الصراع الأمريكي الإيراني.. أبعاد الضربات الحوثية واختبار أسلحة القوى الكبرى في الخليج

في ظل احتدام حالة الصراع التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، لم تعد الهجمات الصاروخية والمتفجرة بالطائرات المُسَيَّرَة مجرد أداة في نزاع محلي ممتد، بل تحولت إلى مؤشر داكن على اتساع رقعة المواجهة الإقليمية وتداخل أبعادها؛ حيث تتشابك حسابات القوى الإقليمية والدولية على أرض الميدان.
لا سيما بعد الضربات الحوثية الأخيرة التي طالت عددًا من المدن والمنشآت النفطية السعودية والخليجية عمومًا، والتي حوّلت بيئة الخليج والممرات المائية المجاورة إلى ميدان اختبار عملياتي مفتوح لأحدث تقنيات السلاح المطور والمنظومات الدفاعية المتقدمة. وفي غضون هذا التصعيد، تتجلى "حرب الوكلاء" بوصفها إستراتيجيةً تَهْدِف إلى إعادة تشكيل معادلات الردع، وتوزيع أعباء الضغط السياسي والعسكري في أتون الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران وتبعاته الكارثية في دول الخليج والشرق الأوسط.
إلى أي مدى تسببت التكتيكات العسكرية الحديثة وإستراتيجية الإشباع الصاروخي؟ ما تداعيات استهداف المنشآت الحيوية في الاقتصاد العالمي وشرايين الطاقة التي باتت في مرمى النيران؟ كيف واجهت التقنيات الإيرانية الاستنزافية أدوات الدفاع الجوي الغربية؟ كيف تحوّل النزاع إلى ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران وجعل الخليج في قلب العاصفة؟ ما مستقبل الاستقرار الإقليمي وخيارات التهدئة وما هي أبرز سيناريوهات التصعيد؟
في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات، نُسَلِّط الضوء في هذا التقرير عبر تحليل بعض الآراء من جوانب مختلفة، بشأن استهداف المنشآت النفطية والبُنى التحتية السعودية وعدوان أذرع طهران على المملكة ودول الخليج، جراء الصراع الأمريكي الإيراني، وذلك في السطور الآتية:
الحوثيون يهاجمون مدنًا سعودية في توسيع لرقعة الحرب:
هاجم الحوثيون المتحالفون مع إيران خلال الأيام القليلة الماضية أربع مدن في جنوب السعودية، حليفة الولايات المتحدة؛ مما أسفر عن إصابة العشرات من المدنيين وعن حرائق في منشآت نفطية في اتساع كبير على ما يبدو لنطاق الحرب المستمرة في الشرق الأوسط منذ ستة أشهر.
وفي الوقت نفسه، استهدفت القوات الأمريكية عدة ناقلات نفط إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ردًّا على محاولات إيرانية لاستهداف سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية، مما يُمَثِّل استئنافًا للهجمات الأمريكية على إيران بعد توقفها ليومين. (رويترز).
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع عدة هجمات، إذ ذكرت وكالة أنباء تسنيم أن صاروخًا أمريكيًّا أصاب ناقلة نفط إيرانية على بُعْد أربعة أميال (ستة كيلومترات) من جزيرة خرج -التي تُعَدُّ مركزًا رئيسًا للنفط- بينما أفادت هيئة الإذاعة الرسمية بأن الولايات المتحدة هاجمت ناقلة نفط ثانية بالقرب من ميناء جاسك في خليج عمان.
وفي المقابل: هدد الحرس الثوري الإيراني باستهداف ناقلات نفط في موانئ كويتية وبحرينية، محذرًا الطواقم الموجودة هناك بضرورة الإخلاء.
وشَنّ الحوثيون، الذين يسيطرون على معظم المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان في اليمن بما في ذلك العاصمة، عملية واسعة في عمق الأراضي السعودية، واستخدم الحوثيون طائرات مُسَيَّرَة وصواريخ لضرب قاعدة جوية سعودية في مدينة خميس مشيط في الجنوب وأهداف تابعة لشركة النفط السعودية الحكومية في أبها القريبة ونجران على الحدود اليمنية وجازان، وهي مدينة ساحلية مُهِمَّة مُطِلَّة على البحر الأحمر تضم مصفاة كبيرة ومحطة كهرباء. (رويترز).
تداعيات استهداف منشآت الطاقة في الاقتصاد العالمي:
لم يعد استهداف المنشآت النفطية وممرات الملاحة مجرد ضغط ميداني محلي، بل أضحى أداة لإحداث هزات ارتدادية في عمق الاقتصاد العالمي، إذ ترتكز هذه الإستراتيجية على استغلال نقاط الاختناق الإستراتيجية كباب المندب ومشاريع أنابيب نقل الخام، حيث يُؤَدِّي التعرض إلى أي تهديد أمني فيها إلى القفز الفوري بأسعار النفط والغاز نتيجة ارتفاع علاوة الأخطار الإقليمية. (رويترز).
تتجاوز التداعيات حدود أسواق الطاقة لتطال سلاسل الإمداد العالمية؛ إذ تُجبر التهديدات البحرية والجوية شركات الشحن والتأمين على رَفْع أقساط التأمين ضد أخطار الحرب أو تغيير مسارات السفن نحو طرق أطول وأكثر كلفة.
كما يتعدى استهداف منشآت الطاقة والممرات البحرية في الصراع الإيراني الإقليمي مجرد كونه أداةً عسكريةً ميدانيةً، ليصبح محركًا رئيسًا لإحداث إرباك في هيكلية الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، حيث تتحول الشظايا المباشرة للضربات التي تطال البنية التحتية للنفط والغاز ومضيق هرمز إلى موجات صدمة اقتصادية خطيرة.
ينعكس هذا الارتفاع المباشر في تكاليف الشحن والوقود في أسعار السلع الأساسية ومعدلات التضخم العالمي، مما يضغط على البنوك المركزية والقوى الاقتصادية الكبرى، ويحول الأمن الطاقوي بالخليج إلى متغير حاسم في استقرار الأسواق المالية ومعدلات النمو العالمي.
لا سيما في صدمات العرض والطلب وارتفاع أسعار الخام، لأنه يُلغي تعطيل سلاسل الإمداد ومرافئ التصدير ملايين البراميل اليومية من الأسواق، كما يدفع هذا الانكماش الحاد في المعروض أسعار النفط والغاز للارتفاع الفوري نتيجة إضافة ما يُسَمَّى بـ"علاوة الأخطار الجيوسياسية".
ولا شك في أن اختناق الممرات البحرية وتصاعد التكاليف يُؤَدِّي إلى الشلل الملاحي وتهديد حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز وباب المندب إلى مضاعفة أقساط التأمين ضد أخطار الحرب على السفن، أو إجبار الشركات على اتخاذ مسارات بحرية أطول وأكثر كلفة، مما يرفع تكاليف الشحن التجاري العالمي بشكل غير مباشر.
لذا يبدو أن الاعتداءات الحوثية الأخيرة على أراضي المملكة مثلت تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا سافرًا لسيادتها وتهديدًا مباشرًا لأمن الإقليم، لأن المملكة لن تقف مكتوفة الأيدي، لا سيما وأن قيادة القوات المشتركة ستتخذ جميع التدابير والعمليات اللازمة لتحييد مصادر التهديد والرد على هذه الانتهاكات الإجرامية التي تُؤَكِّد رَفْض الجماعة لفرص السلام، بكل حزم وقوة وهو ما يوسع رقعة الصراع في المنطقة.
كما بات واضحًا أن الرياض تشهد تطورات متسارعة وتصعيدًا لافتًا، لأن الرسالة الأبرز ضمن البيانات الرسمية التي صدرت عن التحالف أكدت أن التعامل مع هذه الهجمات لن يقتصر على الاحتواء، بل ستكون هناك إجراءات عملياتية حازمة لمواجهة مصادر هذا التهديد، إلى جانب تحييد الخطر على المستويين الدبلوماسي والسياسي. (رويترز).
التكتيكات العسكرية الحديثة وإستراتيجية الإشباع الصاروخي:
شهدت العقيدة العسكرية الميدانية تحولًا جذريًّا مع اعتماد الجماعة على إستراتيجية الإشباع الدفاعي، وهي تكتيك يقوم على إطلاق موجات مكثفة ومتزامنة من الطائرات المُسَيَّرَة الانتحارية والصواريخ المُجَنَّحَة والباليستية نحو هدف حيوي واحد، حيث يهدف هذا التكتيك المعقد إلى إغراق أجهزة الرادار وشغل وحدات التتبع والمعالجة في بطاريات الدفاع الجوي، لثقب المنظومات الرادارية وخَلْق ثغرات زمنية تتيح للبعض منها الوصول إلى أهدافه بدقة. (العربي الجديد).
تستند التكتيكات العسكرية الحديثة والإستراتيجية التي يُوَظِّفها الحوثيون بدعم وإسناد تقني من إيران وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تعطيل الثقل العسكري والتكنولوجي للتحالف والدفاعات الجوية الغربية والأمريكية والسعودية عبر حشد كمي وهيكلي هائل للتحديات.
كما تعتمد هذه الإستراتيجية على إطلاق موجات متزامنة تجمع بين الطائرات المُسَيَّرَة الانتحارية بطيئة الطيران، مثل: المُسَيَّرَات وصواريخ كروز الجوالة إلى جانب الصواريخ الباليستية متعدّدة المدى؛ لذا فإن إطلاق الأهداف ذات السرعات والارتفاعات المختلفة في اللحظة نفسها يضغط على غرف القيادة والسيطرة الرادارية.
كما تظهر في هذه الهجمات تكتيكات الطيران منخفض الارتفاع واستغلال التضاريس الجغرافية للتخفي عن الرادارات التقليدية، إلى جانب الاعتماد على تقنيات رخيصة الكلفة ماديًّا لكنها عالية الأثر الإستراتيجي.
هذا النمط من الحرب غير المتماثلة لم يَسْتَهْدِف فقط ضرب المقدرات النفطية والبنية التحتية، بل هَدَفَ أساسًا إلى فَرْض معادلة استنزاف مكلفة ماليًّا وعملياتيًّا؛ حيث تُقَابَل مُسَيَّرَة منخفضة التكلفة بصواريخ دفاعية باهظة الثمن، مما يضع أعتى المنظومات الدفاعية أمام اختبار حقيقي لإعادة تعريف أساليب الحماية والتصدي.
وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) سحابة كثيفة من الدخان الأسود فوق مصفاة جازان ودخانًا أبيض يتصاعد من مركز توزيع النفط في أبها.
وفي المقابل: أفادت السلطات السعودية باندلاع حرائق وإصابة مدنيين بينهم نساء وأطفال، ويشير العدد الكبير للمصابين إلى أن الهجمات ربما تكون من بين أكبر الهجمات التي شُنَّت على السعودية منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في فبراير.
بعد شهر من الهدوء خلال أغسطس، استؤنف القتال في الخليج مع تبادل إيران والولايات المتحدة إطلاق النار، مما أعاد أسعار النفط العالمية إلى مستوى 100 دولار للبرميل الذي تجاوزته في ذروة الحرب، وصعدت أسعار خام برنت والخام الأمريكي إلى أعلى مستوياتها عند التسوية منذ 23 يوليو والرابع من يونيو. (العربي الجديد).
تأتي استهدافات جماعة الحوثيين لمدن خميس مشيط وأبها وجازان بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المُسَيَّرَة في وقت لم يصدر فيه أي تعليق حوثي بعد على الإعلان السعودي عن الجرائم الحوثية تجاه المملكة، خصوصًا ويأتي هذا في وقت شهدت جبهات القتال في عدة محافظات في اليمن، تصعيدًا عسكريًّا جديدًا بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي.
كما استهدفت غارات جوية حكومية تجمعات ومراكز قيادة وتعزيزات للجماعة في عدد من جبهات المحافظة. وقال الإعلام العسكري التابع للمقاومة الوطنية الحكومية إن القوات المشتركة أسرت القيادي الحوثي "أبو علي العذري"، الذي قيل إنه أحد قادة وحدة التدخل السريع لدى الحوثيين في جبهة البرح. (غرب).
وقد تزامن تبادل الضربات السعودية مع الحوثي، بانطلاق عملية عسكرية للجيش اليمني لتحرير محافظة مأرب من جماعة الحوثيين، حيث حققت القوات الحكومية تقدمًا ميدانيًّا في قطاعات عدة بشمال المحافظة وجنوبها وغربها، وتمكنت من السيطرة على مواقع إستراتيجية، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحشيدات للحوثيين.
واستمرت هجمات جماعة الحوثي، على أهداف في جنوب السعودية، ما أَدَّى إلى إصابة العشرات، واندلاع حرائق بعدة منشآت نفطية تقع جنوبي المملكة، كما أفادت وزارة الطاقة السعودية بـ"توقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية في عدد من منشآت الطاقة" بعد تعرضها للاستهداف، مما يُعَدُّ عدوانًا من إحدى أذرع إيران في المنطقة.
المملكة لن تتردد في الدفاع عن نفسها في مواجهة أي اعتداءات، ويبدو أن جماعة الحوثيين فتحت على نفسها بابًا كبيرًا للشر، لا سيما أن المملكة أعلنت أنها سوف تستخدم جميع الوسائل المتاحة لحماية مصالحها، في الوقت الذي تُبْقِي فيه الباب مفتوحًا أمام الحلول الدبلوماسية للتعامل مع جماعة الحوثيين. (العربي الجديد).
مواجهة التقنيات الإيرانية الاستنزافية أدوات الدفاع الجوي الغربية:
لقد تحولت سماء المنطقة إلى ساحة مواجهة مباشرة بين مدرستين عسكريتين غير متكافئتين من حيث التكلفة والتطور؛ الأولى تعتمد التقنيات الإيرانية القائمة على تكتيكات الحرب غير المتكافئة ونشر الأسلحة الاستنزافية رخيصة التكلفة مثل طائرات "شاهد" المُسَيَّرَة والصواريخ الموجهة، والثانية تمثلها أدوات الدفاع الجوي الغربية المتقدمة مثل منظومات "باتريوت" و"ثاد". (الجزيرة).
المُسَيَّرَات الانتحارية مثل "شاهد" و"صماد" تُعَدُّ طائرات بطيئة، مصنوعة من ألياف الكربون ومواد تصعب اكتشافها راداريًّا، تعمل بمهام استطلاعية أو هجومية ذاتية التوجيه، وكُلْفَتها المادية لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات. لكن في المقابل تجد الصواريخ الموجهة والكروز منخفضة الارتفاع تُعَدُّ صواريخ مرنة قادرة على الطيران بمحاذاة الأرض لتفادي أجهزة الرادار وشغل منظومات التتبع المتقدمة.
حيث إن القدرة على التجميع والتحريك الميداني تعتمد على منصات إطلاق تمويهية ومتنقلة سهلة الخفاء والتفكيك، مما يجعل استهدافها المسبق بالضربات الجوية أمرًا معقدًا استخباراتيًّا.
يكشف هذا الصراع الميداني عن معادلة معقدة للردع الإستراتيجي؛ حيث تُجْبَر المنظومات الدفاعية باهظة الثمن على استهلاك صواريخ اعتراضية تكلف ملايين الدولارات لتحييد أهداف لا تتعدى قيمتها بضعة آلاف وذلك بالنظر إلى مجريات الحرب بين أمريكا وإيران وعدم الوصول إلى تفاهمات.
ورغم النجاح العالي لمنظومات الاعتراض في حماية الأهداف الحيوية والأعيان المدنية، إلا أن استمرار هذا النمط التشغيلي يُحَوِّل المنطقة إلى مختبر عملياتي حي تُخْتَبَر فيه حدود كفاءة التكنولوجيا الغربية في مواجهة حرب الاستنزاف الكمي، ومدى قدرة سُبُل التتبع والاستشعار الحديثة على مواكبة تطوير التكتيكات الهجومية.
حيث توعدت المملكة في حقها المشروع في اتخاذ ما يلزم للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها وحماية سكانها. وفي المقابل، اعترف الحوثيون بمسؤوليتهم عن الهجمات التي أصابت مدنًا سعودية ومنشآت نفطية، كما استهدفت قاعدة جوية في خميس مشيط بالسعودية.
إن تنفيذ الجماعة الحوثية الممولة من إيران هجمات بالصواريخ والطائرات المُسَيَّرَة وصلت إلى العمق السعودي هو مؤشر خطير، خصوصًا أن الضربات استهدفت مطار أبها الدولي، وقاعدة الملك خالد الجوية، ومنشآت تابعة لشركة أرامكو النفطية في مدينتي أبها وجازان، وهو ما يُعَدُّ تحولًا إستراتيجيًّا في الحرب الدائرة حاليًّا. (الجزيرة).
إن المواجهات الحالية تتوسع بشكل خطير ومتسارع لتشمل الجبهات الداخلية والخارجية على حد سواء بين الحوثي في اليمن والسعودية، إلى أن رقعة المعارك اتسعت لتشمل جبهات متعددة، في مسعى حوثي واضح لتشتيت جهود القوات الحكومية من جهة وجبهة التحالف الذي تقوده السعودية من جهة أخرى.
كيف تحوّل النزاع إلى تصفية حسابات وجعل الخليج في قلب العاصفة؟
تحوّل النزاع بين الولايات المتحدة وإيران إلى تصفية حسابات شاملة ووضع دول الخليج العربي في قلب العاصفة نتيجة اعتماد طهران إستراتيجية توزيع كلفة الحرب على الجميع والرد بالمثل عقب اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة في 28 فبراير 2026م. (الجزيرة).
وبسبب الوجود المكثف للقواعد الأمريكية في المنطقة وشراكات واشنطن الأمنية التاريخية، نالت دول الخليج النصيب الأكبر من التبعات الأمنية والاقتصادية في هذه الحرب غير المسؤولة.
حيث ردت إيران على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية باستهداف البنية التحتية والموانئ والمطارات في دول خليجية مثل السعودية والإمارات، والبحرين، والكويت، وقطر. والمشكلة تكمن في أن إيران تعاملت مع دول الخليج بوصفها امتدادًا للمصالح الأمريكية بسبب استضافتها للقوات الأجنبية، وردّت على القوات الأمريكية المتمركزة هناك، مما جعل أراضي الخليج ساحة لتصفية الحسابات والرد المتبادل.
وبالتزامن مع هذه الحرب، انزلقت الأزمة اليمنية من إطارها الإقليمي الضيق لتغدو منصة رئيسة لإعادة رسم قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران، حيث تستغل إيران الموقع الجيو-إستراتيجي للخليج والممرات المائية المجاورة لتفعيل إستراتيجية الدفاع المتقدم، حيث تُسَخِّر الفاعلين غير الحكوميين لتوجيه ضربات موجّهة تستهدف المصالح الأمريكية وحلفاءها، دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ومكلفة قد تدفع نتيجتها خطوط الدفاع الإيرانية الداخلية.
في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة أمنية حرجة تتراوح بين الالتزام التاريخي بتأمين استقرار حلفائها وحرية الملاحة الدولية، وبين الرغبة في تجنب الانخراط في حرب إقليمية واسعة النطاق.
لقد أَدَّى هذا التدافع إلى تحويل منطقة الخليج العربي إلى مسرح رئيس لتراشق الرسائل السياسية والعسكرية المحسوبة، حيث تُقَاس المكاسب في ملفات المفاوضات النووية والعقوبات الاقتصادية بمدى قدرة كل طرف على فَرْض واقع أمني جديد على الأرض عبر أوراق الضغط الإستراتيجية.
ومن هنا هددت إيران بالرد على أي هجمات أمريكية جديدة عبر استهداف منشآت النفط والغاز في الخليج، خصوصًا بعدما تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى أدنى مستوى منذ مايو وارتفعت أسعار النفط وتعطل كبير في التجارة العالمية.
كما أن تصاعد التوتر في الشرق الأوسط على أكثر من جبهة قد حوّل المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار، لا سيما مع تهديد إيراني بالرد على أي ضربات أمريكية جديدة عبر استهداف منشآت الطاقة في الخليج.
وبناءً عليه، فقد مارست إيران ضغوطًا هائلة عبر تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز وإغلاقه جزئيًّا وكليًّا، وهو الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز المسال عالميًّا، مما تسبب في ضرب مصالح دول الخليج أكبر مصدر للنفط. (الجزيرة).
الجامعة العربية غاضبة:
جامعة الدول العربية غاضبة بالإجماع وتتوقع انفجارًا جديدًا في المنطقة إذا استمرت الأوضاع على حالها، وهو ما جاء على لسان أمينها العام السفير نبيل فهمي، حيث شَدَّدَت الجامعة على عدم إمكانية إنهاء الحرب في المنطقة عسكريًّا، محذرة من أن الأزمة مرشحة للاستمرار والاعتداء على دول التعاون الخليجي.
ما يحدث كشف عن امتعاض الجامعة العربية، حيث ترى أن الدور الإيراني تجاه عدد من الدول العربية "سلبي للغاية"، داعية طهران إلى تغيير سياساتها تجاه الدول العربية ووقف العدوان، مع ضرورة وضع "أسس واضحة" تحكم علاقات الدول العربية مع إيران.
إن ما يحدث خلال الحرب بين أمريكا وإيران أَسْهَم في توسيع رقعة الصراع والعدوان على غزة ولبنان واليمن، لذا عَدَّت الجامعة أن تطبيق حل الدولتين أصبح أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق نتيجة توسيع رقعة الصراع، لا سيما أن الفلسطينيين التزموا باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكن الانتهاكات الإسرائيلية الغاشمة وقتل الأبرياء بشكل متتالٍ تعوق تنفيذه.
مستقبل الاستقرار الإقليمي بين خيارات التهدئة وسيناريوهات التصعيد:
يمر مستقبل الاستقرار الإقليمي بمنعطف حرج نتيجة انهيار التهدئة النسبية وتجدد القتال العنيف، إذ يشهد المشهد اليمني حاليًّا تصعيدًا عسكريًّا واسعًا بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، خصوصًا بعد استهداف منشآت نفطية وحيوية سعودية، حيث امتد ليشمل تبادل الضربات الجوية والصاروخية واستهداف المنشآت الحيوية وقواعد عسكرية داخل المملكة، بالتزامن مع توترات البحر الأحمر. (فرانس 24).
تقتضي قراءة المشهد الراهن الاعتراف بتآكل قواعد اللعبة التقليدية التي ضبطت إيقاع الصراع لسنوات، حيث تلاشت حدود الفصل بين النزاعات المحلية والمواجهات الإقليمية الكبرى.
حيث أدخل اتساع نطاق الهجمات وتنامي القدرات الهجومية العابرة للحدود المنطقةَ في فراغ ردعي، لم تعد فيه الحلول العسكرية المنفردة أو ضربات الانتقام الجزئية قادرة على فَرْض التهدئة أو شَلّ إرادة الخصم، مما يضع استقرار الشرق الأوسط أمام مفترق طرق حرج.
يتأرجح المستقبل القريب بين مسارين وهما: الذهاب نحو تصعيد مفتوح تتعدى فيه الضربات حدود احتواء الأضرار لتشعل مواجهة شاملة تُربك أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، أو المتمثل في إرساء توازن رعب جديد يُجبر القوى المتصارعة على صياغة هندسة أمنية جديدة تقوم على التفاهمات الضمنية والدبلوماسية الوقائية؛ إذ أدرك الجميع أن كلفة الاستمرار في حرب الاستنزاف الحالية تتجاوز قدرة أي طرف على تحمّلها على المدى الطويل.
وفي تصعيد كبير قررت طهران أن أي سفينة تدخل تلك المنطقة المحظورة في هرمز ستضاف إلى قائمة العقوبات الإيرانية، ولن تلتزم إيران بفَتْح مضيق هرمز إلا عندما يتوقف الأمريكيون عن أعمال التخريب والتهديدات والهجمات على إيران.
وبالتالي، حَمَّلَت الرياض إيران المسؤولية في إجراءات المضيق، حيث تنسق مع دولة الإمارات على إنشاء مسارات بديلة لتصدير الطاقة لضمان ألا تكون "رهينة" بسبب حرب إيران، لا سيما بعدما شَنّ الحوثيون المدعومون من إيران هجومًا بَرِّيًّا نحو مناطق متاخمة لمضيق باب المندب، وهو ما أَدَّى إلى تصاعد حدة الاشتباكات وتوسيع النزاع، كما أن العودة إلى قتال واسع النطاق ومستدام ستكون لها عواقب وخيمة على المدنيين في كل الأطراف المتصارعة. (فرانس 24).
وفي ظل الحرب الإقليمية الأوسع والاضطرابات بين الولايات المتحدة وإيران، يندفع الصراع نحو التصعيد أو التهدئة عبر عدة مستويات، وهي:
حرب استنزاف طويلة الأمد: هذا السيناريو ربما يطول لفترة سياسيًّا وميدانيًّا؛ حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على الحسم العسكري الكامل والسريع حاليًّا، حيث يستمر الحوثيون في محاولاتهم لفَرْض واقع جغرافي جديد، بينما تواصل السعودية دعم القوات الحكومية لمنع تمددهم.
معركة المضائق والممرات المائية: يسعى الحوثيون جاهدين للتقدم نحو المناطق المتاخمة لمضيق باب المندب والسيطرة الكاملة على الساحل الغربي، ما يمنحهم ورقة ضغط إستراتيجية دولية وإسنادًا للموقف الإيراني.
استهداف العمق الاقتصادي: يمتد التصعيد لضرب البنية التحتية للطاقة والمطارات والقواعد العسكرية مثل قصف مطار أبها وقاعدة نجران العسكرية واستهداف خطوط الأنابيب، مما يدفع الجانب السعودي إلى ردود فعل وتعبئة عسكرية لردع هذه التهديدات وحماية أمنه القومي.
تصعيد منضبط بغرض التفاوض: قد يكون التراشق الحالي محاولة من الطرفين لتحسين الشروط التفاوضية وموازين القوى قبل الجلوس مجددًا على طاولة المحادثات.
إعادة تفعيل الوساطة: لربما يتم إعادة تفعيل الوساطة الإقليمية والدولية تلك التي تبرز في أهمية الدور العُماني والأممي بوصفها قنوات خلفية قادرة على صياغة "خارطة طريق" جديدة في حال رغبت الأطراف في احتواء الموقف وإعادة إحياء أجواء الاتفاقات السابقة.
الخلاصة:
- نَخْلُص في هذا التقرير إلى أن النزاع بين الولايات المتحدة وإيران تحوّل إلى تصفية حسابات شاملة ووضع دول الخليج العربي في قلب العاصفة نتيجة اعتماد طهران إستراتيجية توزيع كلفة الحرب على الجميع والرد بالمثل عقب اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة في 28 فبراير.
- تدفع دول الخليج العربية أثمانًا باهظة ومباشرة جراء المواجهة والصراع المحتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إذ تعرضت قواعد ومناطق إستراتيجية من البنى التحتية في دول الخليج لهجمات ومُسَيَّرَات وصواريخ متبادلة، وسط تهديدات إيرانية متكررة بأن المنشآت النفطية الخليجية لن تبقى بمعزل عن الصراع.
- كما تراجعت مظلة الثقة الأمنية، لأن هذه الحرب أعادت صياغة التفكير الإستراتيجي الخليجي، مع تراجع الثقة المُطْلَقَة في استدامة الحماية والردع الأمريكي، مما يدفع نحو ضرورة خيار التهدئة والتسويات الإقليمية.
- الهجمات العابرة للحدود لم تعد مجرد جولة صراع إقليمي خاطفة، بل غدت تحولًا إستراتيجيًّا في طبيعة الحروب الحديثة بالشرق الأوسط، كما أثبتت التطورات الميدانية أن دمج التقنيات غير المتماثلة كالطائرات المُسَيَّرَة والصواريخ الموجهة نجح في إعادة صياغة موازين القوى، وفَرْض معادلات استنزاف أمنية واقتصادية مُكْلِفَة بأقل التكاليف المادية.
- كما عكس تداخل الجبهات تحوّل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة ومعمل لاختبار كفاءة السلاح الغربي في مواجهة التكتيكات الإيرانية.
- وأمام تآكل منظومات الردع التقليدية وتهديد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، أصبحت المنطقة أمام حقيقة واحدة وهي أن الاستقرار الإقليمي لن يتحقق عبر الحلول العسكرية الجزئية، بل يستلزم صياغة تفاهمات سياسية وأمنية شاملة تنهي حالة الاستقطاب وتمنع انزلاق الشرق الأوسط نحو مواجهة شاملة لا رابح فيها.
- في النهاية.. لا سبيل لوقف الحرب بين واشنطن وطهران، سوى في عودة الوساطة من جديد، المتمثلة في مصر وباكستان وقطر وسلطنة عمان، لوقف الحرب الضروس وصياغة خارطة طريق جديدة بين كافة الأطراف، لأن ذلك سينعكس في التوّ على وَقْف التصعيد بين السعودية وجماعة الحوثي الممولة من إيران.
المصادر: