البحر الأحمر وحرب المواني.. مصر تواجه مشروعات التفتيت في اليمن والصومال والسودان وتعيد هندسة الإقليم

إقليمية
البحر الأحمر وحرب المواني.. مصر تواجه مشروعات التفتيت في اليمن والصومال والسودان وتعيد هندسة الإقليم
١٧ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٢٩ مارس ٢٠٢٦

لا يمكن النظر إلى ما يحدث اليوم في الممرات المائية الممتدة من قناة السويس والبحر الأحمر وصولًا إلى مضيق باب المندب ومنطقة القرن الإفريقي كأحداث منفصلة، بل هي أجزاء من مشهد واحد يُشكل "مثلث اضطراب كبير"، هذا المثلث الذي يربط بين السواحل اليمنية المضطربة، وخليج عدن، والعمق الإفريقي المتفجر في الصومال، بات يمثل التحدي الأمني الأكبر للأمن القومي المصري والعربي في القرن الحادي والعشرين؛ هذا المثلث ليس مجرد جغرافيا، بل هو "شريان طاقة وتجارة إقليمي وعالمي"، وبالتالي رسم الربط بين اليمن والصومال واقعًا جديدًا -كونهما بلدين يطلان على باب المندب-؛ حيث تداخلت أطماع أديس أبابا في الوصول لمدخل للمياه الإقليمية، مع رغبة الاحتلال الصهيوني في إيجاد موطئ قدم استخباري جنوب البحر الأحمر، مدفوعًا بتمويل وأجندات إماراتية تسعى للسيطرة على المواني الإستراتيجية، ما جعل من أمن الصومال ومواني القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ثم قناة السويس وحدة واحدة لا تتجزأ.

كما أنَّ البحر الأحمر وقناة السويس هما شريانا حياة وأمن قومي "مصري خالص"، فإنهما يمثلان منطقة نفوذ حيوية للمملكة العربية السعودية، وبناءً عليه، فإنَّ أي محاولة لفرض واقع "انفصالي" في أرض الصومال، أو تمكين ميليشيات موازية للدولة في اليمن والسودان، أو زرع قواعد عسكرية لإثيوبيا والاحتلال الإسرائيلي في مدخل باب المندب، هي استهداف مباشر وعمل عدائي ضد مصر والسعودية والسودان واليمن والدول المشاطئة لسواحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي يستوجب التدخل والرد، وهو ما نقل القاهرة والرياض وأنقرة من مرحلة احتواء الأزمات إلى مرحلة "إجهاض المشروعات"؛ فالأمن القومي المصري لا يبدأ من الحدود، بل من مضيق باب المندب وسواحل الصومال، وأي عبث في توازنات هذه المنطقة هو عبث بقلب اقتصاد مصر واستقرار المنطقة ككل.

أولًا.. التحالف المصري السعودي: الأهداف، دلالة التوقيت، والإجراءات التنفيذية:

جذور الأزمة في اليمن:

لم تَعُد الحرب في اليمن مجرد مواجهة مع جماعة "الحوثي"، بل تحولت إلى صراع نفوذ معقد تديره قوى إقليمية، حيث برز الخلاف السعودي الإماراتي كأحد أخطر التصدعات التي أعادت رسم خارطة التهديدات في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فبينما دخلت المملكة العربية السعودية الحرب بهدف استعادة الدولة اليمنية في الجنوب والحفاظ على (الحكومة الشرعية)، اتجهت الإمارات نحو مسار موازٍ تمثل في دعم ميليشيات مسلحة "المجلس الانتقالي الجنوبي" خارج إطار الدولة، هذا النهج الإماراتي يمثل استنساخًا لما تفعله في السودان؛ حيث تسعى إلى "تمويل تقطيع أوصال الدول" وصناعة ميليشيات موازية للجيوش الوطنية لإضعاف مركزية القرار، وتحقيق أطماعها غير الشريفة وهو ما اصطدم مباشرة مع مصالح السعودية واستقرار جنوب اليمن، وبالتالي تضع الإمارات قدمًا لها ليس جنوب اليمن فحسب، بل على سواحل البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما دفع السعودية للتدخل.

الأجندة الإماراتية وأطماع المواني:

تتحرك الإمارات في اليمن وفق إستراتيجية "خنق المنافسين" وتأمين السيطرة البحرية المطلقة، فلم يكن التدخل الإماراتي في جزر مثل (سقطرى وميون) عفويًّا، بل هو محاولة لوضع اليد على المواني اليمنية لضمان عدم تحولها إلى بدائل تجارية لمواني دبي، إضافة إلى عسكرة الجزر وبناء قواعد عسكرية في جزيرة "ميون" الإستراتيجية بمدخل باب المندب بهدف فرض واقع عسكري يخدم أجندات إماراتية وإقليمية، بما في ذلك تسهيل التواجد الاستخباري الذي يخدم الاحتلال الصهيوني سواء بقصد أو بغير قصد، وإن كان الواقع يدلل بقوة على تطبيع إماراتي إسرائيلي كامل، وأنشأت الإمارات بأطماعها في اليمن وانقلابها على التعاون مع السعودية واقعًا انفصاليًّا في الجنوب هدد وحدة اليمن، كما سلط الضوء بشكل أكبر على حقيقة أطماع الإمارات في المنطقة، ودفع السعودية إلى ضرورة التحرك بشكل قوي وحاسم.

الأهداف ودلالة التوقيت:

أمام التغول الإماراتي الإسرائيلي الإثيوبي، فرضت مصر واقعًا جيوسياسيًّا جديدًا تحت شعار "حماية الأمن القومي العربي"، يجسد هذا الواقع عودة "المركزية المصرية" كحجر زاوية لهذا الحلف، وتكاملها الإستراتيجي مع الثقل السعودي والتفوق التكنولوجي التركي لكسر حلقات الحصار المفروضة على المنطقة.

وقد أتت هذه اللحظة التاريخية كنتيجة طبيعية لتراكم الأحداث، حيث أذابت أزمات الصومال واليمن والعدوان على السيادة السودانية الجليد بين القاهرة وأنقرة، لتتحول عودة العلاقات المصرية التركية من بروتوكولات دبلوماسية إلى "محور استقرار" ثلاثي يهدف إلى:

  • تأمين المياه الدافئة: حماية البحر الأحمر باعتباره شريان الحياة لقناة السويس والمشروعات الساحلية السعودية الكبرى.
  • إجهاض المشروعات المشبوهة: التنسيق الكامل لرفض وجود أي ميليشيات موازية للدول الوطنية، والتصدي لمحاولات تحويل المواني الصومالية إلى "قواعد استخبارية" معادية.

أهمية مصر للسعودية:

أما على الصعيد السعودي، فقد أدركت الرياض أخيرًا بعد انقلاب الإمارات عليها في اليمن، بأنَّ مصر هي حليفها الأول والتاريخي مهما امتلكت السعودية من مال أو نفوذ، وأنَّ القوة العسكرية المصرية هي الضمانة الوحيدة لحماية "الحزام العربي الإفريقي" من الأطماع التوسعية؛ ولا سبيل في المنطقة من أمان وتصدٍّ لأي مخططات وأطماع عدوانية إلا بالوقوف وراء مصر أو جوارها، وهو ما أجهض محاولات الإمارات للانفراد بالقرار الإقليمي أو إضعاف السيادة السعودية جنوبًا، وهو ما يحدث اليوم في السودان أيضًا من تكامل عربي في مواجهة دعم الإمارات لميليشيا الدعم السريع. هكذا، وبالرغم من الصراعات الدولية والإقليمية، لطالما رسخت مصر مبدأً ثابتًا: "لا عبور، لا أمن، ولا استقرار" دون مباركة القاهرة، وهذا ما فهمه أردوغان جيدًا وفهمه بن سلمان أيضًا؛ ولذلك فإنَّ تحالف "القاهرة الرياض أنقرة" بات هو "الرقم الصعب" الذي يجبر واشنطن وبكين على الاعتراف بأنَّ أمن البحر الأحمر ومن ثَمَّ قناة السويس خط أحمر غير قابل للتدويل.

الإجراءات التنفيذية:

وفي إطار ترجمة هذه الأهداف إلى واقع ملموس، تقف مصر اليوم كقائدة لهذا التحالف، معيدةً صياغة معادلات القوة في القرن الإفريقي عبر أدوات ردع حازمة:

  • الدبلوماسية العسكرية: توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع الصومال، وإرسال تعزيزات وقوات نوعية لمقديشو (فبراير 2026)، في رسالة ردع واضحة لأديس أبابا بأنَّ مياه الصومال هي "منطقة نفوذ حيوي مصري" محمية بقوة السلاح.
  • السيادة المطلقة: جاء تأكيد الرئيس السيسي بأنَّ مصر لن تسمح بتهديد أشقائها ليضع حدًّا للأطماع الإثيوبية والإسرائيلية، مرسخًا حقيقة أنَّ أمن باب المندب هو "مسؤولية حصرية للدول المشاطئة.
  • إعادة ترتيب مثلث (القاهرة الرياض أنقرة) وتنسيق ميزان القوى الذي غير قواعد اللعبة ميدانيًّا عبر تكامل فريد للأدوار والمهام: وفرت مصر "العمق الإستراتيجي" وغرف العمليات، والمعلومات الاستخبارية، علاوة على القيادة السياسية، بينما قدمت تركيا التكنولوجيا العسكرية الفائقة (المسيرات مثل البيرقدار وصواريخ الدقة العالية)، في حين شكلت السعودية الثقل السياسي والاقتصادي والعمق العربي. وليس بعيدًا عن هذا التكامل، فقد أثبت الواقع في السودان أهمية دخول سلاح المسيرات التركي المدعوم بالاستخبارات الميدانية المصرية، والذي أحدث حالة من (العمى التكتيكي) للميليشيات المتمردة، وهذا السيناريو هو ذاته الذي يُنفذ الآن لحماية الصومال؛ حيث يضع التحالف المعتدين تحت مطرقة العمليات النظامية، ويجفف منابع الإمداد اللوجستي الذي كان يعبر عبر مسارات غير شرعية.

ثانيًا: التحديات التي تواجه التحالف وفرص نجاحه:

إنَّ الحديث عن التحديات التي تواجه هذا التحالف يقودنا مباشرة إلى طبيعة "تحالف الظل" الذي يتصدى له. فتحت ستار "الاستثمار" و"التنمية"، يحاك مشروع لإعادة هندسة المنطقة جيوسياسيًّا؛ ولذلك تحولت (أبوظبي تل أبيب أديس أبابا) إلى كتلة واحدة تمارس "العدوان الجيوسياسي" لفرض واقع جديد يسعى للسيطرة على القرن الإفريقي والبحر الأحمر وخنق قناة السويس، فلم يكن اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" خطوة دبلوماسية، بل اعتراف بـ"وكيل جغرافي" يوفر موطئ قدم استخباري وعسكري جنوب البحر الأحمر، لمراقبة الملاحة وتهديد العمق المصري، مع رغبة الإمارات في تحويل ميناء "بربرة" عبر "مواني دبي العالمية" من مرفأ تجاري إلى مركز ثقل إقليمي ينافس قناة السويس، ويكون بمثابة رئة عسكرية واقتصادية تتنفس منها إثيوبيا بعيدًا عن أي رقابة أو سيادة عربية.

وهنا تتحقق مصالح الدول الثلاث على حساب مصر والسعودية أولًا ثُمَّ دول أخرى مثل الصومال والسودان. وفي هذا السياق: تسعى إسرائيل، بدعم لوجستي وتمويلي إماراتي، إلى نزع الصبغة العربية عن البحر الأحمر وتحويله من "بحيرة عربية خالصة" إلى "منطقة نفوذ دولي" مفتوحة، مستهدفةً تحقيق غايتين:

  • خنق الشريان المصري: وضع قناة السويس والأمن القومي المائي لمصر تحت رحمة "الابتزاز السياسي" عبر التحكم في بوابات الملاحة الجنوبية.
  • القواعد الاستخبارية: تحويل المواني الصومالية واليمنية (مثل سقطرى وميون) إلى "نقاط عمياء" تحت ستار الاتفاقيات الاقتصادية، لتعمل كقواعد استخبارية تراقب التحركات العسكرية المصرية والسعودية وتجهض أي تفوق بحري عربي مستقبلي.

وفي المقابل: تؤدي الإمارات دور "الممول والمنفذ" لمشروعات تضعف المركزية المصرية والسعودية بشكل مباشر وممنهج، حيث تعمل أبو ظبي كواجهة لمشروعات أمنية تخدم الأهداف الصهيونية، سواء عبر دعم الميليشيات الموازية في السودان واليمن، أو دفع إثيوبيا للتجرؤ على السيادة الصومالية، وبالتالي فإنَّ التواجد الإماراتي في إقليم "أرض الصومال" الانفصالي هو تواجد معادٍ بامتياز؛ فهو الذي يوفر الغطاء المالي لإثيوبيا لتنفيذ أطماعها، ويمنح إسرائيل "شرعية التواجد" خلف قناع الاستثمارات البحرية واللوجستية.

وهنا تكمل إثيوبيا المشهد كطرف ثالث في هذا الثلاثي المتواطئ، حيث تكون:

  • إثيوبيا: المعتدي المباشر والطامح لاقتطاع أراضي الصومال وتغيير الخرائط.
  • إسرائيل: المحرض والمستفيد الإستراتيجي الساعي لتطويق الدولة المصرية.
  • الإمارات: المهندس الصامت والممول الذي يغذي النزعات الانفصالية لضمان بقاء مواني المنطقة تحت وصايته.

فرص النجاح.. (تتجلى في قوة الردع والتنسيق القائم):

على الجانب المقابل: تتعدد فرص نجاح التحالف الثلاثي، وفي مقدمتها ما أظهرته السعودية من قدرة على إدارة الأزمة. فواجهت السعودية أزمة أطماع الإمارات بذكاء إستراتيجي اعتمد على عدة خطوات كالتالي:

  • إعادة ترتيب التحالفات وتقوية "مجلس القيادة الرئاسي" اليمني في مواجهة المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًّا.
  • الدفاع عن وحدة التراب والتمسك بسيادة اليمن ومنع تحويل موانيها إلى "قواعد استخبارية" تهدد الملاحة في قناة السويس.
  • إضافة إلى التكامل مع مصر وتركيا لتوفير "ميزان قوى" يمنع الهيمنة المنفردة على المواني، ويجبر الأطراف الممولة للميليشيات على التراجع أمام قوة الجيوش الوطنية النظامية.

كما أنَّ أفعال الإمارات في اليمن من بناء وشراء ولاء ميليشيات يمنية ثُمَّ استخدامهم في الانقلاب على السعودية، أثبتت الحاجة إلى ضرورة المواجهة القوية للسياسة الإماراتية في اليمن، وقد نجح التنسيق (المصري التركي السعودي) بالفعل في تجفيف منابع دعم الميليشيات عبر إغلاق صنبور الإمداد اللوجستي الإماراتي في ليبيا والسودان، حيث إنَّ استخدام الإمارات للمواني اليمنية كمنصات دعم لوجستي لمشروعاتها التوسعية يضع الأمن القومي المصري والسعودي في أخطار.

ويُعدُّ النموذج السوداني خير دليل على فرص النجاح المتاحة؛ فنجاح القوات المسلحة السودانية في استنزاف ميليشيا "الدعم السريع" هو إجهاض لأكبر مشروع إماراتي للسيطرة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، لقد نجح التنسيق (المصري التركي) في تجفيف منابع الدعم عبر إغلاق صنبور الإمداد من ليبيا، مما منع الإمارات من إتمام بناء "قوس الميليشيات" الممتد من السودان إلى اليمن وصولاً إلى أرض الصومال، وهو القوس الذي كان يستهدف حصار مصر والسعودية بالكامل، وكان العامل الأكثر تأثيرًا هو استخدام الجيش السوداني للمسيرات التركية (البيرقدار)، مدعومًا بالأراضي والاستخبارات المصرية، وهي رسالة مبطنة لإثيوبيا وغيرها في القرن الإفريقي. إضافة إلى أنَّ استقرار السودان وانتصارات الجيش في "النيل الأزرق" يقطع الطريق على محاولات إثيوبيا لاستخدام الميليشيات كأداة ضغط في ملف المياه، كما يعني استمرار "وحدة الموقف المائي" بين القاهرة والخرطوم.

ثالثًا: سيناريوهات متوقعة وردود فعل:

السيناريوهات المتوقعة:

بناءً على المعطيات السابقة، فإنَّ انتقال مصر من "الدبلوماسية الهادئة" إلى "الفعل الميداني الخشن"، وتشكيل محور (القاهرة الرياض أنقرة)، يضع المنطقة أمام مسارات حتمية:

  • انكسار مشروع "المنفذ العسكري" الإثيوبي: تجمد اتفاقية إثيوبيا مع "أرض الصومال"؛ فالتواجد العسكري المصري المباشر يعني "كلفة مغامرة عالية" لن تجرؤ أديس أبابا المنهكة داخليًّا على تحملها، مما سيحول طموحات "آبي أحمد" إلى مجرد أوراق سياسية بلا فاعلية.
  • سد النهضة و"التطويق الجيوسياسي": ردت مصر على ابتزاز إثيوبيا المائي بـ "التطويق المقابل"؛ حيث أصبح الجيش المصري الآن على الحدود الشرقية لإثيوبيا في الصومال، هذا الواقع يجبر أديس أبابا على العودة لطاولة المفاوضات بنبرة أقل حِدّة، بعد إدراكها أنَّ القاهرة قادرة على خنق طموحاتها البحرية في مهدها.
  • تراجع "أجندة الميليشيات" الإماراتية: مع استعادة الجيش السوداني لزمام المبادرة (بدعم مصري تركي) وإلغاء الصومال للاتفاقيات الإماراتية، نشهد تراجعًا للدور التخريبي لأبو ظبي، فالسعودية أدركت أنَّ مصالحها مع مصر والدول الوطنية، مما سيعزل الأجندة الإماراتية الصهيونية ويجبرها على الانكفاء لتجنب الصدام مع القوى الثلاث.
  • "الهيمنة الشاملة": تمتلك مصر أوراقًا لم تستخدم بالكامل بعد لتعزيز هذا الردع، ومنها: الحصار الاقتصادي للانفصال: قيادة تكتل إفريقي عربي لفرض عقوبات على أي كيان يتعامل مع "أرض الصومال"، مما يجعل الاستثمار الإماراتي أو الصهيوني هناك "عالي الأخطار" وغير قانوني، علاوة على القيادة البحرية المشتركة: تأسيس قيادة دائمة (مصرية سعودية تركية صومالية) في خليج عدن لفرض سيادة قانونية تمنع أي تحرك عسكري إثيوبي أو ميليشياوي في المنطقة.

ردود الفعل المتوقعة (الإقليمية والدولية):

ولا يمكن فهم ردود الفعل المتوقعة تجاه هذه السيناريوهات بمعزل عن الصراع العالمي على النفوذ. فالموقع الفريد لمضيق باب المندب وقناة السويس جعل من المنطقة "رقعة شطرنج" تتداخل فيها طموحات القوى العظمى مع الأطماع الإقليمية، وهنا يبرز الدور المصري السعودي في ظل صراع الكبار.

فأولًا، على مستوى الرهان الصيني الروسي والبحث عن "مواني آمنة"، تراقب بكين بقلق "العبث الإماراتي" الذي يهدد استقرار شريان مبادرتها "الحزام والطريق" وقاعدتها في جيبوتي، وهنا يبرز التحالف (المصري السعودي التركي) كشريك موثوق قادر على تأمين الملاحة دون الانزلاق لمخططات "التدويل"، أما موسكو، فإنَّ استعادة الجيش السوداني لسيادته (بدعم مصري تركي) قطع الطريق على استغلال روسيا للميليشيات للوصول للمياه الدافئة، وجعل التعامل الروسي يمر حصرًا عبر "بوابة الدولة الشرعية".

ثانيًا، وفيما يتعلق بإجهاض "التدويل"، فقد رفضت القاهرة الانخراط في تحالفات دولية مثل "حارس الازدهار" التي تهمش دور الدول المشاطئة وتوفر غطاءً للتغلغل الإسرائيلي، والرؤية المصرية كانت حاسمة بأنَّ "أمن البحر الأحمر مسؤولية أهل الدار"، وحيَّد هذا الموقف أطماع إثيوبيا والإمارات في استدعاء قوى دولية لشرعنة وجودها في المواني.

رابعًا: ما حققه التحالف حتى الآن والمتوقع في المستقبل:

إنَّ الحديث عن إنجازات التحالف يقودنا إلى النموذج الأبرز؛ وهو: الصومال. فإذا نظرنا لحالة الصومال سنجدها مشابهة لليمن كثيرًا؛ فهي دولة تطل بكل حدودها على القرن الإفريقي وباب المندب، وهي مدخل حيوي للبحر الأحمر وقناة السويس، كما أنها تمثل عمقًا إستراتيجيًّا مقابلًا للسواحل السعودية الجنوبية، وقد واجهت الصومال أطماعًا "إثيوبية إماراتية صهيونية" لتحقيق منافع غير مشروعة.

وللعلم، إثيوبيا لا تتحرك بدافع الهرب من واقعها كدولة حبيسة أو من أجل التجارة فقط، بل لفرض واقع عسكري إثيوبي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر برعاية غربية إسرائيلية، مما يحولها إلى "قوة بحرية" تطمح لمنافسة الدول المشاطئة تاريخيًّا لهذا الممر، وبالتالي فإنَّ هذا التوجه يعني بوضوح امتلاك أديس أبابا لـ "محبس جيوسياسي" للملاحة المتجهة إلى قناة السويس، إضافة إلى "المحبس المائي" (سد النهضة)، وهو ما يفسر لماذا تعتبر القاهرة هذا التحرك "خطًّا أحمر" لا يقبل التفاوض. في حين تأخرت السعودية في ملاحظة هذا الأخطار، وإلا لما وقفت بجانب الإمارات لسنوات في تمويل تكلفة بناء سد النهضة مع الصين، والذي يهدد مصالح مصر المائية، وبالتالي فإنَّ اتفاق إثيوبيا مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي يضرب سيادة ووحدة الصومال الفيدرالي في مقتل، ويشرعن للانفصال، كما يوفر سابقة خطيرة لتفتيت دول إفريقيا على أسس عرقية، ويضر مباشرة بأمن وسيادة الدول المشاطئة لباب المندب.

وأمام هذا التغول، لم تكتفِ الصومال بالرفض الدبلوماسي، بل استدعت محور (القاهرة أنقرة الرياض) ليكون الظهير الحامي لسيادتها، وبناءً على كون الصومال عضوًا في جامعة الدول العربية، وبموجب الدفاع عن المصالح المشتركة، ووفق طلب الصومال الرسمي من مصر، انتقل التحالف إلى مرحلة "الأدوات التنفيذية" التي أجهضت الحلم الإثيوبي ميدانيًّا كالتالي:

1.   الدعم العسكري المصري المباشر: حيث قدمت القاهرة دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا توج بإرسال آليات ومعدات وقوات حفظ سلام، كان آخرها في فبراير 2026، لترسيخ سيادة الدولة المركزية.

2.   الاتفاقية الدفاعية البحرية مع تركيا: والتي منحت الصومال قوة حماية لسواحلها ومنعت فرض الأمر الواقع الإثيوبي.

3.   قرار تاريخي للصومال في يناير 2026 بإلغاء كافة اتفاقياتها مع الإمارات، واصفةً إياها بالتدخلات "الهدامة" التي تمول تقطيع أوصال الدولة لصالح الأطماع الإثيوبية.

وهذا المحور ينقلنا إلى جزء شديد الحساسية وهو الربط بين تعنت إثيوبيا في ملف سد النهضة ومحاولتها التواجد عسكريًّا في البحر الأحمر الذي يظهر الأهداف التالية:

  • تطويق مصر: تسعى إثيوبيا لمحاصرة مصر من المصدر (النيل) ومن المصب التجاري (البحر الأحمر)، لوضع "الأمن القومي المائي والملاحي" تحت رحمة الابتزاز السياسي.
  • فرض الواقع العسكري: إنشاء قاعدة عسكرية إثيوبية في مياه الصومال ليس للدفاع، بل ليكون أداة ضغط إستراتيجية تخدم القوى الداعمة لأديس أبابا (إسرائيل والإمارات) في مواجهة القاهرة والرياض.

ولذلك فإنَّ ما يشهده القرن الأفريقي اليوم ليس مجرد نزاع حدودي، بل هو عملية "حصار جيوسياسي محكم" تهدف لتحويل ميناء بربرة من مرفأ تجاري إلى موضع قوى معادية تتحكم في مدخل البحر الأحمر؛ حيث يمثل تحالف إثيوبيا مع إقليم الصومال الانفصالي واجهة لمشروع أكبر يستهدف خنق قناة السويس وتحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ لقوى غير مشاطئة، وهو ما يهدد أمن مصر والسعودية القومي، وبناءً على الموقف المصري الصلب، فإنَّ محاولات إقليم الصومال والتي تدعمها إسرائيل وأذرعها سواء الإمارات أو إثيوبيا ستظل محض خيال جيوسياسي لن يمر على حساب وحدة الصومال، إذ تعتبر القاهرة أنَّ أي محاولة لتنفيذ هذا الاتفاق بالقوة تمنحها الحق الأصيل في التحرك وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (حق الدفاع عن النفس)، وبالتكامل مع القوى الإقليمية الفاعلة، تتحول الصومال من "حلقة ضعيفة" مستهدفة بالتفتيت إلى ساحة أثبتت فيها مصر وتركيا والسعودية قدرتها على حماية وحدة الدول العربية والإفريقية، ومنع تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة تخضع لسيطرة أطماع قوى إقليمية وميليشيات، ليبقى هذا الشريان العالمي تحت سيادة دوله الوطنية.

المستقبل المتوقع (النظرة الإستراتيجية):

بناءً على ما تحقق، يمكن قراءة المستقبل من زاوية إستراتيجية أوسع. إنَّ الصراع الدائر في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر "مثلث الاضطراب" ليس مجرد نزاع عابر، بل هو محاولة ممنهجة لكسر التفوق الجيوسياسي لمصر والسعودية، حيث تتقاطع أطماع السيطرة على المواني مع تهديد مباشر لـ "شريان حياة" المصريين وأمن الخليج، فقناة السويس شريان حيوي وركيزة أساسية للاقتصاد المصري محاطة بالتهديدات، وأي اضطراب في "باب المندب" أو السواحل الصومالية واليمنية يهدد الأمن القومي، وسعي إثيوبيا وإسرائيل (بدعم إماراتي) للسيطرة على مواني مثل "بربرة" يهدف لامتلاك "المفتاح الجنوبي" لقناة السويس، وهنا ترفض القاهرة جملة وتفصيلًا السعي (الإماراتي الصهيوني) لتعزيز مواني بديلة تضعف المركزية المصرية، مؤكدة أنَّ أمن القناة يبدأ من تأمين آخر ميل بحري في البحر الأحمر، ولنفس السبب تدافع القاهرة والرياض عن وحدة الصومال.

كما بات واضحًا أنَّ ما يحدث في "مثلث الاضطراب" هو عملية حصار جيوسياسي محكم تقوده الإمارات كـ "رأس حربة" لتنفيذ أجندة صهيونية، وبناءً عليه، فإنَّ القاهرة والرياض تعتبران هذا التحالف "خطًّا أحمر" يمنحهما الحق الكامل في استخدام كافة "التدابير القانونية والميدانية" لإجهاض هذا المشروع، وفق مبدأ حق الدفاع عن النفس، وفي هذا الإطار، فإنَّ تحالف "القاهرة الرياض أنقرة" بات آلة صلبة تتحطم أمامها أوهام تقسيم الدول واقتطاع الأراضي، وصناعة الميليشيات لاستهداف الجيوش الوطنية، فالجيش المصري المدعوم بالمسيرات التركية والثقل السعودي، يضمن تحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ عربية خالصة، بعيدًا عن التدخلات "الهدامة" والابتزاز (الصهيوني الإماراتي).

أخيرًا: إنَّ ما تحيكه الإمارات وإسرائيل في "مثلث الاضطراب" يتجاوز التنافس التجاري إلى محاولة لانتزاع "مركزية القرار العربي والإسلامي"، فالسيطرة على اليمن عبر ميليشيات المجلس الانتقالي والسودان عبر مرتزقة الدعم السريع والصومال عبر إثيوبيا تهدف لوضع السعودية و"قناة السويس" بيد ميليشيات تدار بأصابع صهيونية. وهنا تبرز قيمة تحالف (القاهرة الرياض أنقرة) كقوة إقليمية كبرى تمنع العبث بمقدرات الأمة وتحمي الممرات، حيث لا تستهدف أجندة (الإمارات إسرائيل إثيوبيا) السيطرة على المواني فحسب، بل تسعى لـ"قتل الأهمية الإستراتيجية" للقوى التقليدية عبر خلق مسارات تجعل من الجغرافيا المصرية والسعودية جغرافيا "يمكن تجاوزها"؛ مثل: "ممر الهند" مقابل "قناة السويس".

وهذا هو العمق الحقيقي للمخطط؛ السعي للاستحواذ على مواني (عدن، سقطرى، بربرة، وبورتسودان) لبناء سلسلة لوجستية تربط الهند بأوروبا عبر إسرائيل، مما يهدف لتحويل مصر من "قلب العالم" إلى "جزيرة معزولة" اقتصاديًّا، والتحرك المصري الحالي هو "عملية جراحية" لإجهاض هذا الالتفاف قبل اكتماله. كما أنَّ السودان والصومال هما "سلة غذاء هائلة"، ومحاولة الإمارات السيطرة على الأراضي الزراعية السودانية (عبر حميدتي)، والثروات المعدنية، علاوة على سواحل الصومال تهدف للتحكم في المواني والأرض الزراعية خلفه، ما يعني الابتزاز بعد تملك الثروات، والترويج للكيانات الهشة (مثل أرض الصومال والمجلس الانتقالي) بدلًا من "الدولة الوطنية القوية"، والسبب واضح بأنَّ الكيانات الصغيرة يسهل شراؤها وإدارتها كـ "شركات أمنية" تابعة لأبوظبي وتل أبيب، بينما تمثل الدولة الوطنية (بجيوشها النظامية في مصر والسعودية وتركيا) العائق الوحيد أمام هذا التمدد.

خاتمة:

إنَّ ما يشهده "مثلث الاضطراب الكبير" في القرن الإفريقي والبحر الأحمر اليوم هو فصل مهم لردع أطماع ومحاولات البعض لاستبدال سيادة واستقرار الدول بفوضى الميليشيات، حيث تجاوزت القاهرة الرياض أنقرة، مرحلة احتواء الأزمات، إلى مرحلة "الجراحة الجيوسياسية" لاستئصال أورام التفتيت من السودان إلى الصومال وصولاً لليمن، كما وضعت ثوابت واقع جديد، بأنَّ أطماع الاحتلال الصهيوني والإمارات وإثيوبيا ما هي إلا خيال سياسي اصطدم بحائط ردع مصري مدرك لمخططاتهم، وأنَّ هذا الواقع هو ما وضع الجندي المصري على سواحل القرن الإفريقي في الصومال، واستقبل المسيرات والطائرات التركية، جنوب مصر للانتقال نحو السودان، وهو ما أكد على رفض سياسة الإمارات في اليمن والتحالف مع السعودية، كما أثبتت معارك السودان وأوضاع الصومال أنَّ "الميليشيا المأجورة" والكيانات الانفصالية الهشة لا يمكنها الصمود أمام الجيوش الوطنية، وأخيرًا أثبتت مصر رؤيتها الثاقبة للمشهد، وأنَّها ميزان للقوى الإقليمية في الشرق الأوسط وإفريقيا والمحيط العربي، وأنَّ أمن "باب المندب" وقناة السويس هو "حق سيادي حصري" للدول المشاطئة، وليس ساحة مشاع للابتزاز، وأنَّ العالم لا يعترف إلا بالقوة القادرة على التغيير والتصدي والحماية، وأنَّ السيادة العربية على البحر الأحمر لم تَعُد شعارًا، بل أصبحت قدرًا جغرافيًّا.

المصادر:

مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- "تحديات الأمن القومي المصري في القرن الإفريقي: استراتيجية الردع والتعاون"-يناير 2026.

مجلة السياسة الدولية- "صراع المواني في البحر الأحمر: الأجندات الخفية وتأثيرها على قناة السويس"- ديسمبر 2025.

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى- "محور القاهرة-الرياض-أنقرة: إعادة تشكيل موازين القوى جنوب البحر الأحمر"-فبراير 2026

رويترز-"المسيرات التركية في السودان والصومال: تغيير قواعد الاشتباك ضد الميليشيات"-فبراير 2026.

الهيئة العامة للاستعلامات- "مصر والصومال: شراكة استراتيجية لحماية الملاحة الدولية ووحدة التراب العربي"-فبراير 2026.