قراءة في التنافس التركي الإيراني في الشرق الأوسط ودوره في تأجيج الصراعات الطائفية بالإقليم

يُعدُّ التنافس الدوليُّ سمة أساسية والمحرك الأول للعلاقات الدولية؛ حيث تتعدد أشكال التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، ولكن كلما حاول أحد الأطراف إخراج العلاقات الإقليمية والدولية من سياق التعاون والتنافس المنضبط، على أسس القانون الدوليِّ، إلى سياق الهيمنة والنفوذ وسياسات الإملاءات، شكَّل ذلك سببًا لجلب التوتر وزعزعة الاستقرار؛ حيث يمكن قراءة المشهد الحالي في إقليم الشرق الأوسط، وتحولات الربيع العربي، باعتباره صراعًا بين قوتين إقليميتين متصارعتين "تركيا وإيران"، حيث عملت الدولتان عبر سياساتهما على الدفع باتجاه انهيار الشرق الأوسط، في ظل الدعم الذي تلقته طهران وأنقرة من القوى الغربية؛ ممهدتين الطريق بذلك للحرب الإسرائيلية الدائرة على الإقليم.
فكيف يمكن قراءة مشهد التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط؟ وكيف ساهمت طهران وأنقرة في تأجيج الصراعات الطائفية والعرقية في العالم العربي؟ وما أبعاد ودوافع الصراع التركي الإيراني في الإقليم؟ ماذا عن إسرائيل والقوى الغربية وكيف استفادوا من الصراع التركي الإيراني؟ وفي ظل المشهد الإقليمي الحالي كيف يمكن قراءة مستقبل توازنات القوى الإقليمية؟
يسلط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة، الضوء على أبعاد التنافس التركي الإيراني ودوره في تأجيج الصراعات الطائفية والعرقية في الإقليم في ظل أطماع جيوسياسية لطهران وأنقرة في الأراضي العربية ومكاسب إسرائيلية؛ في هذه السطور الآتية.
توازنات القوى الإقليمية في الشرق الأوسط:
لطالما شكَّلت كلٌّ من مصر وسوريا والعراق أقطاب القوى العربية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، انطلاقًا مما تشكله القوى الثلاث من مركز ثقل العالم الإسلامي والعربي والأفريقي؛ وفي ظل الصراع العربي الإسرائيلي، عملت القوى الغربية على إضعاف واستبدال القوى الإقليمية العربية التقليدية بلاعبين جدد على مسرح الإقليم.
حيث برز الدور الإيراني في الشرق الأوسط مع ثورة الخميني عام 1979م، يعقبه توسع النفوذ التركي في العالم العربي مع ثورات الربيع العربي عام 2011م، ليتراجع بذلك نفوذ القوى العربية التقليدية الثلاث وتتسع دائرة الهيمنة الإيرانية في لبنان مع الحرب الأهلية خلال ثمانينات القرن الماضي وتأسيس ميليشيات حزب الله اللبناني الموالية لطهران عام 1982م، ثم العراق عقب الغزو الأمريكي 2003م، مرورًا بالهيمنة الإيرانية على سوريا عام 2011م، ووصولًا بتوسع ميليشيات الحوثي في اليمن عام 2014م.
في حين تمثل الدور التركي في احتضان جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية في عدد من الدول العربية، والتي أدت دورًا محوريًّا في سلسلة الحروب الأهلية في الدول العربية منذ عام 2011م، ووصول حكومات موالية لأنقرة في سوريا 2024م، وليبيا كحكومة فجر ليبيا 2014م، والتي ساهمت في تعميق الانقسام الليبي (العالم الجديد).
ولا شك أن نجاح التوسع الإيراني التركي في الإقليم جاء نتيجة لإستراتيجية غربية تهدف إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، حتى بات المشهد الحالي في المنطقة تهيمن عليه الصراعات الطائفية والدينية والعرقية، وتوسع سريع لجيش الاحتلال الإسرائيلي والعمليات الاستيطانية في الأراضي العربية.
الدور التركي في الحروب الأهلية الإقليمية:
فمع ثورات الربيع العربي أدت تركيا دورًا مركزيًّا في إخراج الحراك الثوري السلمي عن مساره، وإطلاق سلسلة من الحروب الأهلية الإقليمية في الدول العربية؛ حيث سعت تركيا خلال الحرب الأهلية السورية إلى تحقيق مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية في المحيط السوري والليبي على حساب السيادة السورية والليبية، فضلًا عن مواجهة التحديات على حدودها خاصة مع صعود القوى الكردية، ويتجلى هذا الدور في عدة أبعاد متداخلة، أبرزها الجيوسياسي والعسكري والاقتصادي.
حيث يعكس الدور التركي في الساحة السورية أطماع تركيا الجيوسياسية التاريخية في أراضي المشرق العربي منذ الحرب العالمية الأولى؛ إذ سعت تركيا منذ فترة مبكرة إلى التأثير على ملامح النزاع السوري وتوسيع توغلها في الأراضي السورية، عبر عدة عمليات عسكرية في الشمال السوري، مثل غصن الزيتون ودرع الفرات؛ وأدت دورًا مركزيًّا في التأسيس لأذرع إرهابية موالية لها مثل الجيش الوطني السوري، وأسفرت التدخلات التركية عن تغيير معادلات القوى في سوريا (العربي).
الأطماع التركية في المناطق السورية والتي شهدت عمليات توغل عسكري خلال السنوات الأخيرة
إذ أدت إلى ظهور مناطق نفوذ جديدة، وتعاقد شراكات مع بعض الفصائل المعارضة، كما أثارت هذه التدخلات توترات مع قوى إقليمية مثل روسيا وإيران، اللتين تصممان استراتيجيتهما في دعم النظام السوري؛ واستخدمت تركيا الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة في سوريا وليبيا كأداة لتعزيز نفوذها الإقليمي، حيث أمنت أنقرة تدريبًا عسكريًّا وأسلحة للفصائل السورية؛ مثل: "الجيش الوطني السوري"، وأنشأت مناطق تحت سيطرتها في شمال سوريا مثل عفرين والباب، تحت ذريعة مواجهة تنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني.
وعلى الرغم من تصنيف هيئة تحرير الشام كفرع لتنظيم القاعدة؛ عملت تركيا على تطويع هذه الجماعة عبر دعم اقتصادي وعسكري، مما ساهم في استخدامها لتحقيق أهداف تركيا في الساحة السورية، وتحويلها إلى قوة أكثر مرونة لإدارة مناطق مثل إدلب، وبالتالي منع موجات نزوح جديدة نحو حدودها.
كما مارست تركيا تغييرًا ديموغرافيًّا لمناطق الشمال السوري الحدودية؛ إذ اعتبرت تركيا وحدات حماية الشعب الكردية والقوى الكردية تهديدًا أمنيًّا، فشنت عمليات عسكرية مثل "غصن الزيتون" و"نبع السلام" لطرد الأكراد من مناطقهم وقراهم واستبدالهم بنازحين عرب، مما عزز وجودها العسكري المباشر شمال سوريا، وأنشأت تركيا مدارس ومستشفيات وشبكات كهرباء في المناطق الخاضعة لنفوذها، مما عزز الاعتماد الاقتصادي عليها وحولها إلى قوة إدارية فعالة، وهو ما يمكن وصفه بمحاولة تتريك الشمال السوري (الشرق الأوسط).
وفي ليبيا: نقلت تركيا مرتزقة وأسلحة، بما في ذلك طائرات مسيرة من سوريا إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ضد قوات الجيش الليبي بقيادة "خليفة حفتر" المدعومة من مجلس النواب الليبي والإمارات ومصر وروسيا، بهدف تأمين مصالحها في البحر المتوسط؛ ودعمت جماعات مثل "فجر ليبيا" و"درع ليبيا"، والتي تُتهم بالارتباط بجماعات إرهابية مثل أنصار الشريعة الموالية للقاعدة، لتعزيز نفوذها في المناطق الغربية الغنية بالنفط؛ فالسياسة التركية في سوريا وليبيا قد أطالت أمد الانقسام والصراعات الداخلية في ظل الدعم الذي تقدمه أنقرة للقوى المتصارعة.
وعن الأهداف الإستراتيجية لتركيا في ليبيا وسوريا؛ فتسعى أنقرة لأن تكون لاعبًا رئيسيًّا في تقرير مصير الصراعات، عبر تقديم نفسها كوسيط أو ضامن للاستقرار، كما في اتفاقيات أستانا وسوتشي المتعلقة بسوريا، واستخدمت تركيا شبكات تهريب النفط من سوريا عبر الجماعات الإرهابية، ووسعت تجارة السلاح غير المشروعة مع فصائل في ليبيا، مما حقق عوائد مالية كبيرة، ما يعكس البعد الاقتصادي والتجاري في التحركات التركية؛ حيث إن مناطق الشمال السوري والغرب الليبي غنية بالموارد النفطية، ولذا تبرز المطامع التركية من خلال سيطرة وكلاء أنقرة على تلك المناطق والأقاليم.
كما أن من شأن سيطرة حكومات موالية لتركيا في دمشق وطرابلس أن توسع دائرة السيطرة الاقتصادية التركية في مياه شرق المتوسط، ما يفتح الطريق لتركيا لأن تصبح قوة طاقية كبرى في الإقليم، في ظل الطرح التركي لتقاسم الحدود البحرية شرقي المتوسط المنافي للقانون الدوليِّ.
الدور الإيراني في تأجيج الصراعات الطائفية بالإقليم:
في حين يُشكل موضوع الدور الإيراني في تأجيج الحروب الأهلية في العالم العربي قضية معقدة ومتعددة الأبعاد؛ إذ يمتزج فيه الجانب الأيديولوجي بالاعتبارات الجيوسياسية والإقليمية والاقتصادية، وتستخدم القوى الدولية إيران لتوسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط كما تفعل الولايات المتحدة وروسيا.
فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979م؛ سعت إيران إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط عبر دعم جماعات وميليشيات في عدة دول عربية، وهو ما يتجلى في استخدامها لأدوات سياسية وعسكرية وإعلامية تهدف إلى استغلال الانقسامات الداخلية داخل البلدان العربية؛ ففي سوريا على سبيل المثال، يُعتبر دعم إيران لنظام الرئيس السابق "بشار الأسد" أحد المحاور الأساسية في سياستها الخارجية؛ إذ قدمت دعمًا عسكريًّا ولوجستيًّا وإستراتيجيًّا تجاوز الـ50 مليار دولار طيلة سنوات الحرب، من خلال إرسال مستشارين عسكريين وتعبئة حلفائها مثل حزب الله اللبناني والميليشيات المحلية والعراقية والأفغانية (إيران انترناشونال).
نشاط الأذرع والوكلاء الإيرانيين والتواجد الأمريكي في الشرق الأوسط
وقد ساهم هذا الدعم في تحويل الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة تعكس تبعية النزاع لعوامل إقليمية معقدة، كما أن ما حدث في العراق بعد عام 2003م يظهر كيف استغلت إيران الانقسامات الطائفية، حيث قامت بدعم الميليشيات الشيعية لتوسيع نفوذها داخل الدولة، مما عمق الصراعات الطائفية وأدى إلى تفاقم النزاع الداخلي.
وفي اليمن: تتجلى مظاهر الدعم الإيراني من خلال ارتباط بعض الجماعات، مثل حركة الحوثيين، بتوجيهات إقليمية تُظهر تنافسًا مع قوى أخرى في المنطقة، وإن كان الصراع هناك له جذور داخلية عميقة تتداخل فيها عوامل محلية وإقليمية من حين لآخر، وفي لبنان وفلسطين يُستخدم الدعم الإيراني أيضًا كوسيلة لتعزيز الروايات الثورية والدفاعية ضد الهيمنة الخارجية، بما يسهم بدوره في إبقاء الأوضاع متأزمة ومشحونة بالجدل السياسي.
وينطلق السلوك الإيراني في الإقليم من عدة أبعاد أيديولوجية وجيوسياسية وأمنية واقتصادية؛ إذ تسعى إيران إلى تصدير نموذجها الثوري القائم على ولاية الفقيه، مما يدفعها لدعم الجماعات الشيعية في المنطقة لتعزيز نفوذها الأيديولوجي، كما تستغل الصراعات الطائفية لتعزيز مكانتها الإقليمية، خاصة في دول مثل العراق وسوريا واليمن، حيث تسعى لملء الفراغ السياسي والأمني الناتج عن ضعف الحكومات المركزية.
وتعتبر إيران أن دعمها للميليشيات المسلحة في الدول العربية وسيلة لحماية أمنها القومي من التهديدات الإقليمية والدولية، خاصة من القوى المنافسة مثل السعودية وتركيا؛ وتُعدُّ الميليشيات وشبكة الأذرع والوكلاء المنتشرة في العالم العربي أداة إيران للالتفاف على العقوبات الاقتصادية والأممية، إذ توفر تلك الميليشيات والمجموعات المسلحة موارد مالية للنظام الإيراني من سوريا والعراق ولبنان واليمن، عبر السيطرة على المعابر الحدودية وفرض إتاوات في مضيق باب المندب.
تلك السياسة قد ساهمت في تعقيد المشهد الأمني في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، وموجات من النزوح الجماعي من مناطق المشرق العربي وشمال إفريقيا؛ كما مهدت إيران وتركيا عبر أطماعهما التوسعية ووكلائهما الإقليميين للحرب الإسرائيلية على الشرق الأوسط وموجة التوسع العسكري في الأراضي العربية.
طبيعة الصراع التركي الإيراني في الشرق الأوسط وأبعاده:
نتيجة لتعارض الأهداف وتداخل الملفات بين تركيا وإيران، تصاعدت الخلافات التركية الإيرانية حول مناطق النفوذ في المشرق العربي؛ حيث بات مشهد الصراع التركي الإيراني في الشرق الأوسط ليس مجرد نزاع تقليدي على القوة العسكرية أو النفوذ السياسي، بل هو تنافس متعدد الأبعاد يتداخل فيه العديد من الجوانب الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والأيديولوجية والدينية والجيوسياسية.
فعلى المستوى الجيوسياسي: تتصادم الأجندات الإستراتيجية، حيث تسعى تركيا إلى إعادة ترسيخ موقعها كلاعب إقليمي رئيسي بفضل موقعها الجغرافي الذي يمتد كجسر بين أوروبا وآسيا، وتسعى عبر السياسة النشطة والدبلوماسية المزدوجة ودعم تنظيمات الإسلام السياسي إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الغربية وكذلك توسيع نفوذها في دول الجوار، والحد من الدور السعودي والمصري في العالم الإسلامي؛ عبر شد وجذب في العلاقات التركية مع كلٍّ من مصر والسعودية في مسعى للاستئثار بالنفوذ في الشرق الأوسط "قلب العالم الإسلامي".
**وفي المقابل: **تلعب إيران دور القوة الثورية التي تستند على أيديولوجية الثورة الخمينية، وتعمل على توسيع نفوذها من خلال دعم أحزاب وحركات دينية وسياسية شيعية مسلحة، وتبرز إعلاميًّا كقوة إسلامية شيعية معادية للقوى الغربية؛ لتفتح بذلك الطريق لتطوير العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع قوى الشرق "روسيا والصين"، ويتخذ كل طرف موقفه في النزاعات الإقليمية، مثل الأزمة السورية والعراقية كوسيلة لتعزيز نفوذه.
إذ ينظر كلاهما إلى تلك الدول كساحة للتنافس على إعادة رسم معادلات السلطة داخل المنطقة؛ وتعتمد إيران بشكل رئيسي على صادرات النفط والغاز، وتسعى لتجاوز العقوبات الدولية من خلال تنويع اقتصادها وبناء بدائل اقتصادية تعتمد على الإنتاج المحلي والشراكات الإستراتيجية مع بعض الدول خارج الإطار الغربي، وتنظر طهران إلى الدول العربية المجاورة كبوابة للالتفاف على العقوبات الغربية والأممية؛ حيث يبرز دور الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، خاصة في العراق، في السيطرة على المعابر الحدودية وممارسة أنشطة اقتصادية وتجارية غير مشروعة، لإمداد الاقتصاد الإيراني بالعملة الصعبة.
وعلى الجانب الآخر: تعتمد تركيا على موقعها الإستراتيجي لتصبح محورًا لخطوط التجارة والنقل الإقليمي، مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية وشبكات النقل واللوجستيات، وتطمح أنقرة للهيمنة الطاقية على موارد الغاز شرق المتوسط عبر تحركات غير قانونية في المياه الاقتصادية اليونانية والليبية، ومساعي لإبرام اتفاقية حدود بحرية غير قانونية مع الحكومة السورية المؤقتة (العربية).
فالمشروعات الإقليمية والطاقية في الإقليم؛ تدفع كلًّا من تركيا وإيران إلى تطوير مشاريع بنية تحتية تشمل شبكات الطاقة والطرق والنقل، الأمر الذي يعزز من سيطرتهما على موارد الطاقة وأسواق التجارة في المنطقة؛ إذ تسعى تركيا من خلال هذه المشاريع إلى التحول لأن تصبح جسرًا لإمداد القارة الأوروبية باحتياجاتها من الطاقة والمواد الخام القادمة من الشرق الأوسط، بينما تتبنى إيران استراتيجياتها لخلق تكتلات اقتصادية تتخطى الحواجز المرتبطة بالعقوبات الدولية، ما يجعل التنافس على المستوى الاقتصادي متعددًا وأكثر حدة، في ظل تركيز طهران وأنقرة على إقليم المشرق العربي "العراق وسوريا" تحديدًا، كمنطلق لإقليمي أوروبا وآسيا الوسطى.
**أما البعد العسكري: **فتلعب القدرات العسكرية لكلٍّ من تركيا وإيران دورًا في هذا التنافس؛ إذ إن تركيا كعضو في حلف الناتو ما تزال تعمل على تحديث جيشها وبناء قدرات هجومية ودفاعية تمكنها من فرض حضورها في النزاعات الإقليمية؛ سواء في سوريا أو ليبيا أو العراق، وتعتمد على تقنيات حديثة مثل الطائرات بدون طيار "الدرونز" ونظم المراقبة الاستخباراتية المتقدمة، لتعزيز قوتها العسكرية؛ وتستخدم شعار الحرب على الإرهاب في نزاعها مع القوات الكردية على الحدود التركية مع العراق وسوريا، لتوسيع مناطق سيطرتها وتوغلها العسكري في الأراضي السورية والعراقية.
في حين أن الوكلاء والأذرع الإقليميين يُعتبران أداة إيران للهيمنة الإقليمية، إذ تنتهج إيران إستراتيجية تقوم على تأسيس ميليشيات وجماعات وأذرع مسلحة في الأراضي العربية، وعبر استغلالها لضعف المؤسسات السياسية والحزبية في البلدان العربية، تتمكن إيران عبر وكلائها من التأثير على البرلمانات العربية خاصة في لبنان والعراق، بما يخدم مصالحها في المنطقة (الجزيرة).
ويُعدُّ اختيار الأدوات العسكرية جزءًا من سياسة الردع والإقناع لكلٍّ من تركيا وإيران، بينما تعمل تركيا على تأكيد قوتها العسكرية التقليدية والمنهجية معتمدة على التحالفات الغربية، تعتمد إيران على أساليب الحروب غير التقليدية والاستراتيجيات اللامركزية التي تعتمد على دعم وتحريك الخلايا المسلحة في الدول المجاورة، هذا التباين في الأساليب يؤدي إلى سباق تسليحي وتكتيكي يضع تحديات على تحقيق توازن قطعي في المنطقة.
فقد عكست أحداث الساحل السوري خلال مارس 2025م تعقد الصراع التركي الإيراني على سوريا؛ إذ دعمت طهران قوات درع الساحل والتي تضم عناصر من ضباط النظام السوري السابق، في حين وسعت تركيا من دعمها للحكومة السورية المؤقتة وسعت إلى التأسيس لوجود عسكري تركي دائم عبر قواعد عسكرية تركية في سوريا، وتصاعدت الخلافات والتصريحات الإعلامية المتضاربة بين طهران وأنقرة.
الصراع التركي الإيراني وتحركات القوى الغربية وإسرائيل في الإقليم:
مع تعقد مشهد العلاقات الإقليمية، وصعود صراعات النفوذ والطائفية التي تغذيها كلٌّ من إيران وتركيا؛ سارعت إسرائيل والقوى الغربية للاستفادة من التحولات الإقليمية، عقب سلسلة الحروب الأهلية في الدول العربية عام 2011م، فقد استغلت القوى الغربية الصراع لتعزيز وجودها العسكري والسياسي في المنطقة (سكاي نيوز عربية).
فعلى سبيل المثال: فإن الولايات المتحدة استخدمت التوترات لتبرير استمرار وجودها العسكري في العراق وسوريا، بحجة مواجهة النفوذ الإيراني ومراقبة التحركات التركية، كما عملت على استخدام الورقة الكردية بين حين وآخر لضبط السلوك التركي في الشرق الأوسط، بما يتفق مع أولويات وسياسات واشنطن في الإقليم، هذا إلى جانب أن الولايات المتحدة قد استطاعت تعزيز مبيعات الأسلحة لدول المنطقة، وتوسيع دائرة انتشارها العسكري خاصة في سوريا والعراق، مما أدى إلى زيادة اعتماد هذه الدول على الدعم الغربي.
وتستخدم الولايات المتحدة تركيا كأداة لفتح قنوات تواصل مع الاتحاد الروسي من جهة، وكوكيل عن الدور الأمريكي في مواجهة توسع النفوذ الروسي خاصة في ليبيا من جهة أخرى، وذلك نظرًا لكون تركيا عضوًا فاعلًا في حلف شمال الأطلسي؛ ومع توسع دائرة النفوذ التركي والإيراني في الإقليم، أعادت الولايات المتحدة تنظيم أولوياتها في ظل تركيز حسابات الإدارة الأمريكية على مواجهة روسيا والصين في شرق آسيا وأوروبا الشرقية.
إذ أطلقت القوى الغربية يد إسرائيل في المنطقة، في أكبر موجة توسع عسكري لجيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي العربية منذ حرب عام 1967م؛ حيث توغلت القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية والسورية وقطاع غزة بدعم غربي؛ ولذا يمكن القول: إن التحركات الإيرانية والتركية في الإقليم طيلة العقدين الماضيين قد مهدت الطريق لموجة التوسع الإسرائيلي الحالية في الأراضي العربية.
وذلك في سياق إستراتيجية أمريكية إسرائيلية لإعادة تشكيل الإقليم وفقًا للمصالح الأمريكية؛ وفي ظل المساعي الإسرائيلية لتقسيم سوريا وإنشاء دول كردية ودرزية تراها تركيا تهديدًا لأمنها القومي، في ظل الامتدادات الديموغرافية لقوميات المشرق العربي في الأناضول؛ يبدو أن المشهد السوري يتجه لمزيد من التأزم خلال السنوات المقبلة.
مستقبل التوازنات الإقليمية في ظل المشهد الحالي:
رغم تدهور أوضاع الإقليم طيلة العقدين الماضيين، وتراجع تأثير القوى العربية الفاعلة؛ إلا أن الدور العربي، وتحديدًا المصري، ما يزال حاضرًا وبقوة في المشهد الجيوسياسي الحالي؛ حيث استطاعت الدولة المصرية إحباط مخططات التوسع التركي في ليبيا خلال العام 2020م.
إلى جانب فتح قنوات اتصال مع الجانب الإيراني؛ حيث أكد الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" ضرورة التواصل مع كافة الأطراف لحل الأزمة السورية، وبرز الدور المصري والقطري المحوري خلال الحرب الإسرائيلية على الشرق الأوسط؛ إذ استخدمت القاهرة أدوات تجمع بين الدبلوماسية والحضور العسكري في سيناء لإفشال مخططات حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتهجير سكان قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية، وتصفية القضية الفلسطينية.
فلا تزال القوى العربية لاعبًا مؤثرًا في المشهد الإقليمي؛ فرغم سنوات الصراع والعنف المسلح المدعوم تركيًّا وإيرانيًّا في المنطقة العربية، لم تستطع أي قوى الاستئثار بالنفوذ في الإقليم، وبات مشهد القوى الحالي يتوزع بين تركيا وإيران وإسرائيل والقوى العربية، ويعتمد مستقبل المنطقة على نجاح الدول العربية في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والإيرانية والتركية، والحد من النفوذ الغربي في الإقليم، عبر التوافق العربي وتعزيز الحراك الدبلوماسي والردع العسكري المشترك.
الخلاصة:
- تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات طيلة السنوات الماضية في ظل الصراع العربي الإسرائيلي والإستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية في استخدام القوى الإقليمية لإعادة تشكيل المنطقة، وفقًا للمصالح الأمريكية؛ حيث تُمثل تركيا وإيران قطبين إقليميين متصارعين على النفوذ والهيمنة في الشرق الأوسط، وتستخدم واشنطن وتل أبيب تلك القوى في تأجيج الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية في المنطقة، بما يضمن تعاظم الحضور الأمريكي وزيادة مبيعات الأسلحة إلى بلدان الشرق الأوسط، إلى جانب توسع رقعة السيطرة العسكرية الإسرائيلية في الأراضي العربية، ورغم ضعف القوى العربية؛ إلا أن التأثير العربي ما يزال محوريًّا في مشهد توازنات القوى الإقليمية الحالية، في ظل نجاح التحركات العربية في مواجهة مشاريع المد التركي والإسرائيلي في الإقليم، ويمكن القول: إن منطقة الشرق الأوسط تتجه لمزيد من التأزم بين القوى المتصارعة إيران وتركيا وإسرائيل، في ظل مشاريع التقسيم ومحاولات إنشاء دول كردية ودرزية جديدة.
المصادر: