طبول الحرب تُقْرَع مجددًا في إثيوبيا.. معارك تيغراي تنسف اتفاق بريتوريا وتُبَدِّد أوهام السلام في القرن الإفريقي

تتهاوى هدنة السنتين الهَشَّة في شمال إثيوبيا لتستيقظ البلاد مجددًا على صدى قذائف المدافع وهدير المجنزرات، مُعْلِنَةً جولة جديدة من المعارك الضارية بين الجيش الاتحادي ومقاتلي جبهة تحرير شعب تيغراي، هذا التصعيد العسكري المفاجئ، الذي يتمركز بقوة في الجبهة الغربية المتاخمة للحدود السودانية، لم يكتفِ بإشعال الميدان فحسب، بل عصف بآمال "اتفاق بريتوريا" للسلام، ووضع القرن الإفريقي بأكمله فوق صفيح ساخن، وسط تحذيرات ومخاوف دولية متصاعدة من انزلاق المنطقة نحو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة لا يمكن التنبؤ بتبعاتها.
كما أن تجدد المعارك الضارية في مطلع شهر أغسطس 2026م بين القوات الاتحادية الإثيوبية ومقاتلي جبهة تحرير شعب تيغراي في منطقة "شيرينا" قرب الحدود السودانية تسبب في قلق بالغ للسودان. ويُعَدُّ هذا التصعيد العسكري استخدامًا للأسلحة الثقيلة والمدفعية، وهو الأعنف من نوعه منذ توقيع اتفاق السلام في بريتوريا عام 2022م؛ مما يهدد بانهيار الاتفاق وعودة الحرب الأهلية المدمرة.
في مركز "رواق" للأبحاث والدراسات، نُسَلِّط الضوء على عدة محاور مُهِمَّة، وهي: رماد بريتوريا.. كيف تهاوى اتفاق السلام تحت أقدام المدافع؟ كيف وقف شمال إثيوبيا على موعد مع نزاع جديد بين الجيش وقوات تيغراي؟ الميدان المشتعل هل تتحول الجبهة الغربية إلى مسرح للمواجهة الشاملة؟ حرب خلفت 600 ألف قتيل فلماذا تجدد القتال في تيغراي؟ ما هي أسباب وتطورات التصعيد الميداني وما أبرز السيناريوهات المتوقعة؟ سوف نجيب عن هذه التساؤلات في السطور الآتية.
أسباب الانفجار العسكري وتهاوي اتفاق بريتوريا:
يشهد شمال إثيوبيا تصعيدًا عسكريًّا خطيرًا ينذر بتهاوي اتفاق بريتوريا وعودة المواجهات الواسعة بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي، فأزمة الثقة المستحكمة تسببت في انهيار قنوات الثقة بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وقيادة جبهة تحرير تيغراي؛ حيث يتبادل الطرفان الاتهامات بخرق التفاهمات السياسية والأمنية.
معضلة الأراضي المتنازع عليها تكمن في بقاء مناطق إستراتيجية مثل غرب تيغراي (ولقيت) وجنوبها تحت سيطرة قوات أمهرة وإريتريا، مع رفضها الانسحاب وقيامها بتغييرات ديمغرافية وإدارية، وهو ما يمنع عودة مئات الآلاف من النازحين.
كما أن الخلافات السياسية والإدارية أَدَّت إلى اتهام جبهة تيغراي الحكومة الفيدرالية بتأجيج صراعات داخلية في الإقليم، وتمديد ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون توافق، وقطع التمويل ورواتب الموظفين، كما أن تعثر نزع السلاح والدمج تسبب في عدم اكتمال الترتيبات الخاصة بنزع سلاح المقاتلين وتسريحهم وإدمان صيغ التحشيد العسكري المتبادل.
من جانب آخر فإن تداعيات الحرب في السودان وتأثيرها في إعادة تشكيل شبكات التحالفات على الحدود، فضلًا عن الصراع الأوسع على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر أَدَّى إلى تأجيج الأوضاع.
التصعيد الميداني:
هناك العديد من الأسباب التي فجرت الأزمة بين الجيش وجبهة تيغراي، ونتيجة سياسات آبي أحمد المعقدة، اتهمت جبهة تحرير شعب تيغراي الجيش الإثيوبي بشن هجوم واسع النطاق للمشاة والمدفعية الثقيلة في مناطق غرب تيغراي.
حيث تحولت الاشتباكات والمناوشات المحدودة على الحدود الإريترية إلى معارك امتدت لمسافات واسعة قرب الحدود السودانية، ومع تأخر أو التزام الحكومة الاتحادية الإثيوبية الصمت وعدم إصدارها بيانًا رسميًّا مباشرًا؛ مما حَوَّل الاشتباكات الميدانية الأخيرة إلى أزمة طاحنة.
كما أَدَّى التوتر مع السودان إلى تبادل أديس أبابا والخرطوم الاتهامات؛ إذ تتهم إثيوبيا السودان بدعم وتمويل عناصر الجبهة، بينما تحدثت تقارير سودانية عن ضربات بمُسَيَّرَات انطلقت من الأراضي الإثيوبية، في حين تتخوف إريتريا من احتمالية اتساع رقعة الصراع لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى وسط توترات حدودية وعلاقات معقدة مع أسمرة.
لقد تجسد اتفاق بريتوريا للسلام (2022م) بوصفه مجرد "هدنة مؤقتة" استغلتها الأطراف لاستعادة الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف، بَدَلًا من أن يكون مسارًا لبناء السلام المستدام، حيث سقط الاتفاق تحت أقدام المدافع نتيجة تعثر ملفات جوهرية شديدة التعقيد؛ وفي مقدمتها المماطلة في نزع سلاح "جبهة تحرير شعب تيغراي"، والتأخر الإداري والسياسي في إدماج مقاتليها.
ولقد توازى ذلك مع استمرار النزاع الرأسي بين أقاليم الشمال، وتحديدًا قضية "غرب تيغراي" المتنازع عليها مع ميليشيات إقليم أمهرة، والتي بقيت جرحًا غائرًا بلا حسم قانوني أو سياسي من أديس أبابا. (فرانس 24).
علاوة على ذلك: أَدَّى تعقد المشهد الإقليمي وتداخل التوترات الحدودية مع دول الجوار إلى زيادة الشكوك المتبادلة بين الطرفين وتغذية خيار الحسم العسكري، ومع غياب آليات مراقبة دولية صارمة ومفروضة على الأرض، تحولت البنود الورقية إلى ملاذات للتنصل، لتعود لغة السلاح هي الحاكم الفعلي على أرض الواقع، مما نسف أمل التعافي المبكر وأعاد الإقليم إلى مربع الفوضى وتفاقم الأزمة الإنسانية.
لم يكن اتفاق بريتوريا سوى هدنة هَشَّة أُبْرِمَت تحت ضغط الإعياء العسكري، دون أن تقتلع جذور الخلاف الإثيوبي العميق، حيث تهاوى الاتفاق عندما تحول إلى صراع إرادات حول بندين حاسمين وهما: نزع سلاح "جبهة تيغراي" وإعادة ترتيب الأراضي المتنازع عليها في غرب الإقليم، ومع تجاهل الاستحقاقات السياسية وبناء التحالفات التكتيكية على حساب الحل الشامل، أدرك الطرفان أن موازين القوة هي الحاكم الفعلي.
استغلت الحكومة الاتحادية حالة الشلل التنفيذي لتثبيت مكاسبها الميدانية، بينما أعادت الجبهة تنشيط شبكاتها المسلحة تحسبًا للمواجهة، ووسط استقطاب إقليمي محتدم وتراخي أدوات الضغط الدولية، حَلَّت لغة المدافع مجددًا لتطوي صفحة السلام الشكلي، مُعْلِنَةً أن أزمة الحكم والهوية في إثيوبيا لا تُحَلُّ باتفاقيات مجزأة على الورق. (فرانس 24).
الجبهة الغربية وأهمية التحالفات الميدانية بعد تجدد الصراع مع الإقليم:
تُمَثِّل الجبهة الغربية لتيغراي والتحالفات الميدانية المتغيرة نقاط الاشتعال الرئيسة التي تهدد بانهيار اتفاق بريتوريا وتجدد الصراع الواسع مع الحكومة المركزية في أديس أبابا.
وتُعَدُّ منطقة غرب تيغراي المعبر البري الأهم للربط مع السودان وشريان الحياة اللوجستي، لذا فإن استعادتها تعني فك الحصار الاقتصادي والغذائي المفروض على الإقليم، وعمقها العسكري والإستراتيجي يجعل الجيش الفيدرالي يخشى من سيطرة قوات تيغراي على هذه الجبهة لأنها تفتح خطوط إمداد عسكرية وتسليحية جديدة تمكن الإقليم من تهديد السلطة المركزية.
في المقابل: ترفض سلطات تيغراي التنازل عن هذه الأراضي الخصبة التي تخضع لسيطرة قوات وميليشيات إقليم أمهرة منذ بداية الحرب، وتَعُدُّ عودتها شرطًا لأي استقرار حقيقي.
لقد ظهرت تفاهمات ميدانية غير تقليدية بين "جبهة تيغراي" وخصوم الأمس من مقاتلي أمهرة مثل فصائل فانو المسلحة، بهدف مناهضة سياسات رئيس الوزراء آبي أحمد، حيث أَدَّى التوتر بين أديس أبابا وأسمرة بخصوص منفذ البحر الأحمر إلى مخاوف من تنسيق محتمل وهو ما يُعْرَف محليًّا بـ "التسيمدو" بين إريتريا وجبهة تيغراي لإضعاف الحكومة الفيدرالية.
لأن هذه التكتلات تعتمد على تقارب مؤقت في الأهداف وليس على رؤية وطنية جامعة، مما يجعل أي احتكاك في الغرب قابلًا للتحول إلى مواجهة شاملة.
الأوضاع في الشمال الإثيوبي:
أثارت التوترات الأخيرة في تيغراي بشمال إثيوبيا، بما في ذلك الاتهامات بشنّ ضربات بالمدفعية والمُسَيَّرَات، مخاوف من تجدد الحرب في الإقليم، في نزاع قد لا يبقى في منأى عن تدخل دول أجنبية وخصوصًا الدول التي لها مصالح في القرن الإفريقي.
منذ أشهر، يحتشد الجيش الفيدرالي الإثيوبي وقوات تيغراي على جانبي حدود الإقليم، في ظل تصاعد الخصومة بين حكومة آبي أحمد من جهة، وسلطات الإقليم المتمردة بقيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، الحزب الذي بات محظورًا بعدما حكم البلاد بين 1991 و2018م.
ويتهم كل طرف الآخر بالسعي إلى إشعال نار الفتنة ونزاع جديد، عقب حرب مُدَمِّرَة ظلت بين العامين 2020 و2022م، راح ضحيتها ما لا يقل عن 600 ألف شخص، وقد أنهى اتفاق السلام في بريتوريا القتال وأسس لهدوء ساد نسبيًّا حتى أواخر العام 2025م، عندما اندلعت اشتباكات جديدة بين قوات الطرفين. (فرانس 24).
في 11 أغسطس الجاري، اتهمت الجبهة الجيش باستهداف عناصر في جنوب الإقليم بالطائرات المُسَيَّرَة، وقال مسؤول طبي محلي برس إن ما لا يقل عن أربعة من مقاتلي تيغراي أصيبوا، ويبدو أن التحركات الأخيرة سوف تزيد من احتمال نشوب نزاع ضروس خصوصًا في منطقة مشتعلة مع حدود السودان.
وبدأت الحكومة الاتحادية إنتاج الطائرات المُسَيَّرَة قبل عام، وهو سلاح يقول مراقبون إنه مكّنها من وقف تقدم قوات تيغراي نحو أديس أبابا في 2021م، وعلى ما يبدو أن جبهة تحرير شعب تيغراي تدخل نزاعًا محتملًا وهي أضعف بكثير مما كانت عليه خلال الحرب الأخيرة، ولذلك فهي تعتمد بدرجة أكبر بكثير على أطراف خارجية.
أبدى نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي التي تتولى السلطة في الإقليم أمانويل أسيفا، في تصريحات متلفزة، استعدادها للتعاون مع أي جهة تقاتل الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، واتهمت السلطاتُ الإثيوبيةُ الجبهةَ بالتحالف مع إريتريا ومع ميليشيا "فانو" من إقليم أمهرة المجاور، التي حملت السلاح ضد أديس أبابا.
وكانت إريتريا وميليشيا فانو، وهما من الأعداء التاريخيين للجبهة، دعمتا الجيش الفيدرالي ضدها خلال النزاع السابق، قبل أن تتبدل التحالفات مع تصاعد العداء تجاه آبي أحمد ردًّا على سياساته في منطقة القرن، لا سيما مع تخوفات بأن عددًا كبيرًا من الأطراف الخارجية الجديدة التي يمكن أن تدخل على خط النزاع.
ويتهم الجيش السوداني الذي يخوض حربًا مع قوات الدعم السريع المتمردة منذ العام 2023م، إثيوبيا بالسماح لخصومه بالعمل انطلاقًا من أراضيها، ولم ترد أديس أبابا على هذا الاتهام.
أولوسيغون أوباسانجو، المبعوث الخاص للاتحاد الإفريقي إلى القرن الإفريقي، قد زار عاصمة إقليم تيغراي، ميكيلي، في يونيو الماضي، كما أن الرئيس النيجيري السابق أطلق نقاشات بشأن اتفاق بريتوريا.
مراقبون يرون أنه كان من المفترض بواشنطن أن تكون طرفًا أساسيًّا في تهدئة التوترات في المنطقة، لكنها تحاول إرضاء الجميع والسعي وراء مصالحها الضيقة، ومع اندلاع نزاع جديد ربما سيكون مُدَمِّرًا لمصالح واشنطن البحرية والأمنية، ورغم ذلك لا يوجد أي جهد دبلوماسي أمريكي لتفادي نزاع جديد. (فرانس 24).
تُشَكِّل الجبهة الغربية (وولقايت والحمرا) العصب الجيوسياسي للأزمة الراهنة، حيث تحولت من مجرد شريط حدودي متنازع عليه إلى غرفة عمليات حاسمة تُحَدِّد مصير البقاء السياسي والعسكري لجميع الأطراف.
يُمَثِّل هذا المحور لـ "جبهة تيغراي" المنفذ الجغرافي واللوجستي الوحيد لكسر الطوق والعزلة نحو العمق السوداني، مما يجعل استعادته عقيدة عسكرية لا تنازل عنها.
وفي المقابل، تُصِرّ القوات الاتحادية وميليشيات أمهرة على تثبيت واقع ميداني جديد يضمن قطع أي خطوط إمداد خارجي عن الإقليم، وتأمين الحدود الإدارية وفق رؤيتهم. (العربية).
كما يتضاعف الخطر الميداني مع تداخل الميليشيات المحلية المسلحة خارج إطار هيكلية الجيش النظامي، مما يفقد القيادة السياسية القدرة على ضبط إيقاع المعارك، كما أن المحاذاة المباشرة لشرق السودان تجعل هذه الجبهة مسرحًا مفتوحًا للاستقطاب الإقليمي وتصفية الحسابات السياسية عبر الحدود.
إن ما يحدث في منطقة القرن ونتيجة سياسات آبي أحمد، ليس حربًا على نقاط عسكرية، بل صراع شرس على التغيير الديموغرافي والسيطرة الإقليمية، يُلغي المساحات الرمادية ويفرض معادلة صفرية، إما فرض السيطرة الكاملة أو الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة الأمد يدفع ثمنها المواطن الإثيوبي خصوصًا والإفريقي في دول مجاورة متضررة الآن بسبب الحدود من جهة أخر.؛ لذا قد تشهد المنطقة تغيرًا في معادلات التحالف الميداني، وتداخلات معقدة بين الميليشيات المحلية (مثل الفانو الأمهري) والجيش الاتحادي وقوات تيغراي، مما جعل المنطقة ساحة لحرب متعددة الأطراف تصعب معها السيطرة أو ضبط الإيقاع العسكري، كما أن القرب الجغرافي المباشر من ولاية القضارف السودانية يحول الجبهة الغربية إلى "برميل بارود" إقليمي؛ حيث تتداخل خطوط الإمداد والتسلل، وتسود مخاوف جادة من انجراف أطراف إقليمية أخرى نحو دعم جهات بعينها لتصفية حسابات سياسية مع أديس أبابا.
هناك تخوفات حثيثة من النزوح القسري والتغيير الديموغرافي، حيث لم تعد الحرب هناك مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش، بل تحولت إلى صراع على الأرض والهوية، مما أسفر عن موجات تغيير ديموغرافي حادة وتصاعد النبرة القومية، وهو ما ينسف أي أرضية مشتركة للتفاوض أو الحلول الوسط. (العربية).
لماذا تجدد القتال في تيغراي؟
تجددت المعارك مرة أخرى بعد هدنة ظلت سنتين، بين القوات الاتحادية الإثيوبية ومقاتلي جبهة تحرير شعب تيغراي في شمال البلاد، وذلك في أول مواجهة واسعة منذ أشهر، ما أثار مخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى الحرب الدامية في الإقليم قبل نحو أربعة أعوام. (العربية).
تأتي المواجهات في وقت تشهد فيه العلاقات بين إثيوبيا والسودان توترًا متزايدًا، إذ تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم مقاتلين من جبهة تحرير شعب تيغراي، بينما تتهم السلطات السودانية إثيوبيا بتنفيذ هجمات بطائرات مُسَيَّرَة انطلقت من أراضيها؛ كما تتهم الحكومة الإثيوبية جبهة تيغراي بتعزيز علاقاتها مع إريتريا، وهو ما يزيد المخاوف من اتساع رقعة الصراع ليشمل أطرافًا إقليمية.
ورغم توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022م برعاية الاتحاد الإفريقي، فإن عددًا من بنوده الرئيسة لم يُنَفَّذ، وفي مقدمتها نزع سلاح جبهة تحرير شعب تيغراي، وعودة مئات الآلاف من النازحين، وتسوية وضع منطقة غرب تيغراي المتنازع عليها بين الإقليم وسلطات أمهرة.
ومع استمرار الخلافات السياسية والأمنية، شهدت المنطقة منذ أواخر عام 2025م اشتباكات متقطعة وهجمات بطائرات مُسَيَّرَة، قبل أن تعيد الجبهة في أبريل الماضي تشكيل برلمان محلي عَدَّتْه الحكومة الفيدرالية غير شرعي، في خطوة زادت من حدة التوتر بين الطرفين.
كما تواجه تيغراي أزمة اقتصادية خانقة بعد وقف الحكومة الفيدرالية جزءًا من الدعم المالي للإقليم، بينما وثقت منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، عمليات تجنيد قسري خلال الأشهر الماضية.
يُعَدُّ النزاع بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي أحد أكثر الصراعات دموية في العالم خلال العقود الأخيرة، إذ اندلع في نوفمبر 2020م واستمر عامين، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، بحسب تقديرات الاتحاد الإفريقي، إلى جانب نزوح الملايين وانهيار واسع في الخدمات والبنية التحتية.
وكانت جبهة تحرير شعب تيغراي تهيمن على الحياة السياسية في إثيوبيا لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تفقد نفوذها عقب وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018م، لتدخل البلاد بعدها في واحدة من أعقد أزماتها الداخلية.
وفي فبراير الماضي، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من خطورة التصعيد بين قوات الجيش وإقليم تيغراي، داعيًا جميع الأطراف إلى خفض التوتر قبل فوات الأوان، وهو تحذير عاد إلى الواجهة مع تجدد القتال اليوم. (العربية).
لماذا تحول الصراع إلى ورقة مناورة؟
لقد تحول الصراع في شمال إثيوبيا من نكبة محلية إلى ورقة مناورة في لعبة شطرنج إقليمية ودولية، حيث لم تعد القوى الخارجية تكتفي بالمراقبة فقط، بل بدأت في الدخول على الخط وتجميع الخيوط لتحقيق مآرب جيوسياسية واسعة. (التلفزيون العربي).
تصفية حسابات المياه والبحر الأحمر، باتت تُسْتَغَل في الحالة الهَشَّة لإثيوبيا من قِبل أطراف إقليمية تتهمها أديس أبابا بعرقلة تمددها الهيدروبوليتي ونفوذها البحري الصاعد، عبر دعم وكلاء يضمنون إبقاء أديس أبابا الغارقة في أزماتها الداخلية.
حرب السودان تتقاطع مع صراع الشمال الإثيوبي مباشرة مع السيولة الأمنية في السودان؛ حيث تُسْتَغَل المناطق الحدودية بوصفها ساحاتٍ خلفية للإمداد اللوجستي والتعبئة المتبادلة بين الميليشيات العابرة للحدود.
من جهة أخرى: فإن الصراع الإريتري المعقد قد يُؤَدِّي بأسمرة إلى تقديم دورٍ محوريٍّ مزدوج عبر المراهنة على خلط الأوراق الميدانية لمنع قيام كيان قوي على حدودها الجنوبية، مما يُعَزِّز حالة عدم الاستقرار الدائم.
علاوة على ذلك: فقد يتحول باب المندب والقرن الإفريقي إلى ساحة تنافس بين القوى الخليجية والدولية (واشنطن، بكين، وموسكو) لتأمين الموانئ وخطوط الملاحة، مما يُحَوِّل الصراع المحلي إلى "حرب بالوكالة" متعددة الأبعاد.
الصمت والاتهامات المتبادلة تزيد حرب الروايات وأزمة الثقة:
تجاوزت الحرب الميدانية حدود البندقية لتتحول إلى معركة روايات وتعتيم إستراتيجي، حيث بات الصمت الرسمي وسيلة شائعة لإخفاء التراجعات، وتُسْتَخْدَم الاتهامات المتبادلة بوصفها أداةً لشيطنة الآخر وإلغاء أي مساحة للوساطة. (التلفزيون العربي).
حرب المعلومات وتكتيك التعتيم يُوَظِّف فيهما الطرفان قطع الاتصالات وحجب وسائل الإعلام إنكارًا واعتمادًا للضبابية العسكرية، مما يُحَوِّل الميدان إلى مساحة خصبة للشائعات والتأثير النفسي على الجمهور المحلي، كما أن شيطنة الآخر وتبادل التهم يجعل أديس أبابا تُصِرّ على وصم خصومها بالتمرد والعمالة، دون النظر في مطالبها، بينما توظف جبهة تيغراي خطابات الإبادة والتهديد الوجودي، مما يعمق الشرخ الاجتماعي ويرسخ الأزمة الذهنية بين القوميات.
هناك أزمة ثقة وعرقلة تفريغ التسويات، حيث تسببت الروايات المتناقضة حول تطبيق "اتفاق بريتوريا" في تجريف الأرضية الصلبة لأي حوار؛ إذ ينظر كل طرف لالتزامات الآخر بعين التشكيك والتحين للغدر.
والأهم في الأزمة هو استغلال الملف الإنساني بوصفه أداةَ ضغط مما أَدَّى إلى تسييس بيانات المساعدات وعرقلة وصول الإغاثة، وأدى إلى اتساع الفجوة بين الأطراف والمجتمع الدولي، حيث تُسْتَخْدَم المعاناة المدنية بوصفها ورقةً تفاوضيةً لانتزاع المكاسب.
يظل أحد أصعب التحديات وأكثرها خطورة من جديد في وجه حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مع دخول شهر ديسمبر وسط بوادر انهيار لاتفاق وقف إطلاق النار في إقليم تيغراي، فمنذ الشهر الماضي أي يوليو، تتواصل مواجهات عنيفة بين قوات الجيش الإثيوبي ومقاتلي جبهة تحرير تيغراي، وسط تدهور متزايد في الوضع الإنساني.
الأمر الذي تسبب في معاناة المدنيين، وفرار آلاف المدنيين من مناطق القتال، كما أن مئات الأشخاص نزحوا من إقليم تيغراي باتجاه عدد من البلدات السودانية الحدودية. (التلفزيون العربي).
فاتورة الدماء والنزوح.. فهل ينهار "سلام بريتوريا" كليًّا؟
تجاوزت الكارثة الإنسانية في شمال إثيوبيا حدود الأزمة المؤقتة لتتحول إلى انهيار بنيوي مركب، حيث لم تعد فاتورة الحرب تُقَاس بأعداد الضحايا فحسب، بل بتدمير مقومات الحياة للأجيال القادمة، فاستخدام المجاعة بوصفها سلاحًا، وتجدد المعارك في مواسم الحصاد، أدّيا إلى تلف المحاصيل الحيوية وتوقف سلاسل الإمداد، مما دفع بملايين المدنيين نحو حافة المجاعة المباشرة وسط عجز دولي عن التمويل. (الشرق بلومبرج).
النزوح المزدوج والتفكك الاجتماعي وفرض المواجهات قد أَدَّى إلى حركة نزوح عكسية وشديدة العنف، حيث يفر السكان نحو مناطق تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما يفقد المجتمعات المحلية تماسكها ويزيد من معدلات الفقر الهيكلي، ومع انهيار القطاع الصحي والخدمي الذي أَدَّى إليه الاستهداف المباشر وغير المباشر للمرافق الصحية والمدارس ومن ثم تفشي الأوبئة وانقطاع تام للخدمات الأساسية، مما يُحَوِّل مناطق الصراع إلى بؤر موبوءة خارج التغطية الإغاثية.
لقد تسببت المعارك المتكررة في حرمان ملايين الأطفال من التعليم وتعميق ندوب نفسية مجتمعية غائرة، مما يؤسس لجيل كامل يعيش تحت وطأة التهميش وعقد الحروب.
كما تصاعدت الاشتباكات في إقليم تيغراي مع قوات الجيش، مع خلافات حول نزع سلاح الجبهة وإدارة الإقليم، مما أَدَّى إلى المواجهات ونزوح مئات المدنيين للسودان، مما يزيد التوتر على الحدود.
تثير التطورات مخاوف من زيادة الضغوط على شرق السودان وارتفاع التوتر الأمني على الحدود، في ظل العلاقات المتوترة بين الخرطوم وأديس أبابا والاتهامات المتبادلة بدعم جماعات مسلحة.
الخلافات المستمرة بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا، ومع أن كل طرف يُحَمِّل الآخر مسؤولية عدم الالتزام ببنود الاتفاق، بجانب أن الحكومة لم تنفذ عددًا من البنود الأساسية الواردة في الاتفاق تسبب في انهيار الاتفاق وعودة الحرب، بينما تتهم الحكومة الجبهة بعدم الالتزام بتعهداتها، ولا سيما بعد قرارها إعادة المجلس الإداري الذي كان قائمًا قبل اندلاع الحرب، وهو ما يعكس استمرار الخلافات حول آليات تنفيذ الاتفاق.
يبدو أن تجدد المناوشات العسكرية وتبادل الاتهامات الإعلامية بين الجانبين يُمَثِّلان مؤشرات مقلقة على احتمال عودة الصراع إلى الإقليم، واستمرار الاشتباكات وعدم الاستجابة للدعوات الدولية والإقليمية لخفض التصعيد قد يقودان إلى اندلاع مواجهة جديدة أوسع نطاقًا، مع احتمال انخراط أطراف إضافية وتغيّر خريطة التحالفات في المنطقة.
كثير من الملفات الرئيسة لا يزال معلقًا، وفي مقدمتها عودة النازحين، وإعادة الإعمار، واستئناف تحويل الميزانيات، واستعادة الخدمات الأساسية، كما أن التحركات الأخيرة لكل من الحكومة والجبهة أَسْهَمَت في تعميق الخلافات وزيادة حدة التوتر السياسي والعسكري.
ووفق عسكريين فقد شهدت "جبهة تحرير شعب تيغراي" منذ انتهاء الحرب الأولى تراجعًا تدريجيًّا في تماسكها، نتيجة الانقسامات الداخلية واستنزاف قدراتها العسكرية، سواء من حيث التسليح أو أعداد المقاتلين، بعدما كانت أكثر تماسكًا خلال الحرب في مواجهة الحكومة الإثيوبية.
استمرار هذه الانقسامات قد يحد من قدرة الجبهة على فرض مواقفها في المرحلة المقبلة، ويجعلها أقل نفوذًا وتأثِيرًا مقارنة بما كانت عليه خلال سنوات الحرب السابقة، كما أن اتساع نطاق الصراع في إثيوبيا ستكون له تداعيات كارثية في السودان، في ظل الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والأمنية التي يواجهها بالفعل.
الحدود الشرقية للسودان شكّلت تاريخيًّا منفذًا رئيسًا لاستقبال اللاجئين الإثيوبيين خلال فترات الحروب والأزمات، إلا أن السودان في وضعه الراهن لم يعد قادرًا على استيعاب موجات نزوح جديدة، نتيجة التدهور الاقتصادي، وانهيار الخدمات الأساسية، والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والمدن بسبب الحرب. (الشرق بلومبرج).
استمرار النزاع المسلح داخل السودان جعل المزاج العام أكثر حساسية تجاه وجود الأجانب، وهو ما قد يُؤَدِّي إلى تنامي الرفض الشعبي لاستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، ويزيد من التعقيدات الاجتماعية والأمنية.
التداعيات الإقليمية والإنسانية.. أزمة النزوح لشرق السودان نموذجًا:
يبدو أن تجدد الحرب مرة أخرى بين جبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة الفيدرالية الإثيوبية تسبب في انهيار فِعْلِيّ لاتفاق بريتوريا للسلام، مما أَدَّى إلى أزمة نزوح وتداعيات إنسانية وإقليمية بالغة التعقيد في شرق السودان.
حيث يأتي هذا التصعيد العسكري بعد أشهر من التوترات والتحشيد المتبادل على تخوم الإقليم والحدود المشتركة، خصوصًا أن شرق السودان تحديدًا ولايتي كسلا والقضارف يواجه ضغطًا هائلًا جراء تدفقات اللاجئين الجديدة.
موجات نزوح كبيرة من الإقليم المشتعل، حيث عبر مئات المدنيين من تيغراي الحدود هربًا من القصف، بعدما تم استهداف المخيمات، وسقوط مقذوفات مدفعية داخل معسكرات لاجئين قائمة على الشريط الحدودي، لا سيما بعد ما أَدَّت هذه الأحداث إلى وفيات وإصابات وذلك بعد القصف الحدودي المتبادل الذي أَدَّى إلى سقوط ضحايا بين اللاجئين الموجودين بالمنطقة.
كما أعلنت ما تُسَمَّى بمعتمدية اللاجئين السودانية أن استمرار الحشود العسكرية على الحدود جراء أزمة تيغراي مع حكومة آبي أحمد يهدد بموجات لجوء مليونية.
أيضًا إن التداعيات الإنسانية تكمن في انهيار الخدمات وتوقف إمدادات الإغاثة الهَشَّة أصلًا وتدمير ما تبقى من بنية تحتية، وهو ما تسبب في عودة عمليات التعبئة العسكرية القسرية للمدنيين والشباب من جانب طرفي النزاع، كما عملت على تفاقم المجاعة والجفاف خصوصًا بعد تجدد القتال مع أزمات جفاف حادة تضرب شمال إثيوبيا. (الشرق بلومبرج).
التداعيات الإقليمية:
لم تعد الحرب شأنًا إثيوبيًّا داخليًّا، بل أصبحت مُهَدِّدًا مباشرًا لأمن القرن الإفريقي وذلك من خلال جرّ دول الجوار، حيث يتزايد احتمال تحول النزاع إلى حرب عالمية إفريقية تشمل السودان وإريتريا على حدٍّ سواء كونهما جارتين لإثيوبيا.
تشير بعض التقارير والتقديرات إلى تقارب إريتري مع تيغراي، واتهامات بتسليح الأخيرة ضد أديس أبابا، وفي الوقت نفسه لقد زجت سلطات تيغراي باسم قوات "الدعم السريع" السودانية في العمليات الميدانية.
الأحداث تُعَقِّد الأمور وتشير إلى اشتعال أمن الحدود السودانية، وهو ما يهدد باشتعال جبهة غرب تيغراي واستقرار منطقة الفشقة الزراعية الحساسة، لا سيما أن السيولة الأمنية باتت تُوَفِّر بيئة خصبة لعمليات تهريب السلاح والاتجار بالبشر.
أبرز السيناريوهات المتوقعة:
يتوقف مآل المشهد السياسي والعسكري في إثيوبيا على المسار الذي ستسلكه الأطراف الفاعلة وسط تعثر تطبيق اتفاق بريتوريا، حيث يمكن تلخيص السيناريوهات المتوقعة في أربعة مسارات رئيسة وهي:
- الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة وهو السيناريو الأكثر خطورة، وذلك نتيجة اتساع نطاق المواجهات المباشرة بين الجيش الاتحادي وميليشيات "أمهرة" من جهة، وقوات جبهة تحرير تيغراي من جهة أخرى، مما قد يُؤَدِّي إلى انهيار كامل لاتفاق بريتوريا، واستنزاف إضافي للجيش الإثيوبي المنشغل أساسًا بمواجهة تمرد حركة "فانو" في إقليم أمهرة وصراعات إقليم أوروميا.
- الحرب الإقليمية بالوكالة وتدويل الصراع وهذا هو السيناريو الأشد تعقيدًا، وذلك عبر فَتْح جبهات تداخل إقليمية، خاصة مع استمرار التوتر بين أديس أبابا وأسمرة بشأن منفذ البحر الأحمر، والتقارب الحذر بين قادة تيغراي وإريتريا، مما قد يُحَوِّل الشمال الإثيوبي إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
- الحصار الاقتصادي وهذا السيناريو قد يُسْهِم في تجنب الطرفين شَنّ هجمات برية واسعة، والاعتماد على الضربات الجوية والتصعيد الدبلوماسي، مما يعمل على تجميد الحكومة الاتحادية للمخصصات المالية لتيغراي وفرض قيود على الإقليم، مقابل تثبيت جبهة تيغراي لأمر واقع سياسي بعد الإطاحة بالإدارة المؤقتة. (الشرق بلومبرج).
- إنعاش مسار التسوية تحت ضغوط دولية وذلك عبر تدخل عاجل من الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والوسطاء الدوليين لإلزام الطرفين بالعودة لجدول أعمال بريتوريا، مما قد يُسْهِم في تقديم تنازلات متبادلة تشمل إيجاد حل لمسألة المناطق المتنازع عليها في غرب وجنوب تيغراي، واستكمال عملية نزع سلاح المقاتلين، مقابل إعادة دمج تيغراي في المنظومة الاقتصادية والسياسية الاتحادية.
الخلاصة:
- يكشف المشهد الإثيوبي الراهن عن دائرة مفرغة من الفوضى المُركَّبة؛ حيث لم تكن المعارك الأخيرة مجرد خروقات عابرة، بل كانت نتيجة حتمية لاتفاق سلام (بريتوريا) صُمِّم لتهدئة السلاح دون علاج جذور الأزمة، مما أَدَّى إلى ترحيل الملفات الحساسة وعلى رأسها عقدة "الجبهة الغربية" وتفكيك الميليشيات إلى انفجار الميدان مجددًا.
- تكمن خطورة المرحلة الحالية في تقاطع مسارات مدمرة: الأول وهو تحول الجبهة الغربية إلى مسرح حرب وجودية وصفرية بين القوميات والجيش الاتحادي، الثاني وهو تحول الداخل الإثيوبي إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وملاذ للتدخلات الخارجية، مما يجر القرن الإفريقي بأكمله نحو السيولة الأمنية، والثالث هو دفع الثمن الأفدح من قِبل المدنيين عبر مجاعة محققة، ونزوح جماعي، وحرب إعلامية تسببت في تجريف الثقة وتعميق الشرخ القومي.
- الاستمرار في المراهنة على "الحسم العسكري" أو "حرب الروايات" لن ينتج عنه سوى تعميق الكارثة الإنسانية وتفتيت الدولة الإثيوبية من الداخل، كما أن الخروج من هذا الكابوس يتطلب تجاوز الهدن المؤقتة والذهاب فورًا نحو حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا، يضع حَدًّا للتدخلات الخارجية، ويُفَكِّك بؤر التوتر الإقليمية، قبل أن تتحول المنطقة برمتها إلى بؤرة صراع لا يمكن السيطرة عليها.
- تُمَثِّل التطورات الأخيرة في شمال إثيوبيا الإعلان الفعلي لوفاة "اتفاق بريتوريا"، الذي تحول من مشروع للسلام إلى مجرد استراحة محارب استغلتها الأطراف لإعادة حشد القوات، يرجع هذا الانهيار الحتمي إلى الفشل في تفكيك "عقدة الجبهة الغربية"، وتجاهل حسم ملف الحدود الإدارية والسلاح، مما جعل المواجهة العسكرية خيارًا وجوديًّا وصفريًّا للجميع.
- في نهاية المطاف، يدفع المدنيون الفاتورة الأكثر دموية عبر موجات نزوح جديدة، ومجاعة وشيكة، وتدمير شامل للبنية التحتية والمجتمعية، حيث تضع هذه الأزمة المركبة إثيوبيا والمنطقة أمام مفترق طرق خطير، إما الاستفاقة والانخراط في حوار وطني شامل يحل جذور النزاع، أو الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة الأمد تُهَدِّد بتفتيت الدولة واشتعال الإقليم برمته.
المصادر: