إلى أهداف عسكرية في ثوانٍ. وبدعم من شبكات الاتصال الفضائي غير المركزية (مثل  Starlink)، انتقل التفوق من الطرف الأكثر "كثافة نيرانية" إلى الطرف الأكثر "سرعة في معالجة البيانات" واتخاذ القرار المعقد.

بينما امتد الصراع إلى الفضاء الإلكتروني والعقل البشري؛ حيث استهدفت الهجمات السيبرانية شل البنية التحتية الحيوية، بينما تلاعبت "الحرب المعرفية" بالرأي العام عبر المعلومات المضللة والذكاء الاصطناعي التوليدي، وأصبح الأمن الرقمي والقدرة على صد التضليل جزءًا لا يتجزأ من السيادة الوطنية الدفاعية الحديثة، كذلك برز سباق التسلح الإلكتروني كأولوية استراتيجية توازي القتال بالمدافع؛ حيث أصبح تعطيل إشارات المسيرات والتشويش مفتاح السيطرة، في حروب المستقبل يحسم النصر لمن يسيطر على "الطيف الكهرومغناطيسي"، لقدرته على تحييد أسراب المسيرات وإخراج منظومات العدو من الخدمة تقنيًا دون إطلاق رصاصة واحدة.

مستقبل الأطراف الفاعلة:

أوكرانيا: لم يعد يحمل المستقبل الأوكراني آمال الالتحاق بالغرب، ولكن تحولت كييف إلى دولة وظيفية ساكنة، وذلك بعد تقليص جيشها المنهك بالأساس، وانتقاص سيادتها، واقتصادها المدمر الذي ينتظر إعادة الإعمار بشركات أمريكية وروسية، وبالتالي تعيش أوكرانيا عقودًا على الأقل تبني ما دمرته قراراتها الخاطئة بالارتماء في أحضان أمريكا التي لا تفي بوعودها ولا تحافظ إلا على مصالحها، كما ستكون كييف في المستقبل رهينة لرضا موسكو عنها، وإلّا فقد ذاقت أوكرانيا مرارة الحرب وتعلم جيدًا عاقبة الخروج عن النص، وبالتالي فإن أكبر الخاسرين هي أوكرانيا والشعب الأوكراني الذين لا نكاد نستطيع حصر خسائرهم.

أما روسيا فستخرج من الحرب قوة أكبر من ذي قبل بعدما تقدمت خطواتها نحو استعادة كيان الاتحاد السوفيتي ولكن بسياسة مختلفة لا تقع في أخطاء الماضي كما يقول بوتين دائمًا، كذلك تكون ثبتت روسيا قدميها أكثر في روسيا وأوروبا، بعدما وضعت خطوطًا حمراء بالدم ومئات الآلاف من الخسائر البشرية في صفوف جنودها، ولتضع أيضًا حدودًا أوسع لروسيا على الجميع الحذر من المساس بها، كما تحصل موسكو على اعتراف واشنطن بحدودها الجديدة، كما أن موسكو في طريقها لانتعاش اقتصادي كبير بسبب وقف الحرب وعودتها لمجموعة الثمانية وزوال العقوبات، وخيرات حدودها الجديدة المنتزعة من أوكرانيا، وأخيرًا تستطيع روسيا أن تستغل الصين وأمريكا لتحقيق مصالح أكبر نحو أحلامها.

أما أمريكا، فتستطيع غلق صفحة روسيا مؤقتًا، وتخفيف الحمل الأوروبي للتركيز على الصين والصراع الاقتصادي والاستراتيجي في المحيط الهادئ، مما يجعل حلفاء أمريكا مثل تايوان وكوريا الجنوبية وكذلك اليابان يعيدون التفكير بسياسة الاحتماء بواشنطن، والتحسب لنفس المصير الأوكراني، كما تنتفع الشركات الأمريكية من المعادن الأوكرانية بعد انتهاء الحرب إثر اتفاق ترامب وزيلينسكي.

بينما تظل الصين الرابح الأكبر من الحرب بعد روسيا، وذلك لأن بكين تعلمت من سيناريو أوكرانيا جيدًا لتستعد لغزو تايوان، كما حصلت على طاقة رخيصة من روسيا، كذلك تفهمت أقصى ردود أمريكا في حال غزو تايوان، كما اختبرت بكين أسلحتها المسيرة، إضافة إلى أن الفرقة بين أوروبا وأمريكا تصب في صالح اقتصاد الصين مستقبلًا، كما أن دول آسيا تفهمت أن أمريكا قد تبيعهم مقابل علاقات أقوى مع الصين أو غيرها، كذلك تركز بكين على أشباه الموصلات والمعادن النادرة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في المسيرات، خاصة الرخيصة التي دمرت دبابات بالملايين في أوكرانيا.

بينما ستجد أوروبا نفسها مستقبلًا في "عراء أمني" دون غطاء أمريكي، يضطر ألمانيا وفرنسا لإنفاق عسكري ضخم، وبالتالي ستعيش أوروبا تحت جحيم بناء قوة عسكرية خاصة بها، أو تعيش تابعة تشاهد فقط تقدم الثلاث (أمريكا، الصين، روسيا)، وصراعهم على النفوذ والقوة والسيادة.

الخلاصة:

تؤكد بنود خطة سلام ترامب لإنهاء حرب أوكرانيا أننا لسنا بصدد تسوية لنزاع إقليمي، بل أمام عملية إعادة هندسة شاملة لموازين القوى العالمية، وتحولًا جذريًا إلى عالم "المصالح والواقعية الإمبريالية"، حيث تم تبادل الأدوار والمكاسب فوق أشلاء السيادة الأوكرانية التي تحولت من "درع صلب لأوروبا" إلى "منطقة عازلة" محكومة بإرادة الكبار، كما أرست هذه التسوية مبدأ "المقايضة الاستراتيجية"، حيث نالت روسيا اعترافًا جغرافيًا وشرعية دولية عززت أمنها الجيوسياسي، مقابل "انسحاب تكتيكي" أمريكي يسمح لواشنطن بالتفرغ الكامل لمواجهة التنين الصيني في آسيا، على حساب سيادة أوكرانيا التي وثقت في أمريكا مسبقًا، وبالتالي وضع هذا الانكفاء الأمريكي أوروبا أمام لحظة تاريخية تجبرها على تحمل عبء أمنها الذاتي وتكلفة استقلالها الطاقي، بعد عقود من "التبعية الآمنة" تحت المظلة الأمريكية.

في حين لم تكن الصين بعيدة عن المشهد، بل استثمرت الحرب بشكل استراتيجي مكّنها من اختبار تماسك الغرب ودراسة سيناريوهات المستقبل (تايوان)، مع تحويل روسيا إلى شريك اقتصادي متين يدعم صعود "اليوان" ويكسر أحادية الدولار، كذلك أعلنت الحرب رسميًا بزوغ "تعددية أقطاب قسرية"، حيث تآكلت الهيمنة الأمريكية المطلقة لصالح محاور صاعدة تفرض شروطها ببراجماتية لا تعترف بغير القوة، وفي النهاية أثبتت حرب أوكرانيا أن تفوق الجيوش لم يعد يُقاس بحجم الأساطيل أو عدد الدبابات، بل بمدى القدرة على دمج الذكاء الاصطناعي، والمسيرات الرخيصة، والاتصالات الفضائية في عقيدة قتالية موحدة، بجانب السيطرة على "الطيف الكهرومغناطيسي" و"السيادة التكنولوجية"، وأصبح المعيار الحقيقي للقوة: من يمتلك "البيانات الأسرع" و"الخوارزمية الأذكى"، إضافة إلى أن خطة ترامب تعيد رسم خريطة دول العالم وفقًا للمصالح، وتعترف بتقليم أظافر الدول التي لا تملك استقلالًا اقتصاديًا وتقنيًا وعسكريًا، وتؤكد أن العالم لا يمنح الاعتراف إلا للقوي، ولا يقيم وزنًا إلا لمن يمتلك أدوات الردع.

المصادر:

مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- الحرب الروسية - الأوكرانية: هل أخفقت دبلوماسية ترامب أمام مصالح ورهانات أطرافها؟- 12 أكتوبر 2025.

الجزيرة- نص خطة ترامب لوقف الحرب الروسية الأوكرانية- 22 نوفمبر 2025.

Bbc- ماذا نعرف عن خطة السلام "السرّية" لإنهاء الحرب في أوكرانيا؟- 22 نوفمبر 2025.

العربية- إعلام أميركي: أوكرانيا قدمت لواشنطن خطة منقحة للسلام من 20 نقطة- 11 ديسمبر 2025.

الجزيرة- لماذا تثير خطة ترامب بشأن أوكرانيا الجدل بالمنصات؟- 23 نوفمبر 2025.

Dw- خطة السلام في أوكرانيا.. هل اقتربت نهاية الحرب؟- 25 نوفمبر 2025.

Dw- خطة ترامب - استسلام أوكراني قسري لأمنيات روسية أم ثمة بدائل؟- 23 نوفمبر 2025.

الجزيرة- ما الذي تحتاجه خطة ترامب لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟- 20 نوفمبر 2025.