مبدأ الاتزان الإستراتيجي في السياسة الخارجية المصرية.. دراسة في إدارة التوازنات الإقليمية والدولية في ظل نظام دولي متغير

ملفات خارجية
مبدأ الاتزان الإستراتيجي في السياسة الخارجية المصرية.. دراسة في إدارة التوازنات الإقليمية والدولية في ظل نظام دولي متغير
٨ دقائقللقراءة
تاريخ النشر: ١٤ مارس ٢٠٢٦

مارست مصر سياسة خارجية نشطة في السنوات العشر الماضية استندت إلى الرؤية التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وخبرات وتقاليد وزارة الخارجية المصرية، التي تمتد لأكثر من مائة عام منذ تاريخ إنشائها بشكلها الحديث عام 1922م. وتنطلق سياسة مصر الخارجية من مفهوم "الاتزان الإستراتيجي"، الذي حدده رئيس الجمهورية "عبد الفتاح السيسي" وأصبح جوهر منطلقاتها.

وقد عبَّر رئيس الجمهورية عن هذا المفهوم في خطابه أمام حفل إفطار الأسرة المصرية في 6 أبريل 2024م، عندما أكد على "الاستمرار في سياسات الاتزان الإستراتيجي التي تنتهجها الدولة المصرية تجاه القضايا الدولية والإقليمية، والتي تحددها محددات وطنية واضحة في مقدمتها مراعاة أبعاد الأمن القومي المصري والسعي لإقرار السلام الشامل القائم على العدل، ودعم مؤسسات الدول الوطنية واحترام إرادة الشعوب". وفي هذا السياق يسعى مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، لتسليط الضوء على مفهوم الاتزان الإستراتيجي الذي تنتهجه الدولة المصرية في علاقاتها الخارجية والدولية في ظل نظام دولي يتسم بالتغير وعدم الوضوح.

يشير مفهوم الاتزان الإستراتيجي إلى قدرة الدولة على إدارة علاقاتها الخارجية بطريقة تحقق التوازن بين القوى المتنافسة، بما يضمن حماية مصالحها القومية وتجنب الانخراط في استقطابات حادة قد تقيد استقلال قرارها السياسي. وهو لا يعني الحياد السلبي، بل يمثل إدارة نشطة للتوازنات عبر تنويع الشراكات، وتوزيع الاعتماد، وتعظيم هامش المناورة.

وفي الحالة الخاصة بمصر، يتخذ الاتزان بعدًا مركبًا نظرًا لموقعها الجيوسياسي، وارتباطاتها الإقليمية، وثقلها التاريخي في النظامين العربي والإفريقي. وفي هذا السياق، انعكس مبدأ "الاتزان الإستراتيجي" في عدد من التوجهات والأولويات، تنطلق جميعها من بوصلة المصلحة الوطنية المصرية، والتزمت بها سياسة مصر الخارجية، وأهمها:

1- احترام الدولة الوطنية، باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية في النظام الإقليمي والدولي. ويرتبط بذلك احترام سيادة الدول الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها، والتأكيد على أنَّ إضعاف مؤسسات الدولة أو تهديدها يؤدي إلى عدم استقرار العلاقات بين الدول، ويزيد من فرص الاضطراب والفوضى، وزيادة دور الكيانات المنظمة من غير الدولة كالتنظيمات والميليشيات العسكرية. كما يؤدي تهديد مؤسسات الدولة أيضًا إلى تراجع الرابطة الوطنية الجامعة، وعودة الولاءات الطائفية والنعرات العرقية بدلًا منها، وتفشي الصراعات الداخلية المرتبطة بها. وقد ارتكزت السياسة المصرية في مقاربة أزمات الجوار العربي على مجموعة من المبادئ الحاكمة، في مقدمتها الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية باعتبارها ركيزة الاستقرار، والتمسك بأولوية الحلول السياسية للصراعات الإقليمية، مع التأكيد على مبدأ «الملكية الوطنية» لهذه الحلول، ورفض أي إملاءات خارجية أو تدخلات تمس سيادة الدول وشؤونها الداخلية. وانطلاقًا من هذه الثوابت، تعاملت مصر خلال السنوات الماضية مع الأزمات الممتدة والمتجددة في محيطها الإقليمي تحت عنوان استعادة الاستقرار وصون الدولة الوطنية، وسعت إلى دعم جهود إعادة بناء مؤسساتها في حالات مثل السودان وليبيا، بما يحفظ وحدة أراضيهما ويحول دون انزلاقهما إلى مزيد من التفكك وعدم الاستقرار.

2- رفض الانخراط في مختلف مظاهر الاستقطاب الدولي وعدم الدخول في أحلاف مع أحد الأطراف ضد أخرى. ويرتبط بذلك، الانفتاح على كل الفاعلين الإقليميين والدوليين وتنويع الشركاء الإستراتيجيين، والعمل الدائم للوصول إلى تفاهمات وتوافقات بين القوى المختلفة لضمان تحقيق الأمن والسلام والتنمية المستدامة. وقد أشار رئيس الجمهورية أثناء مشاركته في قمة "البريكس" التي استضافتها مدينة "قازان" الروسية إلى "أنَّ الأزمات المتعاقبة التي عصفت بالعالم خلال السنوات الماضية، أوضحت بما لا يدع مجالًا للشك عجز النظام الدولي عن التعامل بإنصاف مع الصراعات حول العالم، فضلاً عن حالة الاستقطاب والانتقائية التي أضحى النظام الدولي يتسم بها". وبالتالي، تُمثل مصر نموذجًا لإدارة الاستقطاب الدولي بمرونة وإستراتيجية توازن، تجمع بين الحفاظ على مصالحها الوطنية والانخراط الفاعل في النظام الدولي، دون الانجرار وراء أزمات قد تضعف دورها الإقليمي.

3- تحقيق السلام في العلاقات الدولية، وفقًا لأحكام القانون الدولي ومبادئ وأهداف ميثاق هيئة الأمم المتحدة. ويشمل هذا الهدف التمسك بمبدأ فض المنازعات بالطرق السلمية وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، حيث دعت مصر إلى الالتزام بالعمل من أجل تحقيق حلول سلمية ومستدامة للنزاعات الإقليمية والدولية، وتضمن ذلك دعوة أطراف النزاعات الداخلية إلى الحوار والوصول إلى حلول يتم التوافق عليها بينهم. وتؤمن مصر بأنَّ التفاوض في النزاعات ينبغي أن يكون على أسس المبادئ القانونية والتاريخية والأخلاقية، وذلك لأنه لا يُمكن أن تكون المعادلات الصفرية هي وسيلة تحقيق المصالح في عالم سمته الاعتماد المتبادل.

4- الالتزام بالحفاظ على النظام الدولي متعدد الأطراف، وفي قلبه الأمم المتحدة وأجهزتها، باعتباره الركيزة الأساسية للحفاظ على مكتسبات السلام والاستقرار والتنمية، والضمانة القوية لحفظ الأمن والسلم الدوليين، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير وتحديث هذا النظام. وقد أكد رئيس الجمهورية على هذه المعاني في خطابه أمام الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث شدد على أنه "فيما يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين بات من الضروري أن نتبنى جميعًا نهجًا يضمن تنفيذ ما يصدر من قرارات في الأطر متعددة الأطراف مع إيلاء الأولوية لتطبيق القواعد والمبادئ المستقرة والثابتة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وهو ما يستلزم توافر الإرادة السياسية اللازمة لدى الدول لاحترام وتنفيذ القرارات وتفعيل مهام الأمم المتحدة على صعيدين رئيسيين: أحدهما: المتابعة الحثيثة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه واتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لمساعدة الدول لتنفيذ التزاماتها وبناء قدراتها مع مراعاة مبدأ الملكية الوطنية. والآخر: العمل على محاسبة الدول التي تتعمد خرق القانون الدولي والقرارات الأممية وبصفة خاصة قرارات مجلس الأمن".

بذلك تبرز مصر كطرف فاعل يسعى للحفاظ على السلام والاستقرار الدولي، مع الحفاظ على استقلالية قرارها الوطني ومصالحها الإستراتيجية.

5- الالتزام بمبدأ مكافحة الإرهاب في كل صوره وأشكاله كونه يمثل تهديدًا للدولة الوطنية ومؤسساتها وأمنها، ومصدرًا لإثارة مشاعر الخوف وانعدام الأمن في المجتمع، وزعزعة العلاقات الودية بين الدول. وقد دعت مصر إلى ضرورة تبني المجتمع الدولي مقاربة شاملة لمواجهة الإرهاب في كافة صوره ومظاهره وأشكاله وتقويض قدراته وتجفيف منابع تمويله. ويرتبط بذلك، السياسات الصارمة التي اتبعتها مصر لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والإتجار بالبشر، وإيجاد أطر شرعية لتنظيم الهجرة. وقد أشار رئيس الجمهورية إلى أنَّ "مواجهة خطر الإرهاب واستئصاله من جذوره تتطلب إلى جانب الإجراءات الأمنية والعسكرية مقاربة شاملة تتضمن الأبعاد السياسية والأيديولوجية والتنموية" وأضاف "أنَّ المواجهة الشاملة مع الإرهاب تعني بالضرورة مواجهة كافة أبعاد ظاهرة الإرهاب فيما يتصل بالتمويل والتسليح والدعم السياسي والأيديولوجي، فالإرهابي ليس فقط من يحمل السلاح وإنما أيضًا من يدربه ويموله ويسلحه ويوفر له الغطاء السياسي والأيديولوجي".

6- إدارة العلاقات الاقتصادية بين الدول بهدف تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في العالم من خلال إدارة علاقات اقتصادية قائمة على توازن المصالح وتحقيق الفائدة للجميع؛ وذلك لأنَّ تحقيق هذه التنمية يُعدُّ الشرط الضروري لنظام عالمي مستقر، وأفضل سبل الوقاية ومنع النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية. وقد أولت مصر أهمية كبرى لاتخاذ خطوات ملموسة، لضمان اضطلاع المجتمع الدولي بدوره، في توفير التمويل الميسر لتحقيق التنمية في الدول النامية، عبر استحداث آليات مبتكرة وفعالة، وآليات شاملة لضمان الإدارة المستدامة لديون الدول النامية. ودافعت مصر عن مفهوم المسؤولية المشتركة متفاوتة الأعباء بين أعضاء المجتمع الدولي لتضييق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين الدول المتقدمة والنامية. وعبر رئيس الجمهورية عن شواغل وتطلعات الدول النامية وخصوصًا الإفريقية، ومسؤولية النظام الدولي في العمل على تجاوز أوضاعها، في اجتماعات مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، ومجموعة دول العشرين.

7- الاهتمام بالمصريين في الخارج ورعاية مصالحهم، حيث اهتمت الدولة المصرية برعاية أبنائها في الخارج. وتعبيرًا عن ذلك، تمَّ تغيير اسم وزارة الخارجية في التشكيل الوزاري في 2024م ليكون وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، فأعطت الوزارة، بتوجيهات من السيد رئيس الجمهورية، أولوية قصوى لتقديم خدمات قنصلية فعالة ومباشرة، ورقمنة كل العمليات القنصلية حتى يتحقق ذلك، وتمَّ اعتبار رعاية الجاليات المصرية في الخارج، أحد الاهتمامات الرئيسية لبعثاتنا الدبلوماسية. وكان هناك المبادرة الرئاسية لإحياء الجذور المصرية اليونانية القبرصية، وذلك لربط الشباب وتعزيز التعاون بين الدول الثلاثة. وأصبحت اللقاءات بممثلي الجاليات المصرية في الخارج جزءًا رئيسيًّا من زيارات السيد وزير الخارجية للدول المقيمون بها. وتمَّ إنشاء منظومة الشباك الواحد بالمصالح والجهات الحكومية كافة، التي تقدم خدمات شاملة للمصريين بالخارج، وتنظيم سلسلة من المؤتمرات تحت عنوان "مصر تستطيع" بمشاركة علماء وخبراء مصريين حققوا نجاحات بالخارج في مختلف التخصصات. هذا، وتمثل هذه المبادئ ثوابت مبدأ "الاتزان الإستراتيجي" في سياسة مصر الخارجية. ويقدم هذا الكتاب نماذج في تطبيقاتها في العلاقة مع مناطق جغرافية مثل المنطقة العربية، والقارة الإفريقية، وأوروبا، وآسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في قضايا ملحة مثل دور مصر في المنظمات الدولية، والدبلوماسية الاقتصادية والبيئية، ومكافحة الإرهاب.

الخلاصة:

·         تشكل هذه المبادئ مجتمعة الأسس الراسخة لمبدأ «الاتزان الإستراتيجي» في السياسة الخارجية المصرية. واستعراض نماذج عملية لتجليات هذا المبدأ في تعامل مصر مع دوائرها الجغرافية المختلفة، سواء في محيطها العربي، أو داخل القارة الإفريقية، أو في علاقاتها مع أوروبا وآسيا، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كما يتناول تطبيقات هذا النهج في قضايا محورية، من بينها دور مصر في المنظمات الدولية، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والبيئية، وجهود مكافحة الإرهاب، بما يعكس رؤية متوازنة تجمع بين حماية المصالح الوطنية والانخراط المسؤول في النظام الدولي.

·         أثمر هذا التوجه عن تمكين مصر، وللمرة الأولى في تاريخها الحديث، من تحديد خطوط حمراء صريحة تستند إلى جاهزية عسكرية وبحرية متقدمة، تجلت في انتشار واسع للقواعد والتشكيلات البحرية على امتداد حدودها ومحاورها الإستراتيجية. وفي الوقت نفسه، حافظت القاهرة على امتدادها العربي والإفريقي، متجنبة الانخراط في سياسات الهيمنة أو منطق الاستعراض، ومؤكدة التزامها بتوازن القوة والمسؤولية.

·         استعراض أطر التحرك الدبلوماسية المصرية في الدوائر العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية والدولية استنادًا لمفهوم الاتزان الإستراتيجي، والشراكات الشاملة مع القوى الكبرى.

·         إبراز الدور المحوري للدبلوماسية المصرية في دعم مسارات السلم والأمن والتنمية في الأطر الثنائية والمنظمات الإقليمية والدولية، ومكافحة الإرهاب، والدبلوماسية الاقتصادية والبيئية.

المصادر:

الكلمات المفتاحية

الاتزان الاستراتيجي في السياسة الخارجيةالسياسة الخارجية المصريةإدارة التوازنات الإقليمية والدوليةتحولات النظام الدوليالأمن القومي المصري