ماذا بعد حرب إيران.. هل نشهد تفكك الدولة أم ولادة جمهورية جديدة؟

لم تكن حرب إيران يومًا مجرد حلقة في صراع إقليمي، بل كانت محاولة لإعادة تشكيل خريطة المنطقة برمتها، بما يناسب أمن الاحتلال الصهيوني ومخططاته، فرغم استخدام الولايات المتحدة المتعاظم عبر العقود الماضية لإيران في تهديد واستنزاف دول الخليج، شنَّت واشنطن الحرب على طهران لصالح مكاسب سياسية وإستراتيجية واقتصادية للاحتلال الصهيوني ثم للأمريكان، دون الاعتبار بمخاطر ذلك على دول الخليج الحليف المعتبر للولايات المتحدة، ورغم إعلان واشنطن قصف إيران بسبب خطورة البرنامج النووي الإيراني، إلا أن واشنطن كانت قد قصفت المنشآت النووية بالفعل في يونيو 2025.
كما أن المخابرات الأمريكية أعلنت بالفعل عدم خطورة البرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى ما أعلنته عُمان بشكل رسمي من أن إيران أظهرت قدرًا كبيرًا من المرونة خلال المفاوضات التي سبقت الضربة الأمريكية الإسرائيلية على طهران، مما يوضح نوايا وأهداف أمريكا الحقيقية من هذه الحرب. كما أن إيران، ورغم أنها واجهت قصفًا أمريكيًّا صهيونيًّا، إلا أن أكثر ترسانتها العسكرية من الصواريخ والمسيَّرات كانت موجَّهة إلى القواعد والبنى التحتية الأمريكية داخل دول الخليج.
ومع توقف الحرب يوم 17 أبريل 2026، يقدم هذا التقرير قراءة تقييمية للمشهد الإيراني بعد الضربات، وأبرز الخاسرين والفائزين، وكيف صمدت إيران كل هذا الوقت، وكيف كلَّفت واشنطن وتل أبيب خسائر كبيرة، وعن النظام الإيراني الجديد الذي وُلد من رحم الضربات الأمريكية المتلاحقة: هل أصبح نظامًا شبيهًا بخامنئي، أم أصبح أكثر حِدّةً وتشددًا بعد مقتل مرشده التاريخي وأهم قادته؟ كما أن ترك الولايات المتحدة دولَ الخليج تواجه قصفًا إيرانيًّا متواصلًا دون أن تجد دفاعًا أمريكيًّا حقيقيًّا فتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول جدوى التحالفات التقليدية، ودفع عواصم الخليج إلى إعادة حساب المعادلات الأمنية الخاصة بها، والقواعد الأمريكية المنتشرة هناك.
منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير، شهدت الحرب تطورات دراماتيكية، بدأت باغتيال خامنئي والقيادة العليا الإيرانية، ومنهم رئيس أركان الجيش وقائد الحرس الثوري، وتدمير 80% من منظومة الدفاع الجوي الإيراني، و60% من قاذفات الصواريخ الباليستية، وآلاف القتلى والجرحى واستهداف البنى التحتية الرئيسية في 24 محافظة إيرانية بحسب "The Media Line"، كما استهدفت القوات الأمريكية مؤسسات عسكرية إيرانية بجانب منشآت نووية مثل نطنز، أما إيران فبعدما أخذت أنفاسها الأولى، فاجأت الجميع بردٍّ سريع وعنيف، واستهدفت الاحتلالَ وقواعد عسكرية أمريكية في دول الخليج بآلاف الصواريخ والمسيَّرات، كما طالت الضربات الإيرانية الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وقواعد أمريكية في العراق، واستطاعت قتل وإصابة مئات الصهاينة، علاوة على قتلى وجرحى عسكريين أمريكيين وأجانب. كل هذه التفاصيل أشعلت المنطقة في صراع أعاد رسم خرائطها السياسية والجيوإستراتيجية.
الهدنة:
بعد أشهر من الاستنزاف المتبادل، انتهت الحرب رسميًّا دون حسم عسكري لأي من الطرفين، فلم تسقط إيران كما راهن البيت الأبيض، ولم تستسلم طهران للشروط الأمريكية، لكنها أيضًا لم تحقق نصرًا ساحقًا يغير ميزان القوى الإقليمي لصالحها، أو حتى نصرًا بالمعنى المعروف. الحرب توقفت عند معادلة جديدة: إيران خرجت منها تحافظ على قدرة نووية "غير معلنة" ونظام تحوَّل إلى دولة عسكرية بثياب دينية، بينما أمريكا وإسرائيل أُنهكتا عسكريًّا واقتصاديًّا دون أن تحققا هدفهما الأساسي المُعلَن بتفكيك البرنامج النووي أو تغيير النظام، مع خسائر بالغة في البنية التحتية الإيرانية بحسب الجزيرة. والتسوية التي أوقفت الحرب والتي توسطت فيها جهات دولية وإقليمية، أسفرت عن إعادة فتح مضيق هرمز جزئيًّا مقابل تخفيف محدود للعقوبات، مع بقاء الخلافات الجوهرية حول الملف النووي والصاروخي دون حل، ما يعني أن الحرب لم تنتهِ بقدر ما تم تجميدها.
في خضم هذه المعادلة الجديدة، تبيَّن أن السيناريو الأكثر تطابقًا مع ما حدث هو حرب الاستنزاف التي أنهكت الجميع، ففي حال كانت إيران قد سقطت ومعها ميليشياتها وأذرعها في المنطقة، لما كان ليتبقى من دول الشرق الأوسط التي تحمل القوة وتستطيع مواجهة الاحتلال الصهيوني إلا مصر وتركيا، بعد انهيار الجيش العراقي، ومن بعده إضعاف المقاومة الفلسطينية، ثم محاولات إنهاء قوة إيران، لكن إيران لم تسقط، بل خرجت من الحرب بنظام مختلف: أضعف اقتصاديًّا لكن أكثر تشددًا عسكريًّا.
أما دول الخليج، فقد وجدت نفسها في قلب العاصفة رغمًا عنها، فبعدما راهنت لعقود على الحماية الأمريكية، وسعت إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل تحت مظلة "اتفاقات أبراهام"، ظنَّت أنها ستكون في منأى عن التصعيد، لكن الحرب أثبتت عكس ذلك تمامًا، فإيران استهدفت القواعد الأمريكية في الإمارات والكويت والبحرين والسعودية بعدد صواريخ أكبر من الذي أطلقته على الاحتلال الإسرائيلي، في ظل صمت أمريكي تركت فيه دول الخليج تحت وابل من النيران، هذا المشهد يردد في الأذهان أسئلة مهمة لا تزال قائمة بعد الحرب: هل يمكن الاعتماد على واشنطن في لحظة الخطر الحقيقي؟ وإلى أي مدى ستعاني دول الخليج من سياسات اللجوء الكامل إلى الظل الأمريكي واستقبال قواعد عسكرية أمريكية ضخمة على أراضيها؟
الرابحون والخاسرون:
خسرت إيران قيادتها العليا في لحظة واحدة، مع اغتيال خامنئي وكبار قادة الحرس الثوري والجيش، كما تكبَّدت خسائر عسكرية فادحة، إذ دُمِّر نحو 80% من منظومة الدفاع الجوي، و60% من قاذفات الصواريخ الباليستية وفق "The Media Line"، مما أضعف قدرتها على الدفاع عن المجال الجوي، إضافة إلى خسائر اقتصادية هائلة تُضاف إلى أزمة خانقة كانت تعصف بها قبل الحرب، بجانب خسائر البنية التحتية والاتصالات، ورغم انتهاء الحرب ورفع الحصار جزئيًّا عن مضيق هرمز، إلا أن إيران تواجه اليوم اقتصادًا منهكًا بتضخم تجاوز 80%، وناتج محلي انكمش بأكثر من 15% منذ بدء الحرب، بحسب الجزيرة.
إسرائيل وأمريكا، ورغم نجاحهما في توجيه الضربة الافتتاحية القاتلة، فإن إسرائيل لم تنجُ من الرد الإيراني العنيف، إذ تعرضت مدنها لقصف صاروخي مباشر أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، كما تكبَّدت خسائر اقتصادية بالمليارات مع تراجع الاستثمارات وتعطيل العمل وحركة التجارة، إضافة إلى خسائر عسكرية بمليارات الدولارات مع كل صاروخ يتم إطلاقه من منصات الدفاع الجوي لإسقاط صاروخ باليستي إيراني أو مسيَّرة رخيصة، واستنزفت إسرائيل مخزونها من القبة الحديدية في اعتراض آلاف الصواريخ والمسيَّرات. ومع انتهاء الحرب، ورغم أنها لم تحقق هدفها المُعلَن بتفكيك البرنامج النووي الإيراني، فإن تل أبيب تخرج منها وقد أضعفت قدرات إيران العسكرية لسنوات مقبلة، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا لم يسبق له مثيل.
كما خسرت الولايات المتحدة عشرات الجنود بين قتلى ومصابين، إضافة إلى تكلفة مالية ضخمة جراء تدمير عدة قواعد ورادارات وبنية تحتية للقواعد الأمريكية في الخليج، علاوة على مليارات الدولارات التي أنفقتها على الهجمات. وواجه الرئيس الأمريكي انقسامًا داخليًّا حادًّا طوال فترة الحرب، إذ عارض أغلبية الأمريكيين الحربَ وفق استطلاعات الرأي، وسط مخاوف من الانزلاق إلى مستنقع إقليمي جديد. ومع انتهاء الحرب، تخرج واشنطن منها وقد اهتزت صورة "الحماية الأمريكية" في المنطقة، خاصة بعد أن تركت حلفاءها في الخليج تحت القصف.
في حين طالت دول الخليج خسائر ضخمة نتيجة الاستهداف الإيراني المباشر، رغم إعلانها رفض استخدام أراضيها للاعتداء على إيران. توقفت الملاحة في مضيق هرمز لشهور، مما عطَّل صادرات النفط والغاز، وتكبَّدت اقتصاداتها خسائر بمئات المليارات من الدولارات، إضافة إلى الخسائر البشرية التي طالت مواطنيها، باستثناء سفن الصين التي كانت تنقل النفط. ومع انتهاء الحرب وإعادة فتح المضيق جزئيًّا، تخرج دول الخليج من هذه التجربة بدرس قاسٍ: الاعتماد الكامل على أمريكا لم يعد رهانًا آمنًا.
مع انتهاء الحرب، يمكن تقييم الرابحين الحقيقيين بناءً على النتائج النهائية، وليس التوقعات أثناء الحرب.
- روسيا: تصدَّرت قائمة الرابحين. فمع ارتفاع أسعار النفط العالمية طوال أشهر الحرب، حققت موسكو مكاسب تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات من تصدير النفط إلى الهند والصين، حيث استفادت من تخفيف العقوبات الأمريكية والتصدير الرسمي للنفط، وسط تراجع كبير في إمدادات النفط من دول الخليج. والأهم أن موسكو نجحت في استنزاف واشنطن في جبهة إيرانية، مما خفَّف الضغط عن جبهة أوكرانيا، بحسب رويترز.
- الصين: رغم تأثُّرها المحدود من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، تخرج بكين من الحرب كرابح إستراتيجي كبير. استمرت السفن الصينية في عبور المضيق رغم إغلاقه، بموجب استثناءات إيرانية خاصة، واستمرت في شراء نحو 6 ملايين برميل يوميًّا من النفط الإيراني بأسعار مخفضة. كما تستفيد الصين من تراجع مخزونات السلاح الأمريكية واستنزاف قواتها، ومن بناء نموذج عملي لكيفية مواجهة آثار هجوم محتمل على تايوان في المستقبل.
- شركات النفط والسلاح الأمريكية: في مفارقة لافتة، حققت شركات النفط الأمريكية مكاسب إضافية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية، كما حققت شركات إنتاج السلاح الأمريكية مليارات الدولارات من عقود التسلح التي تلت الحرب. شركات القطاع الخاص استفادت من الحرب التي موَّلتها الخزينة العامة الأمريكية.
- النرويج وكندا وإندونيسيا: حققت مكاسب مؤقتة من ارتفاع أسعار الطاقة والفحم، لكن هذه المكاسب كانت مرتبطة بفترة الحرب فقط، ومع انتهائها وعودة الملاحة في مضيق هرمز جزئيًّا، بدأت أسعار الطاقة في الاستقرار، مما يقلِّص هذه المكاسب تدريجيًّا.
مستقبل أمن دول الخليج:
أثبتت الحرب أن سياسة "الاعتماد الكامل" على المظلة الأمريكية باتت رهانًا محفوفًا بالمخاطر، حيث وجدت دول الخليج نفسها في مرمى النيران الإيرانية بينما وقفت واشنطن موقف المتفرج لأسباب إستراتيجية تخصها، هذا الدرس القاسي دفع أصواتًا عربية وخليجية إلى إعادة حسابات "الأمن التعاوني"؛ بدلًا من القواعد الضخمة التي تجعلها هدفًا سهلًا، ومع انتهاء الحرب، تتجه الأنظار الآن نحو بناء منظومة دفاعية إقليمية متكاملة (عربية - خليجية)، وتوسيع دائرة الشراكات الأمنية لتشمل قوى دولية ناشئة وموازِنة -مثل الهند والصين وتركيا- إضافة إلى تعزيز سياسة "صفر مشاكل" مع إيران لضمان أمن الممرات المائية. والأهم: أن السؤال في الخليج لم يعد "كيف تحمينا أمريكا؟" بل "كيف نحمي مصالحنا بعيدًا عن صراعات الكبار؟"، وذلك وفق تحليلات للجزيرة.
لكن السؤال الأكبر يبقى: هل يحدث هذا التحول بالفعل، أم يظل الخليج رهينة حماية أمريكية غير واقعية لاستنزاف المزيد من أموال النفط وصفقات السلاح؟ التجربة أثبتت أن أمريكا تركت حلفاءها تحت القصف عندما تعارضت مصالحها، وهذا وحده قد يكون كافيًا لدفع الرياض وأبو ظبي إلى إعادة حساب المعادلات الأمنية الخاصة بهما، خاصة مع تصاعد الحديث عن بدائل إستراتيجية تشمل تعزيز القدرات الذاتية والتقارب مع الصين وروسيا.
إيران بين التماسك الأمني والانهيار الاقتصادي:
تمكَّن النظام الإيراني من إجراء انتقال قيادي سريع بتعيين مجتبى خامنئي خلفًا لوالده، مما حال دون انهيار الدولة رغم اغتيال القيادة العليا، ففي اللحظة التي سقط فيها المرشد علي خامنئي وكبار قادة الحرس الثوري في الضربة الافتتاحية، كان النظام أمام اختبار وجودي حقيقي، لكن طهران أظهرت قدرة على تجاوز الصدمة -ولو قليلًا- والانتقال السريع إلى وضع إدارة الأزمة بقيادة مجلس مؤقت، واستطاعت إيران الرد بضربات قوية ومستمرة لأيام على القواعد والبنى التحتية الأمريكية في الخليج والعراق، وعلى أهداف إسرائيلية محدودة، كما لعب الحرس الثوري الدور الحاسم في اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، خلفًا لوالده، حيث مارس ضغوطًا على مجلس خبراء القيادة لتمرير القرار في وقت قياسي.
ووفقًا لتحليلات كارنيجي للشرق الأوسط، فإن هذا الاختيار يتَّسق مع توجه إيران منذ سنوات نحو نموذج تُمارَس فيه السلطة من خلال شبكات. وفي ظل الحرب، زاد نفوذ الحرس الثوري بشكل كبير. ووفقًا لتقارير رويترز، أصبحت البضائع التي كانت تنتظر أسابيع في الموانئ تُفرَّغ فورًا، والروتين الورقي تأجَّل، في إجراءات هدفت إلى إعداد اقتصاد حرب.
وتمثَّلت مقوِّمات الصمود فيما يلي:
- التحصينات تحت الأرض: اعتمدت إيران على نشر ما تبقى من قدراتها في منشآت تحت الأرض محصَّنة، مما سمح ببقاء قدرة هجومية محدودة رغم تدمير 60% من قاذفات الصواريخ في الأيام الأولى. هذا ساعد في مواصلة القتال، لكنه لم يمنع الخسائر الفادحة.
- استمرار جزئي للإنتاج العسكري: رغم تدمير نحو 260 منصة صواريخ و80 منظومة دفاع جوي، ظلَّت بعض قدرات إيران الإنتاجية تعمل بنسبة 60-70% من مستويات ما قبل الحرب، لكن هذا لم يعوِّض الدمار الهائل في البنية التحتية.
- الترسانة القديمة: امتلكت إيران نحو 1500 صاروخ باليستي وعشرات الآلاف من الطائرات المسيَّرة، مما سمح لها بمواصلة الضغط على مضيق هرمز لشهور، لكن استنزاف هذه الترسانة كان متسارعًا.
- التماسك الداخلي المؤقت: أدى القصف إلى تعزيز التماسك الوطني بشكل مؤقت، فبدلًا من انتفاضة شعبية، شهدت إيران حالة من التوحد الوطني ضد العدوان الخارجي. لكن هذا التماسك تفرضه ظروف الأزمة ولا يعكس ولاءً كاملًا للنظام.
- الدعم الإقليمي والدولي: اعتمدت إيران على علاقاتها مع روسيا والصين. استمرت بكين في شراء نحو 6 ملايين برميل يوميًّا من النفط الإيراني، لكن هذا لم ينقذ الاقتصاد من الانهيار.
- الميليشيات الإقليمية: استخدمت إيران شبكة ميليشياتها لتوسيع رقعة الصراع، لكن هذه الميليشيات تكبَّدت خسائر كبيرة أيضًا.
أما نقاط الضعف فكانت كالتالي:
- الاقتصاد المنهار: كان الاقتصاد الإيراني يعاني من تضخم تجاوز 70% قبل الحرب، ومع استمرار القصف تفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق. التقديرات تشير إلى انكماش الناتج المحلي بأكثر من 15%، ودمار هائل في البنية التحتية والاتصالات.
- الاستنزاف المتسارع: وفقًا للبنتاغون، تراجعت الهجمات الإيرانية بنسبة 90% في الصواريخ و95% في المسيَّرات منذ الأيام الأولى للحرب، مما يعكس حجم الاستنزاف.
- الضغط على مضيق هرمز: إغلاق المضيق خنق الاقتصاد الإيراني نفسه، وكان عاملًا رئيسيًّا في دفع إيران لقبول التسوية.
وبالتالي فإيران تحمَّلت ولم تنهر عسكريًّا أو سياسيًّا بالشكل الذي أرادته أمريكا، لكن بنيتها التحتية واقتصادها انهارا بشكل غير مسبوق، ورغم أن الصمود كان ممكنًا بفضل التحصينات تحت الأرض والدعم الخارجي، لكن الثمن كان فادحًا: تدمير القيادة العليا، استنزاف الترسانة، واقتصاد على حافة الهاوية، ولذلك فالسؤال الآن ليس "كيف صمدت؟" بل "كم تحتاج لإعادة البناء؟"، ويمكن القول: إن إيران لم تسقط بشكل كامل لأنها نجحت في تحويل الصراع من معركة عسكرية إلى حرب استنزاف، بعدما تحوَّل النظام إلى دولة عسكرية بثياب دينية.
ولذلك عند مقارنة وضع إيران اليوم مع الأيام الأولى للحرب التي أعقبت اغتيال علي خامنئي، يمكن القول إن إيران نجحت في تجاوز مرحلة الصدمة الأولى، لكن ما تحقق هو تماسك أمني-عسكري، وليس استقرارًا سياسيًّا-اجتماعيًّا بالمعنى الكامل. فوفقًا لتقارير استخباراتية أمريكية (وول ستريت جورنال)، فإن "القيادة الإيرانية لا تزال متماسكة إلى حد كبير" و"ليست في خطر الانهيار في أي وقت قريب"، وأكدت المصادر أن الحرس الثوري والقادة المؤقتين ما زالوا يسيطرون على البلاد. لكن هذا التماسك لا يعني استقرارًا شاملًا، ولا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
في الواقع، تشير التحليلات إلى أن إيران تشهد تحوُّلًا هيكليًّا عميقًا في ميزان القوى الداخلي، فبعد اغتيال خامنئي الذي كان يُشكِّل القوة الموازنة بين الفصائل المتنافسة، أصبحت مراكز الثقل تتحرك بشكل حاسم نحو الحرس الثوري. المرشد الجديد مجتبى خامنئي لا يمتلك السلطة التي كان يتمتع بها والده - لا السلطة الدينية، ولا خبرة إدارة الدولة، ولا الشرعية الشعبية - مما يزيد اعتماده على المؤسسات الأمنية.
خلال العقود الماضية، تحوَّل الحرس الثوري من "حارس للنظام" إلى "الجهاز العصبي المركزي" للدولة، ويظهر ذلك في:
- اقتصاديًّا: يسيطر على شبكة هائلة من الشركات والعقود الحكومية.
- أمنيًّا: يدير عمليات القمع الداخلي والتجسس.
- إقليميًّا: يقود شبكة الميليشيات.
- سياسيًّا: له كتلة نافذة في البرلمان ومجلس خبراء القيادة.
ومع مقتل خامنئي، وجد الحرس الثوري نفسه في موقع أقوى، وبالتالي فإن إيران سياسيًّا تشهد تغيُّرات حتى وإن كان النظام متماسكًا في مواجهة العدوان، كما أن البلاد تشهد تغيُّرًا اجتماعيًّا، فالمشاركة الواسعة في مراسم عزاء خامنئي والتوحد في مواجهة الحرب لا يعكسان ولاءً كاملًا للنظام بقدر ما يعكس حالة توحد وطني مؤقتة ضد عدوان خارجي. هذا التماسك السياسي والاجتماعي تفرضه ظروف الأزمة، كما أن التحول الجوهري هو أن النظام الجديد مختلف، وإن كان يحتفظ بالشكل الخارجي ذاته، فهو يتحوَّل من "جمهورية شيعية لتصدير الثورة" إلى "دولة عسكرية ترتدي ثيابًا دينية". قد يؤدي هذا إلى نقل النظام إلى ملكية دينية يتحكم فيها الحرس الثوري، وهو تحول يحمل مخاطر: زيادة العزلة المحلية، انقسامات داخل التيار الديني، وضعف الشرعية.
وبالتالي فإيران اليوم أضعف اقتصاديًّا وعسكريًّا مما كانت عليه قبل الحرب، لكنها متماسكة أمنيًّا بشكل مؤقت، فبينما تم تجاوز الفراغ القيادي واستمر عمل المؤسسات، لكن هذا الاستقرار الجزئي تحقق على حساب تحوُّل جوهري في بنية السلطة لصالح الحرس الثوري، وعلى حساب قمع أشد للمعارضة، وبما أن نهاية الحرب قد تضمَّنت بقاء قوة إيران، فإن ذلك يعني انتهاء الشكل المعتاد للدولة الدينية وولادة "الجمهورية الثانية": جمهورية أمنية-عسكرية براغماتية.
سيناريوهات مستقبل النظام الإيراني:
- السيناريو الأول (الأكثر ترجيحًا): مرشد ضعيف وحرس ثوري قوي، أي استمرار النظام بشكل رمزي ديني، مع حكم فعلي للحرس الثوري، واستقرار نسبي قصير المدى لكنه يحمل بذور صراعات مستقبلية مع التيار الديني.
- السيناريو الثاني: "الملكية الدينية بالوراثة" - تحويل منصب المرشد حكرًا على أسرة خامنئي عبر تعديلات دستورية، مع خطر انقسام حاد داخل التيار المحافظ.
- السيناريو الثالث (الأقل ترجيحًا): "الانهيار الداخلي": إما تفكك البلاد عرقيًّا، أو مجلس عسكري حاكم يُعلن نفسه علنًا، أو فوضى انتقائية بين فصائل الحرس والدين.
وبالتالي فإن إيران ما بعد الحرب، حتى لو بقيت المسميات، ستكون دولة الحرس الثوري، والمرشد مجرد غطاء رمزي، والتحول التدريجي نحو السيناريو الأول هو الأكثر واقعية وهو ما بدأنا نراه بالفعل.
المحور الدولي:
في خلفية المشهد العسكري المتأزم، يبرز بُعدان حاسمان لا يمكن فصلهما عن مسار الحرب، ويُشكِّلان معًا الإطار الدولي الذي ستُحسَم في النهاية معادلات الصراع.
بعد عقدين من التصعيد والتفاوض، ها هو الملف النووي الإيراني يعود إلى واجهة الأزمات، لكن هذه المرة في ظل حرب مفتوحة وتلميحات طهران بمراجعة عقيدتها الدفاعية، والتحوُّل من السلمية المطلقة إلى التلويح بالردع النووي -وإن كان خطابًا تصعيديًّا- يكشف أن طهران باتت تراهن على ورقة الخطر الوجودي لرفع ثقلها التفاوضي، لكن الخطر الحقيقي ليس في النية، بل في انهيار ثوابت الردع القائمة.
إلى جانب الملف النووي، يلعب كل من روسيا والصين دورًا متناميًا لكنه مختلف في تشكيل موازين الحرب:
روسيا: تحوَّلت موسكو من شريك في مفاوضات فيينا إلى حليف إستراتيجي يزوِّد إيران بالخبرات العسكرية والتقنية في ظل حرب أوكرانيا، منها التقنيات الروسية في التشويش الإلكتروني، والأنفاق المحصَّنة، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، باتت تُستخدَم لتطوير قدرات إيرانية كانت تعاني من نقص في هذه المجالات. موسكو ترى في استنزاف واشنطن في جبهة إيرانية مكسبًا إستراتيجيًّا يخفف الضغط عن جبهة أوكرانيا.
الصين: بكين باتت المتنفَّس الاقتصادي الأكبر لطهران عبر اتفاقية الشراكة الشاملة التي تمتد لـ25 عامًا، والتي أعادت رسم حدود العلاقة بين أكبر اقتصاد مستورد للنفط وأحد أكبر منتجيه تحت طائلة العقوبات، واستمرار السفن الصينية في عبور مضيق هرمز رغم إغلاقه أمام الآخرين، وشراء بكين لنحو 6 ملايين برميل يوميًّا من النفط الإيراني، يجعل من الصين لاعبًا لا يمكن تجاهله في أي تسوية مستقبلية.
كما كشفت الحرب عن انقسام دولي حاد أعاد تشكيل التحالفات التقليدية. فالدول الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) رفضت المشاركة العسكرية إلى جانب واشنطن، واقتصر دورها على بيانات الاستنكار والدعوة للتفاوض. أما حلفاء واشنطن التقليديون في المنطقة فقد باتوا يشكِّكون في جدوى الاعتماد على الحماية الأمريكية، بعد أن تركتهم تحت القصف الإيراني. هذا التحوُّل في الموقف الأوروبي والخليجي -ولو لأسباب مختلفة- يخلق فضاءً دبلوماسيًّا قد تستغله طهران في لعبة الموازنات الدولية.
الخلاصة:
إيران التي خرجت من هذه الحرب ليست تلك التي دخلتها، فبعد اغتيال المرشد وقيادة الحرس الثوري، ووسط حرب استنزاف دامت 48 يومًا، تحوَّل النظام من "جمهورية دينية تصديرية" إلى "دولة عسكرية ترتدي ثيابًا دينية"، يقودها الحرس الثوري كـ"جهاز عصبي مركزي" مع مرشد ضعيف (مجتبى خامنئي) يفتقر إلى سلطة والده الدينية والخبرة والشرعية الشعبية، ورغم صمود إيران المفاجئ وتوحُّد الشعب المؤقت ضد العدوان الخارجي -الذي أثبت أن القصف لم يوَلِّد انتفاضة بل حالة دفاع وطني- إلا أن الاقتصاد المنهار والبنية التحتية المدمَّرة يظلان نقطة الانهيار المحتملة. إضافة إلى أن الحرب كشفت حدود القوة: إيران صمدت لكنها لم تنتصر، وأمريكا وإسرائيل أوقعتا أضرارًا لكنهما لم تحققا أهدافهما المُعلَنة، وعلى صعيد المنطقة دفعت دول الخليج ثمنًا باهظًا بعد أن تركتها واشنطن تحت القصف الإيراني، مما فتح الباب أمام إعادة حسابات أمنية جذرية، بينما خرجت روسيا والصين كرابحين إستراتيجيين: الأولى خفَّفت الضغط عن جبهة أوكرانيا، والثانية رسَّخت وجودها كضامن اقتصادي لإيران.
أما على الصعيد الداخلي، فالتحوُّل الأعمق هو هيكلي: السلطة تنتقل من الفقيه إلى الجنرال. السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار نموذج "المرشد الضعيف والحرس القوي"، مع استقرار نسبي قصير المدى يحمل بذور صراعات مستقبلية مع التيار الديني التقليدي، وسيظل السؤال الأكبر هو العنوان الأصلي لهذا التقرير: هل يُفضي هذا التحوُّل إلى تفكك الدولة أم ولادة "جمهورية جديدة" مختلفة في مضمونها، وإن حملت الاسم نفسه؟ حتى الآن، يبدو أن إيران تتجه نحو الخيار الثاني: جمهورية أمنية-عسكرية براغماتية تُعطي الأولوية للبقاء والنفوذ على حساب الأيديولوجيا الدينية البحتة، لكن الطريق طويل، والمعركة الحقيقية باتت معركة إعادة الإعمار، وإدارة الصراع مع التيار الديني، والتي قد تكون أكثر أهمية من الحرب التي انتهت.
المصادر:
Chatham House- المعهد الملكي للشؤون الدولية- "الولايات المتحدة وإسرائيل تهاجمان إيران وتغتالان خامنئي.. طهران تطلق هجمات مضادة- 2 مارس 2026.
كارنيغي للسلام -"النظام الإيراني قد يثبت قدرته على الصمود" – تحليل لأرون ديفيد ميلر- 15 مارس 2026.
مجلة فورين أفيرز -"حرب الاستنزاف: كيف غيرت إيران قواعد اللعبة" – تحليل لنيت سوانسون
20 مارس 2026.
New York Times- تهور ترامب سيطارد واشنطن لجيل كامل / الأمريكيون يعارضون الحرب على إيران"- 23 مارس 2026.
Reuters- "دول الخليج تخبر الأمم المتحدة: الضربات الإيرانية تشكل تهديدًا وجوديًّا" – إيما فارج 25 مارس 2026.
Reuters -"دول الخليج تضغط على الولايات المتحدة لتحييد إيران بشكل كامل مع تفاقم أزمة هرمز"- 17 مارس 2026.
bbc- "حرب إيران: أوروبا ترفض المشاركة العسكرية وسط مخاوف من توسع الصراع"- 5 مارس 2026.
وول ستريت جورنال- "الاستخبارات الأمريكية: النظام الإيراني متماسك وليس في خطر الانهيار"- 20 مارس 2026.
الأهرام- "تحليل: الحرب على إيران.. أين الموقف المصري من التصعيد؟"- 10 مارس .2026
وزارة الصحة –الاحتلال- بيانات إحصائية عن الجرحى والقتلى- مارس 2026.
HRANA-إحصائية القتلى والجرحى في الحرب حتى 26 مارس 2026.
سي بي إس نيوز- استطلاع رأي: نسبة الأمريكيين المعارضين للحرب 60%.. ونسبة الراغبين في إنهاء سريع 92%- 23 مارس 2026.