الدبلوماسية المصرية في ظل الحرب على إيران.. قراءة في محاولات القاهرة لاحتواء الصراع في ظل اتصالات مصرية مع أطراف النزاع

ملفات خارجية
الدبلوماسية المصرية في ظل الحرب على إيران.. قراءة في محاولات القاهرة لاحتواء الصراع في ظل اتصالات مصرية مع أطراف النزاع
١٥ دقيقةللقراءة
تاريخ النشر: ٥ يونيو ٢٠٢٦

تتحرَّك القاهرة في مقاربتها الدبلوماسية للحرب على إيران انطلاقًا من شبكة علاقات متداخلة تجمعها بمختلف الأطراف المنخرطة في الصراع؛ إذ ترتبط مصر بعلاقات إستراتيجية ممتدَّة مع الولايات المتحدة منذ السبعينات تشمل تعاونًا عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واسعًا، في الوقت الذي حافظت فيه على قنوات اتصال مستقرة مع دول الخليج العربي بوصفها شريكًا أساسيًّا في معادلات الأمن الإقليمي والطاقة؛ وعلى الجانب الآخر، اتَّسمت العلاقة المصرية الإيرانية عبر العقود بالتذبذب بين القطيعة والحذر والانفتاح المحدود، حيث تأثَّرت بتحوُّلات البيئة الإقليمية وتوازنات النفوذ في الشرق الأوسط، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات لخفض التوتر وإعادة فتح مساحات للتواصل غير المباشر بما يخدم الاستقرار الإقليمي؛ كما تحتفظ القاهرة بعلاقات متشابكة مع القوى الدولية المؤثِّرة في الأزمة، سواء عبر التنسيق مع العواصم الأوروبية أو عبر شراكاتها المتنامية مع روسيا والصين، الأمر الذي يمنحها قدرة نسبية على التحرُّك الدبلوماسي بين محاور متنافسة دون الانخراط المباشر في الاستقطاب الحاد، وفي ظل التصعيد الحالي، تبدو السياسة المصرية قائمة على مبدأ احتواء التدهور ومنع اتساع رقعة المواجهة، انطلاقًا من إدراكها لحساسية موقع المنطقة بالنسبة لأمن الملاحة والطاقة والاقتصاد الإقليمي، إلى جانب سعيها للحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها الإستراتيجية التقليدية ومتطلبات التهدئة مع مختلف الفاعلين الإقليميين.

فما طبيعة الأدوات الدبلوماسية التي تعتمد عليها القاهرة في إدارة اتصالاتها مع أطراف الصراع، وإلى أي مدى تنجح في الحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى المتعارضة؟ وما دوافع الدولة المصرية للتحرُّك واحتواء الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني؟ وكيف تؤثِّر شبكة الشراكات الإقليمية والدولية لمصر على قدرتها في دفع مسارات التهدئة، وهل تُعزِّز هذه الشراكات من وزنها التفاوضي أم تفرض عليها قيودًا إضافية؟ وما حدود الدور المصري في ظل التفوُّق العسكري والسياسي للأطراف المنخرطة في المواجهة، وهل يمكن للدبلوماسية أن تُعوِّض هذا الاختلال في موازين القوى؟ وإلى أي مدى يمكن أن تُسهِم التحرُّكات المصرية في حماية المصالح الإستراتيجية المرتبطة بأمن الطاقة والممرَّات البحرية في المنطقة؟ وماذا عن السيناريوهات المحتملة لتطوُّر هذا الدور خلال استمرار التصعيد، وهل تمتلك القاهرة أدوات كافية للتحوُّل من وسيط محدود التأثير إلى فاعل محوري في احتواء الأزمة؟

يُسلِّط مركز "رواق" للأبحاث والرؤى والدراسات، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة، الضوءَ على تحرُّكات الدبلوماسية المصرية لاحتواء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وحدود الدور المصري في التأثير على أطراف الصراع في ظل التداعيات الإقليمية المتزايدة للأزمة؛ في هذه السطور الآتية.

أدوات القاهرة الدبلوماسية ومدى نجاحها:

تحرَّكت الدولة المصرية سريعًا لاحتواء الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني وتداعياته على الإقليم، حيث تعتمد القاهرة في إدارتها للأزمة على مزيج من القنوات الرسمية والاتصالات غير المُعلَنة التي تُتيح لها التحرُّك بمرونة بين أطراف متعارضة دون إثارة حساسيات مباشرة؛ فالدبلوماسية الهادئة التي تنتهجها القاهرة تُمكِّنها من نقل الرسائل وامتصاص التوتر بعيدًا عن الضغوط الإعلامية، مع توظيف خبرتها التاريخية في الوساطات الإقليمية، كما تستند إلى حضورها داخل الأطر متعددة الأطراف لتعزيز خطاب التهدئة وتأكيد ضرورة تجنُّب الانزلاق نحو مواجهة شاملة، وهذا النمط يمنحها مساحة مناورة، لكنه يظلُّ مرهونًا بمدى قبول الأطراف المختلفة بدورها.

وإلى جانب ذلك، توظِّف مصر علاقاتها الثنائية المتوازنة مع قوى متباينة، حيث تُحافِظ على خطوط تواصل مفتوحة مع الفاعلين الدوليين والإقليميين في آن واحد، وهذا النهج يسمح لها بالتحرُّك كقناة اتصال غير مباشرة، ويُعزِّز من قدرتها على فهم حسابات كل طرف بشكل أدق؛ غير أن هذا التوازن يتطلَّب إدارة دقيقة لتجنُّب الانحياز الظاهر، خاصة في ظل حساسية الصراع وتشابك المصالح، ومن ثَمَّ يصبح الحفاظ على المصداقية عنصرًا حاسمًا في استمرار هذا الدور (مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم).

كما تلعب المؤسسات الأمنية دورًا مُكمِّلًا في هذا الحراك، من خلال تبادل المعلومات وتقدير المواقف بما يدعم صانع القرار السياسي؛ فالتنسيق بين الأجهزة المختلفة يُتيح صياغة مواقف أكثر واقعية تتلاءم مع تطوُّرات الميدان، ويُضاف إلى ذلك استخدام أدوات الضغط الناعمة مثل الخطاب الإعلامي والدبلوماسية العامة لتهيئة بيئة أقل تصعيدًا، ومع ذلك، تظلُّ هذه الأدوات محدودة التأثير إذا لم تتوافر إرادة حقيقية لدى أطراف النزاع لخفض التوتر.

وفي المقابل، تواجه القاهرة تحديات ترتبط بتعقيد موازين القوى، حيث تمتلك الأطراف المتصارعة قدرات عسكرية وسياسية تفوق قدرة أي وسيط إقليمي على التأثير المباشر، وهذا الواقع يفرض على الدبلوماسية المصرية التحرُّك ضمن هامش ضيِّق يُوازِن بين الطموح والقدرة؛ كما أن تباين أولويات الحلفاء والشركاء قد يضع قيودًا إضافية على هامش الحركة، لذلك يصبح النجاح النسبي مرتبطًا بإدارة التناقضات بدلًا من حلِّها جذريًّا.

ورغم هذه القيود، تظلُّ قدرة القاهرة على الحفاظ على علاقات متوازنة إنجازًا نسبيًّا يعكس خبرة تراكمية في التعامل مع الأزمات المُعقَّدة، فهي تسعى إلى تجنُّب القطيعة مع أي طرف، مع إبقاء قنوات الحوار قائمة حتى في أشدِّ لحظات التصعيد؛ ويُعزِّز هذا النهج من فرص لعب دور في أي تسوية محتملة، حتى وإن كان تأثيره غير حاسم في المدى القصير، وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى تحقيق اختراقات كبرى.

دوافع الدولة المصرية للتحرُّك واحتواء الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني:

هذا وتُدرِك القاهرة أن اتساع دائرة المواجهة بين واشنطن وتل أبيب وطهران يحمل تهديدًا مباشرًا لمعادلات الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، خاصة مع ارتباط الاقتصاد المصري بحركة التجارة والطاقة العابرة للممرَّات البحرية القريبة من بؤر التوتر؛ فكل تصعيد عسكري في الخليج أو البحر الأحمر ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الوقود، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على الأسواق المحلية وسلاسل الإمداد، ومن هذا المنطلق، تبدو التحرُّكات المصرية مدفوعةً برغبة في منع تحوُّل التوتر العسكري إلى أزمة إقليمية مفتوحة قد تؤدِّي إلى اضطرابات ممتدَّة تتجاوز حدود أطراف النزاع المباشرين.

كما ترتبط الحسابات المصرية بأهمية حماية الممرَّات البحرية التي تمثِّل عنصرًا حيويًّا في حركة التجارة الدولية؛ إذ إن أي تهديد للملاحة في البحر الأحمر أو مضيق هرمز ينعكس بصورة غير مباشرة على قناة السويس وعائداتها الإستراتيجية؛ فالتصعيد الأمني يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو تقليص حركة العبور، ما يرفع كُلفة النقل البحري ويؤثِّر على التدفُّقات التجارية العالمية، لذلك تسعى القاهرة إلى تثبيت قدر من التهدئة السياسية يمنع انتقال المواجهة إلى المجال البحري، خصوصًا أن الاقتصاد العالمي بات شديد الحساسية تجاه أي اضطراب في خطوط الطاقة والتجارة.

وفي الجانب السياسي، تحاول الدولة المصرية الحفاظ على موقعها كطرف قادر على التواصل مع مختلف القوى المتصارعة دون الانزلاق إلى سياسة المحاور الحادة؛ لأن استمرار الحرب يهدد بإعادة تشكيل توازنات إقليمية قد تُقلِّص من هامش الحركة العربي وتفتح المجال أمام نفوذ قوى غير عربية بصورة أوسع؛ كما أن تفاقم الصراع قد يؤدِّي إلى تنامي أدوار الفاعلين المسلَّحين في المنطقة، وهو ما يرفع منسوب الفوضى الأمنية ويخلق بيئة أكثر هشاشة على حدود عدة دول عربية، الأمر الذي يُفسِّر حرص القاهرة على دعم مسارات الاحتواء السياسي بدلًا من الرهان على الحسم العسكري.

ويُضاف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن أي تعطيل للإمدادات أو المخاوف المرتبطة بالإنتاج والنقل يفرض أعباء ثقيلة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ويؤثِّر على معدَّلات التضخُّم والاستقرار النقدي والقدرة الشرائية؛ لذلك تنظر مصر إلى احتواء الأزمة باعتباره ضرورة اقتصادية بقدر ما هو تحرُّك دبلوماسي، خاصة أن استمرار التوتر لفترات طويلة قد يدفع الأسواق العالمية إلى موجات متلاحقة من التقلُّبات المالية وارتفاع أسعار السلع الأساسية؛ ومن هنا تتعامل القاهرة مع الأزمة بوصفها اختبارًا لقدرة الإقليم على منع الانفجار الشامل الذي قد يُعيد رسم الخريطة الاقتصادية والأمنية للشرق الأوسط بأكمله.

شراكات القاهرة الإقليمية والدولية ودورها في مشهد التحرُّكات الدبلوماسية المصرية:

وتتشكَّل فاعلية التحرُّك المصري في أوقات الأزمات من خلال شبكة واسعة من الروابط الإقليمية والدولية التي تمنحها قنوات متعددة للتأثير والتواصل، وهذه الروابط تُتيح للقاهرة الوصول إلى دوائر صنع القرار لدى أطراف متباينة، بما يسمح بطرح مبادرات تهدئة أو نقل رسائل دقيقة في توقيتات حسَّاسة؛ كما تُسهِم في تعزيز حضورها داخل ترتيبات التنسيق الجماعي، ما يمنحها منصة أوسع للتأثير غير المباشر، ومع ذلك، فإن هذا الامتداد يرتبط بدرجة كبيرة بمدى انسجام مصالح الشركاء مع توجُّهاتها (مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية).

وفي السياق الإقليمي، تستفيد مصر من علاقاتها مع دول عربية رئيسية في بناء مواقف جماعية تضغط باتجاه خفض التصعيد، وهذا التنسيق يُعزِّز من ثقلها السياسي، خاصة عندما تتحرَّك ضمن إطار مشترك يعكس توافقًا نسبيًّا في الرؤى؛ لكنه في الوقت ذاته يفرض عليها مراعاة أولويات شركائها، ما قد يحدُّ من قدرتها على تبنِّي مواقف مستقلة بالكامل، ومن هنا تصبح إدارة التوازن بين العمل الجماعي والحفاظ على هامش الحركة مسألة دقيقة.

وعلى الصعيد الدولي، تُتيح الشراكات مع قوى كبرى فرصًا لتوسيع نطاق التأثير، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة أو من خلال الأطر متعددة الأطراف، وهذه العلاقات تمنح القاهرة إمكانية الوصول إلى أدوات ضغط غير متاحة لغيرها من الفاعلين الإقليميين، وتُساعِد في إيصال رسائلها إلى مستويات أعلى من صنع القرار؛ غير أن هذه الميزة قد تتحوَّل إلى عبء إذا تعارضت مصالح تلك القوى مع مساعي التهدئة، وفي هذه الحالة، تجد مصر نفسها مضطرَّة للتكيُّف مع معادلات أكبر من قدرتها الفردية.

كما تبرز القيود في شكل التزامات سياسية واقتصادية تفرضها طبيعة هذه الشراكات، حيث يتعيَّن على القاهرة مراعاة توازنات دقيقة لتجنُّب الإضرار بعلاقاتها الإستراتيجية، وهذا الواقع قد يحدُّ من قدرتها على اتخاذ مواقف حاسمة أو الانخراط في مبادرات جريئة؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن تعدُّد الشركاء وتباين أجنداتهم يزيد من تعقيد عملية التنسيق، ما يتطلَّب مهارة عالية في إدارة التناقضات، وبالتالي يصبح التحرُّك محكومًا بحسابات دقيقة تتجاوز البُعد الدبلوماسي التقليدي.

لتُعزِّز بذلك هذه الشبكة الوزنَ التفاوضي لمصر من حيث إتاحة الوصول والتأثير غير المباشر، لكنها في الوقت ذاته تفرض عليها قيودًا نابعة من تشابك المصالح وتعدُّد الالتزامات؛ وهذا التداخل يجعل دورها أقرب إلى الوسيط الحذر الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين متطلبات الشراكة وأهداف التهدئة، ورغم التحديات، تظلُّ هذه العلاقات عنصرًا أساسيًّا في قدرتها على البقاء فاعلًا في مسار إدارة الأزمات.

وتتجلَّى أهمية هذه الشراكات أيضًا في قدرتها على توفير غطاء سياسي للتحرُّكات المصرية، حيث يمنحها الدعم الضمني من بعض القوى الإقليمية والدولية مساحة أكبر للمبادرة دون التعرُّض لضغوط مباشرة؛ وهذا الغطاء يُسهِّل طرح أفكار تسوية أو مبادرات مرحلية يمكن البناء عليها لاحقًا، لكنه في الوقت نفسه قد يُقيِّد حرية الحركة إذا ارتبط بشروط غير مُعلَنة أو تفاهمات مسبقة، ومن ثَمَّ يصبح الحفاظ على استقلالية القرار تحديًا مستمرًّا في ظل هذه التفاعلات (مركز رع للدراسات الإستراتيجية).

كما تُسهِم الروابط الاقتصادية ضمن هذه الشبكة في تشكيل ملامح الدور المصري، إذ ترتبط العديد من الشراكات بمصالح تجارية واستثمارية تتأثَّر بشكل مباشر باستمرار التوتر؛ وهذا العامل يدفع القاهرة إلى تبنِّي مقاربات أكثر براغماتية تُوازِن بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية، وفي بعض الحالات، قد تُستخدَم هذه المصالح كأداة ضغط غير مباشرة لدفع الأطراف نحو التهدئة؛ إلا أن هذا الاستخدام يظلُّ محدودًا بقدرة الاقتصاد على تحمُّل تبعات أي تصعيد محتمل.

ومن زاوية أخرى، تمنح هذه العلاقات مصر قدرة على لعب دور حلقة الوصل بين محاور متباعدة، وهو ما يُعزِّز من قيمتها كوسيط يمكنه فهم وتفسير مواقف متعددة في آن واحد، وهذا الموقع الوسيط يُتيح لها صياغة مقترحات تأخذ في الاعتبار حساسيات جميع الأطراف، ما يزيد من فرص قبولها نسبيًّا؛ غير أن هذا الدور يتطلَّب مستوى عاليًا من الثقة، وهو عنصر قد يتأثَّر سريعًا بأي تغيُّر في مواقف الشركاء، لذلك يبقى نجاح هذا النهج مرتبطًا بقدرة القاهرة على الحفاظ على توازن دقيق بين الانخراط والحياد.

حدود التأثير المصري على أطراف الصراع في ظل الاستخدام المتفاقم للقوى من جميع الأطراف:

ويتحدَّد هامش الحركة المصري في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتصاعد حدة التهديدات بين أطراف الصراع، في بيئة يهيمن عليها فاعلون يمتلكون قدرات عسكرية ضخمة ونفوذًا سياسيًّا واسعًا، ما يجعل التأثير المباشر محدودًا بطبيعته؛ فالقاهرة لا تسعى إلى موازنة القوة بالقوة، بل إلى إدارة تداعياتها عبر أدوات مختلفة تركِّز على احتواء التصعيد، وهذا الواقع يفرض عليها العمل ضمن نطاق غير صِدامي يهدف إلى تقليل الخسائر بدلًا من تغيير مسار المواجهة جذريًّا، ومن ثَمَّ يصبح الدور أقرب إلى ضبط الإيقاع لا إعادة تشكيله.

ففي ظل هذا الاختلال، تبرز الدبلوماسية كوسيلة رئيسية لتعويض الفجوة في القدرات الصلبة، حيث تعتمد على بناء الثقة وتسهيل قنوات الحوار، فالتواصل المستمر مع جميع الأطراف وجولات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي تُتيح للقاهرة لعب دور الناقل للمواقف والمقترحات، ما يُساعِد في منع الانقطاع الكامل بين الخصوم؛ كما أن الخبرة المتراكمة في إدارة الأزمات تمنحها قدرة على قراءة التحوُّلات وتقديم مبادرات واقعية، إلا أن نجاح هذه الجهود يظلُّ مرهونًا بمدى استعداد الأطراف لقبول الوساطة.

ورغم ذلك، تواجه هذه المقاربة تحديات مرتبطة بقدرة القوى الكبرى على فرض إيقاعها الخاص على مسار الأحداث، سواء عبر التصعيد العسكري أو الضغوط السياسية؛ وهذا النفوذ قد يُقلِّص من فعالية أي جهود تهدئة لا تتماشى مع حساباتهم الإستراتيجية، كما أن تعدُّد ساحات التوتر يزيد من تعقيد المشهد، ما يجعل التنسيق أكثر صعوبة؛ وبالتالي فإن الدبلوماسية تعمل في بيئة مليئة بالقيود التي تحدُّ من قدرتها على تحقيق اختراقات سريعة.

ومن ناحية أخرى، يمكن للدور المصري أن يحقِّق تأثيرًا نسبيًّا من خلال التركيز على القضايا الجزئية مثل التهدئة المرحلية أو الإجراءات الإنسانية، وهذه المسارات لا تتطلَّب توافقًا شاملًا، لكنها تُسهِم في تقليل حدة التوتر وفتح المجال لمحادثات أوسع؛ كما أن النجاح في هذه الملفات يُعزِّز من مصداقية الوسيط ويدعم استمرارية دوره، ومع ذلك، فإن هذا التأثير يظلُّ تدريجيًّا ولا يعالج جذور الصراع الأمريكي الإيراني بشكل مباشر لأبعاده الأيديولوجية والجيوسياسية (المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية).

لذلك لا يمكن للدبلوماسية وحدها أن تُعوِّض بشكل كامل الفجوة الناتجة عن تفاوت موازين القوى، لكنها تظلُّ أداة أساسية لإدارة هذا التفاوت وتقليل مخاطره، فالقاهرة تتحرَّك ضمن إطار واقعي يُوازِن بين الطموح والإمكانات، مع السعي إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من أدواتها المتاحة؛ وبينما تظلُّ النتائج محدودة في بعض الأحيان، فإن استمرار هذا الدور يعكس أهمية المسار السياسي حتى في أكثر الأزمات تعقيدًا.

دور التحرُّكات المصرية في حماية المصالح الإستراتيجية المرتبطة بأمن الطاقة والممرَّات البحرية:

وعلى صعيد ربط تحرُّكات القاهرة بمصالح الدولة المصرية الحيوية بالإقليم، فإن التحرُّكات المصرية تأتي في سياق تقليل انعكاسات التوتر على مسارات إمدادات الطاقة التي تمرُّ عبر نطاقات جغرافية حسَّاسة، حيث تسعى القاهرة إلى إبقاء هذه المسارات بعيدة عن دائرة الاستهداف المباشر؛ فالتدخُّل الدبلوماسي يهدف إلى تثبيت قواعد غير مكتوبة تُحيِّد البنية التحتية الحيوية عن التصعيد ولو بشكل مؤقت، كما تعمل على تعزيز التواصل مع الأطراف المعنية لضمان استمرار تدفُّق الموارد دون انقطاع حاد؛ ومع ذلك، فإن هذا الجهد يظلُّ هشًّا أمام أي تصعيد مفاجئ.

وفيما يتعلَّق بالممرَّات البحرية، تعتمد مصر على موقعها الجغرافي وقدرتها على إدارة أحد أهم طرق التجارة العالمية، ما يمنحها دورًا محوريًّا في الحفاظ على انسيابية الحركة؛ وهذا الدور لا يقتصر على الإدارة التشغيلية، بل يمتدُّ إلى التنسيق السياسي والأمني مع شركاء دوليين لضمان عدم تعطُّل الملاحة، كما تسعى إلى تقليل المخاطر من خلال تبادل المعلومات وتعزيز إجراءات السلامة، إلا أن التهديدات غير التقليدية تظلُّ عنصرًا يصعب التحكُّم فيه بالكامل.

وتُسهِم التحرُّكات السياسية المصرية مع شركائها الفاعلين في المشهد أيضًا في طمأنة الأسواق الدولية، حيث تلعب الرسائل الدبلوماسية دورًا في الحدِّ من القلق الذي قد يؤدِّي إلى تقلُّبات حادة في أسعار الطاقة؛ فمجرد وجود جهود تهدئة نشطة يمكن أن يُخفِّف من حدة التوقُّعات السلبية ويمنح الأسواق قدرًا من الاستقرار النسبي، كما أن التنسيق مع الدول المنتجة والمستهلكة يُساعِد في احتواء الاضطرابات المحتملة؛ ومع ذلك، فإن هذه التأثيرات تبقى مؤقتة وتعتمد على تطوُّر الأحداث.

ومن جانب آخر، تحاول القاهرة الاستفادة من علاقاتها المتعددة لتأمين دعم دولي يحمي هذه المصالح الحيوية، سواء عبر التنسيق الأمني أو من خلال تفاهمات سياسية تُقلِّل من احتمالات الاستهداف للناقلات النفطية؛ وهذا النهج يُعزِّز من قدرتها على لعب دور الوسيط الذي يربط بين اعتبارات الأمن والاقتصاد، لكنه يفرض عليها أيضًا التزامات قد تحدُّ من حرية حركتها في بعض الملفات؛ وبالتالي فإن تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد يظلُّ تحديًا مستمرًّا (مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية).

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو مساهمة التحرُّكات المصرية مهمة في تقليل المخاطر وليس إزالتها بالكامل، حيث تركِّز على إدارة الأزمات بدلًا من منعها بشكل نهائي، فالتأثير يتجلَّى في القدرة على احتواء التداعيات وتأخير تفاقمها، ما يمنح الأطراف مساحة للبحث عن حلول؛ ورغم محدودية النتائج في بعض الأحيان، فإن هذا الدور يظلُّ ضروريًّا للحفاظ على قدر من الاستقرار في بيئة شديدة الاضطراب.

السيناريوهات المحتملة لتطوُّر الدور المصري في ظل استمرار الصراع:

ويتوقَّف تطوُّر الدور المصري على مسار التصعيد ذاته، إذ قد يظلُّ محصورًا في إدارة الاتصالات إذا استمرت العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة، وفي هذا السيناريو، تركِّز القاهرة على منع الانزلاق نحو مواجهات أوسع عبر الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة؛ كما تسعى إلى تقليل سوء الفهم بين الأطراف من خلال نقل الرسائل بشكل دقيق، وهذا الدور يظلُّ مهمًّا لكنه لا يرقى إلى مستوى التأثير الحاسم؛ ومع ذلك، فإنه يُشكِّل قاعدة يمكن البناء عليها لاحقًا.

وفي حال حدوث فترات تهدئة مؤقتة، قد تتَّسع مساحة التحرُّك لتشمل طرح مبادرات أكثر تفصيلًا تهدف إلى تثبيت وقف التصعيد، وهنا يمكن أن تتحوَّل القاهرة إلى منصة للحوار غير المباشر، مستفيدةً من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الفاعلين؛ كما أن نجاحها في إدارة ملفات جزئية قد يُعزِّز من ثقة الأطراف في قدرتها على لعب دور أكبر، لكن هذا التطوُّر يظلُّ مرتبطًا بمدى استعداد القوى المتصارعة للانخراط في مسار سياسي؛ وبالتالي فإن الفرصة قائمة لكنها ليست مضمونة.

أما في سيناريو تصاعد الضغوط الدولية لاحتواء الأزمة، فقد تجد مصر نفسها جزءًا من جهد جماعي أوسع يضمُّ قوى إقليمية ودولية من بينها الصين، وهذا الإطار يمنحها دعمًا إضافيًّا ويزيد من فرص تأثيرها، خاصة إذا تمَّ توزيع الأدوار بشكل ينسجم مع قدراتها؛ وفي هذه الحالة، يمكن أن تلعب دورًا محوريًّا في التنسيق بين الأطراف المختلفة، إلا أن هذا الدور سيظلُّ مرتبطًا بمدى توافق الشركاء على أهداف مشتركة، ومن دون هذا التوافق، قد يتراجع تأثيرها.

ورغم هذه الإمكانيات، تواجه القاهرة تحديات تتعلَّق بامتلاك أدوات ضغط محدودة مقارنة بالقوى الكبرى، ما يحدُّ من قدرتها على فرض حلول، كما أن تشابك المصالح الإقليمية يزيد من صعوبة الانتقال إلى دور أكثر تأثيرًا؛ إضافة إلى ذلك، فإن أي انحياز قد يؤثِّر على مصداقيتها كوسيط، لذلك فإن التحوُّل إلى فاعل محوري يتطلَّب مزيجًا من القبول الدولي والقدرة على تقديم حلول واقعية، وهذا ما يجعل المسار معقَّدًا وغير مضمون النتائج.

ومع ذلك، تمتلك مصر عناصر قوة يمكن تطويرها، مثل خبرتها في الوساطة وموقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعِّبة؛ فإذا نجحت في توظيف هذه العناصر ضمن إستراتيجية متكاملة، فقد تتمكَّن من توسيع نطاق تأثيرها تدريجيًّا، كما أن الاستثمار في بناء الثقة مع الأطراف المختلفة يُعزِّز من فرص قبولها كوسيط رئيسي، وبين القيود والفرص، يبقى مستقبل هذا الدور رهينًا بقدرتها على التكيُّف مع بيئة متغيِّرة باستمرار.

الخلاصة:

  • وفي ظل تصاعد التوتر، يتحدَّد الدور المصري بين حدود تفرضها موازين القوى وفرص تُتيحها شبكة علاقاته وخبرته الدبلوماسية، حيث يظلُّ في جوهره دورًا تراكميًّا يقوم على إدارة الأزمات وتقليل مخاطرها أكثر من حسمها؛ فالقاهرة تمتلك القدرة على الحفاظ على قنوات التواصل، وطرح مسارات تهدئة مرحلية، والمساهمة في حماية المصالح الحيوية المرتبطة بالطاقة والملاحة، لكنها تواجه قيودًا نابعة من تفوُّق الفاعلين الرئيسيين وتشابك حساباتهم؛ ومع ذلك، فإن قدرتها على التحرُّك ضمن أطر جماعية، واستثمار موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة، قد تفتح المجال أمام تعزيز تأثيرها تدريجيًّا إذا توفَّرت ظروف مواتية؛ وبين الطموح في لعب دور أكثر مركزية والواقع الذي يفرض الحذر، يبقى نجاح هذا الدور رهينًا بمدى قدرتها على التكيُّف مع تحوُّلات المشهد وتوظيف أدواتها بمرونة وكفاءة.

المصادر:

مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم

مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية

مركز رع للدراسات الإستراتيجية

المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية

مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية

الكلمات المفتاحية

الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانيةالأزمة في الشرق الأوسطتعقيدات الصراع الإقليميالتحركات الدبلوماسية للتهدئةجولات وزير الخارجية المصري